كون الاجتماع ضرورياً - للجاحظ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كون الاجتماع ضرورياً - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الثلاثاء يونيو 29, 2010 9:43 pm

ثمَّ اعلمْ، رحِمَك اللّه تعالى، أَنّ حاجةَ بعض الناس إلى بعضٍ، صفةٌ لازمةٌ في طبائِعهم، وخِلقةٌ قائِمةٌ في جواهِرِهم، وثابتةٌ لا تُزَايلُهم، ومُحيطةٌ بجماعَتِهم، ومشتملةٌ على أدناهم وأقصاهم، وحاجَتُهُمْ إلى ما غاب عنهم - ممَّا يُعِيشُهم ويُحْييهم، ويُمسِك بأرْماقِهم، ويُصلِحُ بالهم، وَيجْمَع شملَهم، وإلى التعاوُنِ في دَرْكِ ذلك، والتوازُرِ عليه - كَحَاجَتِهم إلى التعاون على معرفة ما يضرُّهم، والتوازرِ على ما يحتاجون من الارتفاق بأمورهم التي لم تَغِبْ عنهم، فحاجَةُ الغائِبِ مَوصُولةٌ بحاجةِ الشاهد، لاحتياج الأدنَى إلى معرِفة الأقصى، واحتياج الأقصى إلى معرفَةِ الأدنى، معانٍ متضمّنةٌ، وأسبابٌ متَّصلة، وحبالٌ منعقدة، وجعل حاجتنَا إلى معرفة أخبارِ مَنْ كان قبلَنا، كحاجةِ من كان قبلنا إلى أخبار مَنْ كان قبلهم، وحاجةِ من يَكُونُ بعدَنا إلى أخبارِنا؛ ولذلك تقدَّمت في كتب اللّه البشارات بالرُّسل، ولم يسخِّر لهم جميعَ خلْقه، إلاّ وهم يحتاجُون إلى الارتفاق بجميع خلْقه، وجعلَ الحاجَةَ حاجَتَين: إحداهما قِوامٌ وقُوت، والأخرى لذّةٌ وإمتاع وازديادٌ في الآلة، وفي كلِّ ما أجذَلَ النفوس، وجمع لهم العَتاد، وذلكَ المقدارُ مِنْ جميع الصِّنْفَين وفقٌ لكثرةِ حاجاتهم وشَهوَاتهم، وعلى قدْر اتّساعِ معرفتهم وبُعْدِ غَوْرهم، وعلى قَدْرِ احتمال طبع البشريَّة وفِطرةِ الإنسانيَّة، ثم لم يقطعِ الزيادةَ إلا لعجْزِ خلقِهم عن احتمالها، ولم يجز أن يفرق بينهم وبين العجْز، إلاّ بعدَم الأعيان، إذ كان العجزُ صفةً من صفاتِ الخلق، ونعتاً من نُعوتِ العبيد.
لم يخلق اللّه تعالى أحداً يستطيعُ بلوغَ حاجتِه بنفسه دونَ الاستعانة ببعضِ من سخَّرَ له، فأدناهم مسخَّرٌ لأقصاهم، وأجلُّهم ميسَّر لأدقِّهم، وعلى ذلك أحوَجَ الملوكَ إلى السُّوقة في بابٍ، وأحوَجَ السُّوقَةَ إلى الملوك في باب، وكذلك الغنيُّ والفقير، والعبدُ وسيِّدُه، ثُمَّ جَعلَ اللّه تعالى كلَّ شيءٍ للإنسان خَوَلاً، وفي يَدِه مُذَلّلاً مُيَسَّراً إمّا بالاحتِيالِ له والتلطُّفِ في إراغَتِه واستِمالتِه، وإمّا بالصَّوْلةِ عليه، والفتكِ به، وإمّا أَنْ يأْتِيَهُ سهواً ورهواً، على أَنَّ الإنسانَ لولا حاجَتُهُ إليها، لما احتالَ لها، ولا صَالَ عليها، إلاّ أَنّ الحاجةَ تفتَرِق في الجنس والجهةِ والجِبِلَّة، وفي الحظِّ والتقدير.
ثمَّ تعبَّدَ الإنسانَ بالتفكُّرِ فيها، والنظرِ في أُمورِها، والاعتبار بما يَرَى، ووَصَل بينَ عُقولهم وَبيْنَ معرفةِ تلك الحكَم الشريفة، وتلك الحاجاتِ اللازمة، بالنظرِ والتفكير، وبالتنقيب والتنْقير، والتثبت والتوقُّف؛ ووَصَلَ معارفَهم بموَاقعِ حاجاتِهم إليها، وتشاعُرِهم بمواضع الحكم فيها بالبيانِ عنها.
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42625
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى