فضل الكتابة - للجاحظ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فضل الكتابة - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الثلاثاء يونيو 29, 2010 10:08 pm

ولولا الكتبُ المدوَّنَة والأخبار المخلَّدة، والحكم المخطوطة التي تُحصِّنُ الحسابَ وغيرَ الحساب، لبَطَل أكثر العلم، ولغلَب سُلطانُ النِّسيانِ سلطانَ الذكْر، ولَمَا كان للناس مفزعٌ إلى موضعِ استذكار، ولو تمَّ ذلك لحُرِمْنا أكثرَ النفع؛ إذ كنَّا قد علمْنا أنَّ مقدار حفْظ الناسِ لعواجل حاجاتهم وأوائلها، لا يَبلغ من ذلك مبلغاً مذكوراً ولا يُغْنِي فيه غَنَاء محموداً، ولو كُلِّفَ عامّةُ مَن يطلب العلمَ ويصطَنِع الكتب، ألاّ يزال حافظاً لفِهرست كتبه لأَعجزه ذلك، ولكُلِّفَ شططاً، ولَشَغله ذلك عن كثيرٍ ممّا هو أولى به، وفهمُك لمعاني كلامِ الناس، ينقطع قبل انقطاعِ فهْمِ عين الصوتِ مجرَّداً، وأَبعَدُ فهمِك لصوتِ صاحبك ومُعامِلك والمعاوِنِ لك، ما كان صياحاً صرفاً، وصوتاً مصمَتاً ونداءً خالصاً، ولا يكون ذلك إلاّ وهو بعيدٌ من المفاهمة، وعُطْلٌ من الدَّلالة، فجعل اللفظ لأقرَب الحاجاتِ، والصوتَ لأنفَسَ من ذلك قليلاً، والكتابُ للنازح من الحاجاتِ، فأمّا الإشارة فأقربُ المفهومِ منها: رَفْعُ الحواجبِ، وكسرُ الأجفان، وليُّ الشِّفاهِ وتحريك الأعناق، وقبْض جلدةِ الوجه؛ وأبعدُها أن تلوى بثوبٍ على مقطع جبل، تُجاهَ عينِ الناظر، ثمَّ ينقطع عملُها ويدرُس أثرها، ويموت ذكرها، ويصير بعدُ كلُّ شيءٍ فضَل عن انتهاء مدَى الصوت ومنتهى الطرف، إلى الحاجة وإلى التفاهم بالخطوطِ والكتب، فأيُّ نفع أعظمُ، وأيُّ مِرْفَقٍ أعوَنُ من الخطِّ، والحالُ فيه كما ذكرنا وليس للعَقْد حظُّ الإشارةِ في بُعد الغاية.
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42832
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى