مؤمنات لهن عند الله شأن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف أحمد بغدادى في الأربعاء سبتمبر 29, 2010 8:05 pm

أم الإيمان : فاطمة بنت أسد

لما تُوفِّيت دخل عليها النبي ( وجلس عند رأسها، وقال: "رحمك اللَّه يا أمي، كنت أُمي، تجوعين وتشبعينني، وتعرّيْنَ وتكسينني، وتمنعين نفسك طيبها وتطعمينني، تريدين بذلك وجه اللَّه والدار الآخرة" ثم أمر أن تغسل ثلاثًا، فلما بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول اللَّه ( بيده، ثم خلع قميصه، فألبسها إياه، وكفنها، ولما حُفِر قبرها وبلغوا اللَّحد حفره النبي ( بيده وأخرج ترابه، فلما فرغ، دخل ( فاضطجع فيه ثم قال: "اللَّه الذي يحيى ويميت، وهو حى لايموت، اللّهم اغفر لأمى فاطمة بنت أسد، ولقِّنها حجتها، ووَسِّعه عليها بحق نبيك والأنبياء من قبلي، فإنك أرحم الراحمين". ثم كبَّر عليها أربعًا، وأدخلها اللحد ومعه العباس وأبو بكر الصديق يساعدانه. [الطبراني].
وعندما سأله الصحابة: ما رأيناك صنعتَ بأحد ما صنعتَ بهذه، قال: " إنه لم يكن بعد أبى طالب أبرّ بى منها، وإنما ألبستُها قميصى لتُكْسَى من حُلل الجنة، واضطجعتُ فى قبرها لأُهَوِّنَ عليها عذاب القبر" [الطبراني].
هذه هي منزلة السيدة "فاطمة بنت أسد" زوجة أبى طالب عند رسول اللَّه (؛ حيث كانت ترعاه رعاية خاصة، فقد كانت تشعر باليُتْم الذي يعانيه حتى إنها كانت تفضله على أبنائها.
وقد نشأت السيدة فاطمة فى بيت من أشرف بيوت قريش وأعزها، فأبوها هو "أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي"، وأمها "فاطمة بنت قيس" وقد تزوجت "فاطمة بنت أسد" من أبى طالب فولدت له طالبًا وعقيلاً وجعفرًا وعليّا -كرم اللَّه وجهه-، وأم هانئ، وجمانة، وربطة.
وقد تركت معاملتها فى نفس النبي ( -وهو طفل- أبلغ الأثر، فقد كانت حميدة الأخلاق، عميقة الإيمان، صافية النية، مما جعلها تترك أثرًا بالغًا -أيضًا- فى نفوس أبنائها، وبخاصة الإمام على بن أبى طالب -رضى اللَّه عنه-
وظلت فاطمة تمارس دورها بعد وفاة زوجها أبى طالب، فدخلت فى الإسلام وهاجرت، وكافحت فى سبيل توطيد دعائم الدين الحنيف.
وكان على يقول لها -بعد أن تزوج فاطمة الزهراء بالمدينة-: يا أمى اكفى فاطمة بنت رسول اللَّه ( سقاية الماء، والذهاب فى الحاجة، وتكفيك الداخل: الطحن والعجن. [الطبراني]

أحمد بغدادى
عضو v i p
عضو v i p

رقم العضوية : 7
عدد المساهمات : 933
المهارة : 7473
تاريخ التسجيل : 04/04/2010
الكفاءة : 15

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف أحمد بغدادى في الأربعاء سبتمبر 29, 2010 8:06 pm

أم الحبيب : أم أيمن

هى إحدى المهاجرات الأُوَل، كان رسول اللَّه ( يناديها: "يا أمَّه"، وكان إذا نظر إليها، يقول: "هذه بقية أهل بيتي" [ابن سعد والحاكم]. وكان النبي ( يزورها دائمًا، ويكرمها، ويقول عنها: "أم أيمن أمي، بعد أمي". وكانت هي سعيدة بهذا الأمر، وتعيشه كأنه حقيقة، فكانت تحنو عليه حنان الأم على ابنها، وتخشى عليه خشيتها، وتغضب أحيانًا عليه كما تغضب الأم، فعن أنس- رضى الله عنه - قال: انطلق بنا رسول الله ( إلى أم أيمن، فانطلقت معه، فناولته إناء فيه شراب. قال: فلا أدرى أصادفته صائمًا أو لم يُرِدْه، فجعلت تصخب عليه (تصرخ فيه) وتذمر عليه (تكلمه بحدة وغضب) وما كانت لتفعل ذلك مع رسول الله ( إلا وهو يعلم أنه بمثابة الابن، فهى قد حضنته وربته (.
هذه أم أيمن -رضى الله عنها- أحاطت رسول الله ( بحبها ورعايتها، وكانت أمَّه صغيرًا وكبيرًا، فأكرمها اللَّه -سبحانه وتعالى- بفضله، وجزاها خيرًا على جميلها، وحفظها كما حفظت النبي (، فتروى لنا قصة هجرتها إلى المدينة، ومدى حماية الله تعالى لها، فتقول: خرجتُ مهاجرة من مكة إلى المدينة، وأنا ماشية على رجلي، وليس معى زاد، فعطشتُ وكنتُ صائمة، فأجهدنى العطش، فلما غابت الشمس إذا بإناء تعلّق عند رأسى مُدَلَّى برشاء (أى حبل) أبيض، فدنا منِّى حتى إذا كان بحيث أستمكن منه، تناولته فشربتُ منه، حتى رَويت، فكنتُ بعد ذلك - فى اليوم الحار - أطوف فى الشمس؛ كى أعطش فما عطشتُ بعدها. [ابن سعد].
لما توفى النبي ( قال أبو بكر الصديق لعمر بن الخطاب -رضى اللَّه عنهما-: انطلقْ بنا نزْر أم أيمن، كما كان رسول اللَّه ( يزورها، فلما دخلا عليها بكت. فقالا: مايبكيك، فما عند اللَّه خير لرسوله؟ قالت: أَبْكِى أنّ وحْى السماء انقطع، فهيَّجتهما على البكاء، فجعلتْ تبكى ويبكيان معها. [مسلم وابن ماجة].
إنها أم أيمن بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن، وكانت تعرف بالحبشية، وهى وصيفة (خادمة) عبد الله بن عبد المطلب والد النبي ( ، فلما مات صارت لزوجته آمنة بنت وهب أم النبي (، فظلّت تُكِنّ لها كل إخلاص ومحبة صادقة، وسافرت معها ومع ابنها محمد ( إلى يثرب لزيارة قبر زوجها عبد اللَّه، ولما عادوا مرضت أم النبي (، وماتت فى الطريق، فدفنتها أم أيمن فى مكان يعرف بالأبواء، وسط الصحراء فى الطريق بين مكة والمدينة، وحملتْ النبي ( إلى جده عبدالمطلب، وظلتْ تخدمه وتسهر على راحته؛ حتى تزوج ( السيدة خديجة بنت خويلد -رضى اللَّه عنها-، فانتقلت معه إلى منزلها، وكانت موضع احترامٍ وتقديرٍ منهما.
وعندما تقدم إليها عبيد بن زيد من بنى الحارث بن الخزرج للزواج منها تكفلتْ السيدة خديجة بتجهيزها، وبعد عام من الزواج أنجبت منه ابنها (أيمن الذي تُكنى به دائمًا) وقد استشهد أيمن فى موقعة خيبر، ولما توفى عبيد بن زيد -زوج أم أيمن- تقدم "زيد بن حارثة" للزواج بالسيدة أم أيمن، وزاد من رغبته فيها قول الرسول (: "من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة، فليتزوج أم أيمن" [ابن سعد]، فولدتْ له "أُسامة بن زيد" حِبّ رسول اللَّه (.
وهى إحدى المؤمنات المجاهدات اللاتى شاركن فى المعارك الإسلامية مع رسول الله (، فقد شهدت أُحدًا، وكانت تسقى المسلمين، وتداوى الجَرْحَي، وشهدت غزوة خيبر.
وروت أم أيمن -رضى الله عنهـا- بعـضًا من أحاديــث رسول الله (.
وتوفيت -رضى الله عنها- فى آخر خلافة عثمان بن عفان -رضى اللَّه عنه- ودفنت بالمدينة بعد أن تجاوزت التسعين من عمرها.

أحمد بغدادى
عضو v i p
عضو v i p

رقم العضوية : 7
عدد المساهمات : 933
المهارة : 7473
تاريخ التسجيل : 04/04/2010
الكفاءة : 15

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف أحمد بغدادى في الأربعاء سبتمبر 29, 2010 8:07 pm

امرأة من الحور العين : أم رومان زوجة أبى بكر


قال عنها رسول اللَّه (: "من سرّه أن ينظر إلى امرأة من الحور العين؛ فلينظر إلى أم رومان" [ابن سعد] صحابية مجاهدة، ذات قلب طاهر ونفس طيبة، نزل رسول اللَّه ( قبرها، واستغفر لها وقال: "اللهمَّ لم يخْف عَليك ما لقيتْ أم رومان فيك وفى رسولك" [ابن حجر فى الإصابة].
إنها أم رومان بنت عمر بن عويمر، من المسلمات الأُول، تزوجت من عبد اللَّه بن الحارث بن سخبرة، وأنجبت منه الطفيل، وكان قد قدم بها مكة، فحالف أبا بكر الصديق، ولما مات عبد اللَّه تزوجها أبو بكر الصديق؛ فأنجبت منه: عبد الرحمن وعائشة أم المؤمنين. وكان أبو بكر - رضى اللَّه عنه - متزوجًا قبلها، وعنده من الولد عبد اللَّه وأسماء رضى الله عنهما.
ولما بلغت عائشة -رضى الله عنها- ست سنوات، ذهبت السيدة خَوْلَة بنت حكيم إلى أمها أم رومان، تقول لها: أى أم رومان! ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟
قالت أم رومان: وما ذاك؟
أجابت خَوْلَة: أرسلنى رسول الله ( أخطب له عائشة.
ومن ذلك الحين وأم رومان تتشرف بقرابة المصاهرة من الرسول (، وكان لها عنده( مكانة خاصة لتُقَاها وإيمانها.
وكانت زوجة لأبى بكر -رضى الله عنه- وكان النبي ( يحبه حبَّا كبيرًا. هاجرت أم رومان إلى المدينة مع ابنتها عائشة -رضى اللَّه عنهما- وفى طريق الهجرة هاج بَعِيرُ السيدة عائشة فصاحت أم رومان -وهى خائفة على ابنتها-: وابنتاه، واعروساه. فسكن البعير، ووصلت القافلة إلى المدينة بسلام، وهناك أخبرت أم رومان ابنتها "عائشة" بأنها ستتزوج من النبي (.
وكانت أم رومان تحب ابنتها عائشة حُبّا عظيمًا، ففى حديث الإفك أُغْمِى عليها؛ حُزْنًا على ما أصاب ابنتها، ولما أفاقت أخذت تدعو اللَّه أن يظهر الحق، وظلت تواسى ابنتها ودموعها تتساقط، وجعلت تقول: أى بنية !.. هوِّنى عليك، فواللَّه لَقَلَّ ما كانت امرأة حسناء عند زوج يحبها ولها ضرائر إلا كثرن وكثر عليها الناس..
وما إن انكشفت غمامة الإفك، حتى انشرح صدر أم رومان، وحمدت اللَّه على براءة ابنتها، وتكريم الله لها.
ولما كانت السنة السادسة من الهجرة توفيت "أم رومان"، فنزل النبي ( قبرها واستغفر لها اللَّه. رضى اللَّه عنها وأرضاها، ورجح ابن حجر أنها ماتت بعد السنة الثامنة، والله أعلم.

أحمد بغدادى
عضو v i p
عضو v i p

رقم العضوية : 7
عدد المساهمات : 933
المهارة : 7473
تاريخ التسجيل : 04/04/2010
الكفاءة : 15

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف أحمد بغدادى في الأربعاء سبتمبر 29, 2010 8:09 pm

ذات النطاقين : أسماء بنت أبى بكر

أسلمت مبكرًا، وعاشت حياتها تنصر الإسلام فى شجاعة وبطولة، وتضرب المثل فى التضحية والفداء، فتقول: لما خرج رسول اللَّه ( أتانا نفر من قريش، منهم أبو جهل عمرو بن هشام، فوقفوا على باب أبى بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبى بكر؟ قلتُ: لا أدرى واللَّه أين أبي، فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشًا خبيثًا، فلطم خدِّى لطمة خرَّ منها قُرْطي(نوع من حلى الأذن)، ثم انصرفوا.
فمضت ثلاث ليالٍ ما ندرى أين توجّه رسولُ اللَّه ( ، إذ أقبل صوت من أسفل مكة، يغنى بأبيات شعرٍ غنى بها العربُ، وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته ولا يرونه، حتى خرج بأعلى مكة، فقال:
جَزَى اللَّـهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِـهِ
رَفِيقَـيْنِ قَالا خَـيْمَـتَى أمِّ مَعْــبَـدِ
هُمَـا نَزَلا بِالهُـــدَي، فَاهْـَتَـدَتْ بِهِ
فَأفْلَحَ مَنْ أمْسَى رَفِيقَ مُحَـمَّــدِ
لِيهْنِ بنى كَـعْـبٍ مَـكَانُ فَـتَاتِـهِـمْ
وَمَقْعَدُهَـا لِلْمُـؤْمِنِينَ بِمَـرْصَــدِ
[ابن هشام].
فلما سمعنا قوله - عَرَفْنا حيث وجَّه رسول اللَّه (، وأن وَجْهَهُ إلى المدينة، وكانوا أربعة: رسول اللَّه (، وأبو بكر، وعامر ابن فهيرة مولى أبى بكر، وعبد اللَّه بن أريقط دليلهم.
إنها السيدة الفاضلة أسماء بنت أبى بكر الصديق بن أبى قحافة، وأمها قُتيلة بنت عبد العُزّى بن عبد بن أسعد بن نصربن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وأخت عبد اللَّه بن أبى بكر لأبيه وأمه، وأخت عائشة لأبيها، وكانت أَكبر من عائشة فى السن، ووالدة عبد الله بن الزبير، وآخر المهاجرات وفاة.
ولدت أسماء قبل الهجرة النبوية بسبع وعشرين سنة. وتزوجت من الزبير بن العوام قبل هجرتها إلى المدينة.. فلما استقر النبي ( وصحبه هاجرت مع زوجها وكانت حاملاً، وفى المدينة، ولدت عبد اللَّه بن الزبير، فكان أول مولود فى الإسلام بالمدينة بعد هجرة المصطفى (، كما ولدت له عروة، والمنذر، والمهاجر، وعاصم، وخديجة الكبري، وأم حسن، وعائشة.
وسُميت "ذات النطاقين" لأنه لما تجهز رسول اللَّه للهجرة ومعه أبو بكر الصديق أرادت أن تجهز طعامًا، ولم تجد ما تربطه به، فشقت نطاقها نصفين، نصفًا تربط به الطعام، ونصفًا لها. [البخارى ومسلم وابن هشام].
فقال لها رسول اللَّه (: "قد أبدلكِ اللَّه بنطاقكِ هذا نطاقين فى الجنة". فقيل لها: ذات النطاقين.[ابن سعد].
وكانت -رضى الله عنها- صامدة صابرة، بعد هجرة أبيها (أبى بكر) إلى المدينة، حسنة التصرف والتدبير، قالت: ولما توجه رسول اللَّه ( من مكة إلى المدينة -ومعه أبوبكر- حمل أبو بكر معه جميع ماله: خمسة آلاف أوستة آلاف، فأتانى جدى أبوقحافة، وقد ذهب بصره، فقال: إن هذا واللَّه قد فجعكم بمالِه مع نَفسه! فقلت: كلا يا أبتِ! قد ترك لنا خيرًا كثيرًا.
فعمدتُ إلى أحجار فجعلتهن فى كوة فى البيت - كان أبو بكر يجعل ماله فيها - وغطيت على الأحجار بثوب، ثم جئتُ به، فأخذتُ بيده فوضعتُها على الثوب، فقلتُ: ترك لنا هذا ! فجعل يَجِدُ مسّ الحجارة من وراء الثوب. فقال: لا بأس، إن كان ترك لكم هذا، فقد أحسن، ففى هذا لكم بلاغ. قالت: لا والله ما ترك لنا شيئًا، لكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك [أبو نعيم].
وكانت تثق فيما عند الله ورسوله، وترتاح إليه، فذات يوم بعثت إلى أختها عائشة -لما أصابها ورم فى رأسها ووجهها-: اذكرى وجعى لرسول اللَّه (، لعل اللَّه يشفيني. فذكرت عائشة لرسول اللَّه ( وجعَ أسماء، فانطلق رسول اللَّه ( حتى دخل على أسماء، فوضع يده على وجهها ورأسها من فوق الثياب. وقال: "اللهم عافها من فحشه وأذاه" [ابن سعد].
وكانت -رضى الله عنها- تؤثر رضا الله تعالى، وتجعل دونه كل رضا، فلما جاءتها أمها "قتيلة بنت عبد العزى" -وكانت مشركة- وقدَّمت لها هدايا، فرفضت أن تقبلها، وقالت: لا أقبلها حتى يأذن لى رسول اللَّه (، ولا تدخلى علي. فذكرت ذلك عائشةُ للنبى ( فأنزل اللَّه: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)[الممتحنة: 8].
وكانت تقول ما تراه حقًا وما تتمناه صدقًا، مصرحة بذلك من غير إيماء ولا استحياء، فقد حدّث هشام بن عروة عن أبيه، قال: دخلت أنا وعبد اللَّه بن الزبير على أسماء -قبل قتل ابن الزبير بعشر ليالٍ، وأنها وَجِعَة- فقال عبد اللَّه: كيف تجدينك؟ قالت: وجِعَة. قال: إن فى الموت لعافية. قالت: لعلك تشتهى موتي، فلذلك تتمناه، فلا تفعل. فالتفت إلى عبد اللَّه فضحكت، فقالت: واللَّه ما أشتهى أن أموت حتى يأتى على أحد طرفيك: إما أن تُقتل فأحتسبك، وإما أن تظفر فتقرَّ عينى عليك.
وإياك أن تُعرضَ على خطة فلا توافق. فتقبلها كراهية الموت. [أبو نعيم وابن إسحاق].
وكانت باحثة عن الحق، فإذا وجدته كانت أسرع الناس عملاً به، ومرشدة غيرها إليه؛ حرصًا على عموم النفع والخير، وتوضيحًا لما استشكل من الأمور، فقد دخل عليها عبد اللَّه -بعد أن خذله أنصاره مستيئسين من النصر على الحَجَّاج- فقال لها: يا أماه! ما ترين؟ قد خذلنى الناس، وخذلنى أهل بيتي! فقالت: لايلعَبنَّ بك صبيان بنى أمية. عِشْ كريمًا أو مِتْ كريمًا. فخرج فأسند ظهره إلى الكعبة ومعه نفر يسير، فجعل يقاتل -فى شجاعة- جيش الحجاج.
ولما ناداه الحجاج ليقبل الأمان ويدخل فى طاعة أمير المؤمنين، دخل على أمه أسماء، فقال لها: إن هذا - يعنى الحجاج - قد أمَّنني. قالت : يا بني، لا ترضَ الدنية، فإن الموت لابد منه. قال: إنى أخاف أن يمثََّل بي، قالت: يا بنى ما يضير الشاة سلخها بعد ذبحها.
عندئذٍ خرج فقاتل قتالاً باسلاً حتى استُشهد! وأقبل عليه الحجاج فحز رأسه، ثم بعث بها إلى عبد الملك بن مروان، وصلبه منكسًا، وعظم الأمر على أمه أسماء - وكان قد ذهب بصرها - فخرجت إلى الحجاج مع بعض جواريها، فلما دخلت عليه قالت: أما آن لهذا الراكب أن ينزل -تقصد ابنها عبد الله-؟ فقال الحجاج: المنافق؟ فقالت: لا واللَّه ماكان منافقًا. سمعتُ رسول اللَّه ( يقول: "يخرج فى ثقيف كذاب ومُبير (قاتل). فأما الكذاب فقد رأيناه -تقصد المختار الثقفي- وأما المبُِير فأنت هو! [الطبراني].
ثم جاء كتاب عبد الملك بن مروان بإنزال ابنها من الخشبة ودفعه إلى أهله، فغسلتْه أمه أسماء وطَـيَّـبَـتْـهُ، ثم دفنتْه.
وقد روت أسماء الكثير من الأحاديث، وروى عنها أبناؤها وأولادهم، فعن عبد اللَّه بن عروة بن الزبير، قال: قلتُ لجدتى أسماء: كيف كان أصحاب رسول اللَّه ( إذا سمعوا القرآن؟ قالت: تَدْمعُ أعينهم، وتقشعر جلودهم، كما نعتهم اللَّه، قال: قلتُ: فإن ناسًا هاهنا إذا سمع أحدهم القرآن خر مغشيَّا عليه! فقالت: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم.
امتد العمر بأسماء حتى بلغت مائة عام، وتُوفِيَت فى سنة 73 هجرية، ولم يسقط لها سن، ولم يُنكر لها عقل! رضى اللَّه عنها.

أحمد بغدادى
عضو v i p
عضو v i p

رقم العضوية : 7
عدد المساهمات : 933
المهارة : 7473
تاريخ التسجيل : 04/04/2010
الكفاءة : 15

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف أحمد بغدادى في الأربعاء سبتمبر 29, 2010 8:16 pm

أخت الفاروق فاطمة بنت الخطاب



سُجل اسمها فى ذاكرة التاريخ ووعى الأمة من خلال إسلام أخيها "عمر بن الخطاب"، ويكفيها فخرًا واعتزازًا أن دعوة الرسول ( بأن يعز الله الإسلام بأحد العمرين قد تحققت على يديها.
إنها أم جميل فاطمة بنت الخطاب أخت عمر -رضى الله عنهما- فيحكِى عمر بن الخطاب -رضى اللَّه عنه- قصة إسلامه على يديها، فيقول: خرجتُ بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام، فإذا بنعيم ابن عبد الله المخزومي، فقلتُ له: أرَغِبْتَ عن دين آبائك إلى دين محمد؟ قال: قد فعل ذلك من هو أعظم عليكَ حقَّا مني. فقلتُ: ومَنْ هو؟ قال: أختك فاطمة وخَتنُك (صهرك) زوجها، (سعيد بن زيد).
فانطلقتُ فوجدتُ الباب مغلقًا، وسمعتُ هَمْهَمَة، ولما فُتِح الباب - دخلتُ، فقلتُ: ما هذا الذي أسمعُ؟ قالتْ فاطمة: ما سمعت شيئًا. فما زال الكلام بيننا حتى أخذتُ برأسها، فقالتْ: قد كان ذلك على رغم أنفك، فاستحييتُ حين رأيت الدم.
وقلت: أرونى الكتاب الذي سمعتكم تقرءون آنفًا. فقالت: إنا نخشاك عليه، فقلتُ: لا تخافى وحلفت بالآلهة لأردّنه -إذا قرأتُه- إليهم، فقالت: إنه لا يمسهٍ إلا بالمطهرون، فاغتسلتُ، فقرأتُ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم: (طه. ما أنزلنا علك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشي تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى) [طه: 1-5].
فقلتُ: ما أحسنَ هذا الكلام وأكرمَه، فلما سمع منى خَبَّاب بن الأَرَتّ هذا الكلام خرج من مخبئه، حيث كان يُقْرِئها وزوجَها القرآن، فلما سمعنى -أَطْرُق على الباب- خشى وتخفّى فيه، فقال: يا عمر. إنى لأرجو اللَّه أن يكون قد خصَّك بدعوة نبيه، فإنِّى سمعتُه أمس وهو يقول: "اللهم أيِّد الإسلام بأبى الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب" (وفى رواية: بأحد العُمَرَيْن) فاللهَ اللهَ يا عمر.
فقلتُ لخباب: دلنى على محمد؛ حتى آتيه فأُُسْلِم. فأخذنى إلى بيت الأرقـم بن أبى الأرقم (على الصفا)، حتى قلت أمـام رسـول اللَّه (، حينئذ كَبَّر رسول اللَّه (، فكَبَّر الصحابة وهللوا، وأعلنوا فرحتهم. [أبو نعيم].
نشأت فاطمة فى بيت أبيها الخطاب بن نفيل المخزومى القُرشى صاحب الشرف والرفعة والفضائل العربية، وأمها هي حنتمة بنت هاشم بن المغيرة.
كانت فاطمة بنت الخطاب صحابية جليلة لها السبق إلى الإسلام، هي وزوجها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل -أحد العشرة المبشرين بالجنة- حيث أسلما قبل دخول النبي ( دار الأرقم، وأنجبت له عبد الرحمن.
وقد كان لها دور مهم فى بداية الدعوة، فقد أعطتْ نموذجًا كريمًا للمرأة فى الكتمان والسرية حفاظًا على الإسلام وعلى رسـول الله (، وضربْت -كذلك- مثالا فى الشجاعة.
يروى أن المشركين هاجموا المسلمين ذات يوم، وكان فيهم الرسول ( وأبو بكر، وضُرب أبو بكر ضربًا شديدًا، ثم حُمل إلى داره. فلما أفاق سأل أمه "أم الخير": مافعل رسول اللَّه (؟ فقالت: واللَّه مالى علم بصاحبك ! فقال: اذهبى إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه.
فخرجَتْ حتى جاءت أمَّ جميل، فقالتْ: إن أبا بكر يسألكِ عن محمد بن عبد اللَّه، فقالت أم جميل: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد اللَّه، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. قالتْ: نعم. فمضتْ معها حتى وجدتْ أبا بكر صريعًا، فاقتربتْ أم جميل منه، وصاحت: واللَّه إن قومًا نالوا هذا منك، لأهل فسق وكفر، وإنى لأرجو أن ينتقم اللَّه منهم. قال: فما فعل رسول اللَّه (؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلاشيء عليك منها. قالت: سالم صالح. قال: أين هو؟ قالت: فى دار ابن الأرقم. قال: فإن للَّه على لا أذوق طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى آتى رسول اللَّه (. فأمهلتاه حتى سكن الناس. ثم خرجتا به يتكئ عليهما؛ حتى أدخلتاه علـى رسـول الله

أحمد بغدادى
عضو v i p
عضو v i p

رقم العضوية : 7
عدد المساهمات : 933
المهارة : 7473
تاريخ التسجيل : 04/04/2010
الكفاءة : 15

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف أحمد بغدادى في الأربعاء سبتمبر 29, 2010 8:18 pm

المحاربة أم المحاربين : نسيبة بنت كعب

"ما التفتُّ يومَ أُحد يمينًا ولا شمالا إلا وأراها تقاتل دوني" .
يقول النبي ( عنها: "لمَقَاَم نسيبة بنت كعب اليومَ خيرٌ من مقامِ فلان وفلان" [ابن سعد].
وتقول عن نفسها: رأيتُنى وقد انكشف الناس عن النبي (، فما بقى إلا فى نفر لا يتمُّون عشرة، وأنا وابناى وزوجى بين يديه نذبّ عنه (ندافع عنه)، والناس يمرون به منهزمِين، ورآنى لا تِرْسَ معي، فرأى رجلاً موليًا معه ترس، فقال ( لصاحب الترْس: "ألْقِ تِرْسَكَ إلى مَنْ يقاتل". فألقى تِرْسَه، فأخذتُه، فجعلتُ أتَتَرَّسُ به عن النبي (، وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحابُ الخيل، لو كانوا رجالاً مثلنا، أصبناهم إن شاء اللّه، فأقبل رجل على فرس، فضربنى وتترستُ له، فلم يصنع سيفُه شيئًا، وولَّي، فضربتُ عرقوب فرسه، فوقع على ظهره، فجعل النبي ( يصيح: يا ابنَ أم عمارة، أمك أمك، فعاوننى عليه حتى أوردته شَعُوب (الموت). فسمعـتُ رسول اللّه ( يقول: "بارك اللّه عليكم من أهل بيت، رحمكم اللّه -أهل البيت-" [ابن سعد].
وقال النبي ( : "اللهم اجعلهم رفقائى فى الجنة" [ابن سعد]. فقالت أم عمارة: ما أبالى ما أصابنى من الدنيا.
ويقول ابنها عبد الله بن زيد: جُرِحْتُ يومئذٍ جرحًا، وجعل الدم لا يرقأ (لا يسكن عن الانقطاع)، فقال النبي ( : "اعصب جرحك"، فتُقبل أمى إلي، ومعها عصائب فى حقوها، فربطتْ جرحي، والنبى واقف ينظر إلي، فقال: "انهض بُنَى فَضارب القوم". وجعل النبي ( يقول: "ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة". قالت: وأقبل الرجل الذي ضرب ابني، فقال (: "هذا ضارب ابنك". فاعترضتُُ له فضربتُ ساقه، فبركَ. فرأيتُ النبي ( يبتسم حتى رأيتُ نواجذه، وقال : "استقدتِ (أخذتِ ثأركِ) يا أم عمارة"، ثم أقبلنا نُعِلُّهُ (تتابع ضربه) بالسلاح حتى أتينا على نَفَسِه. فقال (: "الحمد لله الذي ظفرك" [ابن سعد].
إنها السيدة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف الأنصاري، المعروفة بأم عمارة، وأمها الرباب بنت عبد الله بن حبيب بن زيد، أنموذج حـَى من نماذج النساء المؤمنات المخلصات، وواحدة من امرأتين حضرتا بيعة العقبة الثانية، وتقول فى ذلك: كانت الرجال تصفِّق على يدى رسول الله ( ليلة العقبة، والعباس آخذ بيد النبي ( ، فلما بقيتُ أنا وأم منيع أختي؛ نادى زوجى "غُزية بن عمرو": يا رسول الله هاتان امرأتان حضرتا معنا يبايعانك، فقال النبي (: "قد بايعتُهما على ما بايعتُكم عليه، إنى لا أصافح النساء" [ابن سعد].
جاهدتْ فى الله بكل ما أوتيتْ من قوة، ونذرت نفسها لإعلاء كلمة اللّه، فقاتلتْ يوم أُحد وجُرِحت اثنتى عشرة جراحة، وداوت جرحًا فى عنقها لمدة سنة حتى قال عنها النبي (: "لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان" [ابن سعد]، ولما نادى النبي ( إلى حمراء الأسد، شدت عليها ثيابها، فما استطاعت من نزف الدم، كما شهدت الحديبية وخيبر وحنينًا ويوم اليمامة.
وهى أخت عبد اللّه بن كعب الذي شهد بدرًا، وأخت أبى ليلى عبد الرحمن بن كعب -أحد البكّائين- لأبيها وأمها.
تزوجتْ من زيد بن عاصم النجارى فولدتْ له عبدالله وحبيبًا، اللذين صحبا النبي (، ثم تزوجت بعده غزية بن عمرو من بنى النجار، فولدت له تميمًا وخولة. وقد شهد معها ومع ابنيها من زوجها الأول أُحُدًا.
كانت نسيبة تحافظ على حضور الجماعة مع النبي (؛ كبقية النساء آنذاك، فتسمع منه الدروس وتتعلم أدب الإسلام.
ولما بلغها أن ابنها "حبيبًا" قتله مسيلمة الكذاب، ومثَّل به -حين بعثه أبو بكر إليه؛ ليدعوه إلى الإسلام ويُرْجِعُهُ عن افتراءاته وكذبه- عاهدتْ الله أن لا تموت دون هذا الكذَّاب؛ لهذا جاءت الصديق أبا بكر -عندما أراد إرسال الجيش إلى اليمامة لمحاربة المرتدين ومسيلمة الكذاب- تستأذنه فى الخروج مع الجيش، فقال لها: قد عرفنا بلاءَكِ فى الحرب، فاخرجى على اسم اللّه. وأوصى خالدَ بن الوليد بها خيرًا، وفى المعركة جاهدت وأبلت أحسن البلاء، وجُرحت أحد عشر جرحًا وقُطِعَتْ يدها، واستشهد ابنها الثانى عبد اللَّه، وذلك بعد أن شارك معها فى قتل مسيلمة عدو اللّه.
ولما هدأت الحرب وصارت أم عمارة إلى منزلها؛ جاءها خالد ابن الوليد يطلب من العرب مداواتها بالزيت المغلي، فكان أشد عليها من القطع، ولهذا كان أبو بكر الصديق -رضى الله عنه- يعودها - وهو خليفة - بعدما عادت من اليمامة؛ لأنه أكرم فيها إيمانها وصدقها وبطولتها، وعَرَفَ شهادة نبى الله( فيها؛ لهذا ظل يسأل عنها ويعودها، حتى شُفِيَتْ بإذن الله.وكان خالد بن الوليد يزورها ويعرف حقها ويحفظ فيها وصية سيد البشر (.
تلك هي المسلمة المجاهدة الداعية المربية، التي تعدُّ الأبطال، وتربى الرجال، التي لا تعبأ بما يصيبها فى الدنيا، بعد أن دعا لها النبي ( برفقته فى الجنة، فكانت فى طليعة المؤمنات الصادقات، ورصَّعَتْ تاريخها على جبين التاريخ لتكون نموذجًا يُحتذي.

أحمد بغدادى
عضو v i p
عضو v i p

رقم العضوية : 7
عدد المساهمات : 933
المهارة : 7473
تاريخ التسجيل : 04/04/2010
الكفاءة : 15

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف أحمد بغدادى في الأربعاء سبتمبر 29, 2010 8:19 pm

صابرة..ومهرها الإسلام : أم سليم بنت ملحان

بشرها النبي ( بالجنة، فقال: " دخلتُ الجنة، فسمعتُ خشفة (حركة) بين يدي، فإذا أنا بالغميصاء بنت ملحان" [متفق عليه].
تُري.. ماذا عملت تلك السيدة لتكون من أهل الجنة؟ وماذا عن حياتها؟
إنها آمنتْ باللَّه، وآثرتْ الإسلام حين أشرقتْ شمسه على العالم، وتعلمتْ فى مدرسة النبوة كيف تعيش المرأة حياتها، تصبر على ما يصيبها من حوادث الزمان؛ كى تنال مقعد الصابرين فى الجنة، وتفوز بمنزلة المؤمنين فى الآخرة.
فقد فقدت "الرميصاء" ابنها الوحيد، وفلذة كبدها، وثمرة حياتها؛ حيث شاء اللَّه له يمرض ويموت ، فلم تبكِ ولم تَنُحْ، بل صبرتْ واحتسبتْ الأجر عند اللَّه، وأرادت ألا تصدم زوجها بخبر موت ابنه، وقررت أن تسوق إليه الخبر فى لطف وأناة، حتى لايكون وقْع الخبر سيئًا.
عاد أبو طلحة، وقد كان غائبًا عن هذه الزوجة الحليمة العاقلة، فما إن سمعت صوت زوجها - حتى استقبلته بحفاوة وبوجه بشوش، وقدمت له إفطاره -وكان صائمًا- ثم تزينت له زينة العروس لزوجها ليلة العرس.
أقبل أبو طلحة يسألها عن الولد، وقد تركه مريضًا قبل أن يخرج، فتجيب فى ذكاء ولباقة: هو أسكن من ذى قبل.
ثم تتحيَّن الزوجة الصابرة الفرصة، فتبادره فى ذكاء وفطنة بكلمات يحوطها حنان وحكمة قائلة له: يا أبا طلحة...أرأيت لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية، فطلبوا عاريتهم، أيمنعونهم؟! قال: ليس لهم ذلك، إن العارية مؤداة إلى أهلها. فلما انتزعت منه هذا الجواب، قالت: إن اللَّه أعارنا ابننا، ثم أخذه مِنَّا، فاحتسِبْه عند اللَّه.. قال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون. ووجد فى نفسه مما فعلت زوجته.
فلما لاح الفجر، ذهب أبو طلحة إلى النبي ( يخبره بما كان من زوجه أم سليم، فيقول النبي (:"بارك اللَّه لكما فى ليلتكما" [البخاري].
يقول أحد الصحابة: إنه وُلد لأم سليم وزوجها من تلك الليلة عبد اللَّه بن أبى طلحة فكان لعبد الله عشرة من الولد، كلهم قد حفظ القرآن الكريم، وكان منهم إسحق بن عبد الله الفقيه التابعى الجليل.
كانت أم سليم مؤمنة مجاهدة تشارك المسلمين فى جهادهم لرفع راية الجهاد والحق، فكانت مع أم المؤمنين السيدة عائشة - رضى اللَّه عنهما - يوم أُحد، فكانتا تحملان الماء وتسقيان العطشي. وفى يوم حنين جاء أبو طلحة يُضحك رسول اللَّه ( من أم سليم، فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر؟فقالت: يا رسول الله إن دنا منى مشرك؛ بقرت به بطنه [ابن سعد].
ولم تكتف الرميصاء بالمشاركة فى ميدان الجهاد، بل اشتهرت مع ذلك بحبها الشديد للعلم والفقه، فعن أم سلمة -رضى الله عنها- قالت: جاءت أم سليم إلى رسول اللَّه (، فقالت: إن اللَّه لا يستحيى من الحق، فهل على المرأة من غُسل إذا احتلمت؟ فقال (: "إذا رأت الماء" (فغطَّتْ أم سلمة وجهها حياءً) وقالت: أو تحتلم المرأة؟
قال: "نعم. تَرِبَتْ يمينُكِ فبِمَ يُشْبِهُـهَا ولدُها؟" [البخاري].
وقد اختلفوا فى اسمها، فقيل، سهلة، وقيل: رُميلة. وقيل: رُميتة، وقيل: أنيفة، وتعرف بأم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد ابن حرام من الخزرج من بنى النجار، تربطها بالنبى ( صلة قرابة، ذلك أن بنى النجار هم أخوال أبيه، وهى أخت حرام بن ملحان، أحد القراء السبعة، وأخت أم حرام زوجة عبادة بن الصامت .
تزوجت "مالك بن النضر" فولدت له أنس بن مالك.
وذات يوم جاءت أم سليم إلى زوجها مالك بن النضر -وكانت قد أسلمت، وهو لا يزال على شِْركه - فقالت له: جئتُ اليوم بما تكره؟ فقال: لا تزالين تجيئين بما أكره من عند هذا الأعرابى (يقصد رسول اللَّه (). قالت: كان أعرابيّا اصطفاه الله واختاره، وجعله نبيّا. قال: ما الذي جئتِ به؟ قالت: حُرِّمت الخمر. قال: هذا فراق بينى وبينك، فمَات مشركًا. وتقدم "أبو طلحة" إلى أم سليم ليخطبها، وذلك قبل أن يسلم، فقالت له: أما إنى فيك لراغبة، وما مثلك يُرد، ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة، فإن تسلم؛ فذلك مهري، لا أسألك غيره. فأسلم أبو طلحة وتزوجها. وفى رواية أنها قالت: يا أبا طلحة ألستَ تعلم أن إلهكَ الذي تعبده خشبة نبتتْ من الأرض نَجَرَها حبشى بن فلان؟ قال: بلي. قالت: أفلا تستحيى أن تعبدها؟ لئن أسلمت لم أُرِدْ منك من الصداق غير الإسلام.فأسلم. قالت: يا أنس! زوِّج أبا طلحة. فكان ابنها وليَّها فى عقدها. قال ثابت: فما سمعنا بمهر قط كان أكرم من مهر أم سليم: الإسلام. وكان النبي ( يزور أم سليم -رضى الله عنها- ويتفقد حالها، فسُئل عن ذلك، فقال: "إنى أرحمها. قُتل أخوها معي" [الطبراني]. وأخوها هو "حرام بن ملحان" قتل فى بئر معونة شهيدًا فى سبيل الله. تلك هي أم سليم، عاشت حياتها تناصر الإسلام، وتشارك المسلمين فى أعمالهم، وظلت تكافح حتى أتاها اليقين، فماتت، ودُفنتْ بالمدينة المنورة.رحمها الله تعالى ورضى الله عنها.

أحمد بغدادى
عضو v i p
عضو v i p

رقم العضوية : 7
عدد المساهمات : 933
المهارة : 7473
تاريخ التسجيل : 04/04/2010
الكفاءة : 15

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف أحمد بغدادى في الأربعاء سبتمبر 29, 2010 8:21 pm

راكبة البحر : أم حرام بنت ملحان

قالت: بينما رسول اللَّه ( يزورنا إذ وضع رأسه؛ لينام ساعة القيلولة، فاستيقظ فجأة وهو يبتسم، فقالت: لم تضحك يا رسول الله؟ قال: " ناس من أمتى يركبون البحر الأخضر فى سبيل الله، مثلهم مثل الملوك على الأِسّرة " فقالت: يا رسول الله، ادعُ اللَّه أن يجعلنى منهم . قال: "اللهم اجعلها منهم".ثم عاد فضحك فقالت له مثل ذلك، فقال لها مثل ذلك، فقالت: ادع الله أن يجعلنى منهم. قال: "أنت من الأولين ولست من الآخرين" [البخاري].
وقالت: سمعت رسول اللَّه ( يقول: "أول جيش من أمتى يغزون البحر قد أوْجبوا".
قالت: يا رسول اللَّه أنا فيهم؟
قال: "أنت فيهم". ثم قال النبي (: "أول جيش من أمتى يغزون مدينة قيصر مغفور لهم".
فقالت: أنا فيهم يا رسول الله؟
قال: "لا" [البخاري].
وكانت تلك نبوءة تنبأ بها رسول اللَّه (.
إنها أم حرام بنت ملحان الخزرجية الأنصارية، أخت الرُّمَيْصَاء أم سليم -رضى اللَّه عنهما-.
تزوجها عمرو بن قيس -رضى الله عنه- فأنجبت له قيسًا وعبدالله، وظلت مع عمرو بن قيس حتى كانت غزوة أحد، فاستشهد عمرو وولده قيس، فتزوجها عبادة بن الصامت -رضى الله عنه- فعاشت فى كنفه مطيعة راضية.
وكان لأم حرام شغف بالجهاد فى سبيل اللَّه، وباعٌ طويل فيه؛ فقد خرجت مع زوجها عبادةَ إلى الشام فى جيش كان قائده معاوية ابن أبى سفيان -رضى اللَّه عنه- فلما جاز معاوية بجيشه البحرَ، كانت أم حرام تركب دابة لها، فجالت بها الدابة، فصرعتها وقتلتها، وذلك فى غزوة "قبرص"، وهكذا تحققت نبوءة النبي ( لها.
توفيت أم حرام فى خلافة عثمان بن عفان -رضى الله عنه- سنة 28 هجرية، ودفنت فى مكان مَقْتَلِها (بجزيرة قبرص)، وكان الناس كلما مَرّوا بقبرها يقولون: هذا قبر المرأة الصالحة.
وروت السيدة أم حرام -رضى الله عنها- بعضًا من أحاديث رسول الله

أحمد بغدادى
عضو v i p
عضو v i p

رقم العضوية : 7
عدد المساهمات : 933
المهارة : 7473
تاريخ التسجيل : 04/04/2010
الكفاءة : 15

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف أحمد بغدادى في الأربعاء سبتمبر 29, 2010 8:23 pm

خطيبة النساء : أسماء بنت يزيد

رُوى أنها أتتْ النبي ( فقالت: يا رسول اللَّه، إنى رسول مَنْ ورائى من جماعة نساء المسلمين كلهن يقلن بقولي، وعلَى مثل رأيي، إن الله تعالى قد بعثك إلى الرجال والنساء، فآمنا بك واتبعناك. ونحن -معشر النساء- مقصورات مخدرات، قواعد بيوت، ومواضع شهوات الرجال، وحاملات أولادهم. وإن الرجال فُضِّلوا بالجُمعات، وشهود الجنائز، والجهاد، وإذا خرجوا للجهاد؛ حفظنا لهم أموالهم، وَرّبينَا أولادهم، أَنُشَاِركُهُم فى الأجر يا رسول اللَّه؟
فالتفت رسول الله( بوجهه إلى أصحابه، فقال: "هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالاً عن دينها من هذه؟". فقالوا: لا واللَّه يا رسول اللَّه، ما ظننا أن امرأة تهتدى إلى مثل هذا.
فقال رسول الله (: "انصرفى ياأسماء، وأَعْلِمى من وراءك من النساء أن حَُسن تبعُّل إحداكنّ لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته، يعدل كلّ ما ذكرت للرجال". فانصرفت أسماء وهى تهلّل وتكبر استبشارًا بما قال لها رسول الله (.[ابن عبد البر فى الاستيعاب].
إنها أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، ابنة عم معاذ بن جبل.وكانت تسمى -أيضًا- "فكيهة"، وتُكنى بـ "أم سلمة" أو "أم عام الأشهلية".
كانت من النسوة اللاتى بايعهن رسول اللَّه ( يوم الحديبية. تقول : إن رسول اللَّه ( قبض يده وقال: "إنى لا أصافح النساء إنما قولى لمائة امرأة كقولى لامرأة واحدة أو مثل قولى لامرأة واحدة" [الترمذى والنسائي].
كانت عند رسول اللَّه (، والرِّجال والنِّساءُ قُعُودٌ معه، فقال: "لعل رَجلا يقول ما فعل بأهله، ولعلَّ امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها" فسكتوا فقالتْ: إى واللَّه يا رسول اللَّه، إنَّهم ليفعلون وإنهن ليفعلْنَ. فقال (: "فلا تفعلوا، فإنما مَثَلُ ذلك مَثَلُ شيطان لقى شيطانة فغشيها (أي: جامعها) والناس ينظرون" [أحمد].
وقد شهدت"أسماء" مع رسول اللَّه ( فتح مكة، ثم امتد بها العمر حتى شهدت موقعة اليرموك سنة خمس عشرة من الهجرة. ويُقال إنها قتلت من الروم تسعة بعَمود فُسطاطها (خيمتها).
رَوَتْ عن النبي ( عددًا ليس بالقليل من أحاديثه)، ورَوَى عنها كثيرون.

أحمد بغدادى
عضو v i p
عضو v i p

رقم العضوية : 7
عدد المساهمات : 933
المهارة : 7473
تاريخ التسجيل : 04/04/2010
الكفاءة : 15

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف أحمد بغدادى في الأربعاء سبتمبر 29, 2010 8:24 pm

صاحبة الخيمة : أم معبد

جَزَى اللَّـهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ رَفِيقَيْنِ قَالا خَيْمَتَى أمِّ مَعْبَـدِ
هُمَـا نَزَلا بِالهُدَي، فَاهْـَتَدَتْ بِهِ فَأفْلَحَ مَنْ أمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ
لِيهْنِ بنى كَـعْـبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ وَمَقْعَدُهَـا لِلْمُـؤْمِنِينَ بِمَـرْصَدِ
أبيات من الشعر ترددت فى سماء مكة، وسمعها كل الناس، وهم لا يرون قائلها، كما روت كتب التراجم والسير.
وأم معبد هي عاتكة بنت خالد الخزاعية، من بنى كعب، صحابية جليلة.
وقد نصبت أم معبد وزوجها خيمتهما فى قلب الصحراء؛ لاستضافة الضيوف، وكسب أعطياتهم.
واشتهر عن السيدة الفاضلة أم معبد وصفها للنبى ( فعندما خرج النبي ( مهاجرًا من مكة إلى المدينة ومعه "أبو بكر"، و"عامر بن فهيرة" مولى أبى بكر، ودليلهم "عبد اللَّه بن أريقط" اشتد بهم العطش، وبلغ الجوع بهم منتهاه، فجاءوا إلى "أم معبد" ونزلوا بخيمتها، وطلبوا منها أن يشتروا لحمًا وتمرًا، فلم يجدوا عندها شيئًا، فنظر النبي ( فى جانب الخيمة فوجد شاة، فسألها: "يا أم معبد! هل بها من لبن؟" قالت: لا. هي أجهد من ذلك (أى أنها أضعف من أن تُحلب)، فقال: "أتأذنين لى أن أحلبها؟" قالت: نعم، إن رأيت بها حلبًا، فمسح ضرعها بيده الشريفة، وسمَّى اللَّه، ودعا لأم معبد فى شاتها، فدرّت واجترّت، فدعاها وطلب منها إناءً، ثم حلب فيه حتى امتلأ عن آخره، وقدَّمه إليها فشربت، حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رَوُوا، وشرب ( آخرهم. ثم حلب ثانيًا، وتركه عندها، وارتحلوا عنها. فما لبثت إلا قليلاً حتى جاء زوجها أبو معبد (أكثم بن أبى الجون) يسوق أَعْنُزًا عجافًا هزالاً، تسير سيرًا ضعيفًا لشدة ضعفها، فلمّا رأى اللبن عجب، وقال: من أين هذا يا أم معبد، والشاة عازب بعيدة عن المرعي، حيال غير حامل، ولا حَلُوبةَ فى البيت؟ قالت: مرّ بنا رجل كريم مبارك، كان من حديثه كذا وكذا ! قال: صِفِيهِ لى يا أم معبد.
فقالت: إنه رجلٌ ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه (أى أبيض واضح ما بين الحاجبين كأنه يضيء)، حسن الخِلقة، لم تُزْرِ به صِعلة (أى لم يعيِّبه صغر فى رأس، ولا خفة ولا نحول فى بدن)، ولم تَعِبْه ثجلة (الثجلة: ضخامة البطن)، وسيمًا قسيمًا، فى عينيه دَعَج (شدة سواد العين)، وفى أشفاره عطف (طول أهداب العين)، وفى عنقه سَطَع (السطع: الطول)، وفى صوته صَحَل (بحَّة)، وفى لحيته كثافة، أحور أكحل...أزَجُّ أقرن (الزجج: هو تقوس فى الحواجب مع طول وامتداد، والأقرن: المتصل الحواجب)، إن صمتَ فعليه الوقار، وإن تكلم سَمَا وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق، فَصْلٌ، لا نزر ولا هَدْر، وكأن منطقه خرزات نظم تَنحدر، رَبْعَة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه العين من قِصِر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا، (تقصد أبا بكر، وابن أريقط؛ لأن عامر بن فهيرة كان بعيدًا عنهم يعفى آثارهم) أحسنهم قدرًا، له رُفَقَاء يحفُّون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود (أى يحفه الناس ويخدمونه). لا عابس ولا مُفنّد (المُفنّد: الضعيف الرأي). فقال أبو معبد: هو واللَّه صاحب قريش، الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكر بمكة، ولو كنت وافقتُه لالتمستُ صحبته، ولأفعلن إن وجدتُ إلى ذلك سبيلاً، فأعدت أم معبد وزوجها العدة؛ كى يلحقا برسول الله ( فى المدينة، وهناك أسلما، ودخلا فى حمى الإسلام.
وعاشت أم معبد -رضى الله عنها- بعد وفاة رسول الله ( إلى خلافة عثمان بن عفان -رضى اللَّه عنه- وكان الصحابة يقدِّرونها ويعرفون لها فضلها. فعن هشام بن حرام، عن أبيه: أن أمّ معبد كانت تُجْرَى عليها كِسْوَة، وشيء من غلة اليمن، وقَطَران لإبلها، فمرّ عثمان، فقالت: أين كسوتي؟ وأين غلة اليمن التي كانت تأتيني؟ قال: هي لك يا أم معبد عندنا، واتبعتْه حتى أعطاها إياها. [الطبراني].

أحمد بغدادى
عضو v i p
عضو v i p

رقم العضوية : 7
عدد المساهمات : 933
المهارة : 7473
تاريخ التسجيل : 04/04/2010
الكفاءة : 15

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف أحمد بغدادى في الأربعاء سبتمبر 29, 2010 8:26 pm

الصادقة.. المصدقة : أم ذر

رُوِى أن زوجها سُئِلَ عن بدء إسلامه، فقال: دخلت على صنم كان عندنا نقول له نُهُم، فأتيته فصببت له لبنًا ووليتُ، فإذا كلب يشرب ذلك اللبن، فلما فرغ رفع رجله، فبال على الصنم فأنشأت أقول:
ألا يا نُهْـمُ إنِّى قَدْ بَدَا لِـــى مدى شَرَفٍ يُبعّدُ مــنكِ قُـرْبًا
رأيتُ الكَلبَ سَامَكِ حَظَّ خَسْفٍ فَلَمْ يَمْـنَعْ قَـفَاكِ اليَــوْمَ كلبًا
فسمعتنى أم ذرّ فقالت:
لقدْ أتيتَ جُـرْمًا وأصَـبْتَ عظمًا حينَ هَجـَوتَ نُـهْمَــا
فأخبرتُها الخبرَ، فقالت:
ألا فـابغِنَا رَبّـا كَرِيــمًا جَوَادًا فِى الفَضَائِلِ يا بْنَ وَهْبٍ
فَمَا مَنْ سَامَهُ كَلْـــبٌ حَقِيرٌ فَلَـمْ يَمْـنَـعْ يَـدَاهُ لَنَا بِـرَبِّ
فَمَا عَبَدَ الْحِجَارَةَ غَـيْرُ غَـاوٍ رَكِيكُ العَقْلِ لَيْسَ بذِى لُــبِّ
فلما حكيت ذلك لرسول اللَّه ( تبسم وقال: "صدقَتْ أم ذر، فما عبد الحجارة غير غاوٍ" [ابن حجر فى الإصابة].
هذه أم ذر، أدركت قبل إسلامها أن الصنم لا ينفع ولا يضر، فإنه حجر أصم، وأنه لابد أن يكون لها رب كريم عظيم فى فضائله .
تركت دارها فى قبيلتها غفار، وسَعَتْ إلى المدينة مع زوجها، الذي أخلصت له، وتحملت المشقات والمتاعب التي فاقت طاقتها لأجله.
سمعت من زوجها ما تعلمه من رسول اللَّه (، وتعلما منه الحكمة والأخلاق الكريمة، وكان دائمًا يقول لها: علَّمَنِى خليلى رسولُ اللَّه ( أن أقول الحق ولو كان مرّا.
وقد تمسكت بالتعاليم النبوية الشريفة، وعضت عليها بنواجذها، ولم تضعف أمام ما تعرّض له زوجها، فَيُرْوَى أنه حين سافر إلى دمشق وجد الناس يميلون إلى الدنيا ميلا عظيمًا، ويركنون إليها، فذهب إلى معاوية بن أبى سفيان -رضى اللَّه عنه- والى دمشق يومئذ، ودخل معه فى حوار ساخن وعاصف، أدى إلى أن شكاه معاوية لدى الخليفة عثمان بن عفان - رضى اللَّه عنه - فقال زوجها لعثمان: أتأذن لى فى الخروج من المدينة، فأذن له، فنزل منطقة تسمى الربذة، وبنى بها مسجدًا، وأجرى عليه عثمان العطاء؛ وقد لحقت أم ذر بزوجها، وأقامت معه فيها، إلا أن صعوبة الحياة هنالك؛ أدت إلى أن مرض زوجها -وكان شيخًا لا يقدر على رمضاء هذا الجو - فقامت فى خدمته لا تمل ولا تتعب ولا تشتكي، بل ظلت وفيةً له ومخلصة فى إيمانها.
وفى يوم من الأيام، أدركت أن زوجها على أعتاب الموت فبكت، فقال لها زوجها: فيم البكاء والموت حق؟ فأجابته، بأنها تبكى لأنه يموت وليس عندها ثوب يسعه كفنًا. فيبتسم فى حنان وقال لها: اطمئني، لا تبكِ، فإنى سمعت النبي ( ذات يوم وأنا عنده فى نفر من أصحابه يقول: "ليموتَنَّ رجل منكم بفلاةٍ من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين" فرأيت كل من كان معى فى ذلك المجلس مات فى جماعة وقربة، ولم يبق منهم غيري، وها أنا ذا بالفلاة أموت، فراقبى الطريق، فستطلع علينا عصابة من المؤمنين، فإنى واللَّه ما كَذَبْتُ ولا كُذِّبْتُ. [ابن سعد والهيثمي]. ثم فاضت روحه إلى اللَّه سبحانه وتعالى، وبينما هو مُسَجَّى على حِجْرِها إذ رأت قافلة من المؤمنين قد أخذت فى الظهور من جانب الصحراء، وكان بينهم عبد اللَّه بن مسعود صاحب رسول اللَّه ( .
فنزل عبد اللَّه -رضى اللَّه عنه- وقام بغسله وتكفينه ودفنه، ثم واسى أهله، وأخذهم معه إلى الخليفة عثمان فى المدينة.
هذه هي أم ذر، زوجة الصحابى الجليل أبى ذر الغفارى - رضى اللَّه عنهما - ما ماتت حتى تركت لنا مثالاً عظيمًا فى الوفاء لزوجها، والإخلاص له، والزهد فى الدنيا؛ فقد ظلت بجانبه إلى آخر حياته وأكرمته، وظلت تحرسه حتى بعد موته، وصبرت معه على شظف العيش ومجاهدة النفس وغوائل الشهوة، وهكذا تكون المرأة المؤمنة الصالحة؛ ترضى زوجها؛ كى تنال رضا ربها، فرضى اللَّه عن أم ذر وأرضاها.

أحمد بغدادى
عضو v i p
عضو v i p

رقم العضوية : 7
عدد المساهمات : 933
المهارة : 7473
تاريخ التسجيل : 04/04/2010
الكفاءة : 15

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف أحمد بغدادى في الأربعاء سبتمبر 29, 2010 8:27 pm

الفتاة المهاجرة : أم كلثوم بنت عقبة

اشترط كفار قريش لأنفسهم فى صلح الحديبية الذي عقدوه مع رسول اللَّه ( هذا الشرط: "لا يأتيك منا أحد، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا"، فكان شرطًا قاسيًا وابتلاءً عظيمًا لكل من آمن من أهل مكة ولم يهاجر بعد..
وكانت هناك فتاة قرشية أسلمت قبل هذا الصلح بكثير، أسلمت قبل أن يهاجر رسول اللَّه ( إلى المدينة، لكنها لضعفها ورقتها لم تحتمل ما تعرض له مسلمو مكة بعد ذلك الصلح من فتنة وعذاب، وضاقت ذرعًا بما يصنع المشركون، فقررت -بالرغم من علمها بذلك الشرط- أن تهاجر إلى المدينة حيث رسول اللَّه (، ثم ليقضِ اللَّه -بعد ذلك- فى أمرها ما يشاء.
إنها فتاة صَدَقتْ الله -عز وجل- وهاجرتْ فى سبيله ابتغاء مرضاته، متوكلة عليه، وكانت بمفردها، ليس معها من رفيق سوى الله -عز وجل-.خرجتْ رغم أنف الكافرين راغبة فى جوار رسول الله (، فحقق الله لها رغبتها.
خرجت، دون أن تُعْلِمَ أحدًا بخروجها، قاصدة يثرب، مهاجرة إلى اللَّه ورسوله. فيسر اللَّه لها قافلة لرجل من خزاعة، فاستبشرت خيرًا وأمِنت الرجل وقافلته على نفسها، إذ قد علمت أن خزاعة قد دخلت فى حلف رسول اللَّه ( ضد قريش، فصحبتهم إلى المدينة، فأحسنوا صحبتها حتى بلغت مأمنها... وخرج أهلها يبحثون عنها، فعلموا أنها هاجرت إلى المدينة، فقالوا: لا ضير، بيننا وبين محمد عهد وصلح، وليس أحد من الناس بأوفى من محمد، نذهب إليه، ونسأله أن يفى لنا بعهدنا.
وقدم أخواها "عمارة" و"الوليد" المدينة فى طلب أختهما، وعلمت الفتاة أن رسول اللَّه ( سيفى لهما بما وعد، فأقبلت نحو رسول اللَّه ( فى ثقة فقالت: يا رسول اللَّه أنا امرأة، وحَالُ النساء إلى ما قد علمت (من الضعف)، فأخشى إن رددتنى إليهم أن يفتنونى فى دينى ولا صبر لي.
فـإذا برحمات اللَّه تنزل لتلغى ذلك الشرط الجائر فى حق النساء، فأنزل الله تعالى فى ذلك قرآنًا يُتْلَى: (أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمناتمهاجرات فامتحنوهن ألله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) [ الممتحنة: 10].
وتمثل هذا الامتحان فى سؤال المرأة عن سبب هجرتها؛ ليتأكد من صدق إسلامها وحسن إقبالها على الله ورسوله.. فقالت: "باللَّه ما خرجت من بغض زوج، وباللَّه ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وباللَّه ما خرجت التماس دنيا، وباللَّه ما خرجت إلا حبا للَّه ورسوله" .
وعلم اللَّه ما فى قلب هذه الفتاة المؤمنة من خير، فإنه ما أخرجها من أرضها وديارها إلا حب اللَّه وحب رسول اللَّه ( فأنزل السكينة عليها، وألقى فى قلوب المسلمين تصديقها، ورد أخويها والذين ظلموا على أعقابهم وخَيَّب مسعاهم.. وهكذا مَنْ تَصْدُقِ اللَّه يصدقْها، ومن تتوكل على اللَّه يَكْفِها، ومن تستنصر اللَّه ينصرها، قال تعالى: والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) [يوسف: 21].
إنها الصحابية الفاضلة "أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط"-رضى اللَّه عنها- أخت عثمان بن عفان لأمه،تزوجها زيد ابن حارثة -رضى الله عنه-، ثم ما لبث أن استشهد فى غزوة مؤتة، فتزوجها الزبير بن العوام فولدت له زينب، ثم طلقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف -رضى الله عنه-، وكانت معه مثالا للزوجة الصالحة الوفية، وأنجبتْ له إبراهيم وحميدًا، ولما توفى عبد الرحمن ابن عوف تزوجها عمرو بن العاص فعاشتْ معه شهرًا ثم توفيت، وكان ذلك فى خلافة الإمام على بن أبى طالب -كرم الله وجهه-.
وقد روت السيدة أم كلثوم -رضى الله عنها- عن النبي ( وروى عنها الكثيرون؛ ومما روى عنها أنها سمعت رسول اللَّه ( يقول: "ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس فينمى خيرًا ويقول خيرًا" [متفق عليه].

أحمد بغدادى
عضو v i p
عضو v i p

رقم العضوية : 7
عدد المساهمات : 933
المهارة : 7473
تاريخ التسجيل : 04/04/2010
الكفاءة : 15

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف أحمد بغدادى في الأربعاء سبتمبر 29, 2010 8:29 pm

صاحبة الميراث أم كُجَّة

جاءت إلى النبي ( فقالت: يا رسول اللَّه، هاتان ابنتاى استشهد أبوهما معك يوم أُحد، وقد أخذ عمهما مالهما كله، ولم يدع لهما شيئًا إلا أخذه، فما ترى يا رسول اللَّه، فواللَّه لا ينكحان أبدًا إلا ولهما مال، فقال رسول اللَّه (: يقضى اللَّه فى ذلك.
فأنزل اللَّه تعالى فى أمرهما آية الميراث، وجعلها أساسًا وشريعة لكافة المسلمين، قال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا)[ النساء:11] .
فلما نزلت هذه الآية قال النبي (: "ادع إلى المرأة وصاحبها" فقال للرجل: "أعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقى فهو لك" [أحمد وأصحاب السنن].
وما إن فرض نظام الميراث فى الإسلام، حتى استفادت النساء من عدله ورحمته، بعد أن كان الجاهليون لا يورِّثون النساء ولا الضعفاء من الرجال، ويقولون: إلا من قاتل على ظهور الخيل، وطاعن بالرمح، وضارب بالسيف.[أخرجه أحمد وأصحاب السنن].
تلك هي السيدة أم كُجَّة -رضى اللَّه عنها-، عاشت فى المدينة تتعلم شرائع الإسلام من النبي (، وتساند مسيرة الإسلام المباركة.
تزوجت "أوس بن ثابت" - رضى اللَّه عنه - أخا حسان بن ثابت - شاعر الرسول - وساهمت فى الجهاد، فحضرت أحدًا حيث استشهد زوجها - رضى اللَّه عنهما -.

أحمد بغدادى
عضو v i p
عضو v i p

رقم العضوية : 7
عدد المساهمات : 933
المهارة : 7473
تاريخ التسجيل : 04/04/2010
الكفاءة : 15

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف فوكس في السبت أكتوبر 02, 2010 8:16 am


فوكس
عضو ممتاز

رقم العضوية : 2
عدد المساهمات : 2792
المهارة : 18923
تاريخ التسجيل : 02/04/2010
الكفاءة : 13

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مؤمنات لهن عند الله شأن

مُساهمة من طرف mermaid في الأحد أكتوبر 03, 2010 7:20 pm

avatar
mermaid
عضو v i p
عضو v i p

رقم العضوية : 289
عدد المساهمات : 608
المهارة : 6361
تاريخ التسجيل : 13/09/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى