فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 7:49 pm

في ظلال القرآن

الأنعام



الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ (1)


مقدمة سورة الأنعام
بسم الله الرحمن الرحيم
1 - طبيعة القرآن المكي وحله لمشكلات الإنسان
هذه السورة مكية . . من القرآن المكي . . القرآن الذي ظل يتنزل على رسول الله [ ص ] ثلاثة عشر عاما كاملة , يحدثه فيها عن قضية واحدة . قضية واحدة
ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة , إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان , وأنها استقرت استقرارا مكينا ثابتا في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان , التي قدر الله لها أن يقوم هذا الدين عليها ; وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين .
2 - حكمة البدء بالعقيدة وليس بالقومية أو الإجتماعية أو الأخلاقية
وأصحاب الدعوة إلى دين الله , وإقامة النظام الذي يتمثل فيه هذا الدين في واقع الحياة ; خليقون أن يقفوا طويلا أمام هذه الظاهرة الكبيرة . . ظاهرة تصدي القرآن المكي خلال ثلاثة عشر عاما . . لتقرير هذه العقيدة ; ثم وقوفه عندها لا يتجاوزها إلى شيء من تفصيلات النظام الذي يقوم عليها , والتشريعات التي تحكم المجتمع المسلم الذي يعتنقها . .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 7:57 pm

لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى الدعوة لها منذ اليوم الأول للرسالة . وأن يبدأ رسول الله [ ص ] أولى خطواته في الدعوة , بدعوة الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ; وأن يمضي في دعوته يعرف الناس بربهم الحق , ويعبدهم له دون سواه .
ولم تكن هذه - في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب - هي أيسر السبل إلى قلوب العرب ! فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى:"إله" ومعنى:"لا إله إلا الله" . . كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا . . وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله - سبحانه - بها , معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام , ورده كله إلى الله . . السلطان على الضمائر , والسلطان على الشعائر , والسلطان على واقعيات الحياة . . السلطان في المال , والسلطان في القضاء , والسلطان في الأرواح والأبدان . . كانوا يعلمون أن:"لا إله إلا الله" ثورة على السلطان الأرضي , الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية , وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب ; وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله . . ولم يكن يغيب عن العرب - وهم يعرفون لغتهم جيدا , ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة:"لا إله إلا الله" - ماذا تعنيه هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ورياساتهم وسلطانهم . . ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة - أو هذه الثورة - ذلك الاستقبال العنيف , وحاربوها تلك الحرب التي يعرفها الخاص والعام . .
فلم كانت هذه نقطة البدء في هذه الدعوة ? ولم اقتضت حكمة الله أن تبدأ بكل هذا العناء ?
لقد بعث رسول الله [ ص ] بهذا الدين , وأخصب بلاد العرب وأغناها ليست في أيدي العرب ; إنما هي في يد غيرهم من الأجناس !
بلاد الشام كلها في الشمال خاضعة للروم , يحكمها أمراء من العرب من قبل الرومان . وبلاد اليمن كلها في الجنوب خاضعة للفرس يحكمها أمراء من العرب من قبل الفرس . . وليس في أيدي العرب إلا الحجاز ونجد وما إليهما من الصحارى القاحلة , التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك !
وكان في استطاعة محمد [ ص ] وهو الصادق الأمين ; الذي حكمه أشراف قريش قبل ذلك في وضع الحجر الأسود , وارتضوا حكمه , منذ خمسة عشر عاما ; والذي هو في الذؤابة من بني هاشم أعلى قريش نسبا . . كان في استطاعته أن يثيرها قومية عربية تستهدف تجميع قبائل العرب , التي أكلتها الثارات , ومزقتها النزاعات , وتوجيهها وجهة قومية لاستخلاص أرضها المغتصبة من الإمبراطوريات المستعمرة ; الرومان في الشمال والفرس في الجنوب ; وإعلاء راية العربية والعروبة ; وإنشاء وحدة قوية في كل أرجاء الجزيرة . .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:02 pm

ولو دعا يومها رسول الله [ ص ] هذه الدعوة لاستجابت له العرب قاطبة - على الأرجح - بدلا من أن يعاني ثلاثة عشر عاما في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة !
وربما قيل:إن محمدا [ ص ] كان خليقا بعد أن يستجيب له العرب هذه الاستجابة ; وبعد أن يولوه فيهم القيادة والسيادة ; وبعد استجماع السلطان في يديه والمجد فوق مفرقه . . أن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه , وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبدهم لسلطانه !
ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم , لم يوجه رسوله [ ص ] هذا التوجيه ! إنما وجهه إلى أن يصدع بلا إله إلا الله:وأن يحتمل هو والقلة التي تستجيب له كل هذا العناء !
لماذا ? إن الله - سبحانه - لا يريد أن يعنت رسوله والمؤمنين معه . . إنما هو - سبحانه - يعلم أن ليس هذا هو الطريق . . ليس الطريق أن تخلص الأرض من يد طاغوت روماني أو طاغوت فارسي . . إلى يد طاغوت عربي . . فالطاغوت كله طاعوت ! . . إن الأرض لله , ويجب أن تخلص لله . ولا تخلص لله إلا أن ترتفع عليها راية:"لا إله إلا الله" . . وليس الطريق أن يتحرر الناس في هذه الأرض من طاغوت روماني أو طاغوت فارسي . . إلى طاغوت عربي . . فالطاغوت كله طاغوت ! إن الناس عبيد لله وحده , ولا يكونون عبيدا لله وحده إلا أن ترتفع راية:"لا إله إلا الله" . . "لا اله الا الله" كما كان يدركها العربي العارف بمدلولات لغته:لا حاكمية إلا لله , ولا شريعة إلا من الله , ولا سلطان لأحد على أحد , لأن السلطان كله لله . . ولأن الجنسية التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة , التي يتساوي فيها العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس والألوان تحت راية الله .
وهذا هو الطريق . .
وبعث رسول الله [ ص ] بهذا الدين , والمجتمع العربي كأسوأ ما يكون المجتمع توزيعا للثروة والعدالة . . قلة قليلة تملك المال والتجارة ; وتتعامل بالربا فتضاعف تجارتها ومالها . وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع . . والذين يملكون الثروة يملكون معها الشرف والمكانة ; وجماهير كثيفة ضائعة من المال والمجد جميعا !
وكان في استطاعة محمد [ ص ] أن يرفعها راية اجتماعية ; وأن يثيرها حربا على طبقة الأشراف ; وأن يطلقها دعوة تستهدف تعديل الأوضاع ورد أموال الأغنياء على الفقراء !
ولو دعا يومها رسول الله [ ص ] هذه الدعوة , لانقسم المجتمع العربي صفين:الكثرة الغالبة فيه مع الدعوة الجديدة , في وجه طغيان المال والشرف . بدلا من أن يقف المجتمع كله صفا في وجه:"لا إله إلا الله" التي لم يرتفع إلى أفقها في ذلك الحين إلا الأفذاذ من الناس .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:06 pm

وربما قيل:إن محمدا [ ص ] كان خليقا بعد أن تستجيب له الكثرة ; وتوليه قيادها ; فيغلب بها القلة ويسلس له مقادها . . أن يستخدم مكانه يومئذ وسلطانه في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه , وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبدهم لسلطانه !
ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم , لم يوجهه هذا التوجيه . .
لقد كان الله - سبحانه - يعلم أن هذا ليس هو الطريق . . كان يعلم أن العدالة الاجتماعية لا بد أن تنبثق في المجتمع من تصور اعتقادي شامل ; يرد الأمر كله لله ; ويقبل عن رضى وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة في التوزيع , ومن تكافل بين الجميع ; ويستقر معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه أنه ينفذ نظاما يرضاه الله ;ويرجو على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا والآخرة سواء . فلا تمتلى ء قلوب بالطمع , ولا تمتلىء قلوب بالحقد ; ولا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا ; وبالتخويف والإرهاب ! ولا تفسد القلوب كلها وتختنق الأرواح ; كما يقع في الأوضاع التي نراها قد قامت على غير:"لا إله إلا الله" . .
وبعث رسول الله [ ص ] والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربية في الدرك الأسفل في جوانب منه شتى - إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدوية .
كان التظالم فاشيا في المجتمع , تعبر عنه حكمة الشاعر:زهير بن أبى سلمى:
(ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه % يهدم , ومن لا يظلم الناس يظلم)
ويعبر عنه القول المتعارف:"انصر أخاك ظالما أو مظلومًا" .
وكانت الخمر والميسر من تقاليد المجتمع الفاشية ومن مفاخرة كذلك ! يعبر عن هذه الخصلة الشعر الجاهلي بجملته . . كالذي يقوله طرفة بن العبد:
(فلولا ثلاث هن من زينة الفتى % وجدك لم أحفل متى قام عودي)
(فمنهن سبقي العاذلات بشربة % كميت متى ما تعل بالماء تزبد !)
. . . الخ
وكانت الدعارة - في صور شتى - من معالم هذا التجمع . . كالذي روته عائشة رضي الله عنها:
"إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء:فنكاح منها نكاح الناس اليوم:يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو بنته , فيصدقها ثم ينكحها . . والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته - إذا طهرت من طمثها - أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه . ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه . فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب . وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ! فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع . . ونكاح آخر:يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرآة , كلهم يصيبها . فإذا حملت ووضعت , ومر عليها ليال , بعد أن تضع حملها , أرسلت إليهم , فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع , حتى يجتمعوا عندها , تقول لهم:قد عرفتم الذي كان من أمركم , وقد ولدت , فهو ابنك يا فلان , تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها , ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل . والنكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها - وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن الرايات تكون علما , فمن أرادهن دخل عليهن - فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها , جمعوا لها ودعوا القافة , ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطه , ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك" . . . [ أخرجه البخاري في كتاب النكاح ] .
وكان في استطاعة محمد [ ص ] أن يعلنها دعوة إصلاحية , تتناول تقويم الأخلاق , وتطهير المجتمع , وتزكية النفوس , وتعديل القيم والموازين . .
وكان واحدا وقتها - كما يجد كل مصلح أخلاقي في أية بيئة - نفوسا طيبة , يؤذيها هذا الدنس ; وتأخذها الأريحية والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير . .
وربما قال قائل:إنه لو صنع رسول الله [ ص ] ذلك فاستجابت له - في أول الأمر - جمهرة صالحة ; تتطهر أخلاقها , وتزكو أرواحها , فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها . . بدلا من أن تثير دعوة أن لا إله إلا الله المعارضة القوية منذ أول الطريق !
ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم , لم يوجه رسوله [ ص ] إلى مثل هذا الطريق . .
لقد كان الله - سبحانه - يعلم أن ليس هذا هو الطريق ! كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس من عقيدة , تضع الموازين , وتقرر القيم وتقرر السلطة التي ترتكن إليها هذه الموازين والقيم ; كما تقرر الجزاء الذي تملكه هذه السلطة وتوقعه على الملتزمين والمخالفين . وأنه قبل تقرير تلك العقيدة تظل القيم كلها متأرجحة ; وتظل الأخلاق التي تقوم عليها متأرجحة كذلك ; بلا ضابط , وبلا سلطان , وبلا جزاء !
فلما تقررت العقيدة - بعد الجهد الشاق - وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة . . لما عرف الناس ربهم وعبدوه وحده . . لما تحرر الناس من سلطان العبيد , ومن سلطان الشهوات سواء . . لما تقررت في القلوب:"لا إله إلا الله" . . صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون . .
تطهرت الأرض من الرومان والفرس . . لا ليتقرر فيها سلطان العرب . . ولكن ليتقرر فيها سلطان الله . . لقد تطهرت من الطاغوت كله:رومانيا وفارسيا وعربيا على السواء .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:06 pm

وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته . وقام النظام الإسلامي يعدل بعدل الله , ويزن بميزان الله ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده ; ويسميها راية الإسلام , لا يقرن إليها اسما آخر ; ويكتب عليها:"لا إله إلا الله" !
وتطهرت النفوس والأخلاق , وزكت القلوب والأرواح ; دون أن يحتاج الأمر إلى الحدود والتعازير التي شرعها الله - إلا في الندرة النادرة - لأن الرقابة قامت هنالك في الضمائر ; ولأن الطمع في رضى الله وثوابه , والحياء والخوف من غضبه وعقابه قد قامت كلها مقام الرقابة ومقام العقوبات . .
وارتفعت البشرية في نظامها , وفي أخلاقها , وفي حياتها كلها , إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط ; والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام . .
ولقد تم هذا كله لأن الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وأحكام ; كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم , في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك . وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدين وعدا واحدا , لا يدخل فيه الغلب والسلطان . . ولا حتى لهذا الدين على أيديهم . . وعدا واحدا لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا . . وعدا واحدا هو الجنة . . هذا كل ما وعدوه على الجهاد المضني , والابتلاء الشاق , والمضي في الدعوة , ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان , في كل زمان وفي كل مكان , وهو:"لا إله إلا الله" !
فلما أن ابتلاهم الله فصبروا ; ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم ; ولما أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض - كائنا ما كان هذا الجزاء ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم , وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم - ولما لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجنس ولا قوم , ولا اعتزاز بوطن ولا أرض . ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت . .
لما أن علم الله منهم ذلك كله , علم أنهم قد أصبحوا - إذن - أمناء على هذه الأمانة الكبرى . أمناء على العقيدة التي يتفرد فيها الله سبحانه بالحاكمية في القلوب والضمائر وفي السلوك والشعائر , وفي الأرواح والأموال , وفي الأوضاع والأحوال . . وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها , وعلى عدل الله يقيمونه , دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لأنفسهم ولا لعشيرتهم ولا لقومهم ولالجنسهم ; إنما يكون السلطان الذي في أيديهم لله ولدينه وشريعته , لأنهم يعلمون أنه من الله , هو الذي آتاهم إياه .
ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع , إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء , وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها . . راية لا إله إلا الله . . ولا ترفع معها سواها . . وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره ; المبارك الميسر في حقيقته .
وما كان هذا المنهج المبارك ليخلص لله , لو أن الدعوة بدأت خطواتها الأولى دعوة قومية , أو دعوة اجتماعية , أو دعوة أخلاقية . . أو رفعت أي شعار إلى جانب شعارها الواحد:"لا إله إلا الله" . .
3 - لماذا بدأ القرآن بالعقيدة ثم بالتشريعات ? وطريق الدعوة
ذلك شأن تصدي القرآن المكي كله لتقرير:"لا إله إلا الله" في القلوب والعقول , واختيار هذا الطريق - على مشقته في الظاهر - وعدم اختيار السبل الجانبية الأخرى ; والإصرار على هذا الطريق . .
فأما شأن هذا القرآن في تناول قضية الاعتقاد وحدها , دون التطرق إلى تفصيلات النظام الذي يقوم عليها , والشرائع التي تنظم المعاملات فيها . . فذلك كذلك مما ينبغي أن يقف أمامه أصحاب الدعوة لهذا الدين وقفة واعية . .
إن طبيعة هذا الدين هي التي قضت بهذا . . فهو دين يقوم كله على قاعدة الألوهية الواحدة . . كل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير . . وكما أن الشجرة الضخمة الباسقة الوارفة المديدة الظلال المتشابكة الأغصان , الضاربة في الهواء . . لا بد لها أن تضرب بجذورها في التربة على أعماق بعيدة , وفي مساحات واسعة ; تناسب ضخامتها وامتدادها في الهواء . . فكذلك هذا الدين . . إن نظامه يتناول الحياة كلها ; ويتولى شؤون البشرية كبيرها وصغيرها ; وينظم حياة الإنسان لا في هذه الحياة الدنيا وحدها , ولكن كذلك في الدار الآخرة ; ولا في عالم الشهادة وحده ولكن كذلك في عالم الغيب المكنون عنها ; ولا في المعاملات الظاهرة المادية , ولكن في أعماق الضمير ودنيا السرائر والنوايا . . فهو مؤسسة ضخمة هائلة شاسعة مترامية . . ولا بد له إذن من جذور وأعماق بهذه السعة والضخامة والعمق والانتشار أيضا . .
هذا جانب من سر هذا الدين وطبيعته ; يحدد منهجه في بناء نفسه وفي امتداده ; ويجعل بناء العقيدة وتمكينها , وشمول هذه العقيدة واستغراقها لشعاب النفس كلها . . ضرورة من ضرورات النشأة الصحيحة , وضمانا من ضمانات الاحتمال والتناسق بين الظاهر من الشجرة في الهواء , والضارب من جذورها في الأعماق . .
ومتى استقرت عقيدة:"لا إله إلا الله" في أعماقها الغائرة البعيدة , استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه:"لا إله إلا الله" ; وتعين أنه النظام الوحيد الذي ترتضيه النفوس التي استقرت فيها العقيدة . . واستسلمت هذه النفوس ابتداء لهذا النظام حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته , وقبل أن تعرض عليها تشريعاته . فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان . . وبمثل هذا الاستسلام تلقت النفوس تنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول , لا تعترض على شيء منه فور صدوره إليها ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له . وهكذا أبطلت الخمر , وأبطل الربا , وأبطل الميسر , وأبطلت العادات الجاهلية كلها , أبطلت بآيات من القرآن , أو كلمات من رسول الله [ ص ] بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها ونظمها وأوضاعها , وجندها وسلطانها , ودعايتها وإعلامها . . فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات ;بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات !
وجانب آخر من طبيعة هذا الدين يتجلى في هذا المنهج القويم . . إن هذا الدين منهج عملي حركي جاد . . جاء ليحكم الحياة في واقعها ; ويواجه هذا الواقع ليقضي فيه بأمره . . يقره أو يعدله أو يغيره من أساسه . . ومن ثم فهو لا يشرع إلا لحالات واقعة فعلا , في مجتمع يعترف ابتداء بحاكمية الله وحده .
إنه ليس نظرية تتعامل مع الفروض ! إنه منهج يتعامل مع الواقع ! فلا بد أولا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة أن لا إله إلا الله , وأن الحاكمية ليست إلا لله ; ويرفض أن يقر بالحاكمية لأحد من دون الله ; ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة . .
وحين يقوم هذا المجتمع فعلا , تكون له حياة واقعية , تحتاج إلى تنظيم وإلى تشريع . . وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وفي سن الشرائع . . لقوم مستسلمين أصلا للنظم والشرائع , رافضين ابتداء لغيرها من النظم والشرائع . .
ولا بد أن يكون للمؤمنين بهذه العقيدة من السلطان على أنفسهم وعلى مجتمعهم ما يكفل تنفيذ النظام والشرائع في هذا المجتمع ; حتى تكون للنظام هيبته ويكون للشريعة جديتها . . فوق ما يكون لحياة هذا المجتمع من الواقعية ما يقتضي الأنظمة والشرائع من فورها .
والمسلمون في مكة لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على مجتمعهم . وما كانت لهم حياة واقعية مستقلة هم الذين ينظمونها بشريعة الله . . ومن ثم لم ينزل الله في هذه الفترة تنظيمات وشرائع ; وإنما نزل لهم عقيدة , وخلقا منبثقا من العقيدة بعد اسقرارها في الأعماق البعيدة . . فلما صارت لهم دولة في المدينة ذات سلطان تنزلت عليهم الشرائع ; وتقرر لهم النظام ; الذي يواجه حاجات المجتمع المسلم الواقعية ; والذي تكفل له الدولة بسلطانها الجدية والنفاذ . .
ولم يشأ الله أن ينزل عليهم النظام والشرائع في مكة , ليختزنوها جاهزة , حتى تطبق بمجرد قيام الدولة في المدينة ! إن هذه ليست طبيعة هذا الدين ! إنه أشد واقعية من هذا وأكثر جدية ! إنه لا يفترض المشكلات ليفترض لها حلولا . . إنما هو يواجه الواقع بحجمه وشكله وملابساته لصوغه في قالبه الخاص , وفق حجمه وشكله وملابساته . .
والذين يريدون من الإسلام اليوم أن يصوغ قوالب نظام , وأن يصوغ تشريعات حياة . . بينما ليس على وجه الأرض مجتمع قد قرر فعلا تحكيم شريعة الله وحدها , ورفض كل شريعة سواها , مع تملكه للسلطة التي تفرض هذا وتنفذه . . الذين يريدون من الإسلام ذلك لا يدركون طبيعة هذا الدين , ولا كيف يعمل في الحياة ; كما يريد له الله . .
إنهم يريدون منه أن يغير طبيعته ومنهجه وتاريخه ليشابه أنظمة بشرية , ومناهج بشرية . ويحاولون أن يستعجلوه عن طريقه وخطواته ليلبي رغبات وقتية في نفوسهم إنما تنشئها الهزيمة الداخلية في أرواحهم تجاه أنظمة بشرية صغيرة . . إنهم يريدون منه أن يصوغ نفسه في قالب فروض , تواجه مستقبلا غير موجود . . والله يريد لهذا الدين أن يكون كما أراده . . عقيدة تملأ القلب , وتفرض سلطانها على الضمير . عقيدة مقتضاهاألا يخضع الناس إلا لله , ولا يتلقوا الشرائع إلا من الله . وبعد أن يوجد الناس الذين هذه عقيدتهم , ويصبح لهم السلطان في مجتمعهم , تبدأ التشريعات لمواجهة حاجاتهم الواقعية , وتنظيم حياتهم الواقعية كذلك .
كذلك يجب أن يكون مفهوما لأصحاب الدعوة الإسلامية , أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين , يجب أن يدعوهم أولا إلى اعتناق العقيدة - حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين ! وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون - يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو أولا إقرار عقيدة:لا إله إلا الله بمدلولها الحقيقي وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله , وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم . . إقرارها في ضمائرهم وشعائرهم , وإقرارها في أوضاعهم وواقعهم . .
ولتكن هذه القضية هي أساس دعوة الناس إلى الإسلام كما كانت هي أساس دعوتهم إلى الإسلام أول مرة . . هذه الدعوة التي تكفل بها القرآن المكي طوال ثلاثة عشر عاما كاملة . .
فإذا دخل في هذا الدين - بمفهومه هذا الأصيل - عصبة من الناس , فهذه العصبة هي التي تصلح لمزاولة النظام الإسلام في حياتها الاجتماعية ; لأنها قررت بينها وبين نفسها أن تقوم حياتها على هذا الأساس ; وألا تحكم في حياتها كلها إلا الله .
وحين يقوم هذا المجتمع بالفعل يبدأ عرض أسس النظام الإسلامي عليه ; كما يأخذ هذا المجتمع نفسه في سن التشريعات التي تقتضيها حياته الواقعية , في إطار الأسس العامة للنظام الإسلامي . . فهذا هو الترتيب الصحيح لخطوات المنهج الإسلامي الواقعي العملي الجاد . .
ولقد يخيل إلى بعض المخلصين المتعجلين , ممن لا يتدبرون طبيعة هذا الدين , وطبيعة منهجه الرباني القويم , المؤسس على حكمه العليم الحكيم , وعلمه بطبائع البشر وحاجات الحياة . . نقول لقد يخيل لبعض هؤلاء أن عرض أسس النظام الإسلامي - بل التشريعات الإسلامية كذلك - على الناس مما ييسر لهم طريق الدعوة , ويحبب الناس في هذا الدين !
وهذا وهم تنشئه العجلة ! وهم كالذي كان يقترحه المقترحون:أن تقوم دعوة رسول الله [ ص ] - في أولها تحت راية قومية , أو اجتماعية , أو أخلاقية , تيسيرا للطريق !
إن النفوس يجب أن تخلص أولا لله , وتعلن عبوديتها له , بقبول شرعه وحده ورفض كل شرع غيره . . من ناحية المبدأ . . قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه !
إن الرغبة يجب أن تنبثق من الرغبة في إخلاص العبودية لله , والتحرر من سلطان سواه . . لا من أن النظام المعروض عليها . . في ذاته . . خير مما لديها في كذا وكذا على وجه التفصيل .
إن نظام الله خير في ذاته , لأنه من شرع الله . ولن يكون شرع العبيد يوما كشرع الله . . ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة . . إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله وحدة ورفض كل شرع غيره هو ذاته الإسلام . وليس للإسلام مدلول سواه . فمن رغب في الإسلام فقد فصل في هذه القضية ولم يعد بحاجة إلى ترغيبه بجمال النظام وأفضليته . . فهذه إحدى بديهيات الإيمان !
4 - منهج القرآن في عرض العقيدة
وبعد فلا بد أن نقول كيف عالج القرآن المكي قضية العقيدة في خلال الثلاثة عشر عاما . . إنه لم يعرضها في صورة "نطرية " ! ولم يعرضها في صورة "لاهوت" ولم يعرضها في صورة جدل كلامي كالذي زاولهفيما بعد ما سمي ب "علم التوحيد" أو "علم الكلام" !
كلا . . لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة "الإنسان" بما في وجوده هو وبما في الوجود من حوله من دلائل وإيحاءات . . كان يستنقذ فطرته من الركام ; ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها ; ويفتح منافذ الفطرة لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها . . والسورة التي بين أيدينا نموذج كامل من هذا المنهج المتفرد وسنتحدث عن خصائصها بعد قليل . .
هذا بصفة عامة . وبصفة خاصة كان القرآن يخوض بهذه العقيدة معركة حية واقعية . . كان يخوض بها معركة مع الركام المعطل للفطرة . . في نفوس آدمية حاضرة واقعة . . ومن ثم لم يكن شكل "النظرية " هو الشكل الذي يناسب هذا الواقع الحاضر . إنما كان هو شكل المواجهة الحية للعقابيل والسدود والحواجز والمعوقات النفسية والواقعية في النفوس الحاضرة الحية . . ولم يكن الجدل الذهني الذي انتهجه - في العصور المتأخرة - علم التوحيد , هو الشكل المناسب كذلك . . فلقد كان القرآن يواجه واقعا بشريا كاملا بكل ملابساته الحية ; ويخاطب الكينونة البشرية بجملتها في خضم هذا الواقع . . وكذلك لم يكن "اللاهوت" هو الشكل المناسب . فإن العقيدة الإسلامية ولو أنها عقيدة , إلا أنها عقيدة تمثل منهج حياة واقعية للتطبيق العملي ; ولا تقبع في الزاوية الضيقة التي تقبع فيها الأبحاث اللاهوتية النظرية !
كان القرآن وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة يخوض بهذه الجماعة المسلمة معركة ضخمة مع الجاهلية من حولها ; كما يخوض بها معركة ضخمة مع رواسب الجاهلية في ضميرها وأخلاقها وواقعها . . ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة , لا في صورة نظرية , ولا في صورة لاهوت ولا في صورة جدل كلامي . . ولكن في صورة تكوين تنظيمي مباشر للحياة , ممثل في الجماعة المسلمة ذاتها . وكان نمو الجماعة المسلمة في تصورها الاعتقادي , وفي سلوكها الواقعي وفق هذا التصور , وفي دربتها على مواجهة الجاهلية كمنظمة محاربة لها . . كان هذا النمو ذاته ممثلا تماما لنمو البناء العقيدي , وترجمة حية له . . وهذا هو منهج الإسلام الذي يمثل طبيعته كذلك . .
وإنه لمن الضروري لأصحاب الدعوة الإسلامية أن يدركوا طبيعة هذا الدين ومنهجه في الحركة على هذا النحو الذي بيناه . . ذلك ليعلموا أن مرحلة بناء العقيدة التي طالت في العهد المكي على هذا النحو , لم تكن منعزلة عن مرحلة التكوين العملي للحركة الإسلامية , والبناء الواقعي للجماعة المسلمة . . لم تكن مرحلة تلقي "النظرية " ودراستها ! ولكنها كانت مرحلة البناء القاعدي للعقيدة وللجماعة وللحركة وللوجود الفعلي معا . . وهكذا ينبغي أن تكون كلما أريد إعادة هذا البناء مرة أخرى . .
هكذا ينبغي أن تطول مرحلة بناء العقيدة ; وأن تتم خطواتها على مهل وفي عمق وتثبت . . وهكذا ينبغي ألا تكون مرحلة بناء العقيدة مرحلة دراسة نظرية للعقيدة ; ولكن مرحلة ترجمة لهذه العقيدة في صورة حية , متمثلة في ضمائر متكيفة بهذه العقيدة ; ومتمثلة في بناء جماعي يعبر نموه عن نمو العقيدة ذاتها ; ومتمثلة في حركة واقعية تواجه الجاهلية وتخوض معها المعركة في الضمير وفي الواقع كذلك ; لتتمثل العقيدة حية وتنمو نموا حيا في خضم المعركة .
وخطأ أي خطأ - بالقياس إلى الإسلام - أن تتبلور النظرية في صورة نظرية مجردة للدراسة النظرية . . المعرفية الثقافية . . بل خطر أي خطر كذلك . .
إن القرآن لم يقض ثلاثة عشر عاما كاملة في بناء العقيدة بسبب أنه كان يتنزل للمرة الأولى . . كلا !فلو أراد الله لأنزل هذا القرآن جملة واحدة ; ثم ترك أصحابه يدرسونه ثلاثة عشر عاما أو أكثر أو أقل , حتى يستوعبوا "النظرية الإسلامية " !
ولكن الله - سبحانه - كان يريد أمراً آخر . كان يريد منهجا معينا متفردا . كان يريد بناء الجماعة وبناء الحركة وبناء العقيدة في وقت واحد . كان يريد أن يبني الجماعة والحركة بالعقيدة , وأن يبني العقيدة بالجماعة والحركة ! كان يريد أن تكون العقيدة هي واقع الجماعة الفعلي , وأن يكون واقع الجماعة الحركي الفعلي هو صورة العقيدة . . وكان الله - سبحانه - يعلم أن بناء النفوس والجماعات لا يتم بين يوم وليلة . . فلم يكن بد أن يستغرق بناء العقيدة المدى الذي يستغرقه بناء النفوس والجماعة . . حتى إذا نضج التكوين العقيدي كانت الجماعة هي المظهر الواقعي لهذا النضوج . .
هذه هي طبيعة هذا الدين - كما تستخلص من منهج القرآن المكي - ولا بد أن نعرف طبيعته هذه ; ولا نحاول أن نغيرها تلبية لرغبات معجلة مهزومة أمام أشكال النظريات البشرية ! فهو بهذه الطبيعة صنع الأمة المسلمة أول مرة , وبها يصنع الأمة المسلمة في كل مرة يراد أن يعاد إخراج الأمة المسلمة للوجود , كما أخرجها الله أول مرة . .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:07 pm

يجب أن ندرك خطأ المحاولة , وخطرها معا , في تحويل العقيدة الإسلامية الحية التي يجب أن تتمثل في واقع تام حي متحرك , إلى "نظرية " للدراسة والمعرفة الثقافية لمجرد أننا نريد أن نواجه "النظريات" البشرية الهزيلة بنظرية إسلامية !
إن العقيدة الإسلامية يجب أن تتمثل في نفوس حية , وفي تنظيم واقعي , وفي حركة تتفاعل مع الجاهلية من حولها , كما تتفاعل مع الجاهلية الراسبة في نفوس أصحابها - بوصفهم كانوا من أهل الجاهلية قبل أن تدخل العقيدة إلى نفوسهم وتنتزعها من الوسط الجاهلي . وهي في صورتها هذه تشغل من القلوب والعقول ومن الحياة أيضا مساحة أضخم وأوسع وأعمق مما تشغله "النظرية " ; وتشمل - فيما تشمل - مساحة النظرية ومادتها . ولكنها لا تقتصر عليها .
إن التصور الإسلامي للألوهية وللوجود الكوني وللحياة وللإنسان , تصور شامل كامل . ولكنه كذلك تصور واقعي إيجابي . وهو يكره - بطبيعته - أن يتمثل في مجرد تصور ذهني معرفي . لأن هذا يخالف طبيعته وغايته . ويجب أن يتمثل في أناسي , وفي تنظيم حي , وفي حركة واقعية . . وطريقته في التكون أن ينمو من خلال الأناسي والتنظيم الحي والحركة الواقعية ; حتى يكتمل نظريا في نفس الوقت الذي يكتمل فيه واقعيا ; ولا ينفصل في صورة نظرية ; بل يظل ممثلا في الصورة الواقعية . .
وكل نمو نظري يسبق النمو الحركي الواقعي , ولا يتمثل من خلاله , هو خطأ وخطر كذلك بالقياس إلى طبيعة هذا الدين , وغايته , وطريقة تركيبه الذاتي .
والله سبحانه يقول:
(وقرآنا فرقناه , لتقرأه على الناس على مكث , ونزلناه تنزيلًا). .
فالفرق مقصود . والمكث مقصود كذلك . . ليتم البناء التكويني المؤلف من عقيدة في صورة "منظمة حية " لا في صورة "نظرية معرفية " !
يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيدا , أنه كما أن هذا الدين دين رباني , فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك , متواف مع طبيعته . وأنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل .
ويجب أن يعرفوا كذلك أن هذا الدين كما أنه جاء ليغير التصور الاعتقادي - ومن ثم يغير الواقع الحيوي - فكذلك هو قد جاء ليغير المنهج الفكري والحركي الذي يبني به التصور الاعتقادي ويغير به الواقع الحيوي . . جاء ليبني عقيدة وهو يبني أمة . . ثم لينشىء منهج تفكير خاصا به بنفس الدرجة التي ينشىء بها تصورا اعتقاديا وواقعا حيويا . ولا انفصال بين منهج تفكيره الخاص وتصوره الاعتقادي وبنائه الحيوي , فكلها حزمة واحدة .
فإذا عرفنا منهجه في العمل على النحو الذي بيناه , فلنعرف أن هذا المنهج أصيل ; وليس منهج مرحلة ولا بيئة ولا ظروف خاصة بنشأة الجماعة المسلمة الأولى . إنما هو المنهج الذي لا يقوم بناء هذا الدين إلا به .
إنه لم تكن وظيفة الإسلام أن يغير عقيدة الناس وواقعهم فحسب . ولكن كانت وظيفته أن يغير طريقة تفكيرهم , وتناولهم للتصور وللواقع . ذلك أنه منهج رباني مخالف في طبيعته كلها لمناهج البشر القاصرة الهزيلة .
ونحن لا نملك أن نصل إلى التصور الرباني والحياة الربانية إلا عن طريق منهج تفكير رباني كذلك . منهج أراد الله أن يقيم منهج الناس في التفكير على أساسه ليصح تصورهم وتكوينهم الحيوي .
ونحن حين نريد من الإسلام أن يجعل من نفسه نظرية للدراسة نخرج عن طبيعة المنهج الرباني للتكوين ; وعن طبيعة المنهج الرباني للتفكير . ونخضع الإسلام لطرائق التفكير البشرية ! كأنما المنهج الرباني أدنى من المناهج البشرية ! وكأنما نريد لنرتقي بمنهج الله في التصور والحركة ليوازي مناهج العبيد !
والأمر من هذه الناحية يكون خطيرا . والهزيمة تكون قاتلة !
إن وظيفة المنهج الرباني أن يعطينا - نحن أصحاب الدعوة الإسلامية - منهجا خاصا للتفكير نبرأ به من رواسب مناهج التفكير الجاهلية السائدة في الأرض ; والتي تضغط على عقولنا وتترسب في ثقافتنا . . فإذا نحن أردنا أن نتناول هذا الدين بمنهج تفكير غريب عن طبيعته من مناهج التفكير الجاهلية الغالبة , كنا قد أبطلنا وظيفته التي جاء ليؤديها للبشرية ; وحرمنا أنفسنا فرصة الخلاص من ضغط المنهج الجاهلي السائد في عصرنا , وفرصة الخلاص من رواسبه في عقولنا وتكويننا .
والأمر من هذه الناحية كذلك يكون خطيرا , والخسارة تكون قاتلة . .
إن منهج التفكير والحركة في بناء الإسلام , لا يقل قيمة ولا ضرورة عن منهج التصور الاعتقادي والنظام الحيوي ; ولا ينفصل عنه كذلك . . ومهما يخطر لنا أن نقدم ذلك التصور وهذا النظام في صورة تعبيرية , فيجب ألا يغيب عن بالنا أن هذا لا ينشى ء "الإسلام" في الأرض في صورة حركة واقعية , بل يجب ألا يغيب عن بالنا أنه لن يفيد من تقديمنا الإسلام في هذه الصورة إلا المشتغلون فعلا بحركة إسلامية واقعية . وأن قصارى ما يفيده هؤلاء من تقديم الإسلام لهم في هذه الصورة هو أن يتفاعلوا معها بالقدر الذي وصلوا إليه هم فعلا في أثناء الحركة !
ومرة أخرى أكرر أن التصور الاعتقادي يجب أن يتمثل من فوره في تجمع حركي ; وأن يكون التجمع الحركي في الوقت ذاته تمثيلا صحيحا وترجمة حقيقية للتصور الاعتقادي .
ومرة أخرى أكرر كذلك أن هذا هو المنهج الطبيعي للإسلام الرباني , وأنه منهج أعلى وأقوم وأشد فاعلية وأكثر انطباقا على الفطرة البشرية من منهج صياغة النظريات كاملة مستقلة وتقديمها في الصورة الذهنية الباردة للناس , قبل أن يكون هؤلاء الناس مشتغلين بالفعل بحركة واقعية ; وقبل أن يكونوا هم أنفسهم ترجمة تنمو خطوة خطوة لتمثيل ذلك المفهوم النظري .
وإذا صح هذا في أصل النظرية فهو أصح - بطبيعة الحال - فيما يختص بتقديم أسس النظام الذي يتمثل فيه التصور الإسلامي , أو تقديم التشريعات المفصلة لهذا النظام .
إن الجاهلية التي حولنا كما أنها تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية فتجعلهم يستعجلون خطوات المنهج الإسلامي , كذلك هي تتعمد أحيانا أن تحرجهم فتسألهم:أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه ? وماذا أعددتم لتنفيذه من بحوث ومن تفصيلات ومن مشروعات ? وهي في هذا تتعمد أن تعجلهم عن منهجهم , وأن تجعلهم يتجاوزون مرحلة بناء العقيدة ; وأن يحولوا منهجهم الرباني عن طبيعته , التي تتبلور فيها النظرية من خلال الحركة , ويتحدد فيها النظام من خلال الممارسة , وتسن فيها التشريعات في ثنايا مواجهة الحياة الواقعية بمشكلاتها الحقيقية . .
ومن واجب أصحاب الدعوة الإسلامية ألا يستجيبوا للمناورة ! من واجبهم أن يرفضوا إملاء منهج غريب على حركتهم وعلى دينهم ! من واجبهم ألا يستخفهم من لا يوقنون !
ومن واجبهم أن يكشفوا مناورة الإحراج وأن يستعلوا عليها ; وأن يتحركوا بدينهم وفق منهج هذا الدين في الحركة . فهذا من أسرار قوته , وهذا هو مصدر قوتهم كذلك .
إن المنهج في الإسلام يساوي الحقيقة ; ولا انفصام بينهما . . وكل منهج غريب لا يمكن أن يحقق الإسلام في النهاية . والمناهج الغربية الغريبة يمكن أن تحقق أنظمتها البشرية ; ; ولكنها لا يمكن أن تحقق نظامنا الرباني . . فالتزام المنهج ضروري كالتزام العقيدة وكالتزام النظام في كل حركة إسلامية . لا في الحركة الإسلامية الأولى كما يظن بعض الناس !
هذه هي كلمتي الأخيرة . . وإنني لأرجو أن أكون بهذا البيان لطبيعة القرآن المكي , ولطبيعة المنهج الرباني المتمثل فيه , قد بلغت ; وأن يعرف أصحاب الدعوة الإسلامية طبيعة منهجهم , ويثقوا به , ويطمئنوا إليه ; ويعلموا أن ما عندهم خير , وأنهم هم الأعلون . . (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم). . صدق الله العظيم . .
ونمضي بعد ذلك لمواجهة السورة .
5 - موضوع سورة الأنعام وطريقتها في عرضه
هذه السورة - وهي أولى السور المكية التي نتعرض لها هنا في سياق هذه الظلال - نموذج كامل للقرآن المكي الذي تحدثنا عن طبيعته وخصائصه ومنهجه في الصفحات السابقة ; وهي تمثل طبيعة هذا القرآن وخصائصه ومنهجه , في موضوعها الأساسي , وفي منهج التناول , وفي طريقة العرض سواء . . ذلك مع احتفاظها "بشخصيتها" الخاصة ; وفق الظاهرة الملحوظة في كل سور القرآن ; والتي لا تخطئها الملاحظة البصيرة في أية سورة . . فلكل سورة شخصيتها , وملامحها , ومحورها , وطريقة عرضها لموضوعها الرئيسي ; والمؤثرات الموحية المصاحبة للعرض ; والصور والظلال والجو الذي يظللها ; والعبارات الخاصة التي تتكرر فيها ; وتكون أشبه باللوازم المطردة فيها . . . حتى وهي تتناول موضوعا واحدا أو موضوعات متقاربة . فليس الموضوع هو الذي يرسم شخصية السورة ; ولكنه هذه الملامح والسمات الخاصة بها !
وهذه السورة - مع ذلك - تعالج موضوعها الأساسي بصورة فريدة . . إنها في كل لمحة منها وفي كل موقف , وفي كل مشهد , تمثل "الروعة الباهرة " . . الروعة التي تبده النفس , وتشده الحس , وتبهر النفس أيضا ; وهو يلاحق مشاهدها وإيقاعها وموحياتها مبهورا !
نعم ! هذه حقيقة ! حقيقة أجدها في نفسي وحسي وأنا أتابع سياق السورة ومشاهدها وإيقاعاتها . . وما أظنبشرا ذا قلب لا يجد منها لونا من هذا الذي أجد . . إن الروعة فيها تبلغ فعلا حد البهر . حتى لا يملك القلب أن يتابعها إلا مبهورا مبدوها !
إنها - في جملتها - تعرض "حقيقة الألوهية " . . تعرضها في مجال الكون والحياة , كما تعرضها في مجال النفس والضمير , وتعرضها في مجاهيل هذا الكون المشهود , كما تعرضها في مجاهيل ذلك الغيب المكنون . . وتعرضها في مشاهد النشأة الكونية والنشأة الحيوية والنشأة الإنسانية , كما تعرضها في مصارع الغابرين واستخلاف المستخلفين . . وتعرضها في مشاهد الفطرة وهي تواجه الكون , وتواجه الأحداث , وتواجه النعماء والضراء , كما تعرضها في مظاهر القدرة الإلهية والهيمنة في حياة البشر الظاهرة والمستكنة , وفي أحوالهم الواقعة والمتوقعة . . وأخيرا تعرضها في مشاهد القيامة , ومواقف الخلائق وهي موقوفة على ربها الخالق . .
إن موضوعها الذي تعالجه من مبدئها إلى منتهاها هو موضوع العقيدة , بكل مقوماتها وبكل مكوناتها . وهي تأخذ بمجامع النفس البشرية , وتطوف بها في الوجود كله , وراء ينابيع العقيدة وموحياتها المستسرة والظاهرة في هذا الوجود الكبير . . إنها تطوف بالنفس البشرية في ملكوت السماوات والأرض , تلحظ فيها الظلمات والنور , وترقب الشمس والقمر والنجوم . وتسرح في الجنات المعروشات وغير المعروشات , والمياه الهاطلة عليها والجارية فيها ; وتقف بها على مصارع الأمم الخالية , وآثارها البائدة والباقية . ثم تسبح بها في ظلمات البر والبحر , وأسرار الغيب والنفس , والحي يخرج من الميت والميت يخرج من الحي , والحبة المستكنة في ظلمات الأرض , والنطفة المستكنة في ظلمات الرحم . ثم تموج بالجن والإنس , والطير والوحش , والأولين والآخرين , والموتى والأحياء , والحفظة على النفس بالليل والنهار . .
إنه الحشد الكوني الذي يزحم أقطار النفس , وأقطار الحس . . ثم إنها اللمسات المبدعة المحيية , التي تنتفض بعدها المشاهد والمعاني أحياء في الحس والخيال . . وإذا كل مكرور مألوف من المشاهد والمشاعر , جديد نابض , كأنما تتلقاه النفس أول مرة ; وكأنما لم يطلع عليه من قبل ضمير إنسان !
وهي تشبه في سياقها المتدافع بهذه المشاهد والمواقف والموحيات والإيقاعات والصور والظلال مجرى النهر المتدافع بالأمواج المتلاحقة . ما تكاد الموجة تصل إلى قرارها حتى تبدو الموجة التالية ملاحقة لها , متشابكة معها ; في المجرى المتصل المتدفق !
وهي في كل موجة من هذه الموجات المتدافعة المتلاحقة المتشابكة , تبلغ حد "الروعة الباهرة " التي وصفنا - مع تناسق منهج العرض في شتى المشاهد كما سنبين - وتأخذ على النفس أقطارها بالروعة الباهرة , وبالحيوية الدافقة , وبالإيقاع التصويري والتعبيري والموسيقي وبالتجمع والاحتشاد ومواجهة النفس من كل درب ومن كل نافذة !
ونحن - سلفا - على يقين أننا لسنا ببالغين شيئا في نقل إيقاعات هذه السورة إلى أي قلب إلا بأن ندع السورة ذاتها تنطلق بسياقها الذاتي , وإيقاعها الذاتي , إلى هذا القلب . . لسنا ببالغين شيئا بالوصف البشري والأسلوب البشري . . ولكنها مجرد المحاولة لإقامة القنطرة بين المعزولين عن هذا القرآن - بحكم بعدهم عن الحياة في جو القرآن - وبين هذا القرآن !
والحياة في جو القرآن لا تعني مدارسة القرآن ; وقراءته والاطلاع على علومه . . إن هذا ليس "جو القرآن" الذي نعنيه . . إن الذي نعنيه بالحياة في جو القرآن:هو أن يعيش الإنسان في جو , وفي ظروف , وفي حركة , وفي معاناة , وفي صراع , وفي اهتمامات . . كالتي كان يتنزل فيها هذا القرآن . . أن يعيش الإنسان في مواجهةهذه الجاهلية التي تعم وجه الأرض اليوم , وفي قلبه , وفي همه , وفي حركته , أن "ينشى ء" الإسلام في نفسه وفي نفوس الناس , وفي حياته وفي حياة الناس , مرة أخرى في مواجهة هذه الجاهلية . بكل تصوراتها , وكل اهتماماتها وكل تقاليدها , وكل واقعها العملي ; وكل ضغطها كذلك عليه , وحربها له , ومناهضتها لعقيدتها الربانية , ومنهجه الرباني ; وكل استجاباتها كذلك لهذا المنهج ولهذه العقيدة ; بعد الكفاح والجهاد والإصرار . .
هذا هو الجو القرآني الذي يمكن أن يعيش فيه الإنسان ; فيتذوق هذا القرآن . . فهو في مثل هذا الجو نزل , وفي مثل هذا الخضم عمل . . والذين لا يعيشون في مثل هذا الجو معزولون عن القرآن مهما استغرقوا في مدارسته وقراءته والاطلاع على علومه . .
والمحاولة التي نبذلها لإقامة القنطرة بين المخلصين من هؤلاء وبين القرآن , ليست بالغة شيئا , إلا بعد أن يجتاز هؤلاء القنطرة ; ويصلوا إلى المنطقة الأخرى ; ويحاولوا أن يعيشوا في "جو القرآن" حقا بالعمل والحركة . وعندئذ فقط سيتذوقون هذا القرآن ; ويتمتعون بهذه النعمة التي ينعم الله بها على من يشاء . .
6 - مجالات عرض الألوهية والعبودية والحاكمية في الأنعام
هذه السورة تعالج قضية العقيدة الأساسية . . قضية الألوهية والعبودية . . تعالجها بتعريف العباد برب العباد . . من هو ? ما مصدر هذا الوجود ? ماذا وراءه من أسرار ? من هم العباد ? من ذا الذي جاء بهم إلى هذا الوجود ? من أنشاهم ? من يطعمهم ? من يكفلهم ? من يدبر أمرهم ? من يقلب أفئدتهم وأبصارهم ? من يقلب ليلهم ونهارهم ? من يبدئهم ثم يعيدهم ? لأي شيء خلقهم ? ولأي أجل أجلهم ? ولأي مصير يسلمهم ? . . هذه الحياة المنبثقة هنا وهناك . . من بثها في هذا الموات ? . . هذا الماء الهاطل . هذا البرعم النابغ . هذا الحب المتراكب . هذا النجم الثاقب . هذا الصبح البازغ . هذا الليل السادل . هذا الفلك الدوار . . هذا كله من وراءه ? وماذا وراءه من أسرار , ومن أخبار ? . . هذه الأمم , وهذه القرون , التي تذهب وتجيء , وتهلك وتستخلف . . من ذا يستخلفها ? ومن ذا يهلكها ? لماذا تستخلف ? ولماذا يدركها البوار ? وماذا بعد الاستخلاف والابتلاء والوفاة من مصير وحساب وجزاء ? ? ?
هكذا تطوف السورة بالقلب البشري في هذه الآماد والآفاق , وفي هذه الأغوار والأعماق . . ولكنها تمضي في هذه كله على منهج القرآن المكي . . الذي أسلفنا الحديث عنه في الصفحات السابقة - وعلى منهج القرآن كله . . إنها لا تهدف إلى تصوير نظرية في العقيدة ولا إلى جدل لاهوتي يشغل الأذهان والأفكار . . إنما تهدف إلى تعريف الناس بربهم الحق ; لتصل من هذا التعريف إلى تعبيد الناس لربهم الحق . تعبيد ضمائرهم وأرواحهم , وتعبيد سعيهم وحركتهم , وتعبيد تقاليدهم وشعائرهم , وتعبيد واقعهم كله لهذا السلطان المتفرد . . سلطان الله الذي لا سلطان لغيره في الأرض ولا في السماء . .
ويكاد اتجاه السورة كله يمضي إلى هذا الهدف المحدد . . من أولها إلى آخرها . . فالله هو الخالق . والله هو الرازق . والله هو المالك . والله هو صاحب القدرة والقهر والسلطان . والله هو العليم بالغيوب والأسرار . والله هو الذي يقلب القلوب والأبصار كما يقلب الليل والنهار . . وكذلك يجب أن يكون الله هو الحاكم في حياة العباد ; وألا يكون لغيره نهى ولا أمر , ولا شرع ولا حكم , ولا تحليل ولا تحريم . فهذا كله من خصائص الألوهية , ولا يجوز أن يزاوله في حياة الناس أحد من دون الله , لا يخلق , ولا يرزق , ولا يحيي ولا يميت , ولا يضر ولا ينفع , ولا يمنح ولا يمنع , ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا في الدنيا ولا في الآخرة . .
وسياق السورة يسوق على هذه القضية أدلته في تلك المشاهد والمواقف والإيقاعات البالغة حد الروعة الباهرة ; والتي تواجه القلب بالحشود الحاشدة من المؤثرات الموحية , من كل درب ومن كل باب !
والقضية الكبيرة التي تعالجها السورة هي قضية الألوهية والعبودية في السماوات والأرض . في محيطها الواسع , وفي مجالها الشامل . . ولكن المناسبة الحاضرة في حياة الجماعة المسلمة حينذاك , المناسبة التطبيقية لهذه القاعدة الكبيرة الشاملة , هي ما تزاوله الجاهلية من حق التحليل والتحريم في الذبائح والمطاعم , ومن حق تقرير بعض الشعائر في النذور من الذبائح والثمار والأولاد . . وهي المناسبة التي تتحدث عنها هذه الآيات في أواخر السورة:
(فكلوا مما ذكر اسم الله عليه , إن كنتم بآياته مؤمنين . وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه , وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه , وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم , إن ربك هو أعلم بالمعتدين . وذروا ظاهر الإثم وباطنه , إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون . ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه , وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم , وإن أطعتموهم إنكم لمشركون). . [ 121 - 118 ] .
(وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا , فقالوا:هذا لله - بزعمهم - وهذا لشركائنا . فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله , وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم , ساء ما يحكمون ! وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم , ولو شاء الله ما فعلوه , فذرهم وما يفترون . وقالوا:هذه أنعام وحرث حجر , لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها , وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها - افتراء عليه - سيجزيهم بما كانوا يفترون . وقالوا:ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا , وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء . سيجزيهم وصفهم , إنه حكيم عليم . قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ; وحرموا ما رزقهم الله - افتراء على الله - قد ضلوا وما كانوا مهتدين). . [ 140 - 136 ]
هذه هي المناسبة الحاضرة في حياة الأمة المسلمة - والجاهلية حولها - التي تتمثل فيها تلك القضية الكبيرة . . قضية التشريع . . ومن ورائها القضية الكبرى . . قضية الألوهية والعبودية التي تعالجها السورة كلها , ويعالجها القرآن المكي كله , كما يعالجها القرآن المدني أيضا كلما جاء ذكر النظام فيه وذكر التشريع .
والحشد الذي يتدفق به سياق السورة من التقريرات والمؤثرات , وهو يواجه الجاهلية وأهلها في أمر هذه الأنعام والذبائح والنذور - وهي المناسبة التي تتمثل فيها قضية حق التشريع - وربطها بقضية العقيدة كلها - قضية الألوهية والعبودية - وجعلها مسألة إيمان أو كفر , ومسألة إسلام أو جاهلية . . هذا الحشد - على النحو الذي سنحاول أن نستعرض نماذج منه في هذا التعريف المختصر بالسورة , والذي سيتجلى على حقيقته في المواجهة التفصيلية للنصوص في السياق بعد ذلك - يوقع في النفس تلك الحقيقة الأصيلة في طبيعة هذا الدين . وهي أن كل جزئية صغيرة في الحياة الإنسانية يجب أن تخضع خضوعا مطلقا لحاكمية الله المباشرة , الممثلة في شريعته . وإلا فهو الخروج من هذا الدين جملة من أجل الخروج على حاكمية الله المطلقة في تلك الجزئية الصغيرة .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:11 pm

كذلك يدل ذلك الحشد على مدى الأهمية التي ينوطها هذا الدين بتخليص مظهر الحياة كله من ظلال حاكمية البشر في أي شأن من شؤون البشر - جل أم حقر , كبر أم صغر - وربط أي شأن من هذه الشؤونبالأصل الكبير الذي يتمثل فيه هذا الدين . . وهو حاكمية الله المطلقة التي تتمثل فيها ألوهيته في الأرض , كما تتمثل ألوهيته في الكون كله بتصريف أمر هذا الكون كله بلا شريك .
إن سياق السورة يعقب على تلك الشعائر الجاهلية في شأن الأنعام والثمار , والنذور منها ومن الأولاد تعقيبات منوعة . بعضها مباشر , لتصوير مدى السخف والتناقض في هذه الشعائر , وبعضها للربط بين مزاولة البشر لحق التحريم والتحليل وقضية العقيدة الكبرى , ولبيان أن اتباع أمر الله فيها هو صراطه المستقيم , الذي يخرج من لا يتبعه عن هذا الدين . . على النحو التالي بعد ذكر تلك الشعائر في الآيات السابقة:
وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات , والنخل والزرع مختلفا أكله , والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه . كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده , ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين . ومن الأنعام حمولة وفرشا , كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان , إنه لكم عدو مبين . ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين . قل:آلذكرين حرم أم الأنثيين ? أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ? نبئوني بعلم إن كنتم صادقين . ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل:آلذكرين حرم أم الأنثيين ? أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ? أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ? فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم , إن الله لا يهدي القوم الظالمين . قل:لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميته أو دما مسفوحا , أو لحم خنزير - فإنه رجس - أو فسقا أهل لغير الله به . فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم . وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر , ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما - إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم - ذلك جزيناهم ببغيهم , وإنا لصادقون . فإن كذبوك فقل:ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين . سيقول الذين أشركوا:لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا , ولا حرمنا من شيء . كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا . قل:هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ? إن تتبعون إلا الظن , وإن أنتم إلا تخرصون . قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين . قل هلم شهداءكم الذين يشهدون ان الله حرم هذا , فإن شهدوا فلا تشهد معهم , ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا , والذين لا يؤمنون بالآخرة , وهم بربهم يعدلون . قل:تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم:ألا تشركوا به شيئا , وبالوالدين إحسانا . ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم , ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن , ولا تقتلوا النفس التي حرم الله - إلا بالحق - ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون . ولا تقربوا مال اليتيم - إلا بالتي هي أحسن - حتى يبلغ أشده , وأوفوا الكيل والميزان بالقسط - لا نكلف نفسا إلا وسعها - وإذا قلتم فاعدلوا - ولو كان ذا قربى - وبعهد الله أوفوا . ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون . وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه , ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . ذلك وصاكم به لعلكم تتقون . . [ 153 - 141 ]
وكذلك نرى أن هذه المسألة الجزئية الخاصة بالتحريم والتحليل في الأنعام والنذور في الأنعام والثمار , وفي الأولاد - على ما كان متبعا في الجاهلية - يربطها السياق بتلك القضايا الكبيرة:بالهدى والضلال . واتباع منهج الله أو اتباع خطوات الشيطان , وبرحمة الله أو بأسه وبالشهادة بوحدانية الله أو عدل غيرها به . وباتباع صراطه مستقيما أو التفرق عنه . ويستخدم نفس التعبيرات التي استخدمها وهو بصدد القضية الكبرى في محيطها الشامل . .
كما نراه يحشد لها من المؤثرات والموحيات - في هذا الموضع وحده - مشهد الخلق والإحياء في الجنات المعروشات وغير المعروشات . ومشهد النخل والزرع مختلفا ألوانه والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه .
وموقف الإشهاد والمفاصلة . وموقف البأس والتدمير على المشركين . .
وهي ذات المشاهد التي حشدها السياق في السورة كلها من قبل , وهو يتناول قضية العقيدة بجملتها , قبل أن يتعرض لهذه المناسبة الخاصة التي تتمثل فيها . ولكل هذا دلالته التي لا تخطى ء على طبيعة هذا الدين , ونظرته لقضية الحاكمية والتشريع في الكثير والقليل . .
ولعلنا قد سبقنا سياق السورة ; ونحن نبين منهجها الموضوعي وهي تتناول قضية العقيدة بجملتها , في مواجهة مناسبة جزئية تتعلق بأمر التشريع والحاكمية . وهي المناسبة التي لا نقول:إنها اقتضت ذلك الحشد المتجمع المتدفق من التقريرات والتأثيرات في سياق السورة كله , وهذا البيان الرائع الباهر لحقيقة الألوهية في مجالها الواسع الشامل . ولكننا نقول:إنها المناسبة التي ربطت في سياق السورة بهذا كله ; فدل هذا الربط على طبيعة هذا الدين ; ونظرته لقضية التشريع والحاكمية في الكبير والصغير , وفي الجليل والحقير من شؤون هذه الحياة الدنيا . . كما أسلفنا . .
فالآن نمضي في التعريف المجمل بالسورة وخصائصها وملامحها , على النحو الذي ألفناه في هذه الظلال , قبل الدخول في الاستعراض المفصل للسياق:
7 - مكية الأنعام ورد القول بمدنية بعض آياتها
في روايات عن ابن عباس , وعن أسماء بنت يزيد , وعن جابر , وعن أنس بن مالك وعن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنهم جميعا - أن هذه السورة مكية , وأنها نزلت كلها جملة واحدة .
وليس في هذه الروايات ما يعين تاريخ نزول السورة ; وليس في موضوعها كذلك ما يحدد زمن نزولها من العهد المكي . . وهي حسب الترتيب الراجح لسور القرآن يجيء ترتيبها بعد سورة الحجر ; وتكون هي السورة الخامسة والخمسين . . ولكننا - كما بينا من قبل في التعريف بسورة البقرة - لا نستطيع بمثل هذه المعلومات أن نجزم بشيء عن تاريخ محدد لنزول السور . فالمعول عليه عندهم - في الغالب - في ترتيب السور على هذا النحو هو تاريخ نزول أوائلها - لا جملتها - وقد تكون هناك أجزاء من سورة متقدمة نزلت بعد أجزاء من سورة متأخرة . إذ المعول في الترتيب على أوائل السورة . . أما في سورة الأنعام فقد نزلت كلها جملة . ولكننا لا نملك تحديد تاريخ نزولها . غير أننا نرجح أنها كانت بعد السنوات الأولى من الرسالة . . ربما الخامسة أو السادسة . . ولا نعتمد في هذا الترجيح على أكثر من رقم الترتيب ; ثم على سعة الموضوعات التي تناولتها , والتوسع في عرضها على هذا النحو , الذي يشي بأن الدعوة والجدل مع المشركين , وطول الإعراض منهم والتكذيب لرسول الله , أصبح يقتضي التوسع في عرض القضايا العقيدية على هذا النحو ; كما يقتضي تسلية رسول الله [ ص ] عن طول الصد والإعراض والتكذيب . .
وفي رواية عن ابن عباس وقتادة:أن السورة مكية كلها إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة . قوله تعالىSadوما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء . قل:من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس , تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا , وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم , قل:الله , ثم ذرهم في خوضهم يلعبون). . وهي الآية:91 . نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين . وقوله تعالىSadوهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله , والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه , كلوا من ثمره إذا أثمر , وآتوا حقه يوم حصاده , ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). .
وهي الآية 141 , نزلت في ثابت بن قيس شماس الأنصاري . . وقال ابن جريج والماوردي:نزلت في معاذ ابن جبل .
والرواية عن الآية الأولى محتملة ; بسبب أن فيها ذكرا للكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس , ومواجهة لليهود في قوله تعالى: (تجعلونه قراطيس تبدونها). . وإن كان هناك روايات أخرى عن مجاهد , وعن ابن عباس أن الذين قالوا:ما أنزل الله على بشر من شيء هم مشركو مكة وأن الآية مكية . وهناك قراءة: قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها ويخفون كثيرًا . . فهي على هذه القراءة خبر عن اليهود وليست خطابا لهم . وسياق الآية كله عن المشركين . وقد رجح ابن جرير هذه الرواية واستحسن هذه القراءة . . وعلى هذا تكون الآية مكية . .
وأما الآية الثانية فالسياق لا يحتمل أن تكون مدنية . لأن السياق بدونها ينقطع ما قبلها فيه عما بعدها في المعنى وفي العبارة . والحديث متصل عن إنشاء الله للجنات المعروشات , وعن جعله حمولة وفرشا من الأنعام في الآية التي تليهاSadومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله , ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين). . ثم يمضي السياق في تكملة الحديث عن الأنعام , الذي كان قد بدأه قبل آية الثمار . . يجمعها كلها موضوع واحد , هو الذي تحدثنا عنه في الفقرة السابقة الخاصة بقضية التحريم والتحليل والنذور .
وإنما الذي جعل بعضهم يعتبرها مدنية هو ما جاء فيها من قوله تعالى: (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده). . واعتبارهم هذا الأمر يعني الزكاة . والزكاة لم تتقرر بأنصبتها المحددة في الزروع والثمار إلا في المدينة . . ولكن هذا المعنى ليس متعينا في الآية . إذ أن هناك أقوالا مأثورة في تفسيرها بأنها تعني الصدقات , أو بأنها تعني الإطعام منها لمن يمر بهم يوم الحصاد أو جني الثمار ; أو لقرابتهم . . وأن الزكاة حددت فيما بعد بالعشر ونصف العشر . . وعلى هذا تكون الآية مكية .
وقال الثعلبي:سورة الأنعام مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة: (وما قدروا الله حق قدره). . إلى آخر ثلاث آيات . و (قل:تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم). . إلى آخر ثلاث آيات . .
والآيات الأولى بينا مكيتها , إذ ينطبق على الآيتين الثانية والثالثة من هذه المجموعة ما ينطبق على الآية الأولى منها . .
أما المجموعة الثانية فليس هناك - فيما وصل إليه اطلاعي - رواية عن صحابي ولا تابعي عن كونها مدنية ; وليس في موضوعها ما يدعو إلى اعتبارها مدنية . وهي تتحدث عن تصورات جاهلية ; وهي متصلة بموضوع التحريم والتحليل في الذبائح والنذور الذي سبق الحديث عنه , اتصالا وثيقا . . لذلك نميل إلى اعتبارها مكية كذلك . .
وفي المصحف الأميري أن الآيات [ 153 , 152 , 151 , 141 , 114 , 92 , 91 , 23 , 20 ] مدنية . وقد تحدثنا عن الآيات [ 92 - 91 ] و [ 141 ] و [ 153 - 151 ] وليس في الآيات [ 114 , 23 , 20 ] ما يدعو إلى الظن بأنها مدنية إلا ذكر أهل الكتاب فيها . وهذا ليس دليلا فقد ورد مثل هذه في الآيات المكية . .
لهذا كله نحن نميل إلى اعتبار الروايات المطلقة , التي تنص على أن السورة نزلت بجملتها في مكة في ليلة واحدة . وقد وردت عن ابن عباس وعن أسماء بنت يزيد , وفي الرواية عن أسماء تحديد للرواية بحادث مصاحب على النحو التالي:
"قال سفيان الثوري عن ليث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت:"نزلت سورة الأنعام على النبي [ ص ] جملة وأنا آخذة بزمام ناقة النبى [ ص ] إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة " .
أما الرواية عن ابن عباس فقد رواها الطبراني قال:
حدثنا علي بن عبد العزيز , حدثنا حجاج بن منهال , حدثنا حماد بن سلمة , عن علي بن زيد , عن يوسف بن مهران , عن ابن عباس , قال:"نزلت الأنعام بمكة ليلة ; جملة واحدة , حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح" . .
وهاتان الروايتان أوثق من الأقوال التي جاء فيها أن بعض الآيات مدنية . وذلك بالإضافة إلى التحليل الموضوعي الذي أسلفنا .
والواقع أن سياق السورة في تماسكه وفي تدافعه وفي تدفقه يوقع في القلب أن هذه السورة نهر يتدفق , أو سيل يتدفع , بلا حواجز ولا فواصل ; وإن بناءها ذاته ليصدق تماما هذه الروايات , أو على الأقل يرجحها ترجيحا قويا .
8 - عرض سورة الأنعام لموضوعاتها في موجات متدافقة وأمثلة على ذلك
أما موضوع السورة الأساسي وشخصيتها العامة فقد أجملنا الإشارة إليهما في مطلع الحديث عنها . ولكن لا بد من شيء من التفصيل في هذا التعريف . .
روى أبو بكر بن مردويه - بإسناده - عن أنس بن مالك قال:قال رسول الله [ ص ] "نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين , لهم زجل بالتسبيح , والأرض بهم ترتج" . ورسول الله يقول:" سبحان الله العظيم . سبحان الله العظيم . . " . .
هذا الموكب , وهذا الارتجاج , واضح ظلهما في السورة ! . . إنها هي ذاتها موكب . موكب ترتج له النفس , ويرتج له الكون ! . . إنها زحمة من المواقف والمشاهد والموحيات والإيقاعات ! . . وهي - كما قلنا من قبل - تشبه في سياقها المتدافع بهذه المشاهد والمواقف والموحيات والإيقاعات مجرى النهر المتدافع بالأمواج المتلاحقة . ما تكاد الموجه تصل إلى قرارها حتى تبدو الموجة التالية ملاحقة لها , ومتشابكة معها , في المجرى المتصل المتدفق !
والموضوع الرئيسي الذي تعالجه متصل ; فلا يمكن تجزئة السورة إلى مقاطع , كل مقطع منها يعالج جانبا من الموضوع . . إنما هي موجات . . وكل موجة تتفق مع التي قبلها وتكملها .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:12 pm

ومن ثم فلن نحاول عرض الموضوعات التي تحتويها السورة في هذا التعريف ; وإنما سنحاول فقط عرض نماذج من هذه الموجات المتلاحقة فيها:
تبدأ السورة بمواجهة المشركين , الذين يتخذون مع الله آلهة أخرى , بينما دلائل التوحيد تجبههم وتواجههم وتحيط بهم وتطالعهم في الآفاق وفي أنفسهم . . تبدأ بمواجهتهم بحقيقة الألوهية متجلية في لمسات عريضة تشمل الوجود كله ; وتشمل وجودهم كله . . تبدأ في لمسات ثلاث ترسم مجالي الوجود الكبيرة على أقصى عمق واتساع:
(الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض , وجعل الظلمات والنور , ثم الذين كفروا بربهم يعدلون .هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا , وأجل مسمى عنده , ثم أنتم تمترون . وهو الله في السماوات وفي الأرض , يعلم سركم وجهركم , ويعلم ما تكسبون). .
ثلاث آيات تذرع الوجود الكوني كله في الآية الأولى , وتذرع الوجود الإنساني كله في الآية الثانية . . ثم تحيط الألوهية بالوجودين كليهما في الآية الثالثة !
أي إعجاز ! وأية روعة ! وأي شمول ! وأية إحاطة !
وأمام هذا الوجود الكوني الشاهد بوحدة الخالق . وأمام هذا الوجود الإنساني الشاهد بتدبيره . وأمام هذه الألوهية الحاكمة في السماوات وفي الأرض ; العالمة بالسر والجهر والكسب . . يبدو شرك المشركين , وامتراء الممترين , عجبا منكرا لا مكان له في نظام الكون , ولا مكان له في فطرة النفس , ولا سند له في القلب والعقل !
وفي هذه اللحظة تبدأ الموجة التالية تعرض موقف المكذبين بآيات الله هذه المبثوثة في الكون والحياة ; ومع عرض الموقف المنكر الغريب , يجيء التهديد , وتعرض مصارع الغابرين , ويتجلى السلطان القاهر الذي تدل عليه هذه المصارع , وهذه القوارع . فيبدو عجيبا منكرا تعنت المنكرين أمام هذا الحق المبين ; ويبدو أن المنكرين ليس الذي ينقصهم هو الدليل ولكنه صدق النية , وتفتح القلب للدليل:
وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين . فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون , ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم , وأرسلنا السماء عليهم مدرارا , وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم , فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين . ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم , لقال الذين كفروا:إن هذا إلا سحر مبين . وقالوا:لولا أنزل عليه ملك ! ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون . ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلًا , وللبسنا عليهم ما يلبسون . ولقد استهزئ برسل من قبلك ; فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون . قل:سيروا في الأرض , ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين . .
ومن هنا تبدأ موجة ثالثة في التعريف بحقيقة الألوهية , متجلية في ملكية الله سبحانه لما في السماوات وما في الأرض , ولما سكن بالليل والنهار . ومتجلية في كونه الرازق الذي يطعم ولا يطعم . فهو من ثم الولي الذي لا ولي غيره . الذي يجب أن يسلم العبيد أنفسهم إليه وحده . وهو الذي يعذب العصاة في الآخرة . وهو الذي يملك الضر والخير . وهو على كل شيء قدير . وهو القاهر فوق عباده . وهو الحكيم الخبير . .
وتبلغ الموجة قمتها بعد هذا التمهيد كله , في الإشهاد والمفاصلة بين الرسول [ ص ] وبين القوم , وإنذارهم والتبرؤ من شركهم , وإعلان التوحيد في مواجهتهم , في رنة عالية فاصلة جازمة:
6 :لمن ما في السماوات والأرض ? قل:لله . كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه , الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون . وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم , قل:أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض , وهو يطعم ولا يطعم ? قل:إني أمرت أن أكون أول من أسلم , ولا تكونن من المشركين . قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه , وذلك الفوز المبين . وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو , وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . وهو القاهر فوق عباده , وهو الحكيم الخبير . قل:أي شيء أكبر شهادة ? قل الله شهيد بيني وبينكم , وأوحيإلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أشهد . قل إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون). .
ثم تبدأ موجة رابعة تتحدث عن معرفة أهل الكتاب لهذا الكتاب الجديد الذي يكذب به المشركون ; وتصف هذا الشرك بأنه أظلم الظلم ; وتقف المشركين أمام مشهدهم يوم الحشر وهم يسألون عن شركائهم فينكرون الشرك ويذهب عنهم الافتراء ; وتصور حالهم وأجهزة الاستقبال الفطرية فيهم معطلة , لا تلتقط موحيات الإيمان ولا تستجيب , وقلوبهم محجوبة لا تدرك دلائل الإيمان , وهم يدعون أن هذا القرآن أساطير الأولين ; وتقول لهم:إنهم يهلكون أنفسهم وهم ينهون غيرهم عن الهدى , وينأون عنه . ثم تصور حالهم وهم موقوفون على النار يقولون:يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ! ثم تعود بهم إلى الدنيا وهم ينكرون البعث والمعاد . ثم تعقب على هذا بتصوير حالهم وهم موقوفون على ربهم , وهم يسألون عن هذا الإنكار ; وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم . وتنتهي الموجة بتقرير خسارة المكذبين بلقاء الله , وتفاهة الحياة الدنيا إلى جانب الدار الآخرة المدخرة للذين يتقون:
الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم , الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون . ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ; إنه لا يفلح الظالمون . ويوم نحشرهم جميعا . ثم نقول للذين أشركوا:أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون . ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا:والله ربنا ما كنا مشركين . انظر كيف كذبوا على أنفسهم , وضل عنهم ما كانوا يفترون . ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا , وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها , حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا:إن هذا إلا أساطير الأولين . وهم ينهون عنه وينأون عنه , وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون . ولو ترى إذ وقفوا على النار , فقالوا:يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين . بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل , ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه , وإنهم لكاذبون . وقالوا:إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين . ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال:أليس هذا بالحق ? قالوا:بلى وربنا ! قال:فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون . قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله , حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا:يا حسرتنا على ما فرطنا فيها , وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم , ألا ساء ما يزرون ! وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو , وللدار الآخرة خير للذين يتقون , أفلا تعقلون . .
ثم تبدأ موجة خامسة , يلتفت فيها السياق إلى رسول الله [ ص ] يسليه ويسري عنه ما يحزنه من تكذيبهم له ولما جاءهم من عند الله به . ويجعل له أسوة في الرسل قبله ممن صبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصر الله . ويقرر أن سنة الله لا تتبدل , ولكنها كذلك لا تستعجل ! فإن كان [ ص ] لا يصبر على إعراضهم , فليبذل جهده البشري في إتيانهم بخارقة ! ولو شاء الله لجمعهم على الهدى . إنما اقتضت مشيئته في خلقه - وهو وحده صاحب الأمر المتصرف - أن يستجيب الذين لا تتعطل أجهزتم الفطرية عن التلقي . والموتى لا حياة فيهم فهم لا يستقبلون موحيات الهدى ولا يستجيبون . والله يبعثهم , وهم إليه يرجعون . .
(قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون , فإنهم لا يكذبونك , ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون . ولقد كذبت رسل من قبلك , فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا , ولا مبدل لكلمات الله , ولقد جاءك من نبأ المرسلين . وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهمبآية . ولو شاء الله لجمعهم على الهدى , فلا تكونن من الجاهلين . إنما يستجيب الذين يسمعون , والموتى يبعثهم الله , ثم إليه يرجعون). .
وهكذا يمضي سياق السورة موجة في إثر موجة على هذا النسق الذي عرضنا منه نماذج , لعلها تصور طبيعة السورة , كما تصور موضوعها . . وهي تبلغ في بعض موجاتها ذروة أعلى من ذرى هذه الموجات التي استعرضناها ; كما أن تدفقها في بعض المسالك أشد جيشانا وأعلى إيقاعًا . . ولكننا لا نملك أن نستعرض السورة كلها في هذا التعريف المجمل , وسيأتى شيء من ذلك في الفقرة التالية . .
9 - حقيقة الألوهية في مواقف ومشاهد مختارة من الأنعام
ولقد سبق القول بأن هذه السورة تعالج موضوعها الأساسي بصورة فريدة , إذ أنها في كل لمحة منها وفي كل موقف وفي كل مشهد , تبلغ حد "الروعة الباهرة " التي تبده النفس وتشده الحس , وتبهر النفس وهو يلاحق مشاهدها وإيقاعاتها وموحياتها . .
فالآن ندع نصوصا من السورة ذاتها تصور هذه الحقيقة بأسلوبها القرآني . ذلك أن الوصف مهما بلغ , لا يبلغ شيئا في نقل هذه الحقيقة إلى القلب البشري !
إن تقرير حقيقة الألوهية , وتعريف الناس بربهم الحق , وتعبيدهم له وحده , هو الموضوع الأساسي للسورة . فلنسمع إذن تقرير السياق القرآني لهده الحقيقة في مواقف منه شتى:
في موقف الإشهاد والمفاصلة , حيث تتجلى تلك الحقيقة في القلب المؤمن بها ; وحيث يواجه بها المخالفين , ويصدع بها في قوة وفي يقين:
(قل:أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض , وهو يطعم ولا يطعم ! قل:إني أمرت أن أكون أول من أسلم , ولا تكونن من المشركين . قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه , وذلك الفوز المبين , وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو , وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير . قل:أي شيء أكبر شهادة ? قل:الله شهيد بيني وبينكم , وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أشهد . قل:إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون). .
وفي موقف التهديد , حيث يتجلى سلطان الله محيطا بالعباد ; وتتعرى أمامه الفطرة ويسقط عنها الركام , وتتجه إلى ربها الحق وحده وتنسى الآلهة الزائفة , أمام الهول , وأمام مصارع المكذبين:
قل:أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين ? بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه - إن شاء - وتنسون ما تشركون . ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون . فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ! ولكن قست قلوبهم , وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون . فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء , حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة , فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين:قل:أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم , من إله غير الله يأتيكم به ? انظر كيف نصرف الآيات , ثم هم يصدفون . قل:أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة ? هل يهلك إلا القوم الظالمون ? . .
وفي موقف التعريف بإحاطة الله بالغيوب والأسرار , والأنفاس والأعمار , مع القدرة والقهر والسيطرة في البر والبحر , والنهار والليل , والدنيا والأخرة , والحياة والممات:
(وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو , ويعلم ما في البر والبحر , وما تسقط من ورقة إلا يعلمها , ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين . وهو الذي يتوفاكم بالليل , ويعلم ما جرحتم بالنهار , ثم يبعثكم فيه لتقضى أجل مسمى , ثم إليه مرجعكم , ثم ينبئكم بما كنتم تعملون . وهو القاهر فوق عباده , ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون . ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق . ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين). .
وفي موقف شهادة الفطرة , واهتدائها الذاتي إلى ربها الحق , بمجرد تفتحها لاستقبال دلائل الهدى وموحياته في صفحات الكون , التي تخاطب الفطرة بلسان مفهوم الإيقاع في أعماقها المكنونة:
وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر:أتتخذ أصناما آلهة ? إني أراك وقومك في ضلال مبين . وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين . فلما جن عليه الليل رأى كوكبا , قال:هذا ربي ; فلما أفل قال:لا أحب الآفلين . فلما رأى القمر بازغا قال:هذا ربي , فلما أفل قال:لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . فلما رأى الشمس بازغة قال:هذا ربي , هذا أكبر , فلما أفلت قال:يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا , وما أنا من المشركين . وحاجه قومه , قال:أتحاجوني في الله وقد هدان ? ولا أخاف ما تشركون به - إلا أن يشاء ربي شيئا - وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون ? وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ? فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ? الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون . .
وفي مشهد الحياة النابضة في الفصائل والأنواع , ومشهد الإصباح والإمساء , ومشهد النجوم والظلمات في البر والبحر , ومشهد الماء الهاطل , والزرع النامي , والثمر اليانع . . حيث تتجلى وحدانية الخالق بلا شريك , المبدع بلا شبيه , وحيث تبدو دعوى الشركاء والأبناء سخفا تنكره العقول والقلوب:
إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت , ومخرج الميت من الحي , ذلكم الله فأنى تؤفكون فالق الإصباح , وجعل الليل سكنا , والشمس والقمر حسبانا , ذلك تقدير العزيز العليم . وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر , قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون . وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع , قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون . وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء , فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا , ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب , والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه . انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه , إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون . وجعلوا لله شركاء الجن - وخلقهم - وخرقوا له بنين وبنات بغير علم , سبحانه وتعالى عما يصفون . بديع السماوات والأرض , أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة , وخلق كل شيء , وهو بكل شيء عليم . ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه , وهو على كل شيء وكيل . لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار , وهو اللطيف الخبير . .
وأخيرا في موقف الابتهال والإنابة إلى الله الواحد بلا شريك , والتجرد له صلاة ونسكا , ومحيا ومماتا , واستنكار ابتغاء غيره ربا وهو رب كل شيء , ورد الأمر إليه كله في الدنيا في أمر الاستخلاف والابتلاء , وفي الآخرة في أمر الحساب والجزاء , حيث تختم السورة بهذا الابتهال الخاشع المنيب:
(قل:إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم:دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين . قل:إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له , وبذلك أمرت , وأنا أول المسلمين . قل:أغير الله أبغي ربا , وهو رب كل شيء , ولا تكسب كل نفس إلا عليها , ولا تزر وازرة وزر أخرى , ثم إلى ربكم مرجعكم , فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . وهو الذي جعلكم خلائف الأرض , ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم , إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم). .
وليست هذه النماذج الستة التي اخترناها إلا نماذج تصور حد "الروعة الباهرة " الذي يبلغه سياق السورة , في كل موقف , وفي كل مشهد , وفي كل إيقاع , وفي كل إيحاء . .
كذلك سبق القول:إن سياق السورة يبلغ حد الروعة الباهرة في كل مشهد وفي كل موقف ; مع تناسق في منهج العرض للمشاهد والمواقف ; ووعدنا أن نبين ما نعنيه بهذا التناسق .
ولن نعرض هنا إلا بعض النماذج في انتظار العرض التفصيلي للنصوص بعد التعريف المجمل . ونكتفي من هذا التناسق بثلاثة ألوان منه بارزة في سياق السورة:
إن السياق يعرض المشاهد والمواقف منوعة ; ولكنها تلتقي في ظاهرة واحدة . . إنه في كل مشهد أو موقف , كأنما يأخذ بالسامع ليقفه أمام المشهد يتملاه , وأمام المواقف يتدبره . . يقفه أمامه بحركة تكاد الألفاظ تجسمها ! كما أن المشاهد والمواقف ذاتها فيها ناس موقوفون , يراهم السامع في وقفتهم , والسياق يقفه هو الآخر ليشاهدهم ويتملاهم !
ففي مشاهد القيامة ومشاهد الاحتضار ترد هذه الوقفات:
(ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا:يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين). .
(ولو ترى إذ وقفوا على ربهم . قال:أليس هذا بالحق ? قالوا:بلى وربنا ! قال:فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). .
(ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت , والملائكة باسطوا أيديهم:أخرجوا أنفسكم , اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون . ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة , وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم , وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء . لقد تقطع بينكم , وضل عنكم ما كنتم تزعمون). .
(ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا:أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ? ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا:والله ربنا ما كنا مشركين . انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون). .
وفي مواقف التهديد ببطش الله وأخذ المكذبين بسلطانه الذي لا يرد , يقفهم أمام هذا البطش كأنهم يعاينونه:
(قل:أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ; أغير الله تدعون إن كنتم صادقين ? بل إياه تدعون , فيكشف ما تدعون إليه - إن شاء - وتنسون ما تشركون). .
(قل:أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم , من إله غير الله يأتيكم به ? انظر كيف نصرف الآيات , ثم هم يصدفون . . قل:أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة , هل يهلك إلا القوم الظالمون ?).
وفي تمثيل حالة الضلال بعد الهدى , والرجوع عن الحق بعد الاهتداء إليه , يرسم مشهدا شاخصا يقف السامع أمامه يتملاه , ولو لم يكن في اللفظ أمر بالنظر أو إشارة إلى الوقوف:
قل:أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا , ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله , كالذي استهوتهالشياطين في الأرض حيران , له أصحاب يدعونه إلى الهدى ; ائتنا . .). .
كذلك يقف السياق السامع أمام مشهد الثمار اليانعة في الجنات التي تتمثل فيها الحياة , والتي تتجلى فيها يد الله المبدعة للألوان والثمار:
(. . . وهو الذي أنزل من السماء ماء , فأخرجنا به نبات كل شيء , فأخرجنا منه خضرا , نخرج منه حبا متراكبا , ومن النخل من طلعها قنوان دانية , وجنات من أعناب , والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه . . انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه . إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون). .
وهكذا كل مشاهد السورة ومواقفها يتجلى فيها هذا التناسق ويكون طابعها العام .
لون آخر من ألوان التناسق , يمت إلى هذا اللون بصلة كذلك . . مواقف الإشهاد . .
إن مشاهد القيامة في السورة تعرض كأنما هي مواقف إشهاد على ما كان من المشركين والمكذبين ; ومواقف تشهير بهم ; وتوجيه للأنظار إلى هذه المواقف . . وقد سبق عرض نماذج منها . . وفي كل منها: (ولو ترى . . .)
وتلتقي بها مواقف الإشهاد على العقيدة , ومواقف الإشهاد على الشريعة . . كلتاهما سواء .
في أول السورة عند الحديث عن العقيدة في محيطها الشامل يجيء هذا الموقف:
(قل:أي شيء أكبر شهادة ? قل:الله شهيد بيني وبينكم , وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أشهد . قل:إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون).
حتى إذا جاء السياق إلى المناسبة الخاصة في السورة , المتعلقة بالعقيدة في قضية التحريم والتحليل أقام مشهدا آخر , ودعا إلى إشهاد على هذه القضية الخاصة , كالإشهاد على تلك القضية العامة , للدلالة على أنها هي هي من ناحية الموضوع ; ولضمان التناسق الذي هو طابع التعبير القرآني العام :
(قل:هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا . فإن شهدوا فلا تشهد معهم , ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة , وهم بربهم يعدلون). .
لون ثالث من ألوان التناسق ; هو التناسق التعبيري الذي يقتضيه التقرير الموضوعي . والذي يتمثل في تكرار عبارات بعينها للدلالة على أنها تعبيرعن حقيقة واحدة في صور متعددة .
وهذا كالتعبير في أول السورة عن الذين كفروا حين يشركون بالله غيره بأنهم بربهم يعدلون . ثم التعبير كذلك في أواخرها عن الذين يشرعون لأنفسهم بأنهم كذلك بربهم يعدلون . على النحو التالي:
(الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض , وجعل الظلمات والنور , ثم الذين كفروا بربهم يعدلون). .
(قل:هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا . فإن شهدوا فلا تشهد معهم , ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا , والذين لا يؤمنون بالآخرة . وهم بربهم يعدلون).
ففي الآية الأولى هم يعدلون بربهم لآنهم يشركون به . . وفي الثانية هم يعدلون بربهم لأنهم يشركون به كذلك . ممثلا هذا الشرك في ادعاء حق الألوهية في التشريع . .
ولهذا دلالته الموضوعية , وجماله التعبيري أيضا . . .
كذلك يكرر كلمة الصراط , وهو يعبر عن الإسلام جملة ; وهو يعبر عن قضية التشريع على هذا النحو:
(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام , ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء . كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون . وهذا صراط ربك مستقيما . قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون). .
وبعد أن يتحدث عن الأنعام والحرث , والحلال والحرام في نهاية السورة كما جاء في مقدمة التعريف بالسورة يقول:
(وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه , ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله:ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون). .
فيدل على أن هذه القضية هي قضية العقيدة . وأن الالتزام فيها هو المضي على صراط الله , وأن الانحراف فيها هو الخروج عن هذا الصراط . . وأنها قضية إيمان أو كفر , وجاهلية أو إسلام . . كما فصلنا ذلك في مطلع الكلام !
وإلى هنا يحسن أن نكتفي في التعريف المجمل , لنواجه نصوص السورة في سياقها القرآني بعون الله . . ووفق طبيعة السورة سنعرضها موجة موجة - لا درسا درسا كما تعودنا ذلك في السور المدنية - فهذه الطريقة في العرض أدنى إلى طبيعة السورة ; وإلى تحقيق التناسق بينها وبين ظلالها كذلك . .
وبالله التوفيق . .
الوحدة الأولى:1 - 3 الألوهية في الكون والإنسان
إنها اللمسات العريضة للحقيقة الكبيرة ; والإيقاعات المديدة في مطلع السورة . وهي ترسم القاعدة الكلية لموضوع السورة ولحقيقة العقيدة:
(الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض , وجعل الظلمات والنور , ثم الذين كفروا بربهم يعدلون). .
إنها اللمسات الأولى . . تبدأ بالحمد لله . ثناء عليه , وتسبيحا له , واعترافا بأحقيته للحمد والثناء , على ألوهيته المتجلية في الخلق والإنشاء . . بذلك تصل بين الألوهية المحمودة وخصيصتها الأولى . . الخلق . . وتبدأ بالخلق في أضخم مجالي الوجود . . السماوات والأرض . . ثم في أضخم الظواهر الناشئة عن خلق السماوات والأرض وفق تدبير مقصود . . الظلمات والنور . . فهي اللمسة العريضة التي تشمل الأجرام الضخمة في الكون المنظور , والمسافات الهائلة بين تلك الأجرام , والظواهر الشاملة الناشئة عن دورتها في الأفلاك . . لتعجب من قوم يرون صفحة الوجود الضخمة الهائلة الشاملة تنطق بقدرة الخالق العظيم كما تنطق بتدبيره الحكيم , وهم بعد ذلك كله لا يؤمنون ولا يوحدون ولا يحمدون ; بل يجعلون لله شركاء يعدلونهم به ويساوونه:
(ثم الذين كفروا بربهم يعدلون). .
فيا للمفارقة الهائلة بين الدلائل الناطقة في الكون , وآثارها الضائعة في النفس ! يا للمفارقة التي تعدل الأجرام الضخمة , والمسافات الشاسعة , والظواهر الشاملة . . بل تزيد . .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:13 pm

واللمسة الثانية:
(هو الذي خلقكم من طين , ثم قضى أجلا , وأجل مسمى عنده , ثم أنتم تمترون):
إنها لمسة الوجود الإنساني , التالي في وجوده للوجود الكوني . ولظاهرتي الظلمات والنور . لمسة الحياة الإنسانية في هذا الكون الخامد . لمسة النقلة العجيبة من عتمة الطين المظلم إلى نور الحياة البهيج ; تتناسق تناسقا فنيا جميلا مع "الظلمات والنور" . . وإلى جانبها لمسة أخرى متداخلة:لمسة الأجل الأول المقضى للموت , والأجل الثاني المسمى للبعث . . لمستان متقابلتان في الهمود والحركة كتقابل الطين الهامد والخلق الحي في النشأة . .


هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)
وبين كل متقابلين مسافة هائلة في الكنه والزمن . . وكان من شأن هذا كله أن ينقل إلى القلب البشري اليقين بتدبير الله , واليقين بلقائه . ولكن المخاطبين بالسورة يشكون في هذا ولا يستيقنون:
(ثم أنتم تمترون). .
واللمسة الثالثة تضم اللمستين الأوليين في إطار واحد ; وتقرر ألوهية الله في الكون والحياة الإنسانية سواء:
(وهو الله في السماوات وفي الأرض , يعلم سركم وجهركم , ويعلم ما تكسبون). .
إن الذي خلق السماوات والأرض هو الله في السماوات وفي الأرض . هو المتفرد بالألوهية فيهما على السواء . وكل مقتضيات الألوهية متحققة عليهما , من خضوع للناموس الذي سنه الله لهما , وائتمار بأمره وحده . وكذلك ينبغي أن يكون الشأن في حياة الإنسان . فلقد خلقه الله كما خلق السماوات والأرض ; وهو في تكوينه الأول من طين هذه الأرض ; وما رزقه من خصائص جعلت منه إنسانا رزقه إياه الله ; وهو خاضع من ناحية كيانه الجسمي للناموس الذي سنه الله له - رضي أم كره - يعطى وجوده وخلقه ابتداء بمشيئة الله , لا بمشيئته هو ولا بمشيئة أبيه وأمه:فهما يلتقيان ولكن لا يملكان أن يعطيا جنينا وجوده ! وهو يولد وفق الناموس الذي وضعه الله لمدة الحمل وظروف الولادة ! وهو يتنفس هذا الهواء الذي أوجده الله بمقاديره هذه ; ويتنفسه بالقدر وبالكيفية التي أرادها الله له . وهو يحس ويتألم , ويجوع ويعطش , ويأكل ويشرب . . وبالجملة يعيش . . وفق ناموس الله , على غير إرادة منه ولا اختيار . . شأنه في هذا شأن السماوات والأرض سواء .
والله - سبحانه - يعلم سره وجهره . ويعلم ما يكسب في حياته في سره وجهره .
والأليق به أن يتبع - إذن - ناموس الله في حياته الاختيارية - فيما يتخذه من تصورات اعتقادية , وقيم اعتبارية , وأوضاع حيوية - لتستقيم حياته الفطرية المحكومة بناموس الله ; مع حياته الكسبية حين تحكمها شريعة الله . ولكي لا يناقض بعضه بعضا , ولا يصادم بعضه بعضا ; ولا يتمزق مزقا بين ناموسين وشرعين:أحدهما إلهي والأخر بشري وما هما بسواء . .
حاضر المسلمين
إن هذه الموجة العريضة الشاملة في مطلع السورة , إنما تخاطب القلب البشري والعقل البشري بدليل "الخلق" ودليل "الحياة " ممثلين في الآفاق وفي الأنفس . . ولكنها لا تخاطب بهما الإدراك البشري خطابا جدليا , لاهوتيا أو فلسفيا ! ولكن خطابا موحيا موقظا للفطرة , حيث يواجهها بحركة الخلق والإحياء ; وحركة التدبير والهيمنة ; في صورة التقرير لا في صورة الجدل ; وبسلطان اليقين المستمد من تقرير الله ; ومن شهادة الفطرة الداخلية بصدق هذا التقرير فيما تراه .
ووجود السماوات والأرض , وتدبيرهما وفق هذا النظام الواضح ; ونشأة الحياة - وحياة الإنسان في قمتها - وسيرها في هذا الخط الذي سارت فيه . . كلاهما يواجه الفطرة البشرية بالحق , ويوقع فيها اليقين بوحدانية الله . . والوحدانية هي القضية التي تستهدف السورة كلها - بل القرآن كله - تقريرها . وليست هي قضية "وجود" الله . فلقد كانت المشكلة دائما في تاريخ البشرية هي مشكلة عدم معرفة الإله الحق , بصفاته الحقة ; ولم تكن هي مشكلة عدم الإيمان بوجود إله !
ومشركو العرب الذين كانت هذه السورة تواجههم ما كانوا يجحدون الله البتة ; بل كانوا يقرون بوجوده سبحانه , وبأنه الخالق الرازق , المالك , المحيي المميت . . إلى كثير من الصفات - كما يقرر القرآن ذلك في مواجهتهم , وفي حكاية أقوالهم - ولكن انحرافهم الذي وصمهم بالشرك هو أنهم ما كانوا يعترفون بمقتضىاعترافهم ذاك:من تحكيم الله - سبحانه - في أمرهم كله ; ونفي الشركاء له في تدبير شؤون حياتهم ; واتخاذ شريعته وحدها قانونا , ورفض مبدأ تحكيم غير الله في أي شأن من شؤون الحياة .
هذا هو الذي وصمهم بالشرك وبالكفر ; مع إقرارهم بوجود الله سبحانه , ووصفه بتلك الصفات , التي من مقتضاها أن يتفرد سبحانه بالحكم في شأنهم كله , بما أنه الخالق الرازق المالك , كما كانوا يعترفون . . ومواجهتهم في مطلع هذه السورة بصفات الله هذه من الخلق للكون وللإنسان , ومن تدبيره لأمر الكون وأمر الإنسان ; ومن علمه وإحاطته بسرهم وجهرهم وعملهم وكسبهم . . إنما هو المقدمة التي يرتب عليها ضرورة إفراده سبحانه بالحاكمية والتشريع , كما أوضحنا في التعريف المجمل بخط السورة ومنهجها .
ودليل الخلق ودليل الحياة كما أنهما صالحان لمواجهة المشركين لتقرير الوحدانية , ولتقرير الحاكمية , هما كذلك صالحان لمواجهة اللوثات الجاهلية الحديثة التافهة في إنكار الله . .
والحقيقة أن هناك شكا كثيرا فيما إذا كان هؤلاء الملحدون يصدقون أنفسهم ! فأغلب الظن أنها بدأت مناورة في وجه الكنيسة ; ثم استغلها اليهود لرغبتهم في تدمير قاعدة الحياة البشرية الأساسية , كي لا يبقى على وجه الأرض من يقوم على هذه القاعدة غيرهم - كما يقولون في بروتوكولات حكماء صهيون - ومن ثم تنهار البشرية وتقع تحت سيطرتهم , بما أنهم هم وحدهم الذين سيحافظون على مصدر القوة الحقيقية الذي توفره العقيدة !
واليهود - مهما بلغ من كيدهم ومكرهم - لا يملكون أن يغلبوا الفطرة البشرية , التي تجد في قرارتها الإيمان بوجود إله - وإن كانت تضل فقط في معرفة الإله الحق بصفاته الحقة ; كما أنها تنحرف بعدم توحيد سلطانه في حياتها , فتوصم بالشرك والكفر على هذا الأساس - ولكن بعض النفوس تفسد فطرتها , وتتعطل فيها أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية . وهذه النفوس وحدها هي التي يمكن أن يفلح معها كيد اليهود الذي يستهدف نفي وجود الله فيها . ولكن هذه النفوس المعطلة الفطرة ستظل قليلة وشاذة في مجموع البشر في كل زمان . . والملحدون الحقيقيون على ظهر الأرض اليوم لا يتجاوزون بضعة ملايين في روسيا والصين من بين مئات الملايين الذين يحكمهم الملحدون بالحديد والنار ; على الرغم من الجهد الناصب خلال أربعين عاما في نزع الإيمان بكل وسائل التعليم والإعلام !
إنما يفلح اليهود في حقل آخر . وهو تحويل الدين إلى مجرد مشاعر وشعائر . وطرده من واقع الحياة . وإيهام المعتقدين به أنهم يمكن أن يظلوا مؤمنين بالله ; مع أن هناك أربابا أخرى هي التي تشرع لحياتهم من دون الله ! ويصلون بذلك إلى تدمير البشرية فعلا , حتى مع وهمها أنها لا تزال تؤمن بالله .
وهم يستهدفون الإسلام - قبل كل دين آخر - لأنهم يعرفون من تاريخهم كله , أنهم لم يغلبهم إلا هذا الدين يوم كان يحكم الحياة . وأنهم غالبوا أهله طالما أهله لا يحكمونه في حياتهم ; مع توهمهم أنهم ما يزالون مسلمين مؤمنين بالله ! فهذا التخدير بوجود الدين - وهو غير موجود في حياة الناس - ضروري لتنجح المؤامرة . . أو يأذن الله فيصحو الناس !
وأحسب - والله أعلم - أن اليهود الصهيونيين , والنصارى الصليبيين , كليهما , قد يئسوا من هذا الدين في هذه المنطقة الإسلامية الواسعة في إفريقية وآسيا وأوربا كذلك . . يئسوا من أن يحولوا الناس فيها إلى الإلحاد - عن طريق المذاهب المادية - كما يئسوا كذلك من تحويلهم إلى ديانات أخرى عن طريق التبشير أو الاستعمار . . ذلك أن الفطرة البشرية بذاتها تنفر من الإلحاد وترفضه حتى بين الوثنيين - فضلا على المسلمين - وأن الديانات الأخرى لا تجرؤ على اقتحام قلب عرف الإسلام , أو حتى ورث الإسلام !
وأحسب - والله أعلم - أنه كان من ثمرة اليأس من هذا الدين أن عدل اليهود والصهيونيون والنصارى الصليبيون عن مواجهة الإسلام جهرة عن طريق الشيوعية أو عن طريق التبشير ; فعدلوا إلى طرائق أخبث , وإلى حبائل أمكر . . لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع في المنطقة كلها تتزيا بزي الإسلام ; وتتمسح في العقيدة ; ولا تنكر الدين جملة . . ثم هي تحت هذا الستار الخادع , تنفذ جميع المشروعات التي أشارت بها مؤتمرات التبشير وبروتوكولات صهيون , ثم عجزت عن تنفيذها كلها في المدى الطويل !
إن هذه الأنظمة والأوضاع ترفع راية الإسلام - أو على الأقل تعلن احترامها للدين - بينما هي تحكم بغير ما أنزل الله ; وتقصي شريعة الله عن الحياة ; وتحل ما حرم الله ; وتنشر تصورات وقيما مادية عن الحياة والأخلاق تدمر التصورات والقيم الإسلامية ; وتسلط جميع أجهزة التوجيه والإعلام لتدمير القيم الأخلاقية الإسلامية , وسحق التصورات والاتجاهات الدينية ; وتنفذ ما نصت عليه مؤتمرات المبشرين وبروتوكولات الصهيونيين , من ضرورة إخراج المرأة المسلمة إلى الشارع , وجعلها فتنة للمجتمع , باسم التطور والتحضر ومصلحة العمل والإنتاج ; بينما ملايين الأيدي العاملة في هذه البلاد متعطلة لا تجد الكفاف ! وتيسر وسائل الانحلال وتدفع الجنسين إليها دفعا بالعمل والتوجيه . . كل ذلك وهي تزعم أنها مسلمة وأنها تحترم العقيدة ! والناس يتوهمون أنهم يعيشون في مجتمع مسلم , وأنهم هم كذلك مسلمون ! أليس الطيبون منهم يصلون ويصومون ? أما أن تكون الحاكمية لله وحده أو تكون للأرباب المتفرقة , فهذا ما قد خدعتهم عنه الصليبية والصهيونية والتبشير والاستعمار والاستشراق وأجهزة الإعلام الموجهة ; وأفهمتهم أنه لا علاقة له بالدين . وأن المسلمين يمكن أن يكونوا مسلمين ; وفي دين الله ; بينما حياتهم كلها تقوم على تصورات وقيم وشرائع وقوانين ليست من هذا الدين !
وإمعانا في الخداع والتضليل ; وإمعانا من الصهيونية العالمية والصليبية العالمية في التخفي , فإنها تثير حروبا مصطنعة - باردة أو ساخنة - وعداوات مصطنعة في شتى الصور , بينها وبين هذه الأنظمة والأوضاع التي أقامتها والتي تكفلها بالمساعدات المادية والأدبية , وتحرسها بالقوى الظاهرة والخفية , وتجعل أقلام مخابراتها في خدمتها وحراستها المباشرة !
تثير هذه الحروب المصطنعة والعداوات المصطنعة , لتزيد من عمق الخدعة ; ولتبعد الشبهة عن العملاء , الذين يقومون لها بما عجزت هي عن إتمامه في خلال ثلاثة قرون أو تزيد ; من تدمير القيم والأخلاق ; وسحق العقائد والتصورات ; وتجريد المسلمين في هذه الرقعة العريضة من مصدر قوتهم الأول . . وهو قيام حياتهم على أساس دينهم وشريعتهم . . وتنفيذ المخططات الرهيبة التي تضمنتها بروتوكولات الصهيونيين ومؤتمرات المبشرين ; في غفلة من الرقباء والعيون !
فإذا بقيت بقية في هذه الرقعة لم تجز عليها الخدعة ; ولم تستسلم للتخدير باسم الدين المزيف ; وباسم الأجهزة الدينية المسخرة لتحريف الكلم عن مواضعه ; ولوصف الكفر بأنه الإسلام ; والفسق والفجور والانحلال , بأنه تطور وتقدم وتجدد . . إذا بقيت بقية كهذه سلطت عليها الحرب الساحقة الماحقة ; وصبت عليها التهم الكاذبة الفاجرة وسحقت سحقا , بينما وكالات الأنباء العالمية وأجهزة الإعلام العالمية خرساء صماء عمياء !!!
ذلك بينما الطيبون السذج من المسلمين يحسبون أنها معركة شخصية , أو طائفية , لا علاقة لها بالمعركة المشبوبة مع هذا الدين ; ويروحون يشتغلون في سذاجة بلهاء - من تأخذه الحمية للدين منهم وللأخلاق - بالتنبيه إلى مخالفات صغيرة , وإلى منكرات صغيرة , ويحسبون أنهم أدوا واجبهم كاملا بهذه الصيحات الخافتة . .
بينما الدين كله يسحق سحقا , ويدمر من أساسه ; وبينما سلطان الله يغتصبه المغتصبون , وبينما الطاغوت - الذي أمروا أن يكفروا به - هو الذي يحكم حياة الناس جملة وتفصيلا !
إن اليهود الصهيونيين والنصارى الصليبيين يفركون أيديهم فرحا بنجاح الخطة وجواز الخدعة ; بعدما يئسوا من هذا الدين أن يقضوا عليه مواجهة باسم الإلحاد , أو يحولوا الناس عنه باسم التبشير , فترة طويلة من الزمان . .
إلا أن الأمل في الله أكبر ; والثقة في هذا الدين أعمق , وهم يمكرون والله خير الماكرين . وهو الذي يقولSadوقد مكروا مكرهم , وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال . فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله , إن الله عزيز ذو انتقام). .
أما مواجهة دليل الخلق ودليل الحياة للوثة الإلحاد , فهي مواجهة قوية , لا يجد الملحدون إزاءها إلا المماحلة والمغالطة والالتواء:
إن وجود هذا الكون ابتداء , بهذا النظام الخاص , يستلزم - بمنطق الفطرة البديهي وبمنطق العقل الواعي على السواء - أن يكون وراءه خالق مدبر . .
فالمسافة بين الوجود والعدم مسافة لا يملك الإدراك البشري أن يعبرها , إلا بتصور إله ينشى ء ويخلق ويوجد هذا الوجود .
والذين يلحدون يعمدون إلى هذه الفجوة فيريدون ملأها بالمكابرة . ويقولون:إنه لا داعي لأن نفترض أنه كان هناك عدم قبل الوجود ! . . ومن هؤلاء فيلسوف عرف بأنه فيلسوف "الروحية " المدافع عنها في وجه "المادية " . وعلى هذا الأساس ربما أشاد به بعض المخدوعين من "المسلمين" واستأنسوا بأقواله لدينهم كأنما ليؤازروا دين الله بقول عبد من العبيد . . هذا الفيلسوف هو "برجسون" . . اليهودي !!!
إنه يقول:إن هذا الوجود الكوني لم يسبقه عدم ! وإن فرض الوجود بعدم العدم ناشى ء من طبيعة العقل البشري الذي لا يستطيع أن يتصور إلا على هذا النحو . .
فإلى أي منطق يا ترى يستند برجسون إذن في إثبات أن الوجود الكوني لم يسبقه عدم ?
إلى العقل ? لا . فإن العقل - كما يقرر - لا يمكن أن يتصور إلا وجودا بعد عدم ! إلى وحي من الله ? إنه لا يدعي هذا . وإن كان يقول:إن حدس المتصوفة كان دائما يجد إلها ولا بد أن نصدق هذا الحدس المطرد [ الإله الذي يتحدث عنه برجسون ليس هو الله إنما هو الحياة ! ] . . فأين المصدر الثالث الذي يعتمد عليه [ برجسون ] إذن في إثبات أن الوجود الكوني غير مسبوق بعدم ? لا ندري !
إنه لا بد من الالتجاء إلى تصور خالق خلق هذا الكون . . لا بد من الالتجاء إلى هذا التصور لتعليل مجرد وجود الكون . . فكيف إذا كان الحال أنه لم يوجد مجرد وجود . ولكنه وجد محكوما بنواميس لا تتخلف , محسوبا فيها كل شيء بمقاييس , قصارى العقول البشرية أن تدرك أطرافا منها , بعد التدبر الطويل ?!
كذلك نشأة هذه الحياة . والمسافة بينها وبين المادة - أيا كان مدلول المادة ولو كان هو الإشعاع - لا يمكن تعليلها إلا بتصور وجود إله خالق مدبر . يخلق الكون بحالة تسمح بنشأة الحياة فيه ; وتسمح بكفالة الحياة أيضا بعد وجودها . والحياة الإنسانية بخصائصها الباهرة درجة فوق مجرد الحياة . . وأصله من طين . . أي من مادة هذه الأرض وجنسها ; ولا بد من إرادة مدبرة تمنحه الحياة , وتمنحه خصائص الإنسان عن قصد واختيار .
وكل المحاولات التي بذلها الملحدون لتعليل نشأة الحياة باءت بالفشل - عند العقل البشري ذاته - وآخر ما قرأته في هذا الباب محاولة [ ديورانت ] المتفلسف الأمريكي للتقريب بين نوع الحركة الذي في الذرة - وهو يسميه درجة من الحياة - ونوع الحياة المعروف في الأحياء . وذلك في جهد مستميت لملء الفجوة بين المادة الهامدة والحياة النابضة . بقصد الاستغناء عن الإله الذي ينشى ء الحياة في الموات !
ولكن هذه المحاولة المستميتة لا تنفعه ولا تنفع الماديين في شيء . . ذلك أنه إن كانت الحياة صفة كامنة في المادة , ولم يكن وراء هذه المادة قوة أخرى ذات إرادة , فما الذي يجعل الحياة التي في المادة الكونية تتبدى في درجات بعضها أرقى وأعقد من بعض ? فتتبدى في الذرة مجرد حركة آلية غير واعية . ثم تتبدى في النبات في صورة عضوية . ثم تتبدى في الأحياء المعروفة في صورة عضوية أكثر تركيبا وتعقيدا . .
ما الذي جعل المادة - المتضمنة للحياة كما يقال - يأخذ بعضها من عنصر الحياة أكثر مما يأخذ البعض الأخر , بلا إرادة مدبرة ? ما الذي جعل الحياة الكامنة في المادة , تختلف في مدارجها المترقية ?!
إننا نفهم هذا التفاوت يوم نقدر أن هناك إرادة مدبرة هي التي تصنع ذلك مختارة مريدة . فأما حين تكون المادة [ الحية ولنفرض ذلك ! ] هي وحدها , فإنه يستحيل على العقل البشري ذاته أن يفهم هذا التفاوت أو يعلله !
إن التعليل الإسلامي لانبثاق الحياة في درجاتها المتفاوتة هو الحل الوحيد لهذه الظاهرة التي لا تعللها المحاولات المادية البائسة !
وإذ كنا - في هذه الظلال - لا نخرج عن المنهج القرآني ; فإننا لا نمضي أكثر من هذا في مواجهة لوثة الإلحاد ببراهين الخلق والتدبير والحياة . . فالقرآن الكريم لم يجعل قضية وجود الله قضيته . لعلم الله أن الفطرة ترفض هذه اللوثه . إنما القضية هي قضية توحيد الله ; وتقرير سلطانه في حياة العبد ; وهي القضية التي تتوخاها السورة في هذه الموجة التي استعرضناها .
الوحدة الثانية:4 - 11 الموضوع:عناد الكفار في رفض الحق وتهديدهم


وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)
موضوع الوحدة الثانية:موقف المشركين هذه هي الموجة التالية في افتتاح السورة ; بعد الموجة الأولى ذات اللمسات العريضة . . الموجة التي غمرت الكون كله بحقيقة الوجود الإلهي متجلية في خلق السماوات والأرض , منشئة للظلمات والنور ; ثم في خلق الإنسان من مادة هذه الأرض ; وتقدير أجله الذي ينتهي بالموت ; والاحتفاظ بسر الأجل الآخر المضروب للبعث ; والإحاطة بسر الناس وجهرهم , وما يكسبون في السر والجهر . .
هذا الوجود الإلهي الذي يتجلى في الآفاق والأنفس , هو وجود متفرد متوحد ; ليس مثله وجود ; لأنه ما من خالق غير الله ; كما أنه وجود غامر باهر قاهر يبدو التكذيب في ظله والإعراض عن هذه الآيات الهائلة , منكرا قبيحا , لا سند له , ولا عذر لصاحبه . .
ومن ثم يعرض السياق موقف المشركين الذين يعارضون الدعوة الإسلامية في ظل هذا الوجود الغامر الباهر القاهر ; فيبدو هذا الموقف منكرا قبيحا , حتى في حس أصحابه الذين يواجههم هذا القرآن بهذه الحقيقة ! ويكسب القرآن المعركة في الجولة الأولى . يكسبها في أعماق فطرة الناس , على الرغم من مكابرتهم ومن عنادهم الظاهرين !
وهو يعرض في هذه الموجة صورة العناد والمكابرة ; ويواجهها بالتهديد مرة ; وبتوجيه القلوب إلى مصارع المكذبين من قبل مرة ; ويحشد فيها عدة مؤثرات وموحيات . بعد الهزة الأولى التي مضت بها تلك الموجة العريضة:
الدرس الأول:4 - 6 موقف الكفار من الحق
وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين . فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم , وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين . .
إنهم يتخذون موقف الإعراض عنادا واصرارا . فليس الذي ينقصهم هو الآيات الداعية إلى الإيمان , ولا العلامات الدالة على صدق الدعوة والداعية , ولا البراهين الناطقة بما وراء الدعوة والداعية من ألوهية حقة , هي التي يدعون إلى الإيمان بها والاستسلام لها . . ليس هذا هو الذي ينقصهم , إنما تنقصهم الرغبة في الاستجابة , ويمسك بهم العناد والإصرار , ويقعد بهم الإعراض عن النظر والتدبر:


فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)
(وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين). .
وحين يكون الأمر كذلك . حين يكون الإعراض متعمدا ومقصودا - مع توافر الأدلة , وتواتر الآيات ووضوح الحقائق - فإن التهديد بالبطش قد يحدث الهزة التي تفتح نوافذ الفطرة حين تسقط عنها حاجز الكبر والعناد:
(فقد كذبوا بالحق لما جاءهم . فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون). .
إنه الحق هذا الذي جاءهم من لدن خالق السماوات والأرض , وجاعل الظلمات والنور , وخالق الإنسان من طين , والإله في السماوات وفي الأرض الذي يعلم سرهم وجهرهم ويعلم ما يكسبون . . إنه الحق وقد كذبوا به , مصرين على التكذيب , معرضين عن الآيات , مستهزئين بالدعوة إلى الإيمان . . فليرتقبوا إذن أن يأتيهم الخبر اليقين عما كانوا به يستهزئون !
ويتركهم أمام هذا التهديد المجمل , الذي لا يعرفون نوعه ولا موعده . . يتركهم يتوقعون في كل لحظة أن تأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ! حيث يتكشف لهم الحق أمام العذاب المرتقب المجهول !
وفي موقف التهديد يلفت أعناقهم وأنظارهم وقلوبهم وأعصابهم إلى مصارع المكذبين من قبلهم - وقد كانوا يعرفون بعضها في دور عاد بالأحقاف وثمود بالحجر , وكانت أطلالهم باقية يمر عليها العرب في رحلة الشتاء للجنوب وفي رحلة الصيف للشمال , كما كانوا يمرون بقرى لوط المخسوفة ويعرفون ما يتناقله المحيطون بها من أحاديث - فالسياق يلفتهم إلى هذه المصارع وبعضها منهم قريب .
(ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم , وأرسلنا السماء عليهم مدرارا , وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم . فأهلكناهم بذنوبهم , وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين). .
ألم يروا إلى مصارع الأجيال الغابرة . وقد مكنهم الله في الأرض , وأعطاهم من أسباب القوة والسلطان ما لم يعط مثله للمخاطبين من قريش في الجزيرة ; وأرسل المطر عليهم متتابعا ينشى ء في حياتهم الخصب والنماء ويفيض عليهم من الأرزاق . . ثم ماذا ? ثم عصوا ربهم , فأخذهم الله بذنوبهم , وأنشأ من بعدهم جيلا آخر , ورث الأرض من بعدهم ; ومضوا هم لا تحفل بهم الأرض ! فقد ورثها قوم آخرون ! فما أهون المكذبين المعرضين أصحاب القوة والتمكين من البشر َ ! ما أهونهم على الله ; وما أهونهم على هذه الأرض أيضا ! لقد أهلكوا وغبروا فما أحست هذه الأرض بالخلاء والخواء ; إنما عمرها جيل آخر ; ومضت الأرض في دورتها كأن لم يكن هنا سكان ; ومضت الحياة في حركتها كأن لم يكن هنا أحياء !
وهي حقيقة ينساها البشر حين يمكن الله لهم في الأرض . ينسون أن هذا التمكين إنما تم بمشيئة الله , ليبلوهم فيه:أيقومون عليه بعهد الله وشرطه , من العبودية له وحده , والتلقي منه وحده - بما أنه هو صاحب الملك وهم مستخلفون فيه - أم يجعلون من أنفسهم طواغيت , تدعي حقوق الألوهية وخصائصها ; ويتصرفون فيما استخلفوا فيه تصرف المالك لا المستخلف .
إنها حقيقة ينساها البشر - إلا من عصم الله - وعندئذ ينحرفون عن عهد الله وعن شرط الاستخلاف ; ويمضون على غير سنة الله ; ولا يتبين لهم في أول الطريق عواقب هذا الانحراف , ويقع الفساد رويدا رويدا وهم ينزلقون ولا يشعرون . . حتى يستوفي الكتاب أجله ; ويحق وعد الله . . ثم تختلف أشكال النهاية:مرة يأخذهم الله بعذاب الاستئصال - بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم كما وقع لكثير من الأقوام - ومرة يأخذهم بالسنين ونقص الأنفس والثمرات كما حدث كذلك لأقوام - ومرة يأخذهم بأن يذيق بعضهم بأس بعض ; فيعذب


أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6)
بعضهم بعضا , ويدمر بعضهم بعضا , ويؤذي بعضهم بعضا , ولا يعود بعضهم يأمن بعضا ; فتضعف شوكتهم في النهاية ; ويسلط الله عليهم عبادا له - طائعين أو عصاة - يخضدون شوكتهم , ويقتلعونهم مما مكنوا فيه ; ثم يستخلف الله العباد الجدد ليبتليهم بما مكنهم . . وهكذا تمضي دورة السنة . . السعيد من وعى أنها السنة , ومن وعى أنه الابتلاء ; فعمل بعهد الله فيما استخلف فيه . والشقي من غفل عن هذه الحقيقة , وظن أنه أوتيها بعلمه , أو أوتيها بحيلته , أو أوتيها جزافا بلا تدبير !
وإنه لما يخدع الناس أن يروا الفاجر الطاغي , أو المستهتر الفاسد , أو الملحد الكافر , ممكنا له في الأرض , غير مأخوذ من الله . . ولكن الناس إنما يستعجلون . . إنهم يرون أول الطريق أو وسطه ; ولا يرون نهاية الطريق . . ونهاية الطريق لا ترى إلا بعد أن تجيء ! لا ترى إلا في مصارع الغابرين بعد أن يصبحوا أحاديث . . والقرآن الكريم يوجه إلى هذه المصارع ليتنبه المخدوعون الذين لا يرون - في حياتهم الفردية القصيرة - نهاية الطريق ; فيخدعهم ما يرون في حياتهم القصيرة ويحسبونه نهاية الطريق !
إن هذا النص في القرآن: (فأهلكناهم بذنوبهم). . وما يماثله , وهو يتكرر كثيرا في القرآن الكريم . . إنما يقرر حقيقة , ويقرر سنة , ويقرر طرفا من التفسير الإسلامي لأحداث التاريخ . .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:14 pm

إنه يقرر حقيقة أن الذنوب تهلك أصحابها , وأن الله هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم ; وأن هذه سنة ماضية - ولو لم يرها فرد في عمره القصير , أو جيل في أجله المحدود - ولكنها سنة تصير إليها الأمم حين تفشو فيها الذنوب ; وحين تقوم حياتها على الذنوب . . كذلك هي جانب من التفسير الإسلامي للتاريخ:فإن هلاك الأجيال واستخلاف الأجيال ; من عوامله , فعل الذنوب في جسم الأمم ; وتأثيرها في إنشاء حالة تنتهي إلى الدمار ; إما بقارعة من الله عاجلة - كما كان يحدث في التاريخ القديم - وإما بالانحلال البطيء الفطري الطبيعي , الذي يسري في كيان الأمم - مع الزمن - وهي توغل في متاهة الذنوب !
وأمامنا في التاريخ القريب - نسبيا - الشواهد الكافية على فعل الانحلال الأخلاقي , والدعارة الفاشية , واتخاذ المرأة فتنة وزينة , والترف والرخاوة , والتلهي بالنعيم . . أمامنا الشواهد الكافية من فعل هذا كله في انهيار الإغريق والرومان - وقد أصبحوا أحاديث - وفي الانهيار الذي تتجلى أوائله , وتلوح نهايته في الأفق في أمم معاصرة , كفرنسا وانجلترا كذلك - على الرغم من القوة الظاهرة والثراء العريض .
إن التفسير المادي للتاريخ يحذف هذا الجانب حذفا باتا من تفسيره لأطوار الأمم وأحداث التاريخ , ذلك أن وجهته ابتداء هي استبعاد العنصر الأخلاقي من الحياة , واستعباد القاعدة الاعتقادية التي يقوم عليها . . ولكن هذا التفسير يضطر إلى مماحكات مضحكة في تفسير أحداث وأطوار في حياة البشرية لا سبيل إلى تفسيرها إلا على أساس القاعدة الاعتقادية .
والتفسير الإسلامي - بشمولة وجديته وصدقه وواقعيته - لا يغفل أثر العناصر المادية - التي يجعلها التفسير . المادي هي كل شيء - ولكنه يعطيها مكانها الذي تستحقه في رقعة الحياة العريضة ; ويبرز العناصر الفعالة الأخرى التي لا ينكرها إلا أصحاب العناد الصفيق لواقعيات الوجود . . يبرز قدر الله من وراء كل شيء ; ويبرز التغير الداخلي في الضمائر والمشاعر والعقائد والتصورات ; ويبرز السلوك الواقعي والعنصر الأخلاقي . .


وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (7)
ولا يغفل عاملا واحدا من العوامل التي تجري بها سنة الله في الحياة . .
الدرس الثاني:7 - 9 عناد الكفارليس لنقص الآيات
ثم يمضي السياق يصور طبيعة العناد , التي ينبعث منها ذلك الإعراض ; فيرسم نموذجا عجيبا من النفوس البشرية . . ولكنه نموذج مع ذلك مكرور , يجده الإنسان في كل عصر وفي كل بيئة وفي كل جيل . . نموذج النفس المكابرة , التي يخرق الحق عينها ولا تراه ! والتي تنكر ما لا ينكر لأنه من الوضوح بحيث يخجل المخالف أن ينكره ! على الأقل من باب الحياء ! . . والقرآن يرسم هذا النموذج شاخصا في كلمات قلائل , على طريقة التعبير القرآني المبدعة المعجزة في التعبير والتصوير :
(ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم , لقال الذين كفروا:إن هذا إلا سحر مبين). .
إنه ليس الذي يجعلهم يعرضون عن أيات الله , أن البرهان على صدقها ضعيف , أو غامض , أو تختلف فيه العقول . إنما الذي يجعلهم يقفون هذا الموقف هو المكابرة الغليظة والعناد الصفيق ! وهو الإصرار مبدئيا على الرفض والإنكار وعدم اعتبار البرهان أو النظر إليه أصلا ! ولو أن الله - سبحانه - نزل على رسول الله [ ص ] هذا القرآن , لا عن طريق الوحي الذي لا يرونه ; ولكن في ورقة منظورة ملموسة محسوسة ; ثم لمسوا هم هذه الورقة بأيديهم - لا سماعا عن غيرهم , ولا مجرد رؤية بعيونهم - ما سلموا بهذا الذي يرونه ويلمسونه , ولقالوا جازمين مؤكدين:
إن هذا إلا سحر مبين .
وهي صورة صفيقة , منكرة , تثير الاشمئزاز , وتستعدي من يراها عليها ! صورة تثير النفس لتتقدم فتصفعها ! حيث لا مجال مع هذه الجبلات لحجة أو جدل أو دليل !
وتصويرها على هذا النحو - وهي صورة تمثل حقيقة لنماذج مكرورة - يؤدي غرضين أو عدة أغراض:
إنه يجسم للمعارضين أنفسهم حقيقة موقفهم الشائن الكريه البغيض ; كالذي يرفع المرآة لصاحب الوجه الشائه والسحنة المنكرة , , ليرى نفسه في هذه المرآة , ويخجل منها !
وهو في الوقت ذاته يستجيش ضمائر المؤمنين تجاه إعراض المشركين وإنكار المنكرين ; ويثبت قلوبهم على الحق , فلا تتأثر بالجو المحيط من التكذيب والإنكار والفتنة والإيذاء .
كذلك هو يوحي بحلم الله الذي لا يعجل على هؤلاء المعارضين المكذبين , وهم في مثل هذا العناد المنكر الصفيق .
وكلها أسلحة وحركة في المعركة التي كانت تخوضها الجماعة المسلمة بهذا القرآن في مواجهة المشركين .
بعد ذلك يحكي نموذجا من اقتراحات المشركين , التي يمليها التمحل والعناد , كما يمليها الجهل وسوء التصور . . ذلك إذ يقترحون أن ينزل الله - سبحانه - على الرسول [ ص ] ملكا يصاحبه في تبليغ الدعوة ; ويصدقه في أنه مرسل من عند الله . . ثم يبين لهم ما في هذا الاقتراح من جهل بطبيعة الملائكة , وبسنة الله في إرسالهم , كما يبين لهم رحمة الله بهم في أن لا يستجيب لهم فيما يقترحون:


وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ (Cool
(وقالوا:لولا أنزل عليه ملك ! ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون . ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا , وللبسنا عليهم ما يلبسون). .
وهذا الاقتراح الذي كان المشركون يقترحونه ; والذي اقترحه من قبلهم أقوام كثيرون على رسلهم - كما يحكي القرآن الكريم في قصصهم - والرد القرآني عليه في هذا الموضع . . هذا وذاك يثيران جملة حقائق نلم بها هنا بقدر الإمكان:
الحقيقة الأولى:أن أولئك المشركين من العرب لم يكونوا يجحدون الله ; ولكنهم كانوا يريدون برهانا على ان الرسول [ ص ] مرسل من عنده ; وأن هذا الكتاب الذي يتلوه عليه7م منزل من عند الله حقا . ويقترحون برهانا معينا:هو أن ينزل الله عليه ملكًا يصاحبه في الدعوة ويصدق دعواه . . ولم يكن هذا إلا اقتراحا من اقتراحات كثيرة من مثله , ورد ذكرها في القرآن في مواضع منه شتى . وذلك كالذي ورد في سورة الإسراء , وهو يتضمن هذا الاقتراح , واقتراحات من نوعه تدل كلها على التعنت الذي وصفته الآية السابقة , كما تدل على الجهل بكثير من الحقائق الكونية وكثير من القيم الحقيقيةSadولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل , فأبى أكثر الناس إلا كفورا . وقالوا:لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا . أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا , أو تأتي بالله والملائكة قبيلا . أو يكون لك بيت من زخرف , أو ترقى في السماء , ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه . قل:سبحان ربي ! هل كنت إلا بشرا رسولا ? وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا:أبعث الله بشرا رسولا ? قل:لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولًا). . . [ الإسراء:89-95 ] .
ومن مثل هذه الاقتراحات يتبين التعنت كما تتبين الجهالة . . وإلا فقد كان لهم من خلق رسول الله [ ص ] الذي يعرفونه جيدا بالخبرة الطويلة ; ما يدلهم على صدقة وأمانته وهم كانوا يلقبونه الأمين , ويودعون لديه أماناتهم حتى وهم معه على أشد الخلاف ; وقد هاجر [ ص ] وترك ابن عمه عليا - رضي الله عنه - يرد إلى قريش ودائعهم التي كانت ما تزال عنده ; وهم معه على الخلاف الذي يدبرون معه قتله ! وكذلك كان صدقه عندهم مستيقنا كأمانته ; فإنه لما دعاهم أول مرة دعوة جماعية جهرية على الصفا - حين أمره ربه بذلك - وسألهم:إن كانوا يصدقونه لو أنبأهم بنبأ , أجابوه كلهم بأنه عندهم مصدق . . فلو كانوا يريدون أن يعلموا صدقه لقد كان لهم في ماضيه برهان , ولقد كانوا يعلمون:إنه لصادق . . وسيأتي في سياق السورة خبر الله الصادق لنبيه:أنهم لا يكذبونهSadقد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون . فإنهم لا يكذبونك . ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). . فهي الرغبة في الإنكار والإعراض ; وهو العناد والاستكبار عن الحق . وليس أنهم يشكون في صدقه [ ص ] !
ثم لقد كان لهم في القرآن ذاته برهان أصدق من هذه البراهين المادية التي يطلبون . فإن هذا القرآن شاهد بذاته , بتعبيره ثم بمحتوى هذا التعبير , على أنه من عند الله . . وهم لم يكونوا يجحدون الله . . وهم - على وجه التأكيد - كانوا يحسون ذلك ويعرفونه . . كانوا يعرفون بحسهم اللغوي الأدبي الفني مدى الطاقة البشرية ; ويعرفون أن هذا القرآن فوق هذا المدى - وهذا الإحساس يعرفه من يمارس فن القول ويتذوقه أكثر مما يعرفه من ليست له هذه الممارسة . وكل من مارس فن القول يدرك إدراكا واضحا أن هذا القرآن فوق ما يملك البشر أن يبلغوا ; لا ينكر هذا إلا معاند يجد الحق في نفسه ثم يخفيه ! كما أن المحتوى القرآني من التصور الاعتقاديوالمنهج الذي يتخذه لتقرير هذا الاعتقاد في الإدراك البشري , ونوع المؤثرات واللمسات الموحية . . كلها غير معهود في طبيعة التصورات البشرية والمناهج البشرية , والطرائق البشرية في الإداء النفسي والتعبيري أيضا . . والعرب لم يكن يخفي عليهم الشعور بهذا في قرارة نفوسهم . وأقوالهم ذاتها وأحوالهم تقرر أنهم ما كانوا يشكون في أن هذا القرآن من عند الله . .
وهكذا يبدو أن هذه الاقتراحات لم تكن طلبا للبرهان ; إنما كانت وسيلة من وسائل الإعنات ; وأسلوبا من أساليب التعنت ; وخطة للمماحكة والمعاندة ; وأنهم كانوا كما قال الله سبحانه عنهم في الآية السابقةSadولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم , لقال الذين كفروا:إن هذا إلا سحر مبين)!
والحقيقة الثانية:أن العرب كانوا يعرفون الملائكة ; وكانوا يطلبون أن ينزل الله على رسوله ملكا يدعو معه ويصدقه . . ولكنهم لم يكونوا يعرفون طبيعة هذا الخلق التي لا يعلمها إلا الله ; وكانوا يخبطون في التيه بلا دليل في تصور هذا الخلق ; وفي نوع علاقته بربه ; ونوع علاقته بالأرض وأهلها . . وقد حكى القرآن الكريم كثيرا من ضلالات العرب وأساطير الوثنية حول الملائكة ; وصححها كلها لهم ليستقيم تصور من يهتدي بهذا الدين منهم ; وتصح معرفتهم لهذا الكون وما يعمره من خلائق . وكان الإسلام - من هذا الجانب - منهجا لتقويم العقل والشعور , كما كان منهجا لتقويم القلب والضمير , ومنهجا لتقويم الأوضاع والأحوال سواء . .
وحكى القرآن الكريم من أضاليل العرب ومن جهالاتهم في جاهليتهم , أنهم كانوا يظنون أن الملائكة بنات الله ! سبحانه وتعالى عما يصفون ! وأنهم - من ثم - لهم شفاعة عند الله لا ترد ! والراجح أن بعض كبار الأصنام كانت رموزا للملائكة ! كما حكى قولهم هذا في طلبهم أن ينزل الله على رسوله ملكا ليصدقه في دعواه . .
وقد صحح لهم القرآن ضلالتهم الأولى في مواضع منه شتى . كالذي جاء في سورة النجم:
أفرأيتم اللات والعزى ? ومناة الثالثة الأخرى ? ألكم الذكر وله الأنثى ? تلك إذا قسمة ضيزى ! إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان , إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس , ولقد جاءهم من ربهم الهدى . أم للإنسان ما تمنى ? فلله الآخرة والأولى . وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى . إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى . وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن , وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا .
كما صحح لهم ضلالتهم الثانية في تصورهم لطبيعة الملائكة في هاتين الآيتين في هذه السورة وفي مواضع أخرى كثيرة:
(وقالوا:لولا أنزل عليه ملك ! ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون). .
وهذا جانب من التعريف بهذا الخلق من عباد الله . . إنهم يقترحون أن ينزل الله ملكا . ولكن سنة الله أن ينزل الملائكة - حين ينزلون إلى الأرض على قوم كذبوا برسولهم - أن ينزلوا للتدمير عليهم , وتحقيق أمر الله فيهم بالهلاك والدمار . ولو أن الله استجاب للمشركين من العرب فأنزل ملكا , لقضي الأمر , وتم التدمير , ولم ينظروا إلى مهلة بعد هذا التنزيل ! فهل هذا ما يريدون وما يقترحون ? وهلا يستشعرون رحمة الله في عدم إجابتهم لما يقترحون لأنفسهم من الهلاك المبين ?! . . هكذا يقفهم السياق وجها لوجه أمام رحمة الله بهم وحلمه عليهم ; وأمام جهلهم بمصلحة أنفسهم , وجهلهم بسنة الله في تنزيل الملائكة . . وهم بهذا الجهل الذي يكاد يدمر عليهم حياتهم , يرفضون الهدى ويرفضون الرحمة ويتعنتون في طلب الدليل !
والجانب الثاني من التعريف بهذا الخلق من عباد الله تتضمنه الآية الثانية:


وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)
(ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا , وللبسنا عليهم ما يلبسون). .
إنهم يقترحون أن ينزل الله - سبحانه - ملكا على رسوله [ ص ] يصدقه في دعواه . . ولكن الملائكة خلق آخر غير الخلق الإنساني . خلق ذو طبيعة خاصة يعلمها الله . وهم - كما يقول الله عنهم , ونحن لا علم لنا بهم إلا مما يقوله عنهم الذي خلقهم - لا يستطيعون أن يمشوا في الأرض بهيئتهم التي خلقهم الله عليها ; لأنهم ليسوا من سكان هذا الكوكب ; ولكن لهم - مع ذلك - من الخصائص ما يجعلهم يتخذون هيئة البشر حين يؤدون وظيفة من وظائفهم في حياة البشر ; كتبليغ الرسالة ; أو التدمير على من يريد الله أن يدمر عليهم من المكذبين ; أو تثبيت المؤمنين , أو قتال أعدائهم وقتلهم . . إلى آخر الوظائف التي يقص القرآن الكريم أنهم يكلفون بها من ربهم , فلا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .
فلو شاء الله أن يرسل ملكا يصدق رسوله , لتبدى للناس في صورة رجل - لا في صورته الملائكية - وعندئذ يلتبس عليهم الأمر مرة أخرى ! وإذا كانوا يلبسون على أنفسهم الحقيقة ومحمد [ ص ] يقول لهم:أنا محمد الذي تعرفونه أرسلني الله إليكم لأنذركم وأبشركم . . , فكيف يكون اللبس إذا جاءهم ملك - في صورة رجل لا يعرفونه - يقول لهم:أنا ملك أرسلني الله لأصدق رسوله . . بينما هم يرونه رجلا كأي منهم ?! إنهم يلبسون الحقيقة البسيطة . فلو أرسل الله ملكا لجعله رجلا وللبس عليهم الحقيقة التي يلبسونها ; ولما اهتدوا قط إلى يقين !
وهكذا يكشف الله - سبحانه - جهلهم بطبيعة خلائقه , كما كشف لهم جهلهم في معرفة سنته . . وذلك بالإضافة إلى كشف تعنتهم وعنادهم بلا مبرر , وبلا معرفة , وبلا دليل !
والحقيقة الثالثة التي يثيرها النص القرآني في الفكر:هي طبيعة التصور الإسلامي ومقومات هذا التصور - ومن بينها تلك العوالم الظاهرة والمغيبة التي علم الإسلام المسلم أن يدركها أولا , وأن يتعامل معها أخيرا - ومن بين تلك العوالم المغيبة عالم الملائكة . . وقد جعل الإسلام الإيمان بها مقوما من مقومات الإيمان , لا يتم الإيمان إلا به . . الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره . .
وقد سبق أن ذكرنا في هذه الظلال ونحن نتحدث عن مطلع سورة البقرة:ما ملخصه أن الإيمان بالغيب نقلة في حياة الإنسان ضخمة ; لأن خروجه من دائرة المحسوس الضيقة إلى إدراك أن هناك غيبا مجهولا يمكن وجوده ويمكن تصوره , هو - بلا شك - نقلة من دائرة الحس الحيواني إلى مجال الإدراك الإنساني . وأن إغلاق هذا المجال دون الإدراك الإنساني نكسة به إلى الوراء ; وهو ما تحاوله المذاهب المادية الحسية ; وتدعوه "تقدمية " ! وسنتحدث - إن شاء الله - بشيء من التفصيل عن "الغيب" عندما نواجه في هذه السورة قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو). . فنقصر الحديث هنا عن الملائكة , من عالم الغيب .
لقد تضمن التصور الإسلامي عن عالم الغيب , أن هناك خلقا من عباد الله اسمهم الملائكة . وأخبرنا القرآن الكريم عن قدر من صفاتهم , يكفي لهذا التصور , ويكفي للتعامل معهم في حدوده .
فهم خلق من خلق الله , يدين لله بالعبودية , وبالطاعة المطلقة ; وهم قريبون من الله - لا ندري كيف ولا ندري نوع القرب على وجه التحديد -Sadوقالوا:اتخذ الرحمن ولدا . سبحانه ! بل عباد مكرمون , لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون , يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون). . (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون , يسبحون الليل والنهار لا يفترون). .
وهم يحملون عرش الرحمن , ويحفون به يوم القيامة كذلك - لا ندري كيف فليس لنا من علم إلا بقدر
ما كشف الله لنا في هذا الغيب -: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به . . .). . (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم , وقضى بينهم بالحق وقيل:الحمد لله رب العالمين). .
وهم خزنة الجنة وخزنة النار , يستقبلون أهل الجنة بالسلام والدعاء , ويستقبلون أهل النار بالتأنيب والوعيد: وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا , حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها , وقال لهم خزنتها:ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ? قالوا:بلى ! ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين:قيل:ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين . وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا , حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها , وقال لهم خزنتها:سلام عليكم , طبتم فادخلوها خالدين . . (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة). .
وهم يتعاملون مع أهل الأرض في صور شتى:
فهم يقومون عليهم حفظة بأمر الله ; يتابعونهم ويسجلون عليهم كل ما يصدر عنهم ; ويتوفونهم إذا جاء أجلهمSadوهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون). . (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفطونه . . من أمر الله . .). .(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد). .
وهم يبلغون الوحي إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم . . وقد أعلمنا الله - سبحانه - أن جبريل عليه السلام هو الذي يقوم منهم بهذه الوظيفةSadينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده:أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون). . (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله). . ووصفه - سبحانه - بأنه ذو مرة [ أي قوة ] وأن رسول الله [ ص ] رآه على هيئته الملائكية مرتين اثنتين , بينما جاءه في صور شتى في مرات الوحي التالية: والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى . علمه شديد القوى . ذو مرة فاستوى . وهو بالأفق الأعلى . ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى . فأوحى إلى عبده ما أوحى . ما كذب الفؤاد ما رأى . أفتمارونه على ما يرى . ولقد رآه نزلة أخرى . عند سدرة المنتهى . عندها جنة المأوى . إذ يغشى السدرة ما يغشى . ما زاغ البصر وما طغى . لقد رأى من آيات ربه الكبرى . . . . .
وهم يتنزلون على المؤمنين بالتثبيت والمدد والتأييد في معركتهم الكبرى مع الباطل والطاغوتSadإن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون). .(إذ تقول للمؤمنين:ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين . بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين . وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به , وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم . .). .(إذ يوحي ربك إلى الملائكة:أني معكم فثبتوا الذين آمنوا , سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب , فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان). .
وهم مشغولون بأمر المؤمنين , يسبحون ربهم , ويستغفرون للذين آمنوا من ذنوبهم , ويدعون ربهم لهم دعاء المحب المشفق المشغول بشأن من يحب: لذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به , ويستغفرون للذين آمنوا , ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما , فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك , وقهم عذاب الجحيم . ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم , ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم , إنك أنت العزيز الحكيم . وقهم السيئات , ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته , وذلك هو الفوز العظيم . .وهم كذلك يبشرون المؤمنين بالجنة عند قبض أرواحهم , ويستقبلونهم بالبشرى في الآخرة ويسلمون عليهم في الجنةSadالذين تتوفاهم الملائكة طيبين , يقولون:سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون). .(. . جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم , والملائكة يدخلون عليهم من كل باب , سلام عليكم بما صبرتم , فنعم عقبى الدار). .
وهم يستقبلون الكافرين في جهنم بالتأنيب والوعيد - كما سبق - ويقاتلونهم في معارك الحق كذلك . وكذلك هم يستلون أرواحهم في تعذيب وتأنيب ومهانة: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم:أخرجوا أنفسكم , اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون . .(فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم !). .
ولقد كان لهم شأن مع البشر منذ نشأة أبيهم آدم , كما أن هذه الصلة امتدت في طول الحياة وعرضها حتى مجال الحياة الباقية على النحو الذي أشرنا إليه في المقتطفات القرآنية السابقة . وشأن الملائكة مع النشأة الإنسانية يرد في مواضع شتى , كالذي جاء في سورة البقرةSadوإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة . قالوا:أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء , ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ? قال:إني أعلم ما لا تعلمون . وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة , فقال:أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين . قالوا:سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم . قال:يا آدم أنبئهم بأسمائهم , فلما أنبأهم بأسمائهم قال:ألم أقل لكم:إني أعلم غيب السماوات والأرض , وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون وإذ قلنا للملائكة:اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين . .). .
فهذا المجال الفسيح الذي تتصل فيه حياة البشر بهذا الملأ الأعلى , هو فسحة في التصور , وفسحة في إدراك حقائق هذا الوجود , وفسحة في الشعور , وفسحة في الحركة النفسية والفكرية , يتيحها التصور الإسلامي للمسلم ; والقرآن يعرض عليه هذا المجال الفسيح , وعالم الغيب المتصل بما هو فيه من عالم الشهود .
والذين يريدون أن يغلقوا على "الإنسان" هذا المجال . . ومجال عالم الغيب كله . . إنما يريدون به أقبح الشر . . يريدون أن يغلقوا عالمه على مدى الحس القريب المحدود ; ويريدون بذلك أن يزجوا به في عالم البهائم ; وقد كرمه الله بقوة التصور ; التي يملك بها أن يدرك ما لا تدركه البهائم ; وأن يعيش في بحبوحة من المعرفة , وبحبوحة من الشعور ! وأن ينطلق بعقله وقلبه إلى مثل هذا العالم ; وأن يتطهر وهو يرف بكيانه كله في مثل هذا النور !
والعرب في جاهليتهم - على كل ما في هذه الجاهلية من خطأ في التصور - كانوا [ من هذا الجانب ] أرقى من أهل الجاهلية [ العلمية ! ] الحديثة ; الذين يسخرون من الغيب كله ! ويعدون الإيمان بمثل هذه العوالم الغيبية سذاجة غيرعلمية ! ويضعون "الغيبية " في كفة , و"العلمية " في الكفة الأخرى ! وسنناقش عند مواجهة قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو)هذه الدعوى التي لا سند لها من العلم , كما أنه لا سند لها من الدين . أما هنا فنكتفي بكلمة مختصرة عن شأن الملائكة .
ونسأل:ماذا عند أدعياء العقلية "العلمية " , من علمهم ذاته , يحتم عليهم نفي هذا الخلق المسمى بالملائكة , وإبعاده عن دائرة التصور والتصديق ? ماذا لديهم من علم يوجب عليهم ذلك ?
إن علمهم لا يملك أن ينفي وجود حياة من نوع آخر غير الحياة المعروفة في الأرض في أجرام أخرى , يختلف تركيب جوها وتختلف طبيعتها وظروفها عن جو الأرض وظروفها . . فلماذا يجزمون بنفي هذه العوالم , وهملا يملكون دليلا واحدا على نفي وجودها ?
إننا لا نحاكمهم إلى عقيدتنا , ولا إلى قول الله سبحانه ! إنما نحاكمهم إلى "علمهم" الذي يتخذونه إلها . . فلا نجد إلا أن المكابرة وحدها - من غير أي دليل من هذا العلم - هي التي تقودهم إلى هذا الإنكار "غير العلمي" ! المجرد أن هذه العوالم غيب ? لقد نرى حين نناقش هذه القضية أن الغيب الذي ينكرونه هو الحقيقة الوحيدة التي يجزم هذا "العلم" اليوم بوجودها ; حتى في عالم الشهادة الذي تلمسه الأيدي وتراه العيون .
الدرس الثالث:10 - 11 دعوة الكفار للإعتبار من هلاك السابقين
وتنتهي هذه الموجة بعرض ما وقع للمستهزئين بالرسل . ودعوة المكذبين إلى تدبر مصارع أسلافهم , والسير في الأرض لرؤية هذه المصارع ; الناطقة بسنة الله في المستهزئين المكذبين:
ولقد استهزئ برسل من قبلك , فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون . قل:سيروا في الأرض , ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين . .
إن هذه اللفتة - بعد ذكر إعراضهم عنادا وتعنتا ; وبعد بيان ما في اقتراحاتهم من عنت وجهالة ; وما في عدم الاستجابة لهذه المقترحات من رحمة من الله وحلم - لترمي إلى غرضين ظاهرين:
الأول:تسلية رسول الله [ ص ] والتسرية عنه , مما يلقاه من عناد المعرضين , وعنت المكذبين ; وتطمين قلبه [ ص ] إلى سنة الله سبحانه في أخذ المكذبين لمستهزئين بالرسل ; وتأسيته كذلك بأن هذا الإعراض والتكذيب ليس بدعا في تاريخ الدعوة إلى الحق . فقد لقي مثله الرسل قبله ; وقد لقي المستهزئون جزاءهم الحق وحاق بهم ما كانوا يستهزئون به من العذاب , ومن غلبة الحق على الباطل في نهاية المطاف . .
والثاني:لمس قلوب المكذبين المستهزئين من العرب بمصارع أسلافهم من المكذبين المستهزئين:وتذكيرهم بهذه المصارع التي تنتظرهم إن هم لجوا في الاستهزاء والسخرية والتكذيب . وقد أخذ الله - من قبلهم - قرونا كانت أشد منهم قوة وتمكينا في الأرض ; وأكثر منهم ثراء ورخاء , كما قال لهم في مطلع هذه الموجة ; التي ترج القلوب رجا بهذه رجا بهذه اللفتات الواقعية المخيفة .
ومما يستدعي الانتباه ذلك التوجيه القرآني:
(قل:سيروا في الأرض , ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين). .
والسير في الأرض للاستطلاع والتدبر والاعتبار ; ولمعرفة سنن الله مرتسمة في الأحداث , والوقائع ; مسجلة في الآثار الشاخصة , وفي التاريخ المروي في الأحاديث المتداولة حول هذه الآثار في أرضها وقومها . . السير على هذا النحو , لمثل هذا الهدف , وبمثل هذا الوعي . . أمور كلها كانت جديدة على العرب ; تصور مدى النقلة التي كان المنهج الإسلامي الرباني ينقلهم إليها من جاهليتهم إلى هذا المستوى من الوعي والفكر والنظر والمعرفة .
لقد كانوا يسيرون في الأرض , ويتنقلون في أرجائها للتجارة والعيش , وما يتعلق بالعيش من صيد ورعي . . أما أن يسيروا وفق منهج معرفي تربوي . . فهذا كان جديدا عليهم . وكان هذا المنهج الجديد يأخذهم به ; وهو يأخذ بأيديهم من سفح الجاهلية , في الطريق الصاعد , إلى القمة السامقة التي بلغوا إليها في النهاية .
ولقد كان تفسير التاريخ الإنساني وفق قواعد منهجية كهذة التي كان القرآن يوجه إليها العرب ; ووفق سنن


قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)
مطردة تتحقق آثارها كلما تحققت أسبابها - بإذن الله - ويستطيع الناس ملاحظتها ; وبناء تصوراتهم للمقدمات والنتائج عليها ; ومعرفة مراحلها وأطوارها . . كان هذا المنهج برمته في تفسير التاريخ شيئا جديدا على العقل البشري كله في ذلك الزمان . إذ كان قصارى ما يروى من التاريخ وما يدون من الأخبار , مجرد مشاهدات أو روايات عن الأحداث والعادات والناس ; لا يربط بينها منهج تحليلي أو تكويني يحدد الترابط بين الأحداث , كما يحدد الترابط بين المقدمات والنتائج , وبين المراحل والأطوار . . فجاء المنهج القرآني ينقل البشرية إلى هذا الأفق ; ويشرع لهم منهج النظر في أحداث التاريخ الإنساني . وهذا المنهج ليس مرحلة في طرائق الفكر والمعرفة . إنما هو "المنهج" . . هو الذي يملك وحده إعطاء التفسير الصحيح للتاريخ الإنساني .
والذين يأخذهم الدهش والعجب للنقلة الهائلة التي انتقل إليها العرب في خلال ربع قرن من الزمان على عهد الرسالة المحمدية , وهي فترة لا تكفي إطلاقا لحدوث تطور فجائي في الأوضاع الاقتصادية , سيرتفع عنهم الدهش ويزول العجب , لو أنهم حولوا انتباههم من البحث في العوامل الاقتصادية ; ليبحثوا عن السر في هذا المنهج الرباني الجديد , الذي جاءهم به محمد [ ص ] من عند الله العليم الخبير . . ففي هذا المنهج تكمن المعجزة , وفي هذا المنهج يكمن السر الذي يبحثون عنه طويلا عند الإله الزائف الذي أقامته المادية حديثا . . إله الاقتصاد . .
وإلا فأين هو التحول الاقتصادي المفاجئ في الجزيرة العربية ; الذي ينشى ء من التصورات الاعتقادية ونظام الحكم , ومناهج الفكر , وقيم الأخلاق , وآماد المعرفة , وأوضاع المجتمع , كل هذا الذي نشأ في ربع قرن من الزمان ?!
إن هذه اللفتة:
(قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين).
إلى جانب اللفتة التي جاءت في صدر هذه الموجة من قوله تعالىSadألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم , وأرسلنا السماء عليهم مدرارا , وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم , فأهلكناهم بذنوبهم , وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين). .
إلى جانب أمثالها في هذه السورة وفي القرآن كله لتؤلف جانبا من منهج جديد جدة كاملة على الفكر البشري . وهو منهج باق . ومنهج كذلك فريد . .
الوحدة الثالثة:12 - 19 الموضوع:حقيقة الألوهية من خلال الملكية والفاعلية موضوع الوحدة
هذه الموجة الجديدة ذات المد العالي والإيقاع الرهيب , تجيء في أعقاب الحديث عن التكذيب والإعراض والسخرية والاستهزاء ; وما ختم به هذا الحديث وما تخلله من التهديد المخيف ; مع توجيه الأنظار والقلوب إلى الاعتبار بمصارع المكذبين المستهزئين . . كما أنها تجيء بعد موجة الافتتاح السابقة للحديث عن المكذبين ; والتي عرضت حقيقة الألوهية في المجال الكوني العريض ; وفي المجال الإنساني العميق . وهي كذلك تعرض حقيقة الألوهية في مجالات أخرى , بإيقاعات جديدة ; ومع مؤثرات كذلك جديدة . . فيقع الحديث عن التكذيب بين موجة الافتتاح وهذه الموجة ; ويبدو أمره في غاية النكارة وفي غاية البشاعة !
ولقد عرضت الموجة الأولى حقيقة الألوهية ممثلة في خلق السماوات والأرض , وجعل الظلمات والنور , وخلق الإنسان من طين , وقضاء الأجل الأول لعمره , وتسمية الأجل الثاني لبعثه . مقررة شمول ألوهية الله للسماوات وللأرض , وإحاطة علمه بسر الناس وجهرهم وما يكسبونه في السر والجهر . . كل أولئك لا لمجرد التقرير اللاهوتي أو الفلسفي النظري السلبي . ولكن لتقرير مقتضيات هذه الحقائق في الحياة الإنسانية . من إسلامها بجملتها لله وحده , لا تعدل به أحدا , ولا تمتري في هذه الوحدانية . ومن إقرارها بشمول الألوهية لشئون الكون ولشئون الحياة الإنسانية في السر والجهر . ومن ترتيب النتائج الطبيعية لهذه الحقائق في الاستسلام لحاكمية الله وحده في شؤون الحياة الأرضية كالاستسلام لهذه الحاكمية في الشؤون الكونية . .
فأما هذه الموجة الجديدة فتستهدف كذلك إبراز حقيقة الألوهية , ممثلة في الملك والفاعلية , وفي الرزق والكفالة ; وفي القدرة والقهر ; وفي النفع والضر . . كل ذلك لا لمجرد التقرير اللاهوتي أو الفلسفي النظري السلبي . . ولكن لتقرير مقتضيات هذه الحقائق من توحيد الولاية والتوجه ; وتوحيد الاستسلام والعبودية . . واعتبار الولاية والتوجه مظهر الاستسلام والعبودية . فإذا أمر رسول الله [ ص ] أن يستنكر أن يتخذ غير الله وليا ; بين أن هذا الاستنكار قائم أولا على أن الله يطعم ولا يطعم ; وقائم ثانيا على أن تولي غير الله نقض لما أمر به من الإسلام وعدم الشرك أيضا . .
ويصاحب عرض حقيقة الألوهية , في هذه الصورة ولهذا الغرض , جملة مؤثرات قوية تخلخل القلوب . تبدأ بعرض حقيقة الملكية لكل شيء . وحقيقة أن الله هو الذي يطعم ولا يطعم . وعرض العذاب الرعيب الذي يعد مجرد صرفه رحمة من الله وفوزا عظيما . وعرض القدرة على الضر والخير . وعرض الاستعلاء والقهر .
وعرض الحكمة والخبرة . . ثم الإيقاع الرهيب المزلزل , المتمثل في الأمر العلوي الهائل:قل . قل . قل:
فإذا تم هذا العرض بكل مؤثراته العميقة , جاء الختام بالإيقاع العالي المجلجل . . إيقاع الإشهاد على التوحيد , وإنكار الشرك , والمفاصلة الحاسمة ; مصحوبا كذلك بالأمر العلوي في كل فاصلة: (قل:أي شيء أكبر شهادة ?). . (قل:الله). . (قل:لا أشهد). . (قل:إنما هو إله واحد). . مما يضفي على الجو كله رهبة غامرة ; ويضفي على الأمر كله طابع جد مرهوب !
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:15 pm

الدرس الأول:12 شمول ملكية الله للزمان والمكان
(قل:لمن ما في السماوات والأرض ? قل لله , كتب على نفسه الرحمة , ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه , الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون . وله ما سكن في الليل والنهار , وهو السميع العليم). .
إنه موقف المواجهة للبيان والتقرير , ثم المفاصلة . . ومن ثم يبدأ بتوجيه الرسول [ ص ] لهذه المواجهة . مواجهة المشركين - الذين يعرفون أن الله هو الخالق ثم يعدلون به من لا يخلق ; فيجعلون له شركاء مع الله في تصريف حياتهم - مواجهتهم بالسؤال عن الملكية - بعد الخلق - لكل ما في السماوات والأرض , مسقصيا بهذا السؤال حدود الملكية في المكان:
(ما في السماوات والأرض). . مع تقرير الحقيقة التي لم يكونوا هم يجادولن فيها ; والتي حكى القرآن في مواضع إقرارهم الكامل بها:
(قل:لمن ما في السماوات والأرض ? قل:لله). .
ولقد كان العرب في جاهليتهم - على كل ما في هذه الجاهلية من ضلال في التصور ينشأ عنه انحطاط في الحياة - أرقى - في هذا الجانب - من الجاهلية "العلمية " الحديثة , التي لا تعرف هذه الحقيقة , والتي تغلق فطرتها وتعطلها دون رؤية هذه الحقيقة ! كانوا يعرفون ويقررون أن لله ما في السماوات والأرض . ولكنهم ما كانوا يرتبون على هذه الحقيقة نتائجها المنطقية ; بإفراد الله سبحانه بالحاكمية فيما يملك , وعدم التصرف فيه إلا بإذن الله وحده وشرعه . . وبهذا اعتبروا مشركين , وسميت حياتهم بالجاهلية ! فكيف بمن يخرجون الحاكمية في أمرهم كله من اختصاص الله سبحانه ; ويزاولونها هم بأنفسهم ?! بماذا يوصفون وبماذا توصف حياتهم ? لا بد من إعطائهم صفة أخرى غير الشرك . . فهو الكفر والظلم والفسق كما يقرر الله سبحانه . . أيا كانت دعواهم في الإسلام وأيا كانت الصفة التي تعطيها لهم شهادات الميلاد !
ونعود إلى الآية . لنجد السياق يلحق بهذا التقرير لملكية الله - سبحانه - لما في السماوات وما في الأرض , أنه - سبحانه:
(كتب على نفسه الرحمة). .
فهو سبحانه المالك , لا ينازعه منازع , ولكنه - فضلا منه ومنة - كتب على نفسه الرحمة . كتبها بإرادته ومشيئته ; لا يوجبها عليه موجب ولا يقترحها عليه مقترح ; ولا يقتضيها منه مقتض - إلا إرادته الطليقة وإلا ربوبيته الكريمة - وهي - الرحمة - قاعدة قضائه في خلقه , وقاعدة معاملته لهم في الدنيا والآخرة . . والاعتقاد إذن بهذه القاعدة يدخل في مقومات التصور الإسلامي , فرحمة الله بعباده هي الأصل , حتى في ابتلائه لهم أحيانا بالضراء . فهو يبتليهم ليعد طائفة منهم بهذا الابتلاء لحمل أمانته , بعد الخلوص والتجرد والمعرفة والوعي والاستعداد والتهيؤ عن طريق هذا الابتلاء ; وليميز الخبيث من الطيب في الصف , وليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ; وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة . . والرحمة في هذا كله ظاهرة . .


قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)
على أن تلمس مواضع رحمة الله ومظاهرها يستغرق الأعمار والأجيال . فما من لحظة إلا وتغمر العباد فيها الرحمة . . إنما ذكرنا الرحمة في الابتلاء بالضراء , لأن هذه هي التي قد تزيغ فيها القلوب والأبصار !
ولن نحاول نحن أن نتقصى مواضع الرحمة الإلهية أو مظاهرها - وإن كنا سنشير إشارة مجملة إلى شيء من ذلك فيما يلي - ولكننا سنحاول أن نقف قليلا أمام هذا النص القرآني العجيب:
(كتب على نفسه الرحمة).
وقد تكرر وروده في السورة في موضع آخر سيأتي: (كتب ربكم على نفسه الرحمة).
إن الذي يستوقف النظر في هذا النص هو ذلك التفضل الذي أشرنا من قبل إليه . . تفضل الخالق المالك ذي السلطان القاهر فوق عباده . . تفضله - سبحانه - بأن يجعل رحمته بعباده في هذه الصورة . . مكتوبة عليه . . كتبها هو على نفسه ; وجعلها عهدا منه لعباده . . بمحض إرادته ومطلق مشيئته . . وهي حقيقة هائلة لا يثبت الكيان البشري لتمليها وتأملها وتذوق وقعها ; حين يقف لتدبرها في هذه الصورة العجيبة . .
كذلك يستوقف النظر مرة أخرى ذلك التفضل الآخر الذي يتجلى في إخباره لعباده بما كتبه - سبحانه - على نفسه من رحمته . فإن العناية بإبلاغهم هذه الحقيقة هي تفضل آخر , لا يقل عن ذلك التفضل الأول ! فمن هم العباد حتى تبلغ العناية بهم أن يبلغوا ما جرت به إرادة الله في الملأ الأعلى ? وأن يبلغوا بكلمات منه سبحانه يحملها إليهم رسوله ? من هم ? إلا أنه الفضل العميم , الفائض من خلق الله الكريم ?!
إن تدبر هذه الحقيقة على هذا النحو ليدع القلب في عجب وفي دهش ; كما يدعه في أنس وفي روح لا تبلغ الكلمات أن تصور جوانبه وحواشيه !
ومثل هذه الحقائق , وما تثيره في القلب من مشاعر ; ليس موكولا إلى التعبير البشري ليبلغ شيئا في تصويره ; وإن كان القلب البشري مهيأ لتذوقه , لا لتعريفه !
وتمثل هذه الحقيقة في التصور الإسلامي يكون جانبا أساسيا من تصور حقيقة الألوهية , وعلاقة العباد بها . . وهو تصور جميل مطمئن ودود لطيف . يعجب الإنسان معه لمناكيد الخلق الذين يتقولون على التصور الإسلامي في هذا الجانب , لأنه لا يقول ببنوة أحد من عباد الله لله ! - على نحو ما تقول التصورات الكنسية المحرفة - فالتصور الإسلامي إذ يرتفع على هذه التصورات الصبيانية الطفولية , يبلغ في الوقت ذاته من تصوير العلاقة الرحيمة بين الله وعباده هذا المستوى الذي يعجز التعبير البشري عن وصفه . والذي يترع القلب بحلاوة مذاقه , كما يروعه بجلال إيقاعة . .
ورحمة الله تفيض على عباده جميعا ; وتسعهم جميعا ; وبها يقوم وجودهم , وتقوم حياتهم . وهي تتجلى في كل لحظة من لحظات الوجود أو لحظات الحياة للكائنات . فأما في حياة البشر خاصة فلا نملك أن نتابعها في كل مواضعها ومظاهرها ; ولكننا نذكر منها لمحات في مجاليها الكبيرة:
إنها تتجلى ابتداء في وجود البشر ذاته . في نشأتهم من حيث لا يعلمون . وفي إعطائهم هذا الوجود الإنساني الكريم ; بكل ما فيه من خصائص يتفضل بها الإنسان على كثير من العالمين .
وتتجلى في تسخير ما قدر الله أن يسخره للإنسان , من قوى الكون وطاقاته . وهذا هو الرزق في مضمونه الواسع الشامل . الذي يتقلب الإنسان في بحبوحة منه في كل لحظة من لحظات حياته .
وتتجلى في تعليم الله للإنسان , بإعطائه ابتداء الاستعداد للمعرفة ; وتقدير التوافق بين استعدادته هذه وإيحاءات الكون ومعطياته . . هذا العلم الذي يتطاول به بعض المناكيد على الله , وهو الذي علمهم إياه ! وهومن رزق الله بمعناه الواسع الشامل كذلك .
وتتجلى في رعاية الله لهذا الخلق بعد استخلافه في الأرض , بموالاة إرسال الرسل إليه بالهدى . كلما نسي وضل ; وأخذه بالحلم كلما لج في الضلال ; ولم يسمع صوت النذير , ولم يصغ للتحذير . وهو على الله هين . ولكن رحمة الله وحدها هي التي تمهله , وحلم الله وحده هو الذي يسعه .
وتتجلى في تجاوز الله - سبحانه - عن سيئاته إذا عمل السوء بجهالة ثم تاب , وبكتابة الرحمة على نفسه ممثلة في المغفرة لمن أذنب ثم أناب .
وتتجلى في مجازاته عن السيئة بمثلها , ومجازاته على الحسنة بعشر أمثالها . والمضاعفة بعد ذلك لمن يشاء . ومحو السيئة بالحسنة . . وكله من فضل الله . فلا يبلغ أحد أن يدخل الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته . حتى رسول الله [ ص ] كما قال عن نفسه , في معرفة كاملة بعجز البشر وفضل الله .
والإقصار منا عن متابعة رحمة الله في مظاهرها , وإعلان القصور والعي عنها , هو أجدر وأولى . وإلا فما نحن ببالغين من ذلك شيئا ! وإن لحظة واحدة يفتح الله فيها أبواب رحمته لقلب العبد المؤمن ; فيتصل به ; ويعرفه ; ويطمئن إليه - سبحانه - ويأمن في كنفه ; ويستروح في ظله . . إن لحظة واحدة من هذه اللحظات لتعجز الطاقة البشرية عن تمليها واستجلائها , فضلا على وصفها والتعبير عنها .
فلننظر كيف مثل رسول الله [ ص ] لهذه الرحمة بما يقربها للقلوب شيئا ما:
"أخرج الشيخان - بإسناده عن أبى هريرة رضي الله عنه - قال:قال رسول الله [ ص ] لما قضى الله الخلق - وعند مسلم:لما خلق الله الخلق - كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش:إن رحمتي سبقت غضبي . . وعند البخاري في رواية أخرى:إن رحمتي غلبت غضبي " . .
وأخرج الشيخان - بإسناده عنه رضي الله عنه - قال:قال رسول الله [ ص ]:" جعل الله الرحمة مائة جزء . فأمسك عنده تسعة وتسعين , وأنزل في الأرض جزءا واحدا . فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق . حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه " . .
وأخرج مسلم - بإسناده عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله [ ص ]:" إن لله مائة رحمة . فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم , وتسعة وتسعون ليوم القيامة " . .
وله في أخرى:" إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة , كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض . فجعل منها في الأرض رحمة واحدة , فيها تعطف الوالدة على ولدها , والوحش والطير بعضها على بعض . فإذا كان يوم القيامة أكملها الله تعالى بهذه الرحمة " . .
وهذا التمثيل النبوي الموحي , يقرب للإدراك البشري تصور رحمة الله تعالى . . ذلك إذ ينظر إلى رحمة الأمهات بأطفالها في الخلائق الحية ويتملاها ويعجب لها , وإلى رحمة القلوب البشرية بالطفولة والشيخوخة , والضعف والمرض ; وبالأقرباء والأوداء والأصحاب ; وبرحمة الطير والوحش بعضها على بعض - ومنها ما يدعو إلى الدهش والعجب - ثم يرى أن هذا كله من فيض رحمة واحدة من رحمات الله سبحانه . فهذا مما يقرب إلى إدراكه تصور هذه الرحمة الكبرى شيئا ما !
وكان رسول الله [ ص ] لا يني يعلم أصحابه ويذكرهم بهذه الرحمة الكبرى:
عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال:قدم على رسول الله [ ص ] بسبي . فإذاامرأة من السبي تسعى قد تحلب ثديها , إذ وجدت صبيا في السبي , فأخذته , فألزقته ببطنها فأرضعته . فقال [ ص ]:" أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ? " قلنا:لا والله وهي تقدر على ألا تطرحه . قال:" فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها " . . [ أخرجه الشيخان ] .
وكيف لا . وهذه المرأة إنما ترحم ولدها , من فيض رحمة واحدة من رحمات الله الواسعة ?
ومن تعليم رسول الله [ ص ] لأصحابه هذه الحقيقة القرآنية , بهذا الأسلوب الموحي , كان ينتقل بهم خطوة أخرى ; ليتخلقوا بخلق الله هذا في رحمته , ليتراحموا فيما بينهم وليرحموا الأحياء جميعا ; ولتتذوق قلوبهم مذاق الرحمة وهم يتعاملون بها , كما تذوقتها في معاملة الله لهم بها من قبل .
عن ابن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال:قال رسول الله [ ص ] " الراحمون يرحمهم الله تعالى . ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " . . [ أخرجه أبو داود والترمذي ] .
وعن جرير - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله [ ص ]:" لا يرحم الله من لا يرحم الناس " . . . [ أخرجه الشيخان والترمذي ] .
وفي رواية لأبي داود والترمذي عن أبى هريرة - رضي الله عنه -:قال [ ص ]:" لا تنزع الرحمة إلا من شقي " .
وعن أبى هريرة كذلك . قال:قبل رسول الله [ ص ] الحسن بن علي - رضي الله عنهما - وعنده الأقرع بن حابس . فقال الأقرع:إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا ! فنظر إليه رسول الله [ ص ] ثم قال:" من لا يرحم لا يرحم " . . [ أخرجه الشيخان ] .
ولم يكن [ ص ] يقف في تعليمه لأصحابه - رضوان الله عليهم - عند حد الرحمة بالناس . وقد علم أن رحمه ربه وسعت كل شيء . وأن المؤمنين مأمورن أن يتخلقوا بأخلاق الله ; وأن الإنسان لا يبلغ تمام إنسانيته إلا حين يرحم كل حي تخلقا بخلق الله سبحانه . وكان تعليمه لهم بالطريقة الموحية التي عهدناها:
عن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله [ ص ] " بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش , فوجد بئرا , فنزل فيها فشرب , ثم خرج , وإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش . فقال الرجل:لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني , فنزل البئر , فملأ خفه ماء , ثم أمسكه بفيه حتى رقي , فسقى الكلب . فشكر الله تعالى له فغفر له " . قالوا:يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرا ? قال:" في كل كبد رطبة أجر " . . [ أخرجه مالك والشيخان ] .
وفي أخرى:إن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر , قد أدلع [ أي أخرج ] لسانه من العطش فنزعت له موقها [ أي خفها ] فغفر لها به .
وعن عبد الرحمن بن عبدالله عن أبيه - رضي الله عنه - قال:كنا مع رسول الله [ ص ] في سفر . فرأينا حمرة [ طائر ] معها فرخان لها فأخذناهما . فجاءت الحمرة تعرش [ أو تفرش ] - [ أي ترخي جناحيها وتدنو من الأرض ] فلما جاء رسول الله [ ص ] قال:" من فجع هذه بولدها ? ردوا ولدها إليها " . ورأى قرية نمل قد أحرقناها فقال:" من أحرق هذه ? قلنا:نحن . قال:إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار " . . [ أخرجه أبو داود ] . .
وعن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله [ ص ] " قرصت نملة نبيا من الأنبياءفأمر بقرية النمل فحرقت . فأوحي الله تعالى إليه:أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح ? " . . . [ أخرجه الشيخان ] .
وهكذا علم رسول الله [ ص ] أصحابه هدى القرآن . ليتذوقوا رحمة الله من خلال مزاولتهم للرحمة . . أليس أنهم إنما يتراحمون برحمة واحدة من رحمات الله الكثيرة ?!
وبعد فإن استقرار هذه الحقيقة في تصور المسلم لينشى ء في حسه وفي حياته وفي خلقه آثارا عميقة ; يصعب كذلك تقصيها ; ولا بد من الاكتفاء بالإشارة السريعة إليها , كي لا نخرج من نطاق الظلال القرآنية , إلى قضية مستقلة !
إن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو ليسكب في قلب المؤمن الطمأنينة إلى ربه - حتى وهو يمر بفترات الابتلاء بالضراء , التي تزيغ فيها القلوب والأبصار - فهو يستيقن أن الرحمة وراء كل لمحة , وكل حالة , وكل وضع ; وأن ربه لا يعرضه للابتلاء لأنه تخلى عنه , أو طرده من رحمته . فإن الله لا يطرد من رحمته أحدا يرجوها . إنما يطرد الناس أنفسهم من هذه الرحمة حين يكفرون بالله ويرفضون رحمته ويبعدون عنها !
وهذه الطمأنينة إلى رحمة الله تملأ القلب بالثبات والصبر , وبالرجاء والأمل , وبالهدوء والراحة . . فهو في كنف ودود , يستروح ظلاله , ما دام لا يبعد عنه في الشرود !
والشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يستجيش في حس المؤمن الحياء من الله . فإن الطمع في المغفرة والرحمة لا يجرى ء على المعصية - كما يتوهم البعض - إنما يستجيش الحياء من الله الغفور الرحيم . والقلب الذي تجرئه الرحمة على المعصية هو قلب لم يتذوق حلاوة الإيمان الحقيقية ! لذلك لا أستطيع أن أفهم أو أسلم ما يجري على ألسنة بعض المتصوفة من أنهم يلجون في الذنب ليتذوقوا حلاوة الحلم , أو المغفرة , أو الرحمة . . إن هذا ليس منطق الفطرة السوية في مقابلة الرحمة الإلهية !
كذلك فإن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يؤثر تأثيرا قويا في خلق المؤمن , وهو يعلم أنه مأمور أن يتخلق بأخلاق الله - سبحانه - وهو يرى نفسه مغمورا برحمة الله مع تقصيره وذنبه وخطئه - فيعلمه ذلك كله كيف يرحم , وكيف يعفو , وكيف يغفر . . كما رأينا في تعليم الرسول [ ص ] لأصحابه ; مستمدا تعليمه لهم من هذه الحقيقة الكبيرة . .
ومن مواضع رحمة الله التي تقررها الآية الكريمة:أن الله كتب ليجمعنهم إلى يوم القيامة:
(قل لمن ما في السماوات والأرض ? قل:لله . كتب على نفسه الرحمة . ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه . .). .
فمن هذه الرحمة المكتوبة , ذلك الجمع الذي لا ريب فيه . . ذلك الجمع الذي يشي بما وراءه من عناية الله - سبحانه - بعباده من الناس ; فقد خلقهم لأمر ; واستخلفهم في هذه الأرض لغاية , ولم يخلقهم عبثا , ولم يتركهم سدى . ولكن يجمعهم إلى يوم القيامة - فهذا اليوم هو نهاية المطاف الذي يفيئون إليه كما يفيء الراحل إلى وجهته - فيعطيهم جزاء كدحهم إليه , وينقدهم أجر عملهم في دار الدنيا . فلا يضيع عليهم كدح ولا أجر ; إنما يوفون أجورهم يوم القيامة . . وفي هذه العناية تتجلى الرحمة في مظهر من مظاهرها . . كما أن ما يتجلى من فضل الله في جزاء السيئة بمثلها , والحسنة بعشرة أمثالها , والإضعاف لمن يشاء , والتجاوز عما يشاء لمن يشاء . . كل أولئك من مظاهر الرحمة التي تتجلى في هذا الجمع أيضا .
ولقد كان العرب في جاهليتهم - قبل أن يمن الله عليهم بهذا الدين ويرفعهم إلى مستواه الكريم - يكذبونبيوم القيامة - شأنهم في هذا شأن أهل الجاهلية "العلمية " الحديثة !!! لذلك جاء التعبير في هذه الصيغة المؤكدة بشتى التوكيدات , لمواجهة ذلك التكذيب:
(ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه). .
ولن يخسر في هذا اليوم إلا الذين لم يؤمنوا في الدنيا . . وهؤلاء لن يخسروا شيئا ويكسبوا شيئا . . هؤلاء خسروا كل شيء . . فقد خسروا أنفسهم كلها , فلم يعودوا يملكون أن يكسبوا شيئا . أليس أن الإنسان إنما يكسب لنفسه ? فإذا خسر نفسه ذاتها فماذا يكسب ? ولمن يكسب ?! .
(الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون). .
لقد خسروا أنفسهم وفقدوها ; فلم تعد لهم نفس تؤمن ! . . وهو تعبير دقيق عن حالة واقعة . . إن الذين لا يؤمنون بهذا الدين - مع عمق ندائه وإيحائه للفطرة بموحيات الإيمان ودلائله - هؤلاء لا بد أن يكونوا قد فقدوا قبل ذلك فطرتهم ! لا بد أن تكون أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية في كيانهم معطلة مخربة ; أو محجوبة مغلفة . فهم في هذه الحالة قد خسروا أنفسهم ذاتها , بفقدانهم أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية الحية في كيانها , ومن ثم فهم لا يؤمنون . . إذ أنهم لم يعودوا يملكون أنفسهم التي بها يؤمنون . . وهذا هو التفسير العميق لعدم إيمانهم مع توافر دلائل الإيمان وموحياته من حولهم . . وهذا هو الذي يحدد مصيرهم في ذلك اليوم . وهو الخسارة الكبرى المترتبة على خسارتهم من قبل لنفوسهم !
بعد ذلك يمضي السياق يستقصي الخلائق في الزمان - كما استقصاها في الآية السابقة في المكان - ليقرر تفرد الله - سبحانه - بملكيتها ; وعلمه - سبحانه - وسمعه المحيطين بها:
(وله ما سكن في الليل والنهار , وهو السميع العليم). .
وأقرب تأويل لقوله: (ما سكن)أنه من السكنى - كما ذكر الزمخشري في الكشاف - وهو بهذا يعني كل ما اتخذ الليل والنهار سكنا ; فهو يعني جميع الخلائق ; ويقرر ملكيتها لله وحده . كما قرر من قبل ملكية الخلائق كلها له سبحانه . غير أنه في الآية الأولى: (قل:لمن ما في السماوات والأرض ? قل:لله)قد استقصى الخلائق من ناحية المكان . وفي هذه الآية الثانية: (وله ما سكن في الليل والنهار). . قد استقصى الخلائق من ناحية الزمان . . ومثله معروف في التعبير القرآني حين يتجه إلى الاستقصاء . . وهذا هو التأويل الذي نطمئن إليه في الآيتين من بين شتى التأويلات .
والتعقيب بصفتي السمع والعلم يفيد الإحاطة بهذه الخلائق , وبكل ما يقال عنها كذلك من مقولات المشركين الذي يواجههم هذا النص . . ولقد كانوا مع إقرارهم بوحدانية الخالق المالك , يجعلون لأربابهم المزعومة جزءا من الثمار ومن الأنعام ومن الأولاد - كما سيجيء في نهاية السورة - فهو يأخذ عليهم الإقرار هنا بملكية كل شيء ; ليواجههم بها فيما يجعلونه للشركاء بغير إذن من الله . كما أنه يمهد بتقرير هذه الملكية الخالصة لما سيلي في هذه الفقرة من ولاية لله وحده , بما أنه هو المالك المتفرد بملكية كل شيء . في كل مكان وفي كل زمان , الذي يحيط سمعه وعلمه بكل شيء , وبكل ما يقال عن كل شيء كذلك !
الدرس الثاني:14 - 18 مظاهر الألوهية في حياة الناس واستنكار موالاة غيره
والآن , وقد تقرر أن الله وحده هو الخالق , وأن الله وحده هو المالك . . . يجيء الاستنكار العنيف للاستنصار بغير الله , والعبودية لغير الله , والولاء لغير الله . ويتقرر أن هذا مناقض لحقيقة الإسلام لله , وأنه هو الشرك الذي لا يجتمع مع الإسلام . وتذكر من صفات الله سبحانه:أنه فاطر السماوات والأرض , وأنه الرازق






قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ (14)
المطعم , وأنه الضار النافع , وأنه القادر القاهر . كما يذكر العذاب المخوف المرهوب . . فتجلل الموقف كله ظلال الجلال والرهبة , في إيقاع مدو عميق:
قل:أغير الله أتخذ وليا , فاطر السماوات والأرض , وهو يطعم ولا يطعم ? قل:إني أمرت أن أكون أول من أسلم , ولا تكونن من المشركين . قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه , وذلك الفوز المبين . وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو , وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير . .
إن هذه القضية . . قضية اتخاذ الله وحده وليا . بكل معاني كلمة "الولي" . أي اتخاذه وحده ربا ومولى معبودا يدين له العبد بالعبودية ممثلة في الخضوع لحاكميته وحده ; ويدين له بالعبادة له شعائرها وحده . واتخاذه وحده ناصرا يستنصر به ويعتمد عليه , ويتوجه إليه في الملمات . . إن هذه القضية هي قضية العقيدة في صميمها . فإما إخلاص الولاء لله - بهذه المعاني كلها - فهو الإسلام . وإما إشراك غيره معه في أي منها , فهو الشرك الذي لا يجتمع في قلب واحد هو والإسلام !
وفي هذه الآيات تقرر هذه الحقيقة بأقوى عبارة وأعمق إيقاع:
(قل:أغير الله أتخذ وليا , فاطر السماوات والأرض , وهو يطعم ولا يطعم ? قل:إني أمرت أن أكون أول من أسلم , ولا تكونن من المشركين). .
إنه منطق الفطرة القوي العميق . . لمن يكون الولاء ولمن يتمحض ? لمن إن لم يكن لفاطر السماوات والأرض الذي خلقهما وأنشأهما ? لمن إن لم يكن لرازق من في السماوات والأرض الذي يطعم ولا يطلب طعاما ?
(قل:أغير الله أتخذ وليًا). . وهذه صفاته سبحانه . . أي منطق يسمح بأن يتخذ غير الله وليا ? إن كان يتولاه لينصره ويعينه , فالله هو فاطر السماوات والأرض , فله السلطان في السماوات والأرض . وإن كان يتولاه ليرزقه ويطعمه , فالله هو الرازق المطعم لمن في السماوات ومن في الأرض . ففيم الولاء لغير صاحب السلطان الرزاق ?
ثم . . (قل:إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين). . والإسلام وعدم الشرك معناهما المتعين ألا أتخذ غير الله وليا . فاتخاذ غير الله وليا - بأي معنى - هو الشرك . ولن يكون الشرك إسلاما . .
قضية واحدة محددة , لا تقبل لينا ولا تميعا . . إما أفراد الله سبحانه بالتوجه والتلقي والطاعة والخضوع والعبادة والاستعانة ; والإقرار له وحده بالحاكمية في كل أمر من هذه الأمور ورفض إشراك غيره معه فيها ; وولاء القلب والعمل , في الشعيرة والشريعة له وحده بلا شريك . . إما هذا كله فهو الإسلام . . وإما إشراك أحد من عباده معه في شيء من هذا كله فهو الشرك . الذي لا يجتمع في قلب واحد مع الإسلام .
لقد أمر رسول الله [ ص ] أن يعلن هذا الاستنكار في وجه المشركين الذين كانوا يدعونه إلى الملاينة والمداهنة ; ليجعل لآلهتهم مكانا في دينه , مقابل أن يدخلوا معه في هذا الدين . وليترك لهم بعض خصائص الألوهية يزاولونها إبقاء على مكانتهم وكبريائهم ومصالحهم , . . وأولها تقاليد التحريم والتحليل . . في مقابل أن يكفوا عن معارضته , وأن يجعلوه رئيسا فيهم ; ويجمعوا له من مالهم , ويزوجوه أجمل بناتهم !
لقد كانوا يرفعون يدا للإيذاء والحرب والتنكيل , ويمدون يدا بالإغراء والمصالحة واللين . .
وفي وجه هذه المحاولة المزدوجة أمر رسول الله [ ص ] أن يقذف بهذا الاستنكار العنيف , وبهذا الحسم الصريح , وبهذا التقرير الذي لا يدع مجالا للتمييع .


قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)
وأمر كذلك أن يقذف في قلوبهم بالرعب والترويع ; في الوقت الذي يعلن فيه تصوره لجدية الأمر والتكليف ولخوفه هو من عذاب ربه , إن عصاه فيما أمر به من الإسلام والتوحيد:
(قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه , وذلك الفوز المبين). .
إنه تصوير لحقيقة مشاعر الرسول [ ص ] تجاه أمر ربه له ; وتجسيم لخوفه من عذابه . العذاب الذي يعتبر مجرد صرفه عن العبد رحمه من الله وفوزا مبينا . ولكنه في الوقت ذاته حمله مزلزلة على قلوب المشركين في ذلك الزمان , وقلوب المشركين بالله في كل زمان . حملة مزلزلة تصور العذاب في ذلك اليوم العظيم ; يطلب الفريسة , ويحلق عليها , ويهجم ليأخذها . فلا تصرفه عنها إلا القدرة القادرة التي تأخذ بخطامه فتلويه عنها ! وإن أنفاس القاريء لهذا التصوير لتحتبس - وهو يتمثل المشهد - في انتظار هذه اللقطة الأخيرة !
ثم إنه لماذا يتخذ غير الله وليا , ويعرض نفسه للشرك الذي نهى عنه وللمخالفة عن الإسلام الذي أمر به , ولما يعقب المعصية من هذا العذاب الهائل الرعيب ? . . ألعل ذلك رجاء جلب نفع أو دفع ضر في هذه الحياة الدنيا ? رجاء نصرة الناس له في الضراء ; ورجاء نفع الناس له بالسراء ? . . إن هذا كله بيد الله ; وله القدرة المطلقة في عالم الأسباب ; وله القهر كذلك على العباد ; وعنده الحكمة والخبرة في المنع والعطاء:
(وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو , وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير). .
إنه تتبع هواجس النفس ووساوس الصدر ; وتتبع مكامن الرغائب والمخافات , ومطارح الظنون والشبهات وتجليه هذا كله بنور العقيدة , وفرقان الإيمان , ووضوح التصور , وصدق المعرفة بحقيقة الألوهية . ذلك لخطورة القضية التي يعالجها السياق القرآني في هذا الموضع , وفي جملة هذا القرآن:
الدرس الثالث:19 الإشهاد على الوحدانية والرسالة والبراءة من الشرك
وأخيرا تجيء قمة المد في هذه الموجة ; ويجيء الإيقاع المدوي العميق ; في موقف الإشهاد والإنذار والمفاصلة والتبرؤ من المشاركة في الشرك . . كل ذلك في رنة عالية , وفي حسم رهيب:
(قل:أي شيء أكبر شهادة ? قل الله . شهيد بيني وبينكم , وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ , أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أشهد , قل:إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون). .
إن تتابع المقاطع والإيقاعات في الآية الواحدة عجيب ; وإن هذا التتابع ليرسم الموقف لحظة لحظة , ومشهدا مشهدا , ويكاد ينطق بملامح الوجوه فيه وخلجات الصدور . .
فها هو ذا رسول الله [ ص ] يؤمر من ربه هذا الأمر . . ثم ها هو ذا يواجه المشركين الذين يتخذون من دون الله أولياء ; يجعلون لهم بعض خصائص الألوهية مع الله ; ويدعون رسول الله [ ص ] أن يقرهم على هذا الذي هم فيه ليدخلوا هم فيما جاءهم به ! كأن ذلك يمكن أن يكون ! وكأنه يمكن أن يجتمع الإسلام والشرك في قلب واحد على هذا النحو الذي كانوا يتصورونه ; والذي لا يزال يتصوره ناس في هذا الزمان , من أنه يمكن أن يكون الإنسان مسلما لله ; بينما هو يتلقى من غير الله في شؤون الحياة ; وبينما هو يخضع لغير الله ويستنصر بغير الله , ويتولى غير الله !
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:17 pm

قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (19) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (20)
ها هو ذا رسول الله [ ص ] يواجه هؤلاء المشركين ; ليبين لهم مفرق الطريق بين دينه ودينهم , وبين توحيده وشركهم , وبين إسلامه وجاهليتهم . وليقرر لهم:أنه لا موضع للقاء بينه وبينهم , إلا أن يتخلصوا هم من دينهم ويدخلوا في دينه . وأنه لا وجه للمصالحة في هذا الأمر ; لأنه يفترق معهم في أول الطريق !
وها هو ذا يبدأ معهم مشهد الإشهاد العلني المفتوح المكشوف:
(قل:أي شيء أكبر شهادة ?). .
أي شاهد في هذا الوجود كله هو أكبر شهادة ? أي شاهد تعلو شهادته كل شهادة ? أي شاهد تحسم شهادته في القضية فلا يبقى بعد شهادته شهادة ?
وللتعميم المطلق , حتى لا يبقى في الوجودكله(شيء)لا يستقصى وزنه في مقام الشهادة:يكون السؤال: (أي شيء أكبر شهادة ?).
وكما يؤمر رسول الله [ ص ] بالسؤال , فهو يؤمر كذلك بالجواب . ذلك أنه لا جواب غيره باعتراف المخاطبين أنفسهم . ولا جواب غيره في حقيقة الأمر والواقع:
ل:الله . .
نعم ! فالله - سبحانه وتعالى - هو أكبر شهادة . . هو الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين . . هو الذي لا شهادة بعد شهادته , ولا قول بعد قوله . فإذا قال فقد انتهى القول , وقد قضي الأمر .
فإذا أعلن هذه الحقيقة:حقيقة أن الله سبحانه هو أكبر شهادة , أعلن لهم أنه - سبحانه - هو الشهيد بينه وبينهم في القضية:
(شهيد بيني وبينكم). .
على تقدير:هو شهيد بيني وبينكم - فهذا التقطيع في العبارة هو الأنسب في جو المشهد:وهو أولى من الوصل على تقدير: (قل الله شهيد بيني وبينكم).
فإذا تقرر المبدأ:مبدأ تحكيم الله سبحانه في القضية , أعلن إليهم أن شهادة الله سبحانه , تضمنها هذا القرآن , الذي أوحاه إليه لينذرهم به ; وينذر به كل من يبلغه في حياته [ ص ] أو من بعد . فهو حجة عليهم وعلى من يبلغه غيرهم ; لأنه يتضمن شهادة الله في هذه القضية الأساسية ; التي تقوم عليها الدنيا والآخرة , ويقوم عليها الوجود كله والوجود الإنساني ضمنا:
(وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ). .
فكل من بلغه هذا القرآن من الناس , بلغة يفهمها , ويحصل منها محتواه , فقد قامت عليه الحجة به , وبلغه الإنذار , وحق عليه العذاب , إن كذب بعد البلاغ . . [ فأما من يحول عدم فهمه للغة القرآن دون فهمه لفحواه , فلا تقوم عليه الحجة به ; ويبقى إثمه على أهل هذا الدين الذين لم يبلغوه بلغته التي يفهم بها مضمون هذا الشهادة . . هذا إذا كان مضمون القرآن لم يترجم إلى لغته ] . .
فإذا أعلن إليهم أن شهادة الله - سبحانه - متضمنة في هذا القرآن , أعلن إليهم مضمون هذه الشهادة في صورة التحدي والاستنكار لشهادتهم هم , المختلفة في أساسها عن شهادة الله سبحانه . وعالنهم بأنه ينكر شهادتهم هذه ويرفضها ; وأنه يعلن غيرها ويقرر عكسها ويشهد لربه بالوحدانية المطلقة والألوهية المتفردة ;وأنه يفاصلهم على هذا عند مفرق الطريق ; وأنه يتبرأ من شركهم في صيغة التشديد والتوكيد:
أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أشهد , قل:إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون . .
والنصوص القرآنية بمقاطعها هذه , وبإيقاعاتها هذه , تهز القلوب بما لا يملك البيان البشري أن يفعل فلا أريد أن أوقف تدفقها وانسكابها في القلب بأي تعليق .
تعقيب على الوحدة - الولاء والتوحيد والمفاصلة
ولكني أريد أن أتحدث عن القضية التي تضمنها هذا المقطع , وجرت بها هذه الموجة . . إن هذه القضية التي عرضها السياق القرآني في هذه الآيات . . قضية الولاء والتوحيد والمفاصلة . . هي قضية هذه العقيدة ; وهي الحقيقية الكبرى فيها . وان العصبة المؤمنة اليوم لخليقة بأن تقف أمام هذا الدرس الرباني فيها وقفة طويلة . .
إن هذه العصبة تواجه اليوم من الجاهلية الشاملة في الأرض , نفس ما كانت تواجهه العصبة التي تنزلت عليها هذه الآيات , لتحدد على ضوئها موقفها , ولتسير على هذا الضوء في طريقها ; وتحتاج - من ثم - أن تقف وقفة طويلة أمام هذه الآيات , لترسم طريقها على هداها .
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية ; وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول الله [ ص ] ويوم جاءها الإسلام مبينا على قاعدته الكبرى:"شهادة أن لا إله إلا الله" . . شهادة أن لا إله إلا الله بمعناها الذي عبر عنه ربعي بن عامر رسول قائد المسلمين إلى رستم قائد الفرس , وهو يسأله:"ما الذي جاء بكم ? " فيقول:"الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده , ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام" . .
وهو يعلم أن رستم وقومه لا يعبدون كسرى بوصفه إلها خالقا للكون ; ولا يقدمون له شعائر العبادة المعروفة ; ولكنهم إنما يتلقون منه الشرائع , فيعبدونه بهذا المعنى الذي يناقض الإسلام وينفيه ; فأخبره أن الله ابتعثهم ليخرجوا الناس من الأنظمة والأوضاع التي يعبد العباد فيها العباد , ويقرون لهم بخصائص الألوهية - وهي الحاكمية والتشريع والخضوع لهذه الحاكمية والطاعة لهذا التشريع - [ وهي الأديان ] . . إلى عبادة الله وحده وإلى عدل الإسلام .
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا الله . فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد , وإلى جور الأديان ; ونكصت عن لا إله إلا الله , وإن ظل فريق منها يردد على المآذن:"لا إله إلا الله" ; دون أن يدرك مدلولها , ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها , ودون أن يرفض شرعية "الحاكمية " التي يدعيها العباد لأنفسهم - وهي مرادف الألوهية - سواء ادعوها كأفراد , أو كتشكيلات تشريعية , أو كشعوب . فالأفراد , كالتشكيلات , كالشعوب , ليست آلهة , فليس لها إذن حق الحاكمية . . إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية , وارتدت عن لا إله إلا الله . فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية . ولم تعد توحد الله , وتخلص له الولاء . .
البشرية بجملتها , بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات:"لا إله إلا الله" بلا مدلول ولا واقع . . وهؤلاء أثقل إثما وأشد عذابا يوم القيامة , لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد - من بعدما تبين لهم الهدى - ومن بعد أن كانوا في دين الله !
فما أحوج العصبة المسلمة اليوم أن تقف طويلا أمام هذه الآيات البينات !
ما أحوجها أن تقف أمام آية الولاء:
(قل:أغبر الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض , وهو يطعم ولا يطعم ? قل:إني أمرت أن أكون أول من أسلم , ولا تكونن من المشركين). .
ذلك لتعلم أن اتخاذ غير الله وليا - بكل معاني "الولي" . . وهي الخضوع والطاعة , والاستنصار والاستعانة . . يتعارض مع الإسلام , لأنه هو الشرك الذي جاء الإسلام ليخرج منه الناس . . ولتعلم أن أول ما يتمثل فيه الولاء لغير الله هو تقبل حاكمية غير الله في الضمير أو في الحياة . . الأمر الذي تزاوله البشرية كلها بدون استثناء . ولتعمل أنها تستهدف اليوم إخراج الناس جميعا من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ; وأنها تواجه جاهلية كالتي واجهها رسول الله [ ص ] والجماعة المسلمة حين تلقي هذه الآيات . .
وما أحوجها أن تستصحب في مواجهتها للجاهلية تلك الحقائق والمشاعر التي تسكبها في القلب المؤمن الآيات التالية:
قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه , وذلك الفوز المبين . وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو , وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير . .
فما أحوج من يواجه الجاهلية بطاغوتها وجبروتها , وبإعراضها وعنادها , وبالتوائها وكيدها , وبفسادها وانحلالها . . ما أحوج من يواجه هذا الشر كله , أن يستصحب في قلبه هذه الحقائق وهذا المشاعر . . مخافة المعصية والولاء لغير الله . ومخافة العذاب الرعيب الذي يترقب العصاة . . واليقين بأن الضار والنافع هو الله . وأن الله هو القاهر فوق عباده فلا معقب على حكمه ولا راد لما قضاه . إن قلبا لا يستصحب هذه الحقائق وهذه المشاعر لن يقوى على تكاليف "إنشاء" الإسلام من جديد في وجه الجاهلية الطاغية . . وهي تكاليف هائلة تنوء بها الجبال !
ثم ما أحوج العصبة المؤمنة - بعد أن تستيقن حقيقة مهمتها في الأرض اليوم ; وبعد أن تستوضح حقيقة العقيدة التي تدعو إليها ومقتضياتها من إفراد الله سبحانه بالولاء بكل مدلولاته ; وبعد أن تستصحب معها في مهمتها الشاقة تلك الحقائق والمشاعر . ما أحوجها بعد ذلك كله إلى موقف الإشهاد والقطع والمفاصلة والتبرؤ من الشرك الذي تزاوله الجاهلية البشرية اليوم كما كانت تزاوله جاهلية البشرية الأولى . وأن تقول ما أمر رسول الله [ ص ] أن يقوله ; وأن تقذف في وجه الجاهلية , بما قذف به في وجهها الرسول الكريم , تنفيذا لأمر به العظيم:
(قل:أي شيء أكبر شهادة ? قل:الله , شهيد بيني وبينكم , وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أشهد . قل:إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون). .
إنه لا بد أن تقف العصبة المسلمة في الأرض , من الجاهلية التي تغمر الأرض , هذا الموقف . لا بد أن تقذف في وجهها بكلمة الحق هذه عالية مدوية , قاطعة فاصلة , مزلزلة رهيبة . . ثم تتجه إلى الله تعلم أنه على كل شيء قدير , وأنه هو القاهر فوق عباده . وأن هؤلاء العباد - بما فيهم الطواغيت المتجبرون - أضعف من الذباب , وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ! وأنهم ليسوا بضارين من أحد إلا بإذن الله ; وليسوا بنافعين أحدا إلا بإذن الله , وأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
ولا بد أن تستيقن العصبة المسلمة كذلك أنها لن تنصر ولن يتحقق لها وعد الله بالتكمين في الأرض , قبل أن تفاصل الجاهلية على الحق عند مفترق الطريق . وقبل أن تعلن كلمة الحق في وجه الطاغوت , وقبل أنتشهد على الجاهلية هذا الإشهاد , وتنذرها هذه النذارة , وتعلنها هذا الإعلان , وتفاصلها هذه المفاصلة , وتتبرأ منها هذه البراءة . .
إن هذا القرآن لم يأت لمواجهة موقف تاريخي ; إنما جاء منهجا مطلقا خارجا عن قيود الزمان والمكان . منهجا تتخذه الجماعة المسلمة حيثما كانت في مثل الموقف الذي تنزل فيه هذا القرآن . وهي اليوم في مثل هذا الموقف تماما ; وقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا القرآن لينشيء الإسلام في الأرض إنشاء . . فليكن اليقين الجازم بحقيقة هذا الدين . والشعور الواضح بحقيقة قدرة الله وقهره . والمفاصلة الحاسمة مع الباطل وأهله . . لتكن هذه عدة الجماعة المسلمة . . والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين . .
الوحدة الرابعة:20 - 32 مواجهة المشركين بمصيرهم في يوم البعث الذي يكذبون به
مقدمة الوحدة - الرابعة من سورة الأنعام هذه الجولة - أو هذه الموجه - عودة إلى مواجهة المشركين المكذبين بالقرآن الكريم , المكذبين بالبعث والآخرة . . ولكنها لا تواجههم بتصوير تعنتهم وعنادهم ; ولا تواجههم بمصارع الغابرين من المكذبين من أسلافهم - كما سبق في سياق السورة - إنما تواجههم بمصيرهم في يوم البعث الذي يكذبون به ; وبجزائهم في الآخرة التي ينكرونها . . تواجههم بهذا الجزاء وبذلك المصير في مشاهد حية شاخصة . . تواجههم به وهم محشورون جميعا , مسؤولون سؤال التبكيت والتأنيب , وسؤال التشهير والتعجيب: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ? وهم في رعب وفزع , وفي تضعضع وذهول يقسمون بالله ويعترفون له وحده بالربوبية: (والله ربنا ما كنا مشركين)! . . وتواجههم به وهم موقوفون على النار , محبوسون عليها , وهم في رعب وفزع , وفي ندم وحسرة يقولون: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين)! . . وتواجههم به وهم موقوفون على ربهم , وهم يتذاوبون من الخجل والندم , ومن الروع والهول ; وهو - جل جلاله - يسألهم سبحانه: (أليس هذا بالحق ?)فيجيبون في استخذاء وتذاوب: (بلى وربنًا). فلا يجديهم هذا الاعتراف شيئا: (قال:فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). . ويواجهون به وهم قد خسروا أنفسهم وخسروا كل شيء إذن ; وجاءوا يحملون أوزارهم على ظهورهم ; وهم يجأرون بالحسرة على تفريطهم في الأخرة , وأخذهم للصفقة الخاسرة !
مشهد وراء مشهد , وكل مشهد يزلزل القلوب , ويخلخل المفاصل , ويهز الكيان , ويفتح العين والقلب - عند من يشاء الله أن يفتح عينه وقلبه - على الحق الذي يواجههم به رسول الله [ ص ] والكتاب الذي يكذبون به ; بينما الذين أوتوا الكتاب من قبلهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم !
الدرس الأول:20 معرفة أهل الكتاب بنبوة محمد عليه السلام
(الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم , الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون). .
لقد تكرر في القرآن الكريم ذكر معرفة أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى - لهذا القرآن ; أو لصحة رساله محمد [ ص ] وتنزيل هذا القرآن عليه من عند الله . . تكرر ذكر هذه الحقيقة سواء في مواجهة أهل الكتاب أنفسهم , عندما كانوا يقفون من النبى [ ص ] ومن هذا الدين وقفة المعارضة والإنكار والحرب والعداء [ وكان هذا غالبا في المدينة ] أو في مواجهة المشركين من العرب ; لتعريفهم أن أهل الكتاب , الذين يعرفون طبيعة الوحي والكتب السماوية , يعرفون هذا القرآن , ويعرفون صدق رسول الله [ ص ] في أنه وحي أوحى به ربه إليه كما أوحى إلى الرسل من قبله .
وهذا الآية - كما رجحنا - مكية . وذكر أهل الكتاب فيها على هذا النحو - إذن - يفيد أنها كانت مواجهة للمشركين بأن هذا القرآن الذي ينكرونه , يعرفه أهل الكتاب كما يعرفون أبناءهم ; وإذا كانت كثرتهم لم تؤمن به فذلك لأنهم خسروا أنفسهم , فهم لا يؤمنون . شأنهم في هذا شأن المشركين , الذين خسروا أنفسهم , فلم يدخلوا في هذا الدين ! والسياق قبل هذه الآية وبعدها كله عن المشركين . مما يرجح مكيتها كما قلنا من قبل في التعريف بالسورة . .
وقد جرى المفسرون على تفسير مثل هذا التقرير: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم). . على أنهم يعرفون أنه منزل من عند الله حقا ; أو على أن النبى [ ص ] رسول من عندالله حقا , يوحى إليه بهذا القرآن . .
وهذا جانب من مدلول النص فعلا ولكنا نلمح - باستصحاب الواقع التاريخي وموقف أهل الكتاب من هذاالدين فيه - أن هناك جانبا آخر من مدلول النص ; لعل الله - سبحانه - أراد أن يعلمه للجماعة المسلمة , ليستقر في وعيها على مدار التاريخ , وهي تواجه أهل الكتاب بهذا الدين . .
إن أهل الكتاب يعرفون أن هذا الكتاب حق من عند الله ; ويعرفون - من ثم - ما فيه من سلطان وقوة ; ومن خير وصلاح ; ومن طاقة دافعة للأمة التي تدين بالعقيدة التي جاء بها ; وبالأخلاق التي تنبثق منها ; وبالنظام الذي يقوم عليها . ويحسبون كل حساب لهذا الكتاب وأهله ; ويعلمون جيدا أن الأرض لا تسعهم وتسع أهل الدين ! . . إنهم يعرفون ما فيه من حق , ويعرفون ما هم فيه من باطل . . ويعرفون أن الجاهلية التي صاروا إليها , وصارت إليها أوضاع قومهم وأخلاقهم وأنظمتهم , لا يمكن أن يهادنها هذا الدين , أو يبقى عليها . . وأنها - من ثم - معركة لا تهدأ حتى تجلو الجاهلية عن هذه الأرض , ويستعلي هذا الدين , ويكون الدين كله لله . . أي أن يكون السلطان في الأرض كله لله ; وأن يطارد المعتدون على سلطان الله في الأرض كلها . وبذلك وحده يكون الدين كله لله . .
إن أهل الكتاب يعلمون جيدا هذه الحقيقة في هذا الدين . . ويعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم . . وهم جيلا بعد جيل يدرسون هذا الدين دراسة دقيقة عميقة ; وينقبون عن أسرار قوته ; وعن مداخلة إلى النفوس ومساربه فيها ; ويبحثون بجد:كيف يستطيعون أن يفسدوا القوة الموجهة في هذا الدين ? كيف يلقون بالريب والشكوك في قلوب أهله ? كيف يحرفون الكلم فيه عن مواضعه ? كيف يصدون أهله عن العلم الحقيقي به ? كيف يحولونه من حركة دافعة تحطم الباطل والجاهلية وتسترد سلطان الله في الأرض وتطارد المعتدين على هذا السلطان , وتجعل الدين كله لله . . إلى حركة ثقافية بارده , وإلى بحوث نظرية ميتة , وإلى جدل لاهوتي أو فقهي أو طائفي فارغ ? كيف يفرغون مفهوماته في اوضاع وأنظمة وتصورات غريبة عنه مدمرة له , مع إيهام أهله أن عقيدتهم محترمة مصونة ?! كيف في النهاية يملأون فراغ العقيدة بتصورات أخرى ومفهومات أخرى واهتمامات أخرى , ليجهزوا على الجذور العاطفية الباقية من العقيدة الباهتة ?!
إن أهل الكتاب يدرسون هذا الدين دراسة جادة عميقة فاحصة ; لا لأنهم يبحثون عن الحقيقية - كما يتوهم السذج من أهل هذا الدين ! - ولا لينصفوا هذا الدين وأصله - كما يتصور بعض المخدوعين حينما يرون اعترافا من باحث أو مستشرق بجانب طيب في هذا الدين ! - كلا ! إنما هم يقومون بهذه الدراسة الجادة العميقة الفاحصة , لأنهم يبحثون عن مقتل لهذا الدين ! لأنهم يبحثون عن منافذه ومساربه إلى الفطرة ليسدوها أو يميعوها ! لأنهم يبحثون عن أسرار قوته ليقاوموه منها ! لأنهم يريدون أن يعرفوا كيف يبني نفسه في النفوس ليبنوا على غراره التصورات المضادة التي يريدون ملء فراغ الناس بها !
وهم من أجل هذه الأهداف والملابسات كلها يعرفونه كما يعرفون أبناءهم !
ومن واجبنا نحن أن نعرف ذلك . . وأن نعرف معه أننا نحن الأولى بأن نعرف ديننا كما نعرف أباءنا !
إن الواقع التاريخي من خلال أربعة عشر قرنا ينطق بحقيقة واحدة . . هي هذه الحقيقة التي يقررها القرآن الكريم في هذه الآية: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم). . ولكن هذه الحقيقة تتضح في هذه الفترة وتتجلى بصورة خاصة . . إن البحوث التي تكتب عن الإسلام في هذه الفترة تصدر بمعدل كتاب كل أسبوع ; بلغة من اللغات الأجنبية . . وتنطق هذه البحوث بمدى معرفة أهل الكتاب بكل صغيرة وكبيرة عن طبيعة هذا الدين وتاريخه , ومصادر قوته , ووسائل مقاومته , وطرق إفساد توجيهه ! ومعظمهم - بطبيعة الحال - لا يفصح عن نيته هذه ; فهم يعلمون أن الهجوم الصريح على هذا الدين كان يثير حماسة الدفاعوالمقاومة ; وأن الحركات التي قامت لطرد الهجوم المسلح على هذا الدين - الممثل في الاستعمار - إنما كانت ترتكز على قاعدة من الوعي الديني أو على الأقل العاطفة الدينية ; وأن استمرار الهجوم على الإسلام - ولو في الصورة الفكرية - سيظل يثير حماسة الدفاع والمقاومة ! لذلك يلجأ معظمهم إلى طريقة أخبث . . يلجأ إلى إزجاء الثناء لهذا الدين , حتى ينوم المشاعر المتوفزة , ويخدر الحماسة المتحفزة , وينال ثقة القارى ء واطمئنانه . .
ثم يضع السم في الكأس ويقدمها مترعة . . هذا الدين نعم عظيم . . ولكنه ينبغي أن يتطور بمفهوماته ويتطور كذلك بتنظيماته ليجاري الحضارة "الإنسانية " الحديثة ! وينبغي ألا يقف موقف المعارضة للتطورات التي وقعت في أوضاع المجتمع , وفي أشكال الحكم , وفي قيم الأخلاق ! وينبغي - في النهاية - أن يتمثل في صورة عقيدة في القلوب , ويدع الحياة الواقعية تنظمها نظريات وتجارب وأساليب الحضارة "الإنسانية " الحديثة ! ويقف فقط ليبارك ما تقرره الأرباب الأرضية من هذه التجارب والأساليب . . وبذلك يظل دينا عظيما . . !!!
وفي أثناء عرض مواضع القوة والعمق في هذا الدين - وهي ظاهريا تبدو في صورة الإنصاف الخادع والثناء المخدر - يقصد المؤلف قومه من أهل الكتاب ; لينبههم إلى خطورة هذا الدين , وإلى أسرار قوته ; ويسير أمام الأجهزة المدمرة بهذا الضوء الكشاف , ليسددوا ضرباتهم على الهدف . وليعرفوا هذا الدين كما يعرفون أبناءهم !
إن أسرار هذا القرآن ستظل تتكشف لأصحابه ; جديده دائما ; كلما عاشوا في ظلاله ; وهم يخوضون معركة العقيدة ; ويتدبرون بوعي أحداث التاريخ ; ويطالعون بوعي أحداث الحاضر . ويرون بنور الله . الذي يكشف الحق , وينير الطريق . .
الدرس الثاني:21 صور لخزي الكافرين الظالمين في الآخرة
(ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ? إنه لا يفلح الظالمون . ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا:أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ? ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا:والله ربنا ما كنا مشركين . انظر كيف كذبوا على أنفسهم , وضل عنهم ما كانوا يفترون). .
هذا استطرد في مواجهة المشركين بحقيقة ما يزاولونه , ووصف موقفهم وعملهم في تقدير الله سبحانه . . مواجهة تبدأ باستفهام تقريري لظلمهم بافتراء الكذب على الله ; وذلك فيما كانوا يدعونه من أنهم على دينه الذي جاء به إبراهيم عليه السلام ; ومن زعمهم أن ما يحلونه وما يحرمونه من الأنعام والمطاعم والشعائر - كالذي سيجيء في آخر السورة مشفوعا بقوله تعالىSadبزعمهم)- هو من أمر الله . . وليس من أمره . وذلك كالذي يزعمه بعض من يدعون اليوم أنهم على دين الله الذي جاء به محمد [ ص ] ويقولون عن أنفسهم إنهم "مسلمون" ! وهو من الكذب المفترى على الله . ذلك أنهم يصدرون أحكاما وينشئون أوضاعا , ويبتدعون قيما من عند أنفسهم يغتصبون فيها سلطان الله ويدعونه لأنفسهم , ويزعمون أنها هي دين الله ; ويزعم لهم بعض من باعوا دينهم ليشتروا به مثوى في دركات الجحيم , أنه هو دين الله ! . . وباستنكار تكذيبهم كذلك بآيات الله , التي جاءهم بها النبى [ ص ] فردوها وعارضوها وجحدوها . وقالوا:إنها ليست من عند الله . بينما هم يزعمون أن ما يزاولونه في جاهليتهم هو الذي من عند الله ! وذلك كالذي يحدث من أهل الجاهلية اليوم . . حذوك النعل بالنعل . .
يواجههم باستنكار هذا كله ; ووصفه بأنه أظلم الظلم:
(ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته !). .

avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:18 pm

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)
والظلم هنا كناية عن الشرك . في صورة التفظيع له والتقبيح . وهو التعبير الغالب في السياق القرآني عن الشرك . وذلك حين يريد أن يبشع الشرك وينفر منه . ذلك أن الشرك ظلم للحق , وظلم للنفس , وظلم للناس . هو اعتداء على حق الله - سبحانه - في أن يوحد ويعبد بلا شريك . واعتداء على النفس بإيرادها موارد الخسارة والبوار . واعتداء على الناس بتعبيدهم لغير ربهم الحق , وإفساد حياتهم بالأحكام والأوضاع التي تقوم على أساس هذا الاعتداء . . ومن ثم فالشرك ظلم عظيم , كما يقول عنه رب العالمين . ولن يفلح الشرك ولا المشركون:
(إنه لا يفلح الظالمون). .
والله - سبحانه - يقرر الحقيقة الكلية ; ويصف الحصيلة النهائية للشرك والمشركين - أو للظلم والظالمين - فلا عبرة بما تراه العيون القصيرة النظر , في الأمد القريب , فلاحا ونجاحا . . فهذا هو الاستدراج المؤدي إلى الخسار والبوار . . ومن أصدق من الله حديثا ? . .
وهنا يصور من عدم فلاحهم موقفهم يوم الحشر والحساب , في هذا المشهد الحي الشاخص الموحي:
(ويوم نحشرهم جميعا , ثم نقول للذين أشركوا:أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ? ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا:والله ربنا ما كنا مشركين . انظر كيف كذبوا على أنفسهم , وضل عنهم ما كانوا يفترون). .
إن الشرك ألوان , والشركاء ألوان , والمشركين ألوان . . وليست الصورة الساذجة التي تتراءى للناس اليوم حين يسمعون كلمة الشرك وكلمة الشركاء وكلمة المشركين:من أن هناك ناسا كانوا يعبدون أصناما أو أحجارا , أو أشجارا , أو نجوما , أو نارا . . الخ . . هي الصورة الوحيدة للشرك !
إن الشرك في صميمه هو الاعتراف لغير الله - سبحانه - بإحدى خصائص الألوهية . . سواء كانت هي الاعتقاد بتسيير إرادته للأحداث ومقادير الكائنات . أو كانت هي التقدم لغير الله بالشعائر التعبدية والنذور وما إليها . أو كانت هي تلقي الشرائع من غير الله لتنظيم أوضاع الحياة . . كلها ألوان من الشرك , يزاولها ألوان من المشركين , يتخذون ألوانا من الشركاء !
والقرآن الكريم يعبر عن هذا كله بالشرك ; ويعرض مشاهد يوم القيامة تمثل هذه الألوان من الشرك والمشركين والشركاء ; ولا يقتصر على لون منها , ولا يقصر وصف الشرك على واحد منها ; ولا يفرق في المصير والجزاء بين ألوان المشركين في الدنيا وفي الآخرة سواء . .
ولقد كان العرب يزاولون هذه الألوان من الشرك جميعا:
كانوا يعتقدون أن هناك كائنات من خلق الله , لها مشاركة - عن طريق الشفاعة الملزمة عندالله - في تسيير الأحداث والأقدار . كالملائكة . أو عن طريق قدرتها على الأذى - كالجن بذواتهم أو باستخدام الكهان والسحرة لهم - أو عن طريق هذه وتلك - كأرواح الآباء والأجداد - وكل أولئك كانوا يرمزون له بالأصنام التي تعمرها أرواح هذه الكائنات ; ويستنطقها الكهان ; فتحل لهم ما تحل , وتحرم عليهم ما تحرم . . وإنما هم الكهان في الحقيقة . . هم الشركاء !
وكانوا يزاولون الشرك في تقديم الشعائر لهذه الأصنام ; وتقديم القربان لها والنذور - وفي الحقيقة للكهان - كما أن بعضهم - نقلا عن الفرس - كانوا يعتقدون في الكواكب ومشاركتها في تسيير الأحداث - عن طريق المشاركة لله - ويتقدمون لها كذلك بالشعائر [ ومن هنا علاقة الحلقة المذكورة في هذه السورة من قصة إبراهيم عليه السلام بموضوع السورة كما سيأتي ] . .


وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (24)
وكذلك كانوا يزاولون اللون الثالث من الشرك بإقامتهم لأنفسهم - عن طريق الكهان والشيوخ - شرائع وقيما وتقاليد , لم يأذن بها الله . . وكانوا يدعون ما يدعيه بعض الناس اليوم من أن هذا هو شريعة الله ! وفي هذا المشهد - مشهد الحشر والمواجهة - يواجه المشركين - كل أنواع المشركين بكل ألوان الشرك - بسؤالهم عن الشركاء - كل أصناف الشركاء - أين هم ? فإنه لا يبدو لهم أثر ; ولا يكفون عن أتباعهم الهول والعذاب:
(ويوم نحشرهم جميعا , ثم نقول للذين أشركوا:أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ?). .
والمشهد شاخص , والحشر واقع , والمشركون مسؤولون ذلك السؤال العظيم . . الأليم: (أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ?). .
وهنا يفعل الهول فعله . . هنا تتعرى الفطرة من الركام الذي ران عليها في الدنيا . . هنا ينعدم من الفطرة ومن الذاكرة - كما هو منعدم في الواقع والحقيقة - وجود الشركاء ; فيشعرون أنه لم يكن شرك , ولم يكن شركاء . . لم يكن لهذا كله من وجود لا في حقيقة ولا واقع . . هنا "يفتنون فيذهب الخبث , ويسقط الركام - من فتنة الذهب بالنار ليخلص من الخبث والزبد -:
(ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا:والله ربنا ما كنا مشركين). .
إن الحقيقة التي تجلت عنها الفتنه , أو التي تبلورت فيها الفتنة , هي تخليهم عن ماضيهم كله وإقرارهم بربوبية الله وحده ; وتعريهم من الشرك الذي زاولوه في حياتهم الدنيا . . ولكن حيث لا ينفع الإقرار بالحق والتعري من الباطل . . فهو إذن بلاء هذا الذي تمثله قولتهم وليس بالنجاة . . لقد فات الأوان . . فاليوم للجزاء لا للعمل . . واليوم لتقرير ما كان لا لاسترجاع ما كان . .
لذلك يقرر الله سبحانه , معجبا رسوله [ ص ] من أمر القوم , أنهم كذبوا على أنفسهم يوم اتخذوا هؤلاء الشركاء شركاء , حيث لا وجود لشركتهم مع الله في الحقيقة . وأنهم اليوم غاب عنهم ما كانوا يفترونه , فاعترفوا بالحق بعد ما غاب عنهم الافتراء:
(انظر كيف كذبوا على أنفسهم , وضل عنهم ما كانوا يفترون). .
فالكذب منهم كان على أنفسهم ; فهم كذبوها وخدعوها يوم اتخذوا مع الله شريكا , وافتروا على الله هذا الافتراء . وقد ظل عنهم ما كانوا يفترون وغاب , في يوم الحشر والحساب !
هذا هو التأويل الذي أستريح إليه في حلفهم بالله يوم القيامة وهم في حضرته:أنهم ما كانوا مشركين . وفي تأويل كذبهم على أنفسهم كذلك . فهم لا يجرؤون يوم القيامة أن يكذبوا على الله , وأن يحلفوا أنهم ما كانوا مشركين عامدين بالكذب على الله - كما تقول بعض التفاسير - فهم يوم القيامة لا يكتمون الله حديثا . . إنما هو تعري الفطرة عن الشرك أمام الهول الرعيب ; وأنمحاء هذا الباطل الكاذب حتى لا أثر له في حسهم يومذاك . ثم تعجيب الله - سبحانه - من كذبهم الذي كذبوه على أنفسهم في الدنيا ; والذي لا ظل له في حسهم ولا في الواقع يوم القيامة !
. . والله أعلم بمراده على كل حال . . إنما هو احتمال . .
الدرس الثالث:25 - 28 محاربة الكفار للحق وخزيهم في الآخرة وكذبهم في تمني العودة للدنيا
ويمضي السياق يصور حال فريق من المشركين ; ويقرر مصيرهم في مشهد من مشاهد القيامة . . يصور حالهم


وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (25)
وهم يستمعون القرآن معطلي الإدراك , مطموسي الفطرة , معاندين مكابرين , يجادلون رسول الله [ ص ] وهم على هذا النحو من الاستغلاق والعناد , ويدعون على هذا القرآن الكريم أنه أساطير الأولين ; وينأون عن سماعه وينهون غيرهم عنه أيضا . . يصور حالهم هكذا في الدنيا في صفحة , وفي الصفحة الأخرى يرسم لهم مشهدا كئيبا مكروبا ; وهم موقوفون على النار محبوسون عليها , وهي تواجههم بهول المصير الرعيب ; وهم يتهافتون متخاذلين ; ويتهاوون متحسرين ; يتمنون لو يردون إلى الدنيا فيكون لهم موقف غير ذلك الموقف , الذي انتهى بهم إلى هذا المصير . فيردون عن هذا التمني بالتصغير والتحقير:
ومنهم من يستمع إليك , وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا , وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها , حتى إذا جاؤوك يجادلونك , يقول الذين كفروا:إن هذا إلا أساطير الأولين . وهم ينهون عنه وينأون عنه , وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون . ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا:يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ! بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل , ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه , وإنهم لكاذبون . . إنهما صفحتان متقابلتان:صفحة في الدنيا يرتسم فيها العناد والإعراض ; وصفحة في الآخرة يرتسم فيها الندم والحسرة . . يرسمها السياق القرآني , ويعرضهما هذا العرض المؤثر الموحي ; ويخاطب بهما الفطر الجاسية ; ويهز بها هذه الفطر هزا , لعل الركام الذي ران عليها يتساقط , ولعل مغاليقها الصلدة تتفتح , ولعلها تفيء إلى تدبر هذا القرآن قبل فوات الأوان .
(ومنهم من يستمع إليك , وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا , وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها). .
والأكنة:الأغلفة التي تحول دون أن تتفتح هذه القلوب فتفقه ; والوقر:الصمم الذي يحول دون هذه الآذان أن تؤدي وظيفتها فتسمع . .
وهذه النماذج البشرية التي تستمع ; ولكنها لا تفقه , كأن ليس لها قلوب تدرك ; وكأن ليس لها آذان تسمع . . نماذج مكرورة في البشرية في كل جيل وفي كل قبيل , في كل زمان وفي كل مكان . . إنهم أناسي من بني آدم . . ولكنهم يسمعون القول وكأنهم لا يسمعونه . كأن آذانهم صماء لا تؤدي وظيفتها . وكأن إدراكهم في غلاف لا تنفذ إليه مدلولات ما سمعته الآذان !
وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها . حتى إذا جاؤوك يجادلونك . يقول الذين كفروا:إن هذا إلا أساطير الأولين . .
فأعينهم ترى كذلك . ولكن كأنها لا تبصر . أو كأن ما تبصره لا يصل إلى قلوبهم وعقولهم !
فما الذي أصاب القوم يا ترى ? ما الذي يحول بينهم وبين التلقي والاستجابة . بينما لهم آذان ولهم عيون ولهم عقول ? يقول الله - سبحانه -:
(وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا . وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها). .
وهذا يعبر عن قضاء الله فيهم بألا يتلقى إدراكهم هذا الحق ولا يفقهه ; وبألا تؤدي أسماعهم وظيفتها فتنقل إلى إدراكهم ما تسمع من هذا الحق فتستجيب له , مهما يروا من دلائل الهدى وموحيات الإيمان .
غير أنه يبقى أن نلتمس سنة الله في هذا القضاء . . إنه سبحانه يقول: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). .
ويقولSadونفس وما سواها , فألهمها فجورها وتقواها , قد أفلح من زكاها , وقد خاب من دساها). . فشأن الله - سبحانه - أن يهدي من يجاهد ليبلغ الهدى ; وأن يفلح من يزكي نفسه ويطهرها . . فأما هؤلاء فلم يتوجهوا إلى الهدى ليهديهم الله ; ولم يحاولوا أن يستخدموا أجهزة الاستقبال الفطرية في كيانهم , فييسر الله لهم الاستجابة . . هؤلاء عطلوا أجهزتهم الفطرية ابتداء ; فجعل الله بينهم وبين الهدى حجابا ; وجرى قضاؤه فيهم بهذا الذي جرى جزاء على فعلهم الأول ونيتهم الأولى . . وكل شيء إنما يكون بأمر الله . ومن أمر الله أن يهدي من يجاهد , وأن يفلح من يتزكى . ومن أمر الله أن يجعل على قلوب المعرضين أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا , وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها . . والذين يحيلون ضلالهم وشركهم وخطاياهم على إرادة الله بهم , وعلى قضائه فيهم , إنما يغالطون في هذه الإحالة . والله سبحانه يجبههم بالحق , وهو يحكي أقوالهم في هذا الشأن ويسفههاSadوقال الذين أشركوا:لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا , ولا حرمنا من دونه من شيء . كذلك فعل الذين من قبلهم . فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ? ولقد بعثنا في كل أمة رسولا:أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت , فمنهم من هدى الله , ومنهم من حقت عليه الضلالة , فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين). . فدل هذا على إنكار الله عليهم قولهم ; وعلى أن الضلالة إنما حقت عليهم - بعد النذارة - بفعلهم . .
والذين أثاروا قضايا القضاء والقدر , والجبر والاختيار , وإرادة العبد وكسبه . . ليجعلوا منها مباحث لاهوتية , تخضع لما تتصوره عقولهم من فروض وتقديرات , إنما يجانبون منهج القرآن في عرض هذه القضية في صورتها الواقعية التقريرية البسيطة ; التي تقرر أن كل شيء إنما يكون بقدر من الله ; وأن اتجاه الإنسان على هذا النحو أو ذاك داخل في حدود فطرته التي خلقه الله عليها , والتي جرى بها قدر الله فكانت على ما كانت عليه ; وأن اتجاهه على هذا النحو أو ذاك تترتب عليه نتائج وآثار في الدنيا والآخرة يجري بها قدر الله أيضا , فتكون . . وبهذا يكون مرجع الأمر كله إلى قدر الله . . ولكن على النحو الذي يرتب على إرادة الإنسان الموهوبة له ما يوقعه قدر الله به . . وليس وراء هذا التقرير إلا الجدل الذي ينتهي إلى المراء !
والمشركون كانت معروضة عليهم أمارات الهدى ودلائل الحق وموحيات الإيمان , في هذا القرآن , الذي يلفتهم إلى آيات الله في الأنفس والآفاق ; وهي وحدها كانت كفيلة - لو اتجهت إليها قلوبهم - أن توقع على أوتار هذه القلوب , وأن تهز فيها المدارك الغافية فتوقظها وتحييها , لتتلقى وتستجيب . . إلا أنهم هم لم يجاهدوا ليهتدوا ; بل عطلوا فطرتهم وحوافزها ; فجعل الله بينهم وبين موحيات الهدى حجابا ; وصاروا حين يجيئون إلى الرسول [ ص ] لا يجيئون مفتوحي الأعين والآذان والقلوب ; ليتدبروا ما يقوله لهم تدبر الباحث عن الحق ; ولكن ليجادلوا ويتلمسوا أسباب الرد والتكذيب:
حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا:إن هذا إلا أساطير الأولين . .
والأساطير جمع أسطورة . وكانوا يطلقونها على الحكايات التي تتضمن الخوارق المتعلقة بالألهة والأبطال في قصص الوثنيات . وأقربها إليهم كانت الوثنية الفارسية وأساطيرها .
وهم كانوا يعلمون جيدا أن هذا القرآن ليس بأساطير الأولين . ولكنهم إنما كانوا يجادلون ; ويبحثون عن أسباب الرد والتكذيب ; ويتلمسون أوجه الشبهات البعيدة . . وكانوا يجدون فيما يتلى عليهم من القرآن قصصا عن الرسل وأقوامهم ; وعن مصارع الغابرين من المكذبين . فمن باب التمحل والتماس أوهى الأسباب , قالوا عن هذا القصص وعن القرآن كله: (إن هذا إلا أساطير الأولين)!


وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)
وإمعانا في صرف الناس عن الاستماع لهذا القرآن , وتثبيت هذه الفرية . . فرية أن هذا القرآن إن هو إلا أساطير الأولين . . كان مالك بن النضر , وهو يحفظ أساطير فارسية عن رستم واسفنديار من أبطال الفرس الأسطوريين , يجلس مجلسا قريبا من رسول الله [ ص ] وهو يتلو القرآن . فيقول للناس:إن كان محمد يقص عليكم أساطير الأولين , فعندي أحسن منها ! ثم يروح يقص عليهم مما عنده من الأساطير , ليصرفهم عن الاستماع إلى القرآن الكريم !
ولقد كانوا كذلك ينهون الناس عن الاستماع إليه - وهم كبراؤهم - وينأون هم عن الاستماع خشية التأثر والاستجابة:
(وهم ينهون عنه , وينأون عنه , وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون). .
لقد كانوا على يقين من أنه ليس أساطير الأولين . وأن مواجهته بأساطير الأولين لا تجدي لو ترك الناس يسمعون ! وكان كبراء قريش يخافون على أنفسهم من تأثير هذا القرآن فيها كما يخافون على أتباعهم . فلم يكن يكفي إذن في المعركة بين الحق النفاذ بسلطانه القوي , والباطل الواهن المتداعي , أن يجلس النضر بن الحارث يروي للناس أساطير الأولين ! ومن ثم كانوا ينهون أتباعهم أن يستمعوا لهذا القرآن ; كما كانوا هم أنفسهم ينأون بأنفسهم - خوفا عليها أن تتأثر وتستجيب - وحكاية الأخنس بن شريق , وأبي سفيان بن حرب , وعمرو بن هشام وهم يقاومون جاذبية القرآن التي تشدهم شدا إلى التسمع في خفية لهذا القرآن حكاية مشهورة في السيرة .
وهذا الجهد كله الذي كانوا يبذلونه ليمنعوا أنفسهم ويمنعوا غيرهم من الاستماع لهذا القرآن ; ومن التأثر به والاستجابة له . . هذا الجهد كله إنما كانوا يبذلونه في الحقيقة لإهلاك أنفسهم - كما يقرر الله - سبحانه -: (وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون)!
وهل يهلك إلا نفسه من يجاهد نفسه ويجاهد غيره دون الهدى والصلاح والنجاة , في الدنيا والآخرة ?
إنهم مساكين أولئك الذين يجعلون همهم كله في الحيلولة بين أنفسهم والناس معهم وبين هدى الله ! مساكين ! ولو تبدوا في ثياب الجبابرة وزي الطواغيت ! مساكين فهم لا يهلكون إلا أنفسهم في الدنيا والآخرة . وإن بدا لهم حينا من الدهر وبدا للمخدوعين بالزبد أنهم رابحون مفلحون .
ومن شاء ان يرى فلينظر في الصفحة الأخرى المواجهة لهذه الصفحة الأولى:
(ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا:يا ليتنا نرد , ولا نكذب بآيات ربنا , ونكون من المؤمنين)!
إنه المشهد المقابل لمشهدهم في الدنيا . . مشهد الاستخذاء والندامة والخزي والحسرة . في مقابل مشهد الإعراض والجدال والنهي والنأي والادعاء العريض !
(ولو ترى إذ وقفوا على النار). .
لو ترى ذلك المشهد ! لو تراهم وقد حبسوا على النار لا يملكون الإعراض والتولي ! ولا يملكون الجدل والمغالطة !
لو ترى لرأيت ما يهول ! ولرأيتهم يقولون:


بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)
(يا ليتنا نرد , ولا نكذب بآيات ربنا , ونكون من المؤمنين). .
يعلمون الآن أنها كانت (آيات ربنا)! وهم يتمنون لو يردون إلى الدنيا . وعندئذ فلن يكون منهم تكذيب بهذه الآيات , وعندئذ سيكونون من المؤمنين !
ولكنها ليست سوى الأماني التي لا تكون !
على أنهم إنما يجهلون جبلتهم . فهي جبلة لا تؤمن . وقولهم هذا عن أنفسهم:إنهم لو ردوا لما كذبوا ولكانوا مؤمنين , إنما هو كذب لا يطابق حقيقة ما يكون منهم لو كان لإجابتهم من سبيل ! وإنهم ما يقولون قولتهم هذه , إلا لأنه تكشف لهم من سوء عملهم وسوء مغبتهم ما كانوا من قبل يخفونه على أتباعهم ليوهموهم أنهم محقون , وأنهم ناجون , وأنهم مفلحون .
(بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل . ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه . وإنهم لكاذبون). .
إن الله يعلم طبيعتهم ; ويعلم إصرارهم على باطلهم ; ويعلم أن رجفة الموقف الرعيب على النار هي التي أنطقت ألسنتهم بهذه الأماني وهذه الوعود . . (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون). .
ويدعهم السياق في هذا المشهد البائس , وهذا الرد يصفع وجوهم بالمهانة والتكذيب !
الدرس الرابع:29 - 32 حقيقة الحياة في التصور الإسلامي
يدعهم ليفتح صفحتين جديدتين متقابلتين كذلك ; ويرسم لهما مشهدين متقابلين:أحدهما في الدنيا وهم يجزمون بأن لا بعث ولا نشور , ولا حساب ولا جزاء . وثانيهما في الآخرة وهم موقوفون على ربهم يسألهم عما هم فيه: (أليس هذا بالحق ?). . السؤال الذي يزلزل ويذيب . . فيجيبون إجابة المهين الذليل: (بلى ! وربنا). . فيجبهون عندئذ بالجزاء الأليم بما كانوا يكفرون . . ثم يمضي السياق يرسم مشهدهم والساعة تأخذهم بغتة , بعدما كذبوا بلقاء الله , فتنتابهم الحسرة ; وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ! وفي النهاية يقرر حقيقة وزن الدنيا والآخرة في ميزان الله الصحيح:
(وقالوا:إن هي إلا حياتنا الدنيا , وما نحن بمبعوثين . ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال:أليس هذا بالحق ? قالوا:بلى وربنا . قال:فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون . . قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا:يا حسرتنا على ما فرطنا فيها , وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون , وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو , وللدار الآخرة خير للذين يتقون . أفلا تعقلون ?)
وقضية البعث والحساب والجزاء في الدار الآخرة من قضايا العقيدة الأساسية , التي جاء بها الإسلام ; والتي يقوم عليها بناء هذه العقيدة بعد قضية وحدانية الألوهية . والتي لا يقوم هذا الدين - عقيدة وتصورا , وخلقا وسلوكا , وشريعة ونظاما - إلا عليها . . وبها . .
إن هذا الدين الذي أكمله الله , وأتم به نعمته على المؤمنين به , ورضيه لهم دينا - كما قال لهم في كتابه الكريم - هو منهج للحياة كامل في حقيقته , متكامل متناسق في تكوينه . . "يتكامل" ويتناسق فيه تصوره الاعتقادي مع قيمه الخلقية , مع شرائعه التنظيمية . . وتقوم كلها على قاعدة واحدة من حقيقة الألوهية فيه وحقيقة الحياة الآخرة .
فالحياة - في التصور الإسلامي - ليست هي هذه الفترة القصيرة التي تمثل عمر الفرد ; وليست هي هذه الفترة المحدودة التي تمثل عمر الأمة من الناس ; كما أنها ليست هي هذه الفترة المشهودة التي تمثل عمر البشرية في هذه الحياة الدنيا .
إن الحياة - في التصور الإسلامي - تمتد طولا في الزمان , وتمتد عرضا في الآفاق , وتمتد عمقا في العوالم , وتمتد تنوعا في الحقيقة . . عن تلك الفترة التي يراها ويظنها ويتذوقها من يغفلون الحياة الآخرة من حسابهم ولا يؤمنون بها .
إن الحياة - في التصور الإسلامي - تمتد في الزمان , فتشمل هذه الفترة المشهوده - فترة الحياة الدنيا - وفترة الحياة الأخرى التي لا يعلم مداها إلا الله ; والتي تعد فترة الحياة الدنيا بالقياس إليها ساعة من نهار !
وتمتد في المكان , فتضيف إلى هذه الأرض التي يعيش عليها البشر ; دارا أخرى:جنة عرضها كعرض السماوات والأرض ; ونارا تسع الكثرة من جميع الأجيال التي عمرت وجه الأرض ملايين الملايين من السنين !
وتمتد في العوالم , فتشمل هذا الوجود المشهود إلى وجود مغيب لا يعلم حقيقة كلها إلا الله ; ولا نعلم نحن عنه إلا ما أخبرنا به الله . وجود يبدأ من لحظة الموت , وينتهي في الدار الآخرة . وعالم الموت وعالم الآخرة كلاهما من غيب الله . وكلاهما يمتد فيه الوجود الإنساني في صور لا يعلمها إلا الله .
وتمتد الحياة في حقيقتها ; فتشمل هذا المستوى المعهود في الحياة الدنيا , إلى تلك المستويات الجديدة في الحياة الأخرى . . في الجنة وفي النار سواء . . وهي ألوان من الحياة ذات مذاقات ليست من مذاقات هذه الحياة الدنيا . . ولا تساوي الدنيا - بالقياس إليها - جناح بعوضة !
والشخصية الإنسانية - في التصور الإسلامي - يمتد وجودها في هذه الأبعاد من الزمان , وفي هذه الآفاق من المكان , وفي هذه الأعماق والمستويات من العوالم والحيوات . . ويتسع تصورها للوجود كله ; وتصورها للوجود الإنساني ; ويتعمق تذوقها للحياة ; وتكبر اهتماماتها وتعلقاتها وقيمها , بقدر ذلك الامتداد في الأبعاد والآفاق والأعماق والمستويات . . بينما أولئك الذين لا يؤمنون بالآخرة , يتضاءل تصورهم للوجود الكوني , وتصورهم للوجود الإنساني ; وهم يحشرون أنفسهم وتصوراتهم وقيمهم وصراعهم في ذلك الجحر الضيق الصغير الضئيل من هذه الحياة الدنيا !
ومن هذا الاختلاف في التصور يبدأ الاختلاف في القيم , ويبدأ الاختلاف في النظم . . ويتجلى كيف أن هذا الدين منهج حياة متكامل متناسق ; وتتبين قيمة الحياة الآخرة في بنائه:تصورا واعتقادا , وخلقا وسلوكا وشريعة ونظاما . .
إن إنسانا يعيش في هذا المدى المتطاول من الزمان والمكان والعوالم والمذاقات , غير إنسان يعيش في ذلك الجحر الضيق , ويصارع الآخرين عليه , بلا انتظار لعوض عما يفوته , ولا لجزاء عما يفعله وما يفعل به . . إلا في هذه الأرض ومن هؤلاء الناس !
إن اتساع التصور وعمقه وتنوعه ينشى ء سعة في النفس وكبرا في الاهتمامات ورفعة في المشاعر ! ينشأ عنها هي بذاتها خلق وسلوك , غير خلق الذين يعيشون في الجحور وسلوكهم ! فاذا أضيف إلى سعة التصور وعمقه وتنوعه , طبيعة هذا التصور , والاعتقاد في عدل الجزاء في الدار الآخرة , وفي ضخامة العوض عما يفوت ونفاسته ; استعدت النفس للبذل في سبيل الحق والخير والصلاح الذي تعلم أنه من أمر الله , وأنه مناط العوض والجزاء ; وصلح خلق الفرد واستقام سلوكه - متى استيقن من الآخرة كما هي في التصور الإسلامي - وصلحت الأوضاع والأنظمة , التي لا يتركها الأفراد تسوء وتنحرف , وهم يعلمون أن سكوتهم على فسادها لا يحرمهم صلاح الحياة الدنيا وحدها وخيراتها ; ولكنه يحرمهم كذلك العوض في الآخرة , فيخسرون الدنيا والآخرة !
والذين يفترون على عقيدة الحياة الآخرة فيقولون:إنها تدعو الناس إلى السلبية في الحياة الدنيا ; وإلى إهمال هذه الحياة ; وتركها بلا جهد لتحسينها وإصلاحها ; وإلى تركها للطغاة والمفسدين تطلعا إلى نعيم الآخرة . . الذين يفترون هذا الافتراء على عقيدة الآخرة يضيفون إلى الافتراء الجهالة ! فهم يخلطون بين عقيدة الآخرة - كما هي في التصورات الكنسية المنحرفة - وعقيدة الآخرة كما هي في دين الله القويم . . فالدنيا - في التصور الإسلامي - هي مزرعة الآخرة . والجهاد في الحياة الدنيا لإصلاح هذه الحياة , ورفع الشر والفساد عنها , ورد الاعتداء عن سلطان الله فيها , ودفع الطواغيت وتحقيق العدل والخير للناس جميعا . . كل أولئك هو زاد الآخرة ; وهو الذي يفتح للمجاهدين أبواب الجنة , ويعوضهم عما فقدوا في صراع الباطل , وما أصابهم من الأذى . .
فكيف يتفق لعقيدة هذه تصوراتها أن يدع أهلها الحياة الدنيا تركد وتأسن , أو تفسد وتختل , أو يشيع فيها الظلم والطغيان , أو تتخلف في الصلاح والعمران . . وهم يرجون الآخرة , وينتظرون فيها الجزاء من الله ?
إن الناس إذا كانوا في فترات من الزمان يعيشون سلبيين ; ويدعون الفساد والشر والظلم والطغيان والتخلف والجهالة تغمر حياتهم الدنيا - مع ادعائهم الإسلام - فإنما هم يصنعون ذلك كله أو بعضه لأن تصورهم للإسلام قد فسد وانحرف ; ولأن يقينهم في الآخرة قد تزعزع وضعف ! لا لأنهم يدينون بحقيقة هذا الدين ; ويستيقنون من لقاء الله في الآخرة . فما يستيقن أحد من لقاء الله في الآخرة , وهو يعي حقيقة هذا الدين , ثم يعيش في هذه الحياة سلبيا , أو متخلفا , أو راضيا بالشر والفساد والطغيان .
إنما يزاول المسلم هذه الحياة الدنيا , وهو يشعر أنه أكبر منها وأعلى . ويستمتع بطيباتها أو يزهد فيها وهو يعلم أنها حلال في الدنيا خالصة له يوم القيامة . ويجاهد لترقية هذه الحياة وتسخير طاقاتها وقواها وهو يعرف أن هذا واجب الخلافة عن الله فيها . ويكافح الشر والفساد والظلم محتملا الأذى والتضحية حتى الشهادة وهو إنما يقدم لنفسه في الآخرة . . إنه يعلم من دينه أن الدنيا مزرعة الآخرة ; وأن ليس هنالك طريق للآخرة لا يمر بالدنيا ; وأن الدنيا صغيرة زهيدة ولكنها من نعمة الله التي يجتاز منها إلى نعمة الله الكبرى . .
وكل جزئية في النظام الإسلامي منظور فيها إلى حقيقية الحياة الآخرة ; وما تنشئه في التصور من سعة وجمال وارتفاع ; وما تنشئه في الخلق من رفعة وتطهر وسماحة ومن تشدد في الحق وتحرج وتقوى ; وما تنشئه في النشاط الإنساني من تسديد وثقة وتصميم .
من أجل ذلك كله لا تستقيم الحياة الإسلامية بدون يقين في الآخرة . ومن أجل ذلك كله كان هذا التوكيد في القرآن الكريم على حقيقة الأخرة . .
وكان العرب في جاهليتهم - وبسبب من هذه الجاهلية - لا تتسع آفاقهم التصورية والشعورية والفكرية للاعتقاد في حياة أخرى غير هذه الحياة الدنيا ; ولا في عالم آخر غير هذا العالم الحاضر:ولا في امتداد الذات الإنسانية إلى آماد وآفاق وأعماق غير هذه الآماد المحسوسة . . مشاعر وتصورات أشبه شيء بمشاعر الحيوان وتصوراته . . شأنهم في هذا شأن الجاهلية الحاضرة . . "العلمية " كما يصر أهلها على تسميتها !
(وقالوا:إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين). .
وكان الله - سبحانه - يعلم أن الاعتقاد على هذا النحو يستحيل أن تنشأ في ظله حياة إنسانية رفيعة كريمة . . هذه الآفاق الضيقة في الشعور والتصور , التي تلصق الإنسان بالأرض , وتلصق تصوره بالمحسوس منها


وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (30)
كالبهيمة . . وهذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان , التي تطلق السعار في النفس , والتكالب على المتاع المحدود , والعبودية لهذا المتاع الصغير , كما تطلق الشهوات من عقالها تعربد وحدها بلا كابح , ولا هدنة , ولا أمل في عوض , إن لم تقض هذه الشهوات الهابطة الصغيرة , التي لا تكاد تبلغ نزوات البهيمة ! . . وهذه الأنظمة والأوضاع , التي تنشأ في الأرض منظورا فيها إلى هذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان ; بلا عدل ولا رحمة , ولا قسط ولا ميزان . . إلا أن يصارع الأفراد بعضهم بعضا , وتصارع الطبقات بعضها بعضا , وتصارع الأجناس بعضها بعضا . . وينطلق الكل في الغابة انطلاقا لا يرتفع كثيرا على انطلاق الوحوش والغيلان ! كما نشهد اليوم في عالم "الحضارة " . . في كل مكان . .
كان الله - سبحانه - يعلم هذا كله ; ويعلم أن الأمة التي قدر أن يعطيها مهمة الإشراف على الحياة البشرية , وقيادتها إلى القمة السامقة التي يريد أن تتجلى فيها كرامة الإنسانية في صورة واقعية . . أن هذه الأمة لا يمكن أن تؤدي واجبها هذا إلا بأن تخرج بتصوراتها وقيمها من ذلك الجحر الضيق إلى تلك الآفاق والآماد الواسعة . . من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة . .
ولهذا كان ذلك التوكيد على حقيقة الآخرة . . أولا لأنها حقيقة . والله يقص الحق . وثانيا لأن اليقين بها ضرورة لاستكمال إنسانية الإنسان:تصورا واعتقادا , وخلقا وسلوكا , وشريعة ونظاما .
ومن ثم كانت هذه الإيقاعات العنيفة العميقة التي نراها في هذه الموجة من نهر السورة المتدفق . . الإيقاعات التي يعلم الله أن فطرة الإنسان تهتز لها وترجف ; فتفتح نوافذها , وتستيقظ أجهزة الاستقبال فيها , وتتحرك وتحيا , وتتأهب للتلقي والاستجابة . . ذلك كله فضلا على أنها تمثل الحقيقة:
(ولو ترى إذ وقفوا على ربهم . قال:أليس هذا بالحق ? قالوا:بلى وربنا . قال:فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). .
هذا مصير الذين قالوا: (إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين). . وهذا هو مشهدهم البائس المخزي المهين ; وهم موقوفون في حضرة ربهم الذي كذبوا بلقائه , لا يبرحون الموقف . وكأنما أخذ بأعناقهم حتى وقفوا في هذا المشهد الجليل الرهيب:
(قال:أليس هذا بالحق ?). .
وهو سؤال يخزي ويذيب ! (قالوا:بلى وربنا). .
الآن . وهم موقوفون على ربهم . في الموقف الذي نفوا على سبيل التوكيد أن يكون ! وفي اختصار يناسب جلال الموقف , ورهبة المشهد , وهول المصير , يجيء الأمر العلوي بالقضاء الأخير:قال: (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). .
وهو مصير يتفق مع الخلائق التي أبت على نفسها سعة التصور الإنساني وآثرت عليه جحر التصور الحسي ! والتي أبت أن ترتفع إلى الأفق الإنساني الكريم , وأخلدت إلى الأرض , وأقامت حياتها وعاشت على أساس ذلك التصور الهابط الهزيل ! لقد ارتكست هذه الخلائق حتى أهلت نفسها لهذا العذاب ; الذي يناسب طبائع الكافرين بالآخرة ; الذين عاشوا ذلك المستوى الهابط من الحياة ! بذلك التصور الهابط الهزيل !
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:18 pm


قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ (31)
ويستكمل السياق المشهد الذي ختمه هناك بهذا القضاء العلوي تنسيقا له مع الجلال والروعة والهول . . يستكمله بتقرير حقيقته:
(قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله . حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا:يا حسرتنا على ما فرطنا فيها !). .
فهي الخسارة المحققة المطلقة . . خسارة الدنيا بقضاء الحياة فيها في ذلك المستوى الأدنى . . وخسارة الآخرة على النحو الذي رأينا . . والمفاجأة التي لم يحسب لها أولئك الغافلون الجاهلون حسابا:
(حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا:يا حسرتنا على ما فرطنا فيها !). .
ثم مشهدهم كالدواب الموقرة بالأحمال:
(وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم). .
بل الدواب أحسن حالا . فهي تحمل أوزارا من الأثقال . ولكن هؤلاء يحملون أوزارا من الآثام ! والدواب تحط عنها أوزارها فتذهب لتستريح . وهؤلاء يذهبون بأوزارهم إلى الجحيم . مشيعين بالتأثيم:
(ألا ساء ما يزرون !). .
وفي ظلال هذا المشهد الناطق بالخسارة والضياع , بعد ذلك المشهد الناطق بالهول والرهبة . . يجيء الإيقاع الأخير في هذا القطع ; بحقيقة وزن الدنيا ووزن الآخرة في ميزان الله ; وقيمة هذه الدنيا وقيمة الآخرة في هذا الميزان الصحيح:
(وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو , وللدار الآخرة خير للذين يتقون . أفلا تعقلون ?). .
هذه هي القيمة المطلقة الأخيرة في ميزان الله للحياة الدنيا وللدار الآخرة . . وما يمكن أن يكون وزن ساعة من نهار , على هذا الكوكب الصغير , إلا على هذا النحو , حين توازن بذلك الأبد الأبيد في ذلك الملك العريض . وما يمكن أن تكون قيمة نشاط ساعة في هذه العبادة إلا لعبا ولهوا حين تقاس إلى الجد الرزين في ذلك العالم الآخر العظيم . .
هذا تقييم مطلق . . ولكنه في التصور الإسلامي لا ينشى ء - كما قلنا - إهمالا للحياة الدنيا ولا سلبية فيها ولا انعزالا عنها . . وليس ما وقع من هذا الإهمال والسلبية والانعزال وبخاصة في بعض حركات "التصوف" "والزهد" بنابع من التصور الإسلامي أصلا . إنما هو عدوى من التصورات الكنسية الرهبانية ; ومن التصورات الفارسية . ومن بعض التصورات الإشراقية الإغريقية المعروفة بعد انتقالها للمجتمع الإسلامي !
والنماذج الكبيرة التي تمثل التصور الإسلامي في أكمل صورة , لم تكن سلبية ولا انعزالية . . فهذا جيل الصحابة كله ; الذين قهروا الشيطان في نفوسهم , كما قهروه في الأنظمة الجاهلية السائدة من حولهم في الأرض ; حيث كانت الحاكمية للعباد في الإمبراطوريات . . هذا الجيل الذي كان يدرك قيمة الحياة الدنيا كما هي في ميزان الله , هو الذي عمل للآخرة بتلك الآثار الإيجابية الضخمة في واقع الحياة , وهو الذي زاول الحياة بحيوية ضخمة , وطاقة فائضة , في كل جانب من جوانبها الحية الكثيرة .
إنما أفادهم هذا التقييم الرباني للحياة الدنيا وللدار الآخرة , أنهم لم يصبحوا عبيدا للدنيا . لقد ركبوها ولم تركبهم ! وعبدوها فذللوها لله ولسلطانه ولم تستعبدهم ! ولقد قاموا بالخلافة عن الله فيها بكل ما تقتضيه الخلافة عن الله من تعمير وإصلاح , ولكنهم كانوا يبتغون في هذه الخلافة وجه الله , ويرجون الدار الآخرة فسبقوا أهل الدنيا في الدنيا , ثم سبقوهم كذلك في الآخرة !


وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (32)
والآخرة غيب . فالأيمان بها سعة في التصور . وارتقاء في العقل . والعمل لها خير للمتقين يعرفه الذين يعقلون:
(وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون). .
والذين ينكرون الآخرة اليوم لأنها "غيب" إنما هم الجهال الذين يدعون العلم . . فالعلم علم الناس - [ كما سنذكر فيما بعد ] لم يعد لديه اليوم حقيقة واحدة مستيقنة له إلا حقيقة الغيب وحقيقة المجهول !!!
الوحدة الخامسة:33 - 39 الموضوع:مواساة الرسول وبيان طريق الدعوة مقدمة الوحدة من سورة الأنعام
في هذه الموجة من موجات السياق المتدفق في السورة ; يتجه الحديث إلى رسول الله [ ص ] يطيب الله - سبحانه - خاطره في أوله , مما يلاقيه من تكذيب قومه له , وهو الصادق الأمين , فإنهم لا يظنون به الكذب , إنما هم مصرون على الجحود بآيات الله وعدم الاعتراف بها وعدم الإيمان , لأمر آخر غير ظنهم به الكذب ! كما يواسيه بما وقع لإخوانه الرسل قبله من التكذيب والأذى , وما وقع منهم من الصبر والاحتمال , ثم ما انتهى إليه أمرهم من نصر الله لهم . وفق سنته التي لا تتبدل . . حتى إذا انتهى من المواساة والتسرية والتطمين , التفت إلى النبي [ ص ] يقرر له الحقيقية الكبرى في شأن هذه الدعوة . . إنها تجري بقدر الله وفق سنته , وليس للداعية فيها إلا التبليغ والبيان . . إن الله هو الذي يتصرف في الأمر كله , فليس على الداعية إلا أن يمضي وفق هذا الأمر , لا يستعجل خطوة ولا يقترح على الله شيئا . حتى ولو كان هو
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)
النبي الرسول ! ولا يستمع إلى مقترحات المكذبين - ولا الناس عامة - في منهج الدعوة , ولا في اقتراح براهين وآيات معينة عليه . . والأحياء الذين يسمعون سيستجيبون , أما موتى القلوب فهم موتى لا يستجيبون , والأمر إلى الله إن شاء أحياهم وإن شاء أبقاهم موتى حتى يرجعوا إليه يوم القيامة .
وهم يطلبون آية خارقة على نحو ما كان يقع للأقوام من قبلهم , والله قادر على أن ينزل آية . ولكنه سبحانه لا يريد - لحكمة يراها - فإذا كبر على الرسول إعراضهم فليحاول هو إذن بجهده البشري أن يأتيهم بآية ! . . إن الله - سبحانه - هو خالق الخلائق جميعا , وعنده أسرار خلقهم , وحكمة اختلاف خصائصهم وطباعهم . وهو يترك المكذبين من البشر صما وبكما في الظلمات , ويضل من يشاء ويهدي من يشاء وفق ما يعلمه من حكمة الخلق والتنويع . .
الدرس الأول:33 - 36 مواساة الرسول على ما يلاقيه من قومه وبيان طريق الدعوة
(قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون . فإنهم لا يكذبونك . ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). .
إن مشركي العرب في جاهليتهم - وخاصة تلك الطبقة التي كانت تتصدى للدعوة من قريش - لم يكونوا يشكون في صدق محمد [ ص ] فلقد عرفوه صادقا أمينا , ولم يعلموا عنه كذبة واحدة في حياته الطويلة بينهم قبل الرسالة , كذلك لم تكن تلك الطبقة التي تتزعم المعارضة لدعوته تشك في صدق رسالته , وفي أن هذا القرآن ليس من كلام البشر , ولا يملك البشر أن يأتوا بمثله . .
ولكنهم - على الرغم من ذلك - كانوا يرفضون إظهار التصديق , ويرفضون الدخول في الدين الجديد ! إنهم لم يرفضوا لأنهم يكذبون النبي [ ص ] ولكن لأن في دعوته خطرا على نفوذهم ومكانتهم . . وهذا هو السبب الذي من أجله قرروا الجحود بآيات الله , والبقاء على الشرك الذي كانوا فيه . .
والأخبار التي تقرر الأسباب الحقيقية لموقف قريش هذا وحقيقة ظنهم بهذا القرآن كثيرة:
قال ابن اسحاق:حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري:أنه حدث , أن أبا سفيان بن حرب , وأبا جهل بن هشام , والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي , حليف بني زهرة , خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله [ ص ] وهو يصلي من الليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه . وكل لا يعلم بمكان صاحبة . فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الصبح تفرقوا , فجمعهم الطريق , فتلاوموا , وقال بعضهم لبعض:لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائهم لأوقعتم في نفسه شيئا . ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة . ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه , فباتوا يستمعون له . حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض:لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود . فتعاهدوا على ذلك . . ثم تفرقوا . . فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه , ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته , فقال:أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ? قال:يا أبا ثعلبة , والله لقد سمعت أشياء أعرفها , وأعرف ما يراد بها , وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها . قال الأخنس:وأنا والذي حلفت به . ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل , فدخل عليه في بيته , فقال:يا أبا الحكم , ما رأيك فيما سمعت من محمد ? قال:ماذا سمعت ? قال:تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف . . أطعموا فأطعمنا , وحملوا فحملنا , وأعطوا فأعطينا , حتى إذا تجاثينا على الركب , وكنا كفرسي رهان , قالوا:منا نبي يأتيه الوحي من السماء , فمتى ندرك هذه ? والله لا نؤمن به أبدا ولانصدقه ! قال:فقام عنه الأخنس وتركه . .
وروى ابن جرير - من طريق أسباط عن السدي - في قولهSadقد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك , ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). . لما كان يوم بدر , قال الأخنس بن شريق لبني زهرة:يا بني زهرة إن محمدا ابن أختكم , فأنتم أحق من ذب عن ابن أخته , فإن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم , وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته . قفوا حتى ألقى أبا الحكم , فإن غلب محمد رجعتم سالمين , وإن غلب محمد فإن قومكم لن يصنعوا بكم شيئا - فيومئذ سمي الأخنس وكان اسمه أبي - فالتقى الأخنس بأبي جهل , فخلا به , فقال:يا أبا الحكم أخبرني عن محمد:أصادق هو أم كاذب ? فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا ! فقال أبو جهل:ويحك ! والله إن محمدا لصادق , وما كذب محمد قط , ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة , فماذا يكون لسائر قريش ? فذلك قوله: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). .
ونلاحظ:أن السورة مكية , وهذه الآية مكية لا شك في ذلك ; بينما الحادثة المذكورة كانت في المدينة يوم بدر . . ولكن إذا عرفنا أنهم كانوا يقولون أحيانا عن آية ما:"فذلك قوله:كذا . . " ويقرنون إليها حادثا ما لا للنص على أنها نزلت بسبب الحادث الذي يذكرونه ; ولكن بسبب انطباق مدلولها على الحادث , بغض النظر عما إذا كان سابقا أو لاحقا . . فإننا لا نستغرب هذه الرواية . .
وقال ابن إسحاق:حدثني يزيد بن زياد , عن محمد بن كعب القرظي , قال:حدثت أن عتبة بن ربيعة - وكان سيدا - قال يوما وهو جالس في نادي قريش , ورسول الله [ ص ] جالس في المسجد وحده:يا معشر قريش , ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل بعضها , فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ? - وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه , ورأوا أصحاب رسول الله [ ص ] يزيدون ويكثرون - فقالوا:بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله [ ص ] فقال:يا ابن أخي . . إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة , والمكان في النسب . وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم , فرقت به جماعتهم , وسفهت أحلامهم , وعبت به آلهتهم ودينهم , وكفرت به من مضى من آبائهم . فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها , لعلك تقبل منها بعضها . قال:فقال له رسول الله [ ص ]:"قل:يا أبا الوليد أسمع" قال:يا ابن أخي , إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا , وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع امرا دونك , وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا , وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء , وبذلنا فيها أموالنا حتى نبرئك منه , فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه . . أو كما قال . . حتى إذا فرغ عتبة , ورسول الله [ ص ] يستمع منه - قال:" أفرغت يا أبا الوليد ? " قال:نعم . قال:" فاستمع مني " . قال:أفعل . قال:بسم الله الرحمن الرحيم(حم . تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون . بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون . . .)ثم مضى رسول الله [ ص ] فيها وهو يقرؤها عليه . فلما سمع عتبة أنصت لها , وألقى يديه خلف ظهره , معتمدا عليهما , يستمع منه , حتى انتهى رسول الله [ ص ] إلى السجدة منها فسجد . ثم قال:" قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت , فأنت وذاك " . . فقام عتبة إلى أصحابة . فقال بعضهم لبعض:نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليدبغير الوجه الذي ذهب به ! فلما جلس إليهم قالوا:ما وراءك يا أبا الوليد ? قال:ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط . والله ما هو بالسحر , ولا بالشعر , ولا بالكهانة . يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي . . خلوا بين الرجل وما هو فيه , فاعتزلوه , فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ , فإن تصبه العرب كفيتموه بغيركم , وإن يظهر على العرب فملكه ملككم , وعزه عزكم , وكنتم أسعد الناس به . . قالوا:سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه ! قال:هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم !
وقد روى البغوي في تفسيره حديثا - بإسناده - عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - أن رسول الله [ ص ] مضى في قراءته إلى قولهSadفإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود). . فأمسك عتبة على فيه , وناشده الرحم , ورجع إلى أهله , ولم يخرج إلى قريش , واحتبس عنهم . . . إلى آخره . . . ثم لما حدثوه في هذا قال:فأمسكت بفيه , وناشدته الرحم أن يكف . وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخشيت أن ينزل بكم العذاب . .
وقال ابن اسحاق:إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش - وكان ذا سن فيهم - وقد حضر الموسم . فقال لهم:يا معشر قريش , إنه قد حضر هذا الموسم , وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه , وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا , فاجمعوا فيه رأيا واحدا , ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا , ويرد قولكم بعضه بعضا . قالوا:فأنت يا أبا عبد شمس فقل , وأقم لنا رأيا نقل به . قال:بل أنتم فقولوا:أسمع . قالوا:نقول:كاهن ! قال:لا والله ما هو بكاهن , لقد رأينا الكهان , فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه ! قالوا:فنقول:مجنون ! قال:ما هو بمجنون , لقد رأينا الجنون وعرفناه , فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته ! قالوا:فنقول:شاعر ! قال:ما هو بشاعر , لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه , فما هو بالشعر ! قالوا:فنقول:ساحر ! قال:ما هو بساحر , لقد رأينا السحار وسحرهم , فما هو بنفثهم ولا عقدهم ! قالوا:فما نقول يا أبا عبد الشمس ? قال:والله إن لقوله لحلاوة ,
وإن أصله لعذق , وإن فرعه لجناة , وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ! وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا:هو ساحر , جاء بقول هو سحر , يفرق به بين المرء وأبيه , وبين المرء وأخيه , وبين المرء وزوجته , وبين المرء وعشيرته . . فتفرقوا عنه بذلك . فجعلوا يجلسون بسبل الناس - حين قدموا الموسم - لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه , وذكروا له أمره !
وقال ابن جرير:حدثنا ابن عبد الأعلى , حدثنا محمد بن ثورة , عن معمر , عن عبادة بن منصور , عن عكرمة:أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي [ ص ] فقرأ عليه القرآن , فكأنه رق له . فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام . فأتاه فقال له:أي عم ! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ! قال:لم ? قال:يعطونكه , فإنك أتيت محمدا تتعرض لما قبله ! [ يريد الخبيث أن يثير كبرياءه من الناحية التي يعرف أنه أشد بها اعتزازا ! ] قال:قد علمت قريش أني أكثرها مالا ! قال:فقل فيه قولا يعلم قومك أنك منكر لما قال , وأنك كاره له ! قال:فماذا أقول فيه ? فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني , ولا أعلم برجزه ولا بقصيده , ولا بأشعار الجن ! والله ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا . والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة , وإن عليه لطلاوة , وإنه ليحطم ما تحته , وإنه ليعلو وما يعلى . قال:والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه . . قال:فدعني حتى أفكر فيه . . فلما فكر قال:إن هذا إلا سحر يؤثر . يؤثره عن غيره .فنزلتSadذرني ومن خلقت وحيدا . .)حتى بلغSadعليها تسعة عشر).
وفي رواية أخرى أن قريشا قالت:لئن صبأ الوليد لتصبون قريش كلها ! فقال أبو جهل:أنا أكفيكموه ! ثم دخل عليه . . وأنه قال - بعد التفكير الطويل - إنه سحر يؤثر . أما ترون أنه يفرق بين المرء وأهله وولده ومواليه .
فهذه الروايات كلها تبين أن هؤلاء المكذبين لم يكونوا يعتقدون أن رسول الله [ ص ] يكذبهم فيما يبلغه لهم . وإنما هم كانوا مصرين على شركهم لمثل هذه الأسباب التي وردت بها الروايات , وما وراءها من السبب الرئيسي , وهو ما يتوقعونه من وراء هذه الدعوة من سلب السلطان المغتصب , الذي يزاولونه , وهو سلطان الله وحده . كما هو مدلول شهادة أن لا إله إله إلا الله التي يقوم عليها الإسلام . وهم كانوا يعرفون جيدا مدلولات لغتهم ; وكانوا لا يريدون أن يسلموا بمدلول هذه الشهادة . وهو إنما يمثل ثورة كاملة على كل سلطان غير سلطان الله في حياة العباد . . وصدق الله العظيم:
(قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون . فإنهم لا يكذبونك , ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). .
والظالمون في هذا الموضع هم المشركون . كما يغلب في التعبير القرآني الكريم .
ويستطرد من تطييب خاطر الرسول [ ص ] وبيان الأسباب الحقيقية لموقف المكذبين منه ومن دعوته , ومن آيات الله الناطقة بصدقه وصدق ما جاء به . . يستطرد من هذا إلى تذكيره بما وقع لإخوانه الرسل قبله - وقد جاءه من أخبارهم في هذا القرآن - ثم ما كان منهم من الصبر والمضي في الطريق , حتى جاءهم نصر الله . ليقرر أن هذه هي سنة الدعوات التي لا تتبدل , ولا يغير منها اقتراحات المقترحين , كما أنها لا تستعجل مهما ينزل بالدعاة من الأذى والتكذيب والضيق:
(ولقد كذبت رسل من قبلك , فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا , ولا مبدل لكلمات الله , ولقد جاءك من نبأ المرسلين). .
إن موكب الدعوة إلى الله موغل في القدم , ضارب في شعاب الزمن , ماض في الطريق اللاحب , ماض في الخط الواصب . . مستقيم الخطي , ثابت الأقدام . يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل , ويقاومه التابعون من الضالين والمتبوعون , ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة , وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء . . والموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد . . والعاقبة هي العاقبة , مهما طال الزمن ومهما طال الطريق . . إن نصر الله دائما في نهاية الطريق:
(ولقد كذبت رسل من قبلك , فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا , ولا مبدل لكلمات الله , ولقد جاءك من نبأ المرسلين). .
كلمات يقولها الله - سبحانه - لرسوله [ ص ] . . كلمات للذكرى , وللتسرية وللمواساة , والتأسية . . وهي ترسم للدعاة إلى الله من بعد رسول الله [ ص ] طريقهم واضحا , ودورهم محددا , كما ترسم لهم متاعب الطريق وعقباته , ثم ما ينتظرهم بعد ذلك كله في نهاية الطريق . . .
إنها تعلمهم أن سنة الله في الدعوات واحدة . كما انها كذلك وحدة . وحدة لا تتجزأ . . دعوة تتلقاها الكثرة بالتكذيب , وتتلقى أصحابها بالأذى . . وصبر من الدعاة على التكذيب وصبر كذلك على الأذى . . وسنة تجري بالنصر في النهاية . . ولكنها تجيء في موعدها . لا يعجلها عن هذا الموعد أن الدعاة الأبرياء الطيبين المخلصين يتلقون الأذى والتكذيب , ولا أن المجرمين الضالين والمضلين يقدرون على أذى المخلصين


وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)
الأبرياء الطيبين ! ولا يعجلها كذلك عن موعدها أن صاحب الدعوة المخلص المتجرد من ذاته ومن شهواته إنما يرغب في هداية قومه حبا في هدايتهم , ويأسى على ما هم فيه من ضلال وشقوة , وعلى ما ينتظرهم من دمار وعذاب في الدنيا والأخرة . . لا يعجلها عن موعدها شيء من ذلك كله . فإن الله لا يعجل لعجلة أحد من خلقه . ولا مبدل لكلماته . سواء تعلقت هذه الكلمات بالنصر المحتوم , أم تعلقت بالأجل المرسوم .
إنه الجد الصارم , والحسم الجازم , إلى جانب التطمين والتسرية والمواساة والتسلية . .
ثم يبلغ الجد الصارم مداه , في مواجهة ما عساه يعتمل في نفس رسول الله [ ص ] من الرغبة البشرية , المشتاقة إلى هداية قومه , المتطلعة إلى الاستجابة لما يطلبونه من آية لعلهم يهتدون . وهي الرغبة التي كانت تجيش في صدور بعض المسلمين في ذلك الحين , والتي تشير إليها آيات أخرى في السورة آتية في السياق . وهي رغبة بشرية طبيعية . ولكن في صدد الحسم في طبيعة هذه الدعوة ومنهجها ودور الرسل فيها , ودور الناس أجمعين , تجيء تلك المواجهة الشديدة في القرآن الكريم:
(وإن كان كبر عليك إعراضهم , فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض , أو سلما في السماء , فتأتيهم بآية ! ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين . إنما يستجيب الذين يسمعون . والموتى يبعثهم الله , ثم إليه يرجعون). .
وإنه للهول الهائل ينسكب من خلال الكلمات الجليلة . . وما يملك الإنسان إن يدرك حقيقة هذا الأمر , إلا حين يستحضر في كيانه كله:أن هذه الكلمات موجهة من رب العالمين إلى نبيه الكريم . . النبي الصابر من أولي العزم من الرسل . . الذي لقي ما لقي من قومه صابرا محتسبا , لم يدع عليهم دعوة نوح - عليه السلام - وقد لقي منهم سنوات طويلة , ما يذهب بحلم الحليم !
. . . تلك سنتنا - يا محمد - فإن كان قد كبر عليك إعراضهم , وشق عليك تكذيبهم , وكنت ترغب في إتيانهم بآية . . إذن . . فإن استطعت فابتغ لك نفقا في الأرض أو سلما في السماء , فأتهم بآية !
. . . إن هداهم لا يتوقف على أن تأتيهم بآية . فليس الذي ينقص هو الآية التي تدلهم على الحق فيما تقول . . ولو شاء الله لجمعهم على الهدى:إما بتكوين فطرتهم من الأصل على أن لا تعرف سوى الهدى - كالملائكة - وإما بتوجيه قلوبهم وجعلها قادرة على استقبال هذا الهدى والاستجابة إليه . وإما بإظهار خارقة تلوي أعناقهم جميعا . وإما بغير هذه من الوسائل وكلها يقدر الله عليها .
ولكنه سبحانه - لحكمته العليا الشاملة في الوجود كله - خلق هذا الخلق المسمى بالإنسان , لوظيفة معينة , تقتضي - في تدبيره العلوي الشامل - أن تكون له استعدادات معينة غير استعدادات الملائكة . من بينها التنوع في الاستعدادات , والتنوع في استقبال دلائل الهدى وموحيات الإيمان , والتنوع في الاستجابة لهذه الدلائل والموحيات . في حدود من القدرة على الاتجاه , بالقدر الذي يكون عدلا معه تنوع الجزاء على الهدى والضلال . .
لذلك لم يجمعهم الله على الهدى بأمر تكويني من عنده , ولكنه أمرهم بالهدى وترك لهم اختيار الطاعة أو المعصية , وتلقي الجزاء العادل في نهاية المطاف . . فأعلم ذلك ولا تكن مما يجهلونه .
(ولو شاء الله لجمعهم على الهدى . فلا تكونن من الجاهلين).
يا لهول الكلمة ! ويا لحسم التوجيه ! ولكنه المقام الذي يقتضي هول الكلمة وحسم التوجيه . .
وبعد ذلك بيان للفطرة التي فطر الله الناس عليها , ولمواقفهم المختلفة في مواجهة الهدى , الذي لا تنقصه البينة ولا ينقصه الدليل:


إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)
(إنما يستجيب الذين يسمعون . والموتى يبعثهم الله . ثم إليه يرجعون). .
إن الناس يواجهون هذا الحق الذي جاءهم به الرسول من عند الله وهم فريقان:
فريق حي , أجهزة الاستقبال الفطرية فيه حية , عاملة , مفتوحة . . وهؤلاء يستجيبون للهدى . فهو من القوة والوضوح والاصطلاح مع الفطرة والتلاقي معها إلى الحد الذي يكفي أن تسمعه , فتستجيب له:
(إنما يستجيب الذين يسمعون). .
وفريق ميت , معطل الفطرة , لا يسمع ولا يستقبل , ومن ثم لا يتأثر ولا يستجيب . . ليس الذي ينقصه أن هذا الحق لا يحمل دليله - فدليله كامن فيه , ومتى بلغ إلى الفطرة وجدت فيها مصداقه , فاستجابت إليه حتما - إنما الذي ينقص هذا الفريق من الناس هو حياة الفطرة , وقيام أجهزة الاستقبال فيها بمجرد التلقي ! وهؤلاء لا حيلة فيهم للرسول , ولا مجال معهم للبرهان . إنما يتعلق أمرهم بمشيئة الله . إن شاء بعثهم إن علم منهم ما يستحق أن يحييهم , وإن شاء لم يبعثهم في هذه الحياة الدنيا , وبقوا أمواتا بالحياة حتى يرجعوا إليه في الآخرة .
(والموتى يبعثهم الله . ثم إليه يرجعون). .
هذه هي قصة الاستجابة وعدم الاستجابة ! تكشف حقيقة الموقف كله , وتحدد واجب الرسول وعمله , وتترك الأمر كله لصاحب الأمر يقضي فيه بما يريد .
الدرس الثاني:37 الرد على طلب الكفار آيات والإشارة إلى الآيات في المخلوقات
ومن خطاب رسول الله [ ص ] بهذه الحقيقة , ينتقل السياق إلى حكاية ما يطلبه المشركون من إنزال خارقة , وإلى بيان ما في هذا الطلب من الجهالة بسنة الله , ومن سوء إدراك لرحمته بهم ألا يستجيب لهذا الإقتراج الذي في أعقابه التدمير لهم لو أجيبوا إليه ! ويعرض جانبا من دقة التدبير الإلهي وإحاطته بالأحياء جميعا , يوحي بحكمة السنة الشاملة للأحياء جميعا . وينتهي بتقرير ما وراء الهدى والضلال من أسرار وسنن تجري بها مشيئة الله طليقة .
وقالوا:لولا نزل عليه آية من ربه ! قل:إن الله قادر على أن ينزل آية , ولكن أكثرهم لا يعلمون . وما من دابة في الأرض , ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء , ثم إلى ربهم يحشرون . والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات . من يشأ الله يضلله , ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم . .
لقد كانوا يطلبون آية خارقة كالخوارق المادية التي صاحبت الرسالات السابقة , ولا يقنعون بآية القرآن الباقية , التي تخاطب الإدراك البشري الراشد , وتعلن عهد الرشد الإنساني , وتحترم هذا الرشد فتخاطبه هذا الخطاب الراقي ; والتي لا تنتهي بانتهاء الجيل الذي يرى الخارقة المادية ; بل تظل باقية تواجه الإدراك البشري بإعجازها إلى يوم القيامة . .
وكانوا يطلبون خارقة , ولا يفطنون إلى سنة الله في أخذ المكذبين بالدعوة بعد مجيء الخارقة , وإهلاكهم في الدنيا . ولا يدركون حكمة الله في عدم مجيئهم بهذه الخارقة , وهو يعلم أنهم سيجحدون بها بعد وقوعها - كما وقع في الأقوام قبلهم - فيحق عليهم الهلاك , بينما يريد الله أن يمهلهم ليؤمن منهم من يؤمن . فمن لم يؤمن استخرج الله من ظهره ذرية مؤمنة . ولا يشكرون نعمة الله عليهم في إمهالهم , وذلك بعدم الاستجابة لاقتراحهم , الذي لا يعلمون جرائره !


وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)
والقرآن يذكر اقتراحهم هذا , ويعقب عليه بأن أكثرهم لا يعلمون ما وراءه ولا يعلمون حكمه الله في عدم الاستجابة , ويقرر قدرة الله على تنزيل الآية , ولكن حكمته هي التي تقتضي , ورحمته التي كتبها على نفسه هي التي تمنع البلاء:7 (وقالوا:لولا نزل عليه آية من ربه ! قل:إن الله قادر على أن ينزل أية . ولكن أكثرهم لا يعلمون).
ويأخذ السياق القرآني طريقه إلى قلوبهم من مدخل آخر لطيف . ويوقظ فيها قوى الملاحظة والتدبر لما في الوجود حولهم من دلائل الهدى وموحيات الإيمان , لو تدبروه وعقلوه:
(وما من دابة في الأرض , ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم , ما فرطنا في الكتاب من شيء , ثم إلى ربهم يحشرون). .
إن الناس ليسوا وحدهم في هذا الكون , حتى يكون وجودهم مصادفة , وحتى تكون حياتهم سدى ! إن حولهم أحياء أخرى , كلها ذات أمر منتظم , يوحي بالقصد والتدبير والحكمة , ويوحي كذلك بوحدة الخالق , ووحدة التدبير الذي يأخذ به خلقه كله . .
إنه ما من دابة تدب على الأرض - وهذا يشمل كل الأحياء من حشرات وهوام وزواحف وفقاريات - وما من طائر يطير بجناحية في الهواء - وهذا يشمل كل طائر من طير أو حشرة غير ذلك من الكائنات الطائرة . . ما من خلق حي في هذه الأرض كلها إلا وهو ينتظم في أمة , ذات خصائص واحدة , وذات طريقة في الحياة واحدة كذلك . . شأنها في هذا شأن أمة الناس . . ما ترك الله شيئا من خلقه بدون تدبير يشمله , وعلم يحصيه . . وفي النهاية تحشر الخلائق إلى ربها . . فيقضي في أمرها بما يشاء . .
إن هذه الآية القصيرة - فوق تقريرها الحاسم في حقيقة الحياة والأحياء - لتهز القلب بما ترسم من آفاق الإشراف الشامل , والتدبير الواسع , والعلم المحيط , والقدرة القادرة , لله ذي الجلال . . وكل جانب من هذه الجوانب لا نملك التوسع في الحديث عنه حتى لا نخرج عن منهج الظلال , فنجاوزه إذن لنتمشى مع السياق . . إذ المقصود الأول هنا هو توجيه القلوب والعقول , إلى أن وجود هذه الخلائق بهذا النظام , وشمولها بهذا التدبير , وإحصاءها في علم الله , ثم حشرها إلى ربها في نهاية المطاف . . توجيه القلوب والعقول إلى ما في هذه الحقيقة الهائلة الدائمة من دلائل وأمارات , أكبر من الآيات والخوارق التي يراها جيل واحد من الناس !
وتختم هذه الجولة - أو هذه الموجة - بتقرير ما وراء الهدى والضلال من مشيئة الله وسنته , وما يدلان عليه من فطرة الناس في حالات الهدى وحالات الضلال:
(والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات . من يشأ الله يضلله , ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم). .
وهو إعادة لتقرير الحقيقة التي مضت في هذه الجولة عن استجابة الذين يسمعون , وموت الذين لا يستجيبون . ولكن في صورة أخرى ومشهد آخر . . إن الذين كذبوا بآيات الله هذه المبثوثة في صفحات الوجود , وآياته الأخرى المسجلة في صفحات هذا القرآن , إنما كذبوا لأن أجهزة الاستقبال فيهم معطلة . . إنهم صم لا يسمعون , بكلم لا يتكلمون , غارقون في الظلمات لا يبصرون ! إنهم كذلك لا من ناحية التكوين الجثماني المادي . فإنلهم عيونا وآذانا وأفواها . . ولكن إدراكهم معطل , فكأنما هذه الحواس لا تستقبل ولا تنقل ! . . وإنه لكذلك فهذه الآيات تحمل في ذاتها فاعليتها وإيقاعها وتأثيرها , لو أنها استقبلت وتلقاها الإدراك ! وما يعرض عنها معرض إلا وقد فسدت فطرته , فلم يعد صالحا لحياة الهدى , ولم يعد أهلا لذلك المستوى الراقي من الحياة .
ووراء ذلك كله مشيئة الله . . المشيئة الطليقة التي قضت أن يكون هذا الخلق المسمى بالإنسان على هذا الاستعداد المزدوج للهدى والضلال , عن اختيار وحكمة , لا عن اقتضاء أو إلزام . . وكذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم . بمشيئته تلك , التي تعين من يجاهد , وتضل من يعاند . ولا تظلم أحدا من العباد .
إن اتجاه الإنسان إلى طلب الهدى , أو اتجاهه إلى الضلال , كلاهما ينشأ من خلقته التي فطره الله عليها بمشيئته . فهذا الاتجاه وذاك مخلوق ابتداء بمشيئة الله . والنتائج التي تترتب على هذا الاتجاه وذاك من الاهتداء والضلال إنما ينشئها الله بمشيئته كذلك . فالمشيئة فاعلة ومطلقة . والحساب والجزاء إنما يقومان على اتجاه الإنسان . الذي يملكه , وإن كان الاستعداد للاتجاه المزدوج هو في الأصل من مشيئة الله . .
تعقيب على الوحدة:طريق الدعوة إلى الله شاق لكن الدعوة تسير بقدر الله
والآن بعد الانتهاء من استعراض هذه الموجة من السياق , نقف وقفة قصيرة لاستخلاص عبرة التوجيه فيها لكافة أصحاب الدعوة إلى هذا الدين في كل جيل , فإن مدى التوجيه فيها يتجاوز المناسبة التاريخية الخاصة , وينسحب على جميع الأجيال , وجميع الدعاة , ويرسم منهجا للدعوة إلى هذا الدين , لا يتقيد بالزمان والمكان . ونحن لا نملك هنا أن نفصل كل جوانب هذا المنهج , فنقف منه إذن عند معالم الطريق:
إن طريق الدعوة إلى الله شاق , محفوف بالمكاره , ومع أن نصر الله للحق آت لا ريب فيه , إلا أن هذا النصر إنما يأتي في موعده الذي يقدره الله , وفق علمه وحكمته , وهو غيب لا يعلم موعده أحد - حتى ولا الرسول - والمشقة في هذا الطريق تنشأ من عاملين أساسيين:من التكذيب والإعراض اللذين تقابل بهما الدعوة في أول الأمر , والحرب والأذى اللذين يعلنان على الدعاة . . ثم من الرغبة البشرية في نفس الداعية في هداية الناس إلى الحق الذي تذوقه , وعرف طعمه , والحماسة للحق والرغبة في استعلانه ! وهذه الرغبة لا تقل مشقة عن التكذيب والإعراض والحرب والأذى . فكلها من دواعي مشقة الطريق !
والتوجيه القرآني في هذه الموجه من السياق يعالج هذه المشقة من جانبيها . . ذلك حين يقرر أن الذين يكذبون بهذا الدين أو يحاربون دعوته , يعلمون علم اليقين أن ما يدعون إليه هو الحق , وأن الرسول الذي جاء به من عندالله صادق . ولكنهم مع هذا العلم لا يستجيبون , ويستمرون في جحودهم عنادا وإصرارا , لأن لهم هوى في الإعراض والتكذيب ! وأن هذا الحق يحمل معه دليل صدقه , وهو يخاطب الفطرة فتستجيب له , متى كانت هذه الفطرة حية , وأجهزة الاستقبال فيها صالحة: (إنما يستجيب الذين يسمعون). . فأما الذين يجحدون فإن قلوبهم ميتة وهم موتى وهو صم وبكم في الظلمات . والرسول لا يسمع الموتى ولا يسمع الصم الدعاء . والداعية ليس عليه أن يبعث الموتى . فذلك من شأن الله . . هذا كله من جانب , ومن الجانب الآخر , فإن نصر الله آت لا ريب فيه . . كل ما هنالك أنه يجري وفق سنة الله وبقدر الله , وكما أن سنة الله لا تستعجل , وكلماته لا تتبدل , من ناحية مجيء النصر في النهاية , فكذلك هي لا تتبدل ولا تستعجل من ناحية


وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (39)
الموعد المرسوم . . والله لا يعجل لأن الأذى والتكذيب يلحق بالدعاة - ولو كانوا هم الرسل - فإن استسلام صاحب الدعوة نفسه لقدر الله بلا عجلة , وصبره على الأذى بلا تململ , ويقينه في العاقبة بلا شك . . كلها مطلوبة من وراء تأجيل النصر إلى موعده المرسوم .
ويحدد هذا التوجيه القرآني دور الرسول في هذا الدين - ودور الدعاة بعده في كل جيل - إنه التبليغ , والمضي في الطريق , والصبر على مشاق الطريق . . أما هدى الناس أو ضلالهم فهو خارج عن حدود واجبه وطاقته . . والهدى والضلال إنما يتبعان سنة إلهية لا تتبدل , ولا يغير منها رغبة الرسول في هداية من يحب , كما لا يغير منها ضيقه ببعض من يعاند ويحارب . . إن شخصه لا اعتبار له في هذه القضية , وحسابه ليس على عدد المهتدين , إنما حسابه على ما أدى وما صبر وما التزم , وما استقام كما أمر . . وأمر الناس بعد ذلك إلى رب الناس . . (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم). . (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى). .
(إنما يستجيب الذين يسمعون)وقد بينا من قبل علاقة مشيئة الله الطليقة في الهدى والضلال باتجاه الناس وجهادهم . بما فيه الكفاية .
من هنا لا ينبغي لصاحب الدعوة إلى هذا الدين , أن يستجيب لاقتراحات المقترحين ممن يوجه إليهم الدعوة , في تحوير منهج دعوته عن طبيعته الربانية ; ولا أن يحاول تزيين هذا الدين لهم وفق رغباتهم وأهوائهم وشهواتهم . . ولقد كان المشركون يطلبون الخوارق - وفق مألوف زمانهم ومستوى مداركهم كما حكى عنهم القرآن في مواضع منه شتى , منها في هذه السورة (وقالوا:لولا أنزل عليه ملك !). . (وقالوا:لولا نزل عليه آية من ربه). . (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها). . وفي السور الأخرى ما هو أشد إثارة للعجب من هذه الاقتراحات . ذلك كالذي حكاه عنهم في سورة الإسراء: (وقالوا:لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا . أو تسقط السماء - كما زعمت - علينا كسفا , أو تأتي بالله والملائكة قبيلا . أو يكون لك بيت من زخرف , أو ترقى في السماء . ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه !). . وكالذي حكاه عنهم في سورة الفرقان: وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق , لولا أنزل إليه ملك , فيكون معه نذيرا . أو يلقى إليه كنز , أو تكون له جنة يأكل منها ! . .
والتوجيه القرآني المباشر في هذه الموجه من السورة نهى رسول الله [ ص ] والمؤمنين أن يرغبوا في إتيانهم بآية - أية آية - مما يطلبون . وقيل للرسول [ ص ]Sadوإن كان كبر عليك إعراضهم , فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية , ولو شاء الله لجمعهم على الهدى , فلا تكونن من الجاهلين . إنما يستجيب الذين يسمعون , والموتى يبعثهم الله , ثم إليه يرجعون). . وقيل للمؤمنين الذين رغبت نفوسهم في الاستجابة للمشركين في طلبهم آية عندما أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ! قيل لهم: قل:إنما الآيات عند الله , وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون . ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة , ونذرهم في طغيانهم يعمهون . . ليعلموا أولاأن الذي ينقص المكذبين ليس هو الآية والدليل على الحق , ولكن الذي ينقصهم أنهم لا يسمعون , وأنهم موتى , وأن الله لم يقسم لهم الهدى - وفق سنة الله في الهدى والضلال كما اسلفنا - ثم ليعلموا كذلك أن هذا الدين يجري وفق سنة لاتتبدل , وأنه أعز من أن يصبح تحت رغبات المقترحين وأهوائهم !
وهذا يقودنا إلى المجال الأشمل لهذا التوجيه القرآني . . إنه ليس خاصا بزمن , ولا محصورا في حادث , ولا مقيدا باقتراح معين . فالزمن يتغير , وأهواء الناس تتمثل في اقتراحات أخرى . وأصحاب الدعوة إلى دين الله ينبغي ألا تستخفهم أهواء البشر . . إن الرغبة في الاستجابة لمقترحات المقترحين هي التي تقود بعض أصحاب الدعوة الإسلامية اليوم إلى محاولة بلورة العقيدة الإسلامية في صورة "نظرية مذهبية " على الورق كالذي يجدونه في النظريات المذهبية الأرضية الصغيرة , التي يصوغها البشر لفترة من الفترات ; ثم يمضي الزمن فإذا كلها عورات وشطحات ومتناقضات ! . . وهي التي تقود بعض أصحاب هذه الدعوة إلى محاولة بلورة النظام الإسلامي في صورة مشروع نظام - على الورق - أو صورة تشريعات مفصلة - على الورق أيضا - تواجه ما عليه أهل الجاهلية الحاضرة من أوضاع لا علاقة لها بإلاسلام [ لأن أهل هذه الجاهلية يقولون:إن الإسلام عقيدة ولا علاقة له بالنظام العام الواقعي للحياة ! ] وتنظم لهم هذه الأوضاع ; بينما هم باقون على جاهليتهم يتحاكمون إلى الطاغوت , ولا يحكمون أو يتحاكمون إلى شريعة الله . . وكلها محاولات ذليلة , لا يجوز للمسلم أن يحاولها استجابة لأزياء التفكير البشري المتقلبة , التي لا تثبت على حال . باسم تطور وسائل الدعوة إلى الله !
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:19 pm

وأذل من هذه المحاولة محاولة من يضعون على الإسلام أقنعة أخرى , ويصفونه بصفات من التي تروج عند الناس في فترة من الفترات . . كالاشتراكية . . والديمقراطية . . وما إليها . . ظانين أنهم إنما يخدمون الإسلام بهذه التقدمة الذليلة ! . . إن "الاشتراكية " مذهب اجتماعي اقتصادي من صنع البشر ; قابل للصواب والخطأ . وإن "الديمقراطية " نظام للحياة أو للحكم من صنع البشر كذلك , يحمل صنع البشر من القابلية للصواب والخطأ أيضا . . والإسلام منهج حياة يشمل التصور الاعتقادي , والنظام الاجتماعي الاقتصادي , والنظام التنفيذي والتشكيلي . . وهو من صنع الله المبرأ من النقص والعيب . . فأين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لمنهج الله - سبحانه - عند البشر بوصفه بصفة من أعمال البشر ? بل أين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لله - سبحانه - عند العبيد بقول من أقوال هؤلاء العبيد ?! . .
لقد كان كل شرك المشركين في الجاهلية العربية أنهم يستشفعون عند الله ببعض خلقه . . يتخذونهم أولياء:
(والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . .)فهذا هو الشرك ! فما الوصف الذي يطلق إذن على الذين لا يستشفعون لأنفسهم عند الله بأولياء من عبيده , ولكنهم - ويا للنكر والبشاعة ! - يستشفعون لله - سبحانه - عند العبيد بمذهب أو منهج من مذاهب العبيد ومناهجهم ?!
إن الإسلام هو الإسلام . والاشتراكية هي الاشتراكية . والديمقراطية هي الديمقراطية . . ذلك منهج الله ولا عنوان له ولا صفة إلا العنوان الذي جعله الله له , والصفة التي وصفه بها . . وهذه وتلك من مناهج البشر . ومن تجارب البشر . . وإذا اختاروها فليختاروها على هذا الأساس . . ولا ينبغي لصاحب الدعوة إلى دين الله , أن يستجيب لإغراء الزي الرائج من أزياء الهوى البشري المتقلب . وهو يحسب أنه يحسن إلى دين الله !
على أننا نسأل هؤلاء الذين هان عليهم دينهم , ولم يقدروا الله حق قدره . . إذا كنتم تقدمون الإسلام اليوم للناس باسم الاشتراكية , وباسم الديمقراطية , لأن هذين زيان من أزياء الاتجاهات المعاصرة . فلقد كانت الرأسمالية في فترة من الفترات هي الزي المحبوب عند الناس وهم يخرجون بها من النظام الإقطاعي ! كما كانالحكم المطلق في فترة من الفترات هو الزي المطلوب في فترة التجميع القومي للولايات المتناثرة كما في ألمانيا وإيطاليا أيام بسمرك وماتزيني مثلا ! وغدا من يدري ماذا يكون الزي الشائع من الأنظمة الاجتماعية الأرضية وأنظمة الحكم التي يضعها العبيد للعبيد , فكيف يا ترى ستقولون غدا عن الإسلام ? لتقدموه للناس في الثوب الذي يحبه الناس ?!
إن التوجيه القرآني في هذه الموجة التي نحن بصددها - وفي غيرها كذلك - يشمل هذا كله . . إنه يريد أن يستعلي صاحب الدعوة بدينه ; فلا يستجيب لاقتراحات المقترحين ; ولا يحاول تزيين هذا الدين بغير اسمه وعنوانه ; ولا مخاطبة الناس به بغير منهجه ووسيلته . . إن الله غني عن العالمين . ومن لم يستجب لدينه عبودية له , وانسلاخا من العبودية لسواه , فلا حاجة لهذا الدين به , كما أنه لا حاجة لله - سبحانه - بأحد من الطائعين أو العصاة .
ثم إنه إذا كان لهذا الدين أصالته من ناحية مقوماته وخصائصه , التي يريد الله أن تسود البشرية . فإن له كذلك أصالته في منهجه في العمل , وفي أسلوبه في خطاب الفطرة البشرية . . إن الذي نزل هذا الدين بمقوماته وخصائصه , وبمنهجه الحركي وأسلوبه , هو - سبحانه - الذي خلق الإنسان , ويعلم ما توسوس به نفسه . .
وفي هذه الموجة من السورة نموذج من مخاطبته للفطرة الإنسانية . . نموذج من نماذج متنوعة شتى . . فهو يربط الفطرة البشرية بالوجود الكوني , ويدع الإيقاعات الكونية تواجه الفطرة البشرية , ويثير انتباه الكينونة البشرية لتلقي هذه الإيقاعات . . وهو يعلم أنها تستجيب لها متى بلغتها بعمقها وقوتها: (إنما يستجيب الذين يسمعون). .
والنموذج الذي يواجهنا في هذه الموجة هو:
(وقالوا:لولا نزل عليه آية من ربه ! قل:إن الله قادر على أن ينزل آية . ولكن أكثرهم لا يعلمون). .
وفي هذه الآية يحكي قول الذين يكذبون ويعارضون ويطلبون خارقة يراها جيلهم وتنتهي . . ثم يلمس قلوبهم بما يكمن وراء هذا الاقتراح لو أجيب ! إنه الأخذ والتدمير ! والله قادر على أن ينزل الآية . . ولكن رحمته هي التي اقتضت ألا ينزلها , وحكمته هي التي اقتضت ألا يستجيب لهم فيها . .
وفجأة ينقلهم من هذا الركن الضيق في التصور والتفكير , إلى الكون الواسع . إلى الآيات الكبرى من حولهم . الآيات التي تتضاءل دونها تلك الآية التي يطلبونها . الآيات الباقية في صلب الكون للأجيال كلها من قبلهم ومن بعدهم تراها:
(وما من دابة في الأرض , ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم . ما فرطنا في الكتاب من شيء . ثم إلى ربهم يحشرون). .
وهي حقيقة هائلة . . هي حقيقة تستطيع ملاحظتهم وحدها حينذاك - حيث لم يكن لهم علم منظم - أن تشهد بها . . حقيقة تجمع الحيوان والطير والحشرات من حولهم في أمم . . لها سماتها وخصائصها وتنظيماتها كذلك . . وهي الحقيقة التي تتسع مساحة رؤيتها كلما تقدم علم البشر , ولكن علمهم لا يزيد شيئا على أصلها ! وإلى جانبها الحقيقة الغيبية الموصولة بها , وهي إحاطة علم الله اللدني بكل شيء , وتدبير الله لكل شيء . . وهي الحقيقة التي تشهد بها تلك الحقيقة المشهودة . .
فأين تذهب الخارقة المادية التي كانوا يطلبون , أمام الخارقة الكبرى التي يرونها حيثما امتدت أبصارهم وملاحظتهم وقلوبهم فيما كان وفيما سيكون ?
إن المنهج القرآني - في هذا النموذج - لا يزيد على أن يربط الفطرة بالوجود , وأن يفتح النوافذ بين الوجود والفطرة , وأن يدع هذا الوجود الهائل العجيب يوقع إيقاعاته الهائلة العميقة في الكيان الإنساني . .
إنه لا يقدم للفطرة جدلا لاهوتيا ذهنيا نظريا . ولا يقدم لها جدلا كلاميا [ كعلم التوحيد ] الغريب على المنهج الإسلامي . ولا يقدم لها فلسفة عقلية أو حسية , إنما يقدم لها هذا الوجود الواقعي - بعالميه عالم الغيب وعالم الشهادة - ويدعها تتفاعل معه وتتجاوب , وتتلقى عنه وتستجيب , ولكن في ظل منهج ضابط لا يدعها - وهي تتلقى من الوجود - تضل في المتاهات والدروب .
ثم يختم الفقرة بالتعقيب على موقف المكذبين بهذه الآيات الكبرى:
(والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات . من يشأ الله يضلله , ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم). .
فيقرر حقيقة حالة المكذبين وطبيعتهم . . إنهم صم وبكم في الظلمات . . ويقرر سنة الله في الهدى والضلال . . إنها تعلق مشيئة الله بهذا أو ذاك , وفق الفطرة التي فطر الله عليها العباد .
بذلك تلتئم جوانب التصور الإسلامي للأمر كله . إلى جانب وضوح المنهج في الدعوة , وتقرير موقف صاحب الدعوة , وهو يتحرك بهذه العقيدة , ويواجه النفوس البشرية في كل حال وفي كل جيل . .
ولعل هذه اللمسات - إلى جانب ما تقدم في مقدمة السورة - عن المنهج يكون فيها ما ينير الطريق . وبالله التوفيق . .
الوحدة السادسة:40 - 49 الموضوع:لجوء الناس إلى الله عند الشدة والإبتلاء مقدمة الوحدة مواجهة المشركين بفطرتهم
هنا - في هذه الموجه - يواجه السياق القرآني فطرة المشركين ببأس الله . بل يواجههم بفطرتهم ذاتها حين تواجه بأس الله . . حين تتعرى من الركام في مواجهة الهول , وحين يهزها الهول فيتساقط عنها ذلك الركام ! وتنسى حكاية الآلهة الزائفة ; وتتجه من فورها إلى ربها الذي تعرفه في قرارتها تسأله وحده الخلاص والنجاة !
ثم يأخذ بأيديهم ليوقفهم على مصارع الغابرين من أسلافهم , وفي الطريق يريهم كيف تجري سنة الله , وكيف يعمل قدر الله . ويكشف لأبصارهم وبصائرهم عن استدراج الله لهم , بعد تكذيبهم برسل الله , وكيف قدم لهم الابتلاء بعد الابتلاء - الابتلاء بالبأساء والضراء , ثم الابتلاء بالرخاء والنعماء - وأتاح لهم الفرصة بعد الفرصة , لينتبهوا من الغفلة , حتى إذا استنفدوا الفرص كلها , وغرتهم النعمة بعد أن لم توقظهم الشدة . جرى قدر الله , وفق سنته الجارية وجاءهم العذاب بغتهSadفقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين).
وما يكاد هذا المشهد الذي يهز القلوب هزا يتوارى , حتى يجيء في أعقابه مشهد آخر وهم يتعرضون لبأس الله أيضا , فيأخذ سمعهم وأبصارهم , ويختم على قلوبهم , ثم لا يجدون إلها غير الله يرد عليهم سمعهم وأبصارهم وإدراكهم .
وفي مواجهة هذين المشهدين الرائعين الهائلين يتحدث إليهم عن وظيفة الرسل . . إنها البشارة والنذارة . . ليس وراء ذلك شيء . . ليس لهم أن يأتوا بالخوارق , ولا أن يستجيبوا لمقترحات المقترحين ! إنما هم يبلغون . يبشرون وينذرون . ثم يؤمن فريق من الناس ويعمل صالحا فيأمن الخوف وينجو من الحزن . ويكذب فريق ويعرض فيمسه العذاب بهذا الإعراض والتكذيب . فمن شاء فليؤمن , ومن شاء فليكفر . . فهذا هو المصير . .
الدرس الأول:40 - 41 لجوء الناس إلى الله عند الشدة
(قل:أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة , أغير الله تدعون - إن كنتم صادقين - بل إياه تدعون , فيكشف ما تدعون إليه - إن شاء - وتنسون ما تشركون). .
هذا طرف من وسائل المنهج الرباني في خطاب الفطرة الإنسانية بهذه العقيدة يضم إلى ذلك الطرف الذي سبق بيانه في الفقرة السابقة وفيما قبلها وما بعدها كذلك في سياق السورة .
لقد خاطبها هناك بما في عوالم الأحياء من آثار التدبير الإلهي والتنظيم ; وبما في علم الله من إحاطة وشمول . وهو هنا يخاطبها ببأس الله ; وبموقف الفطرة إزاءه حين يواجهها في صورة من صورة الهائلة , التي تهز القلوب , فيتساقط عنها ركام الشرك ; وتتعرى فطرتها من هذا الركام الذي يحجب عنها ما هو مستقر في أعماقها من معرفتها بربها , ومن توحيدها له أيضا:
(قل:أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة . . أغير الله تدعون . . إن كنتم صادقين). .
إنها مواجهة الفطرة بتصور الهول . . عذاب الله في الدنيا عذاب الهلاك والدمار ; أو مجيء الساعة على غير انتظار . . والفطرة حين تلمس هذه اللمسة ; وتتصور هذا الهول ; تدرك - ويعلم الله سبحانه أنها تدرك -


قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)
حقيقة هذا التصور , وتهتز له ; لأنه يمثل حقيقة كامنة فيها , يعلم بارئها سبحانه أنها كامنة فيها ويخاطبها بها على سبيل التصور ; فتهتز لها وترتجف وتتعرى !
وهو يسألهم ويطلب إليهم الجواب بالصدق من ألسنتهم ; ليكون تعبيرا عن الصدق في فطرتهم:
(أغير الله تدعون . . إن كنتم صادقين).
ثم يبادر فيقرر الجواب الصادق , المطابق لما في فطرتهم بالفعل , ولو لم تنطق به ألسنتهم:
(بل إياه تدعون . . فيكشف ما تدعون إليه إن شاء . . وتنسون ما تشركون).
بل تدعونه وحده ; وتنسون شرككم كله ! . . إن الهول يعري فطرتكم - حينئذ - فتتجه بطلب النجاة إلى الله وحده . وتنسى أنها أشركت به أحدا . بل تنسى هذا الشرك ذاته . . إن معرفتها بربها هي الحقيقة المستقرة فيها ; فأما هذا الشرك فهو قشرة سطحية طارئة عليها , بفعل عوامل أخرى . قشرة سطحية في الركام الذي ران عليها . فإذا هزها الهول تساقط هذا الركام , وتطايرت هذه القشرة , وتكشفت الحقيقة الأصيلة , وتحركت الفطرة حركتها الفطرية نحو بارئها , ترجوه أن يكشف عنها الهول الذي لا يد لها به , ولا حيلة لها فيه . .
هذا شأن الفطرة في مواجهة الهول ; يواجه السياق القرآني به المشركين . . فأما شأن الله - سبحانه - فيقرره في ثنايا المواجهة . فهو يكشف ما يدعونه إليه - إن شاء - فمشيئته طليقة , لا يرد عليها قيد . فإذا شاء استجاب لهم فكشف عنهم ما يدعون كله أو بعضه ; وإن شاء لم يستجب , وفق تقديره وحكمته وعلمه .
هذا هو موقف الفطرة من الشرك الذي تزاوله أحيانا , بسبب ما يطرأ عليها من الانحراف , نتيجة عوامل شتى , تغطي على نصاعة الحقيقة الكامنة فيها . . حقيقة اتجاهها إلى ربها ومعرفتها بوحدانيته . . فما هو موقفها من الإلحاد وإنكار وجود الله أصلا ?
نحن نشك شكا عميقا - كما قلنا من قبل - في أن أولئك الذين يمارسون الإلحاد في صورته هذه صادقون فيما يزعمون أنهم يعتقدونه . نحن نشك في أن هناك خلقا أنشأته يد الله , ثم يبلغ به الأمر حقيقة أن ينطمس فيه تماما طابع اليد التي أنشأته ; وفي صميم كينونته هذا الطابع , مختلطا بتكوينه متمثلا في كل خلية وفي كل ذرة !
إنما هو التاريخ الطويل من العذاب البشع , ومن الصراع الوحشي مع الكنيسة , ومن الكبت والقمع , ومن أنكار الكنيسة للدوافع الفطرية للناس مع استغراقها هي في اللذائذ المنحرفة . . إلى آخر هذا التاريخ النكد الذي عاشته أوربا قرونا طويلة . . هو الذي دفع الأوربيين في هذه الموجة من الإلحاد في النهاية . . فرارا في التية , من الغول الكريه .
ذلك إلى استغلال اليهود لهذا الواقع التاريخي ; ودفع النصارى بعيدا عن دينهم ; ليسلس لهم قيادهم , ويسهل عليهم إشاعة الانحلال والشقاء فيهم , وليتيسر لهم استخدامهم - كالحمير - على حد تعبير "التلمود" و"بروتوكولات" حكماء صهيون " . . وما كان اليهود ليبلغوا من هذا كله شيئا إلا باستغلال ذلك التاريخ الأوربي النكد , لدفع الناس إلى الإلحاد هربا من الكنيسة .
ومع كل هذا الجهد الناصب , المتمثل في محاولة "الشيوعية " - وهي إحدى المنظمات اليهودية - لنشر الإلحاد , خلال أكثر من نصف قرن , بمعرفة كل أجهزة الدولة الساحقة , فإن الشعب الروسي نفسه لم يزل


وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)
في أعماق فطرته الحنين إلى عقيدة في الله . . ولقد اضطر "ستالين" الوحشي - كما يصوره خلفه خروشوف ! - أن يهادن الكنسية , في أثناء الحرب العالمية الثانية , وأن يفرج عن كبير الأساقفة , لأن ضغط الحرب كان يلوي عنقه للاعتراف للعقيدة في الله بأصالتها في فطرة الناس . . مهما يكن رأيه ورأي القليلين من الملحدين من ذوي السلطان حوله .
ولقد حاول اليهود - بمساعدة "الحمير" الذين يستخدمونهم من الصليبيين - أن ينشروا موجة من الإلحاد في نفوس الأمم التي تعلن الإسلام عقيدة لها ودينا . ومع أن الإسلام كان قد بهت وذبل في هذه النفوس . . فإن الموجة التي أطلقوها عن طريق "البطل" أتاتورك في تركيا . . انحسرت على الرغم من كل ما بذلوه لها - وللبطل - من التمجيد والمساعدة . وعلى كل ما ألفوه من الكتب عن البطل والتجربة الرائدة التي قام بها . . ومن ثم استداروا في التجارب الجديدة يستفيدون من تجربة أتاتورك , ألا يرفعوا على التجارب الرائدة راية الإلحاد . إنما يرفعون عليها راية الإسلام . كي لا تصدم الفطرة , كما صدمتها تجرية أتاتورك . ثم يجعلون تحت هذه الراية ما يريدون من المستنقعات والقاذورات والانحلال الخلقي , ومن أجهزة التدمير للخامة البشرية بجملتها في الرقعة الإسلامية .
غير إن العبرة التي تبقى من وراء ذلك كله , هي أن الفطرة تعرف ربها جيدا , وتدين له بالوحدانية , فإذا غشي عليها الركام فترة , فإنها إذا هزها الهول تساقط عنها ذلك الركام كله وتعرت منه جملة , وعادت إلى بارئها كما خلقها أول مرة . . مؤمنة طائعة خاشعة . . أما ذلك الكيد كله فحسبه صيحة حق تزلزل قوائمه , وترد الفطرة إلى بارئها سبحانه . ولن يذهب الباطل ناجيا , وفي الأرض من يطلق هذه الصيحة . ولن يخلوا وجه الأرض مهما جهدوا ممن يطلق هذه الصيحة .
الدرس الثاني:42 - 45 حكمة الإبتلاء بالبأساء والضراء
(ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك , فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون . فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا , ولكن قست قلوبهم , وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون . فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء , حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين).
إنها المواجهة بنموذج من بأس الله سبحانه . نموذج من الواقع التاريخي . نموذج يعرض ويفسر كيف يتعرض الناس لبأس الله , وكيف تكون عاقبة تعرضهم له , وكيف يمنحهم الله الفرصة بعد الفرصة , ويسوق إليهم التنبيه بعد التنبيه ; فإذا نسوا ما ذكروا به , ولم توجههم الشدة إلى التوجه إلى الله والتضرع له , ولم توجههم النعمة إلى الشكر والحذر من الفتنة , كانت فطرتهم قد فسدت الفساد الذي لا يرجى معه صلاح , وكانت حياتهم قد فسدت الفساد الذي لا تصلح معه للبقاء . فحقت عليهم كلمة الله . ونزل بساحتهم الدمار الذي لا تنجو منه ديار . .
(ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك , فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون . فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم , وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون). .
ولقد عرف الواقع البشري كثيرا من هذه الأمم , التي قص القرآن الكريم على الإنسانية خبر الكثير منها , قبل أن يولد "التاريخ" الذي صنعه الإنسان ! فالتاريخ الذي سجله بنو الإنسان حديث المولد , صغير السن , لا يكاد يعي إلا القليل من التاريخ الحقيقي للبشر على ظهر هذه الأرض ! وهذا التاريخ الذي صنعه البشر حافل -


فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (43)
على قصره - بالأكاذيب والأغاليط ; وبالعجز والقصور عن الإحاطة بجميع العوامل المنشئة والمحركة للتاريخ البشري ; والتي يكمن بعضها في أغوار النفس , ويتوارى بعضها وراء ستر الغيب , ولا يبدو منها إلا بعضها , وهذا البعض يخطى ء البشر في جمعه , ويخطئون في تفسيره , ويخطئون أيضا في تمييز صحيحه من زائفة - إلا قليلا - ودعوى أي بشر أنه أحاط بالتاريخ البشري علما , وأنه يملك تفسيره تفسيرا "علميًا" وأنه يجزم بحتمياته المقبلة أيضا . . هي أكبر أكذوبة يمكن أن يدعيها بشر ! ومن عجب أن بعضهم يدعيها ! والأشد إثارة للعجب أن بعضهم يصدقها ! ولو قال ذلك المدعي:إنه يتحدث عن [ توقعات ] لا عن [ حتميات ] لكان ذلك مستساغا . . ولكن إذا وجد المفتري من المغفلين من يصدقه فلماذا لا يفتري ?!
والله يقول الحق ; ويعلم ماذا كان , ولماذا كان . ويقص على عبيده - رحمة منه وفضلا - جانبا من أسرار سنته وقدره ; ليأخذوا حذرهم ويتعظوا ; وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة ; يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيرا كاملا صحيحا . ومن وراء هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون , استنادا إلى سنة الله التي لا تتبدل . . هذه السنة التي يكشف الله لهم عنها . .
وفي هذه الآيات تصوير وعرض لنموذج متكرر في أمم شتى . . أمم جاءتهم رسلهم . فكذبوا . فأخذهم الله بالبأساء والضراء . في أموالهم وفي أنفسهم . في أحوالهم وأوضاعهم . . البأساء والضراء التي لا تبلغ أن تكون "عذاب الله" الذي تحدثت عنه الآية السابقة , وهو عذاب التدمير والاستئصال . .
وقد ذكر القرآن نموذجا محددا من هذه الأمم , ومن البأساء والضراء التي أخذها بها . . في قصة فرعون وملئهSadولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون . فإذا جاءتهم الحسنة قالوا:لنا هذه , وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه . ألا إنما طائرهم عند الله , ولكن أكثرهم لا يعلمون . وقالوا:مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين . فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم , آيات مفصلات , فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين). .
وهو نموذج من نماذج كثيرة تشير إليها الآية . .
لقد أخذهم الله بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم ; وينقبوا في ضمائرهم وفي واقعهم , لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله , ويتذللون له , وينزلون عن عنادهم واستكبارهم , ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة , فيرفع الله عنهم البلاء , ويفتح لهم أبواب الرحمة . . ولكنهم لم يفعلوا ما كان حريا أن يفعلوا . لم يلجأوا إلى الله , ولم يرجعوا عن عنادهم , ولم ترد إليهم الشدة وعيهم , ولم تفتح بصيرتهم , ولم تلين قلوبهم . وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من الضلال والعناد:
(ولكن قست قلوبهم , وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون). .
والقلب الذي لا ترده الشدة إلى الله قلب تحجر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة ! ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس ! وتعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية فيه , فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة , التي تنبه القلوب الحية للتلقي والاستجابة . والشدة ابتلاء من الله للعبد ; فمن كان حيا أيقظته , وفتحت مغاليق قلبه , وردته إلى ربه ; وكانت رحمه له من الرحمة التي كتبها الله على نفسه . . ومن كان ميتا حسبت عليه , ولم تفده شيئا , وإنما أسقطت عذرة وحجته , وكانت عليه شقوة , وكانت موظئة للعذاب !
وهذه الأمم التي يقص الله - سبحانه - من أنبائها على رسوله [ ص ] ومن وراءه من أمته . . لم تفد من الشدة شيئا . لم تتضرع إلى الله , ولم ترجع عما زينه لها الشيطان من الإعراض والعناد . . وهنا يملي


فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)
لها الله - سبحانه - ويستدرجها بالرخاء:
(فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء . حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة , فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا , والحمد لله رب العالمين). .
إن الرخاء ابتلاء آخر كابتلاء الشدة . وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة ! والله يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة . يبتلي الطائعين والعصاة سواء . بهذه وبذاك سواء . . والمؤمن يبتلى بالشدة فيصبر , ويبتلى بالرخاء فيشكر . ويكون أمره كله خيرا . . وفي الحديث:" عجبًا للمؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن , إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له , وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " [ رواه مسلم ] .
فأما هذه الأمم التي كذبت بالرسل , والتي يقص الله من أنبائها هنا . فإنهم لما نسوا ما ذكروا به , وعلم الله - سبحانه - أنهم مهلكون , وابتلاهم بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا . . فأما هؤلاء فقد فتح عليهم أبواب كل شيء للاستدراج بعد الابتلاء . .
والتعبير القرآني: (فتحنا عليهم أبواب كل شيء). . يصور الأرزاق والخيرات , والمتاع , والسلطان . . متدفقة كالسيول ; بلا حواجز ولا قيود ! وهي مقبلة عليهم بلا عناء ولا كد ولا حتى محاولة !
إنه مشهد عجيب ; يرسم حالة في حركة ; على طريقة التصوير القرآني العجيب .
(حتى إذا فرحوا بما أوتوًا). .
وغمرتهم الخيرات والأرزاق المتدفقة ; واستغرقوا في المتاع بها والفرح لها - بلا شكر ولا ذكر - وخلت قلوبهم من الاختلاج بذكر المنعم ومن خشيته وتقواه ; وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع واستسلموا للشهوات , وخلت حياتهم من الاهتمامات الكبيرة كما هي عادة المستغرقين في اللهو والمتاع . وتبع ذلك فساد النظم والأوضاع , بعد فساد القلوب والأخلاق ; وجر هذا وذلك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها . . عندئذ جاء موعد السنة التي لا تتبدل:
(أخذناهم بغتة , فإذا هم مبلسون). .
فكان أخذهم على غرة ; وهم في سهوة وسكرة . فإذا هم حائرون منقطعو الرجاء في النجاة عاجزون عن التفكير في أي اتجاه . واذا هم مهلكون بجملتهم حتى آخر واحد منهم .
(فقطع دابر القوم الذين ظلموًا). .
ودابر القوم هو آخر واحد منهم يدبرهم أي يجيء على أدبارهم فإذا قطع هذا فأوائلهم أولى ! . . و (الذين ظلموا)تعني هنا الذين أشركوا . . كما هو التعبير القرآني في أغلب المواضع عن الشرك بالظلم وعن المشركين بالظالمين . .
(والحمد لله رب العالمين). .
تعقيب على استئصال الظالمين [ المشركين ] بعد هذا الاستدراج الإلهي والكيد المتين . . وهل يحمد الله على نعمة , أجل من نعمة تطهير الأرض من الظالمين , أو على رحمة أجل من رحمته لعباده بهذا التطهير ?
لقد أخذ الله قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط , كما أخذ الفراعنة والإغريق والرومان وغيرهم بهذه السنة ; ووراء ازدهار حضارتهم ثم تدميرها , ذلك السر المغيب من قدر الله ; وهذا القدر الظاهر من سنته ; وهذا التفسير الرباني لهذا الواقع التاريخي المعروف .
ولقد كان لهذه الأمم من الحضارة ; وكان لها من التمكين في الأرض ; وكان لها من الرخاء والمتاع ; ما لا يقل - إن لم يزد في بعض نواحيه - عما تتمتع به اليوم أمم ; مستغرقة في السلطان والرخاء والمتاع ; مخدوعة بما هي فيه ; خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله في الشدة والرخاء . .
هذه الأمم لا تدرك أن هناك سنة , ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السنة . والذين يدورون في فلكها يبهرهم اللألاء الخاطف , ويتعاظمهم الرخاء والسلطان , ويخدعهم إملاء الله لهذه الأمم , وهي لا تعبد الله أو لا تعرفه , وهي تتمرد على سلطانه , وهي تدعي لأنفسها خصائص ألوهيته , وهي تعيث في الأرض فسادا , وهي تظلم الناس بعد اعتدائها على سلطان الله . .
ولقد كنت - في أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية - أرى رأي العين مصداق قول الله سبحانه: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء). . فإن المشهد الذي ترسمه هذه الآية . . مشهد تدفق كل شيء من الخيرات والأرزاق بلا حساب ! . . لا يكاد يتمثل في الأرض كلها كما يتمثل هناك !
وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه , وشعورهم بأنه وقف على "الرجل الأبيض" وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة , وفي وحشية كذلك بشعة ! وفي صلف على أهل الارض كلهم لا يقاس إليه صلف النازية الذي شهر به اليهود في الأرض كلها حتى صار علما على الصلف العنصري . بينما الأمريكي الأبيض يزاوله تجاه الملونين في صورة أشد وأقسى ! وبخاصة إذا كان هؤلاء الملونون من المسلمين . .
كنت أرى هذا كله فأذكر هذه الآية , وأتوقع سنة الله , وأكاد أرى خطواتها وهي تدب إلى الغافلين:
(حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين). .
وإذا كان الله قد رفع عذاب الاستئصال بعد بعثة رسول الله [ ص ] فهناك ألوان من العذاب باقية . والبشرية - وبخاصة الأمم التي فتحت عليها أبواب كل شيء - تذوق منها الكثير . على الرغم من هذا النتاج الوفير , ومن هذا الرزق الغزير !
إن العذاب النفسي , والشقاء الروحي , والشذوذ الجنسي , والانحلال الخلقي . . الذي تقاسي منه هذه الأمم اليوم , ليكاد يغطي على الإنتاج والرخاء والمتاع ; وليكاد يصبغ الحياة كلها بالنكد والقلق والشقاء ! ذلك إلى جانب الطلائع التي تشير إليها القضايا الأخلاقية السياسية , التي تباع فيها أسرار الدولة , وتقع فيها الخيانة للأمة , في مقابل شهوة أو شذوذ . . وهي طلائع لا تخطى ء على نهاية المطاف !
وليس هذا كله إلا بداية الطريق . . وصدق رسول الله [ ص ] قال:" إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا - على معاصيه - ما يحب . فإنما هو استدراج " . . ثم تلاSadفلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء . حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون). . [ رواه ابن جرير , وابن أبى حاتم ] .
غير أنه ينبغي , مع ذلك , التنبية إلى أن سنة الله في تدمير [ الباطل ] أن يقوم في الأرض [ حق ] يتمثل في [ أمة ] . . ثم يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغة فإذاهو زاهق . . فلا يقعدن أهل الحق كسالى يرتقبون


قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)
أن تجري سنة الله بلا عمل منهم ولا كد . فإنهم حينئذ لا يمثلون الحق , ولا يكونون أهله . . وهم كسالى قاعدون . . . والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم لتقر حاكمية الله في الأرض , وتدفع المغتصبين لها من الذين يدعون خصائص الألوهية . . هذا هو الحق الأول , والحق الأصيل . . (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض). .
الدرس الثالث 46 - 47 عجز الناس عن دفع عذاب الله
بعد ذلك يقف السياق القرآني المشركين بالله , أمام بأس الله , في ذوات أنفسهم , في أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم , وهم عاجزون عن رده , وهم لا يجدون كذلك إلها غير الله , يرد عليهم أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم إن أخذها الله منهم:
(قل:أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم , من إله غير الله يأتيكم به ? انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون !). .
وهو مشهد تصويري يجسم لهم عجزهم أمام بأس الله من جانب , كما يصور لهم حقيقة ما يشركون به من دون الله في موقف الجد من جانب . . ولكن هذا المشهد يهزهم من الأعماق . . إن خالق الفطرة البشرية يعلم أنها تدرك ما في هذا المشهد التصويري من جد , وما وراءه من حق . . أنها تدرك أن الله قادر على أن يفعل بها هذا . قادر على أن يأخذ الأسماع والأبصار , وأن يختم على القلوب , فلا تعود هذه الأجهزة تؤدي وظائفها . وأنه - إن فعل ذلك - فليس هناك من إله غيره يرد بأسه . .
وفي ظلال هذا المشهد , الذي يبعث بالرجفة في القلوب والأوصال , ويقرر في الوقت ذاته تفاهة عقيدة الشرك , وضلال اتخاذ الأولياء من دون الله . . في ظلال هذا المشهد يعجب من أمر هؤلاء الذين يصرف لهم الآيات , وينوعها , ثم هم يميلون عنها كالبعير الذي يصدف أي يميل بخفة إلى الجانب الوحشي الخارجي من مرض يصيبه !
(انظر كيف نصرف الآيات , ثم هم يصدفون !). .
وهو تعجيب مصحوب بمشهد الصدوف ! المعروف عند العرب , والذي يذكرهم بمشهد البعير المؤوف ! فيثير في النفس السخرية والاستخفاف والعزوف !
وقبل أن يفيقوا من تأثير ذلك المشهد المتوقع يتلقاهم بتوقع جديد , ليس على الله ببعيد , يريهم فيه مصارعهم - وهم الظالمون:أي المشركون - وهو يرسم مصارع الظالمين حين يباغتهم عذاب الله أو يواجههم ; وحين يأتيهم على غرة أو وهم مستيقظون:
(قل:أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة , هل يهلك إلا القوم الظالمون ?). .
إن عذاب الله يأتي في أية صورة وفي أية حالة . وسواء جاءهم العذاب بغتة وهم غارون لا يتوقعونه , أو جاءهم جهرة وهم صاحون متأهبون . فإن الهلاك سيحل بالقوم الظالمين - أي المشركين كغالبية التعبير في القرآن الكريم - وسينالهم هم دون سواهم . ولن يدفعوه عن أنفسهم سواء جاءهم بغتة أو جهرة . فهم أضعف من أن يدفعوه ولو واجهوه ! ولن يدفعه عنهم أحد ممن يتولونهم من الشركاء . فكلهم من عبيدالله الضعفاء !


وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (49)
وهو توقع يعرضه السياق عليهم ليتقوه , ويتقوا أسبابه قبل أن يجيء . والله - سبحانه - يعلم أن عرض هذا التوقع في هذا المشهد يخاطب الكينونة البشرية خطابا تعرفه في قرارتها , وتعرف ما وراءه من حقيقة ترجف لها القلوب !
الدرس الرابع:48 - 49 وظيفة الرسل البلاغ
وحين تبلغ الموجة أقصى مدها , بعرض هذه المشاهد المتوالية , والتعقيبات الموحية , والإيقاعات التي تحمل الإنذار إلى أعماق السرائر . . تختم ببيان وظيفة الرسل , الذين تطالبهم أقوامهم بالخوارق , وإن هم إلا مبلغين , مبشرين ومنذرين , ثم يكون بعد ذلك من أمر الناس ما يكون , وفق ما يتخذونه لأنفسهم من مواقف يترتب عليها الجزاء الأخير:
(وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين . فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون). .
لقد كان هذا الدين يعد البشرية للرشد العقلي , ويؤهلها لاستخدام هذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان استخداما كاملا في إدراك الحق الذي تنبث آياته في صفحات الوجود , وفي أطوار الحياة , وفي أسرار الخلق ; والذي جاء هذا القرآن لكشفه وتجليته وتوجيه الإدراك البشري أليه . .
وكان هذا كله يقتضي الانتقال بالبشرية من عهد الخوارق الحسية ; التي تلوي الأعناق وتجبر المنكرين على الإذعان , أمام القهر بالخارقة المادية البادية للعيان ! إلى توجيه الإدراك البشري لملاحظة بدائع الصنعة الإلهية في الوجود كله . وهي في ذاتها خوارق معجزة . . ولكنها خوارق دائمة يقوم عليها كيان الوجود , ويتألف منها قوامه . وإلى مخاطبة هذا الإدراك بكتاب من عند الله باهر , معجز في تعبيره ومعجز في منهجه , ومعجز في الكيان الاجتماعي العضوي الحركي الذي يرمي إلى إنشائه على غير مثال . والذي لم يلحق به من بعده أي مثال !
وقد اقتضى هذا الأمر تربية طويلة , وتوجيها طويلا , حتى يألف الإدراك البشري هذا اللون من النقلة , وهذا المدى من الرقي ; وحتى يتجه الإنسان إلى قراءة سفر الوجود بإدراكه البشري , في ظل التوجيه الرباني , والضبط القرآني , والتربية النبوية . . قراءة هذا السفر قراءة غيبية واقعية إيجابية في آن واحد , بعيدة عن منهج التصورات الذهنية التجريدية التي كانت سائدة في قسم من الفلسفة الإغريقية واللاهوت المسيحي , وعن منهج التصورات الحسية المادية التي كانت سائدة في قسم من تلك الفلسفة وفي بعض الفلسفة الهندية والمصرية والبوذية والمجوسية كذلك , مع الخروج من الحسية الساذجة التي كانت سائدة في العقائد الجاهلية العربية !
وجانب من تلك التربية وهذا التوجيه يتمثل في بيان وظيفة الرسول , وحقيقة دوره في الرسالة على النحو الذي تعرضه هاتان الآيتان - كما ستعرضه الموجة التالية في سياق السورة - فالرسول بشر , يرسله الله ليبشر وينذر , وهنا تنتهي وظيفته , وتبدأ استجابة البشر , ويمضي قدر الله ومشيئته من خلال هذه الاستجابة , وينتهي الأمر بالجزاء الإلهي وفق هذه الاستجابة . . فمن آمن وعمل صالحا يتمثل فيه الإيمان , فلا خوف عليه مما سيأتي ولا هو يحزن على ما أسلف . فهناك المغفرة على ما أسلف , والثواب على ما أصلح . . ومن كذب بآيات الله التي جاءه بها الرسول , والتي لفته إليها في صفحات هذا الوجود . يمسهم العذاب بسبب كفرهم , الذي يعبر عنه هنا بقوله: (بما كانوا يفسقون)حيث يعبر القرآن غالبا عن الشرك والكفر بالظلم والفسق في معظم المواضع . .
تصور واضح بسيط لا تعقيد فيه ولا غموض . وبيان محكم عن الرسول ووظيفته وحدود عمله في هذا الدين . . تصور يفرد الله سبحانه بالألوهية وخصائصها ; ويرد إلى مشيئة الله وقدره الأمر كله , ويجعل للإنسان - منخلال ذلك - حرية اتجاهه وتبعة هذا الاتجاه , ويبين مصائر الطائعين لله والعصاة بيانا حاسما ; وينفي كل الأساطير والتصورات الغامضة عن طبيعة الرسول وعمله , مما كان سائدا في الجاهليات . . وبذلك ينقل البشرية إلى عهد الرشد العقلي ; دون أن يضرب بها في تيه الفلسفات الذهنية , والجدل اللاهوتي , الذي استنفذ طاقة الإدراك البشري أجيالا بعد أجيال !!!
الوحدة السابعة:50 - 55 الموضوع:طبيعة الرسول والرسالة وفتنة الكافرين بالمؤمنين مقدمة الوحدة تقديم العقيدة مجردة
هذه الموجة بقية في مواجهة المشركين بحقيقة الرسالة , وطبيعة الرسول ; بمناسبة طلبهم للخوارق - التي ذكرنا نماذج منها في الفقرة السابقة في هذا السياق - وبقية في تصحيح التصورات الجاهلية - والبشرية بصفة عامة - عن الرسالات والرسل ; بعدما عبثت بهذه التصورات جاهليات العرب وغيرهم من الأمم حولهم ; فابتعدت بها عن حقيقة الرسالة وحقيقة النبوة , وحقيقة الوحي , وحقيقة الرسول ; ودخلت بها في خرافات وأساطير وأوهام وأضاليل ; حتى اختلطت النبوة بالسحر والكهانة , واختلط الوحي بالجن والجنون أيضا ! وأصبح يطلب من النبي أن يتنبأ بالغيب , وأن يأتي بالخوارق ; وأن يصنع ما عهد الناس أن يصنعه صاحب الجن والساحر ! . . ثم جاءت العقيدة الإسلامية لتقذف بالحق على الباطل فتدمغة فإذا هو زاهق , ولترد إلى التصور الإيماني وضوحه وبساطته وصدقه وواقعيته , ولتخلص صورة النبوة وصورة النبي من تلك الخرافات والأساطير والأوهام والأضاليل , التي شاعت في الجاهليات كلها . وكان أقربها إلى مشركي العرب جاهليات أهل الكتاب من اليهود والنصارى على اختلاف الملل والنحل بينهم , وكلها تشترك في تشويه صورة النبوة وصورة النبي أقبح تشويه !
وبعد بيان حقيقة الرسالة وحقيقة الرسول , وتقديمها للناس مبرأة من كل ما علق بصورة النبوة وصورة النبي من أوهام وأضاليل . يقدم القرآن عقيدته للناس مجردة من كل إغراء خارج عن طبيعتها , ومن كل زينة زائدة عن حقيقتها . . فالرسول الذي يقدمها للناس بشر , لا يملك خزائن الله , ولا يعلم الغيب , ولا يقول لهم:إني ملك . . وهو لا يتلقى إلا من ربه , ولا يتبع إلا ما يوحى إليه منه . والذين يقبلون دعوته هم أكرم البشر عند الله , وعليه أن يلزمهم , وأن يهش لهم , وأن يبلغهم ما كتبه الله لهم على نفسه من الرحمة والمغفرة . كما أن عليه إنذار الذين تتحرك ضمائرهمم من خشية الآخرة ; ليصلوا إلى مرتبة التقوى , وفي هذا وذلك تنحصر وظيفته , كما أنه في "البشرية " وفي "تلقي الوحي" تنحصر حقيقته . فتصح في التصورات حقيقته ووظيفته جميعا . . ثم إنه بهذا التصحيح , وبهذا الإنذار , تستبين سبيل المجرمين , عند مفرق الطريق , ويتضح الحق والباطل , وينكشف الغموض والوهم حول طبيعة الرسول وحول حقيقة الرسالة , كما ينكشف الغموض حول حقيقة الهدى وحقيقة الضلال , وتتم المفاصلة بين المؤمنين وغير المؤمنين في نور وفي يقين .
وفي ثنايا الإفصاح عن هذه الحقائق يعرض السياق حوانب من حقيقة الألوهية , وعلاقة الرسول بها , وعلاقة الناس جميعا - الطائعين منهم والعصاة - ويتحدث عن طبيعة الهدى وطبيعة الضلال عن هذه الحقيقة . فالهدى إليها بصر والضلال عنها عمى . والله كتب على نفسه الرحمة متمثلة في التوبة على عباده والمغفرة لما يرتكبونه من المعاصي في جهالة متى تأبوا منها وأصلحوا بعدها . وهو يريد أن تستبين سبيل المجرمين , فيؤمن من يؤمن عن بينة , ويضل من يضل عن بينة , ويتخذ الناس مواقفهم في وضوح لا تغشيه الأوهام والظنون . .
الدرس الأول:50 طبيعة الرسول وحدود وصلاحيته
(قل:لا أقول لكم:عندي خزائن الله , ولا أعلم الغيب , ولا أقول لكم:إني ملك . إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل:هل يستوي الأعمى والبصير ? أفلا تتفكرون). .
لقد كان المعاندون من قريش يطلبون أن يأتيهم رسول الله [ ص ] بآية من الخوارق يصدقونه بها - وهم كانوا كما أسلفنا يعلمون صدقه ولا يشكون فيه - وتارة كانوا يطلبون أن تكون هذه الآية تحويل الصفا والمروة ذهبا ! وتارة تكون إبعادهما عن مكة ليصبح مكانهما خصبا مخضرا بالزروع والثمار ! وتارة تكون إنباءهم بما سيقع لهم من أحداث مغيبة ! وتارة تكون طلب إنزال ملك عليه ! وتارة تكون طلب كتاب مكتوب في قرطاس يرونه يتنزل عليه من السماء . . إلى آخر هذه المطالب التي يوارون وراءها تعنتهم وعنادهم !
ولكن هذه المطالب كلها إنما كانوا يصوغون فكرتها من تلك الأوهام والأساطير التي أحاطت بصورة النبوة وصورة النبي في الجاهليات من حولهم , وأقربها إليهم أوهام أهل الكتاب وأساطيرهم حول النبوة , بعدما انحرفوا عما جاءتهم به رسلهم من الحق الواضح في هذه الأمور . .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:20 pm

ولقد شاعت في الجاهليات المتنوعة صور من "النبوءات" الزائفة , يدعيها "متنبئون" ويصدقها مخدوعون . . ومن بينها نبوءات السحر والكهانة والتنجيم والجنون ! حيث يدعي المتنبئون قدرتهم على العلم بالغيب , والاتصال بالجن والأرواح , وتسخير نواميس الطبيعة بالرقى والتعاويذ , أو بالدعوات والصلوات , أو بغيرها من الوسائل والأساليب . وتتفق كلها في الوهم والضلالة , وتختلف بعد ذلك في النوع والشكل والمراسم والأساليب .
"فنبوءة السحر يغلب عليها أنها موكلة بالأرواح الخبيثة تسخرها للاطلاع على المجهول أو السيطرة على الحوادث والأشياء . ونبوءة الكهانة يغلب عليها أنها موكلة "بالأرباب ! " لا تطيع الكاهن , ولكنها تلبي دعواته وصلواته وتفتح لها مغالق المجهول في يقظته أو منامه , وترشده بالعلامات والأحلام , ولا تلبي سائرالدعوات والصلوات ! ولكنهما - نبوءة السحر ونبوءة الكهانة - تخالفان نبوة الجذب والجنون المقدس . لأن الساحر والكاهن يدريان بما يطلبان , ويريدان قصدا ما يطلبانه بالعزائم والصلوات , ولكن المصاب بالجذب أو الجنون المقدس مغلوب على أمره , ينطلق لسانه بالعبارات المبهمة وهو لا يعنيها , ولعله لايعيها . ويكثر بين الأمم التي تشيع فيها نبوة الجذب أن يكون مع المجذوب مفسر يدعي العلم بمغزى كلامه , ولحن رموزه وإشاراته . وقد كانوا في اليونان يسمون المجذوب "مانتي" "" ويسمون المفسر:"بروفيت" "" أى المتكلم بالنيابة عن غيره . ومن هذه الكلمة نقل الأوربيون كلمة النبوة بجميع معانيها . وقلما يتفق الكهنة والمجذوبون , إلا أن يكون الكاهن متوليا للتفسير والتعبير عن مقاصد المجذوب , ومضامين رموزه وإشاراته . ويحدث في أكثر الأحيان أن يختلفا ويتنازعا لأنهما مختلفان بوظيفتهما الاجتماعية مختلفان بطبيعة النشأة والبيئة . فالمجذوب ثائر لا يتقيد بالمراسم والأوضاع المصطلح عليها , والكاهن محافظ يتلقى علمه الموروث في أكثر الأحيان من آبائه وأجداده . وتتوقف الكهانة على البيئة التي تنشأ فيها الهياكل والصوامع المقصودة في الأرجاء القريبة والبعيدة ; ولا يتوقف الجذب على هذه البيئة , لأنه قد يعتري صاحبه في البرية , كما يعتريه في الحاضر المقصود من أطراف البلاد" .
"وقد كثر عدد الأنبياء في قبائل بني إسرائيل كثرة يفهم منها أنهم كانوا في أزمنتهم المتعاقبة يشبهون في العصور الحديثة أصحاب الأذكار , ودراويش الطرق الصوفية , لأنهم جاوزوا المئات في بعض العهود , واصطنعوا من الرياضة في جماعاتهم ما يصطنعه هؤلاء الدراويش من التوسل إلى حالة الجذب تارة بتعذيب الجسد , وتارة بالاستماع إلى آلات الطرب .
"جاء في كتاب صموئيل الأول:
أن شاول أرسل لأخذ داود رسلا . . "فرأوا جماعة الأنبياء يتنبأون , وشاول واقف بينهم رئيسا عليهم . فهبط روح الله على رسل شاول , فتنبأوا هم أيضا . وأرسل غيرهم فتنبأ هؤلاء . . . فخلع هو أيضا ثيابه , وتنبأ هو أيضا أمام صموئيل , وانتزع عاريا ذلك النهار كله وكل الليل" . .
"وجاء في كتاب صموئيل كذلك:
" . . أنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من الأكمة , وأمامهم رباب ودف وناي وعود , وهم يتنبأون , فيحل عليهم روح الرب , فتتنبأ معهم , وتتحول إلى رجل آخر .
"وكانت النبوة صناعة وراثية يتلقاها الأبناء من الآباء كما جاء في سفر الملوك الثاني:"إذ قال بنو الأنبياء يا ليشع:هو ذا الموضع الذي نحن مقيمون فيه أمامك قد ضاق علينا , فلنذهب إلى الأردن" .
"وكانت لهم خدمة تلحق بالجيش في بعض المواضع , كما جاء في سفر الأيام الأول . حيث قيل:إن داود ورؤساء الجيش أفرزوا للخدمة بني أساف وغيرهم من المتنبئين بالعيدان والرباب والصنوج" . . .
وهكذا حفلت الجاهليات - ومنها الجاهليات التي انحرفت عن التصور الصحيح الذي جاءت به الرسالات السماوية - بمثل هذه التصورات الباطلة عن طبيعة النبوة وطبيعة النبي . وكان الناس ينتظرون ممن يدعي النبوة مثل هذه الأمور ; ويطالبونه بالتنبؤ بالغيب تارة ; وبالتأثير في النواميس الكونية عن طريق الكهانة أو طريق السحر تارة . . ومن هذا المعين كانت اقتراحات المشركين على رسول الله [ ص ] ولتصحيح هذه الأوهام كلها جاءت التقريرات المكررة في القرآن الكريم عن طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول . . ومنها هذا التقرير:
(قل:لا أقول لكم عندي خزائن الله , ولا أعلم الغيب , ولا أقول لكم:إني ملك . إن أتبع إلا ما يوحى إلي . قل:هل يستوي الأعمى والبصير ? أفلا تتفكرون ?). .
إنه [ ص ] يؤمر من ربه أن يقدم لهم نفسه بشرا مجردا من كل الأوهام التي سادت الجاهليات عن طبيعة النبي والنبوة . وأن يقدم لهم كذلك هذه العقيدة بذاتها مجردة من كل إغراء . . لا ثراء . ولا ادعاء . . إنها عقيدة يحملها رسول , لا يملك إلا هداية الله , تنير له الطريق !
ولا يتبع إلا وحي الله يعلمه ما لم يكن يعلم . . إنه لا يقعد على خزائن الله , ليغدق منها على من يتبعه , ولا يملك مفاتح الغيب ليدل أتباعه على ما هو كائن ; ولا هو ملك كما يطلبون أن ينزل الله ملكا . . إنما هو بشر رسول ; وإنما هي هذه العقيدة وحدها , في صورتها الناصعة الواضحة البسيطة . .
إنها العقيدة هتاف هذه الفطرة , وقوام هذه الحياة ودليل الطريق إلى الآخرة , وإلى الله . فهي مستغنية بذاتها عن كل زخرف . . من أرادها لذاتها فهو بها حقيق , وهي عنده قيمة أكبر من كل قيمة . ومن أرادها سلعة في سوق المنافع , فهو لا يدرك طبيعتها , ولا يعرف قيمتها , وهي لا تمنحه زادا , ولا غناء . .
لذلك كله يؤمر رسول الله [ ص ] أن يقدمها للناس هكذا , عاطلة من كل زخرف , لأنها غنية عن كل زخرف ; وليعرف من يفيئون إلى ظلها أنهم لا يفيئون إلى خزائن مال , ولا إلى وجاهة دنيا , ولا إلى تميز على الناس بغير التقوى . إنما يفيئون إلى هداية الله وهي أكرم وأغنى .
قل:لا أقول لكم عندي خزائن الله , ولا أعلم الغيب , ولا أقول لكم:إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي . .
ثم ليعلموا أنهم حينئذ إنما يفيئون إلى النور والبصيرة , ويخرجون من الظلام والعماء:
(قل:هل يستوي الأعمى والبصير ? أفلا تتفكرون ?). .
ثم . . إن اتباع الوحي وحده هداية وبصر , والمتروك بغير هذا الهادي متروك أعمى . . هذا ما تقرره هذه الآية في وضوح وصرامة . . فما شأن العقل البشري في هذا المجال ?
سؤال جوابه في التصور الإسلامي واضح بسيط . . إن هذا العقل الذي وهبه الله للإنسان قادر على تلقي ذلك الوحي , وإدراك مدلولاته . . وهذه وظيفته . . ثم هذه هي فرصته في النور والهداية ; وفي الانضباط بهذا الضابط الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
فأما حين يستقل هذا العقل البشري بنفسه بعيدا عن الوحي , فإنه يتعرض حينئذ للضلال والانحراف , وسوء الرؤية , ونقص الرؤية , وسوء التقدير , وسوء التدبير .
يتعرض لهذا كله بسبب طبيعة تركيبه ذاتها في رؤية الوجود أجزاء لا كلا واحدا . تجربة بعد تجربة , وحادثةبعد حادثة , وصورة بعد صورة . . حيث يتعذر عليه أن يرى الوجود جملة , ليقيم على أساس هذه الرؤية الكاملة أحكاما , ويضع على أساسها نظاما , ملحوظا فيه الشمول والتوازن . . ومن ثم يظل - حين ينعزل عن منهج الله وهداه - يرتاد التجارب , ويغير الأحكام , ويبدل النظام , ويضطرب بين الفعل وردود الفعل , ويتخبط من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال . . وهو في ذلك كله يحطم كائنات بشرية عزيزة , وأجهزة إنسانية كريمة . . ولو اتبع الوحي لكفى البشر هذا الشر كله ; وجعل التجارب والتقلبات في "الأشياء" وفي "المادة " وفي "الأجهزة " وفي "الآلات" . . وهي مجاله الطبيعي الذي يمكن أن يستقل فيه . والخسارة في النهاية مواد وأشياء . لا أنفس وأرواح !
ويتعرض لهذا كله - بعد طبيعة تركيبه - بسبب ما ركب في الكيان البشري من شهوات وأهواء ونزعات , لا بد لها من ضابط , يضمن أن تؤدي وظائفها في استمرار حياة البشرية وارتقائها , ولا تتعدى هذا الحد المأمون فتؤدي إلى تدمير الحياة أو انتكاسها ! وهذا الضابط لا يمكن أن يكون هو العقل البشري وحده ; فلا بد لهذا العقل الذي يضطرب تحت ضغط الأهواء والشهوات والنزعات - وهي شتى - من ضابط آخر يضبطه هو ذاته ; ويحرسه بعد أن يضبطه من الخلل أيضا , ويرجع إليه هذا العقل بكل تجربة , وكل حكم - في مجال الحياة البشرية - ليقوم به تجربته وحكمه , وليضبط به اتجاهه وحركته .
والذين يزعمون للعقل البشري درجة من الأصالة في الصواب كدرجة الوحي , باعتبار أن كليهما - العقل والوحي - من صنع الله فلا بد أن يتطابقا . . هؤلاء إنما يستندون إلى تقريرات عن قيمة العقل قال بها بعض الفلاسفة من البشر , ولم يقل بها الله سبحانه !
والذين يرون أن هذا العقل يغني عن الوحي - حتى عند فرد واحد من البشر مهما بلغ عقله من الكبر - إنما يقولون في هذه القضية غير ما يقول الله . . فالله قد جعل حجته على الناس هي الوحي والرسالة , ولم يجعل هذه الحجة هي عقلهم البشري , ولا حتى فطرتهم التي فطرهم الله عليها من معرفة ربها الواحد والإيمان به . لأن الله سبحانه يعلم أن العقل وحده يضل , وأن الفطرة وحدها تنحرف . وأنه لا عاصم لعقل ولا لفطرة , إلا أن يكون الوحي هو الرائد الهادي , وهو النور والبصيرة .
والذي يزعمون أن الفلسفة تغني العقل عن الدين ; أو أن العلم - وهو من منتجات العقل - يغني البشرية عن هدى الله ; إنما يقولون قولا لا سند له من الحقيقة ولا من الواقع كذلك . . فالواقع يشهد أن الحياة البشرية التي قامت أنظمتها على المذاهب الفلسفية أو على العلم , هي أبأس حياة يشقى فيها "الإنسان" مهما فتحت عليه أبواب كل شيء ; ومهما تضاعف الإنتاج والإيراد ; ومهما تيسرت أسباب الحياة ووسائل الراحة فيها على أوسع نطاق . . وليس مقابل هذا أن تقوم الحياة على الجهل والتلقائية ! فالذين يضعون المسألة هكذا مغرضون ! فإن الإسلام منهج حياة يكفل للعقل البشري الضمانات التي تقيه عيوب تركيبه الذاتي , وعيوب الضغوط التي تقع عليه من الأهواء والشهوات والنزعات . ثم يقيم له الأسس , ويضع له القواعد , التي تكفل استقامته في انطلاقه للعلم والمعرفة والتجربة ; كما تكفل له استقامة الحياة الواقعية التي يعيش في ظلها - وفق شريعة الله - فلا يضغط عليه الواقع لينحرف بتصوراته ومناهجه كذلك !


قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ (50) وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)
والعقل بمصاحبة وحي الله وهداه بصير , وبترك وحي الله وهداه أعمى , واقتران الحديث عن تلقي الرسول [ ص ] من الوحي وحده , بالإشارة إلى العمى والبصر , بالسؤال التحضيضي على التفكير: إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل:هل يستوي الأعمى والبصير:أفلا تتفكرون ? . .
اقتران الإشارات وتتابعها على هذا النحو في السياق , أمر ذو دلالة في التعبير القرآني . . فالتفكر مطلوب , والحض عليه منهج قرآني ; ولكنه التفكر المضبوط بضابط الوحي , الذي يمضي معه مبصرا في النور ; لا مطلق التفكر الذي يخبط في الظلام أعمى , بلا دليل ولا هدى ولا كتاب منير . .
والعقل البشري حين يتحرك في إطار الوحي لا يتحرك في مجال ضيق , إنما يتحرك في مجال واسع جدا . . يتحرك في مجال هو هذا الوجود كله , الذي يحتوي عالم الشهادة وعالم الغيب أيضا ; كما يحتوي أغوار النفس ومجالي الأحداث , ومجالات الحياة جميعا . . فالوحي لا يكف العقل عن شيء إلا عن انحراف المنهج , وسوء الرؤية والتواء الأهواء والشهوات ! وبعد ذلك يدفعه إلى الحركة والنشاط دفعا . فهذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان . . العقل . . إنما وهبها له لتعمل وتنشط في حراسة الوحي والهدى الرباني . . فلا تضل إذن ولا تطغى . .
الدرس الثاني:51 - 54 حقوق الإنسان في الإسلام
(وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون . ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه , ما عليك من حسابهم من شيء , وما من حسابك عليهم من شيء . فتطردهم فتكون من الظالمين . وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا:أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ? أليس الله بأعلم بالشاكرين ? وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل:سلام عليكم , كتب ربكم على نفسه الرحمة:أنه من عمل منكم سوءا بجهالة , ثم تاب من بعده وأصلح , فأنه غفور رحيم). .
إنها عزة هذه العقيدة , واستعلاؤها على قيم الأرض الزائفة , وتخلصها من الاعتبارات البشرية الصغيرة . .
لقد أمر رسول الله [ ص ] أن يقدمها للناس دون زخرف ولا طلاء ; ودون إطماع في شيء من قيم الأرض ولا إغراء . . كذلك أمر أن يوجه عنايته إلى من يرجى منهم الانتفاع بالدعوة , وأن يؤوي إليه الذين يتلقونها مخلصين ; ويتجهون بقلوبهم إلى الله وحده يريدون وجهه ; وألا يقيم وزنا بعد ذلك لشيء من قيم المجتمع الجاهلي الزائفة ; ولا لشيء من اعتبارات البشر الصغيرة:
(وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع , لعلهم يتقون). .
أنذر به هؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم , حالة أن ليس من دونه ولي ينصرهم ولا شفيع يخلصهم . ذلك أنه ما من شفيع يشفع عند الله إلا بإذنه , وهو لا يشفع يومئذ - بعد الإذن - إلا لمن ارتضى الله أن يتشفع عند الله فيهم . . فهؤلاء الذين تستشعر قلوبهم خوف ذلك اليوم الذي ليس فيه - من دون الله - ولي ولا شفيع , أحق بالإنذار , وأسمع له , وأكثر انتفاعا به . . لعلهم أن يتوقوا في حياتهم الدنيا وما يعرضهم لعذاب الله في الآخرة . فالإنذار بيان كاشف كما أنه مؤثر موح . بيان يكشف لهم ما يتقونه ويحذرونه , ومؤثر يدفع قلوبهم للتوقي والحذر ; فلا يقعون فيما نهوا عنه بعدما تبين لهم:
(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه). .
لا تطرد هؤلاء الذين أخلصوا نفوسهم لله ; فاتجهوا لعبادته ودعائه في الصباح والمساء ; يريدون وجهه


وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)
سبحانه ! ولا يبتغون إلا وجهه ورضاه . . وهي صورة للتجرد , والحب , والأدب . . فإن الواحد منهم لا يتوجه إلا إلى الله وحده بالعبادة والدعاء . وهو لا يبغي وجه الله , إلا إذا تجرد . وهو لا يبغي وجه الله وحده حتى يكون قلبه قد أحب . وهو لا يفرد الله - سبحانه - بالدعاء والعبادة ابتغاء وجهه إلا ويكون قد تعلم الأدب , وصار ربانيا يعيش لله وبالله . .
ولقد كان أصل القصة أن جماعة من "أشراف" العرب , أنفوا أن يستجيبوا إلى دعوة الإسلام ; لأن محمدا [ ص ] يؤوي إليه الفقراء الضعاف , من أمثال صهيب وبلال وعمار وخباب وسلمان وابن مسعود . . ومن إليهم . . وعليهم جباب تفوح منها رائحة العرق لفقرهم ; ومكانتهم الاجتماعية لا تؤهلهم لأن يجلس معهم سادات قريش في مجلس واحد ! فطلب هؤلاء الكبراء إلى رسول الله [ ص ] أن يطردهم عنه . . فأبى . . فاقترحوا أن يخصص لهم مجلسا ويخصص للأشراف مجلسا آخر , لا يكون فيه هؤلاء الفقراء الضعاف , كي يظل للسادة امتيازهم واختصاصهم ومهابتهم في المجتمع الجاهلي ! فهم [ ص ] رغبة في إسلامهم أن يستجيب لهم في هذه . فجاءه أمر ربه:
(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه). .
روى مسلم عن سعد بن أبى وقاص , قال:كنا مع النبي [ ص ] ستة نفر . فقال المشركون للنبي [ ص ]:اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا ! قال:وكنت أنا وابن مسعود , ورجل من هذيل , وبلال , ورجلان لست أسميهما . . فوقع في نفس رسول الله [ ص ] ما شاء الله أن يقع . فحدث نفسه . فأنزل الله عز وجل: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه). .
ولقد تقول أولئك الكبراء على هؤلاء الضعاف , الذين يخصهم رسول الله [ ص ] بمجلسه وبعنايته ; وطعنوا فيهم وعابوا ما هم فيه من فقر وضعف وما يسببه وجودهم في مجلس رسول الله [ ص ] من نفور السادة وعدم إقبالهم على الإسلام . . فقضى الله سبحانه في هذه الدعوى بقضائه الفصل ; ورد دعواهم من أساسها ودحضها دحضا:
(ما عليك من حسابهم من شيء , وما من حسابك عليهم من شيء , فتطردهم فتكون من الظالمين). .
فإن حسابهم على أنفسهم , وحسابك على نفسك . وكونهم فقراء مقدر عليهم في الرزق هذا حسابهم عند الله , لا شأن لك به . كذلك غناك وفقرك هو حسابك عند الله لا شأن لهم به . ولا دخل لهذه القيم في قضية الإيمان والمنزلة فيه . فإن أنت طردتهم من مجلسك بحساب الفقر والغنى كنت لا تزن بميزان الله , ولا تقوم بقيمة . . فكنت من الظالمين . . وحاشا لرسول الله [ ص ] أن يكون من الظالمين !
وبقي فقراء الجيوب أغنياء القلوب في مجلس رسول الله [ ص ] وبقي ضعاف الجاه الأقوياء بالله في مكانهم الذي يؤهلهم له إيمانهم ; والذي يستحقونه بدعائهم لله لا يبتغون إلا وجهه . واستقرت موازين الإسلام وقيمه على المنهج الذي قرره الله . .
عندئذ نفر المستكبرون المستنكفون يقولون:كيف يمكن أن يختص الله من بيننا بالخير هؤلاء الضعاف الفقراء ? إنه لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقونا إليه ; ولهدانا الله به قبل أن يهديهم ! فليس من المعقول أن يكون هؤلاء الضعاف الفقراء هم الذين يمن الله عليهم من بيننا ويتركنا ونحن أصحاب المقام والجاه !
وكانت هذه هي الفتنة التي قدرها الله لهؤلاء المتعالين بالمال والنسب ; والذين لم يدركوا طبيعة هذا الدين ; وطبيعة الدنيا الجديدة التي يطلع بها على البشرية , مشرقة الآفاق , مصعدة بهذه البشرية إلى تلك القمة السامقة ;


وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (54) وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)
التي كانت يومذاك غريبة على العرب وعلى الدنيا كلها ; وما تزال غريبة في ما يسمونه الديمقراطيات على اختلاف أشكالها وأسمائها !
(وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا:أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ?). .
ويرد السياق القرآني على هذا الاستفهام الاستنكاري الذي يطلقه الكبراء:
(أليس الله بأعلم بالشاكرين)?
هذا الرد الحافل بالإيحاءات والإيماءات:
إذ يقرر ابتداء أن الهدى جزاء يجزي به الله من يعلم من أمرهم أنهم إذا هدوا سيشكرون هذه النعمة , التي لا كفاء لها من شكر العبد , ولكن الله يقبل منه جهده ويجزيه عليه هذا الجزاء الهائل الذي لا يعدله جزاء .
وإذ يقرر أن نعمة الإيمان لا تتعلق بقيمة من قيم الأرض الصغيرة التي تسود في الجاهليات البشرية . إنما يختص الله بها من يعلم أنهم شاكرون عليها . لا يهم أن يكونوا من الموالي والضعاف والفقراء . فميزان الله لا مكان فيه لقيم الأرض الصغيرة التي تتعاظم الناس في الجاهليات !
وإذ يقرر أن اعتراض المعترضين على فضل الله إنما ينشأ من الجهالة بحقائق الأشياء . وأن توزيع هذا الفضل على العباد قائم على علم الله الكامل بمن يستحقه من هؤلاء العباد . وما اعتراض المعترضين إلا جهل وسوء أدب في حق الله . .
ويمضي السياق يأمر رسول الله [ ص ] وهو رسول الله أن يبدأ أولئك الذين أسبغ عليهم فضل السبق بالاسلام ; والذين يسخر منهم أولئك الكبراء الأشراف ! . . أن يبدأهم بالسلام . . وأن يبشرهم بما كتبه الله على نفسه من الرحمة ; متمثلا في معفرته لمن عمل منهم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح:
(وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل:سلام عليكم , كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة , ثم تاب من بعده وأصلح , فأنه غفور رحيم). .
وهو التكريم - بعد نعمة الإيمان واليسر في الحساب , والرحمة في الجزاء , حتى ليجعل الله - سبحانه - الرحمة كتابا على نفسه للذين آمنوا بآياته ; ويأمر رسوله [ ص ] أن يبلغهم ما كتبه ربهم عل نفسه . وحتى لتبلغ الرحمة أن يشمل العفو والمغفرة الذنب كله , متى تابوا من بعده وأصلحوا - إذ يفسر بعضهم الجهالة بأنها ملازمة لارتكاب الذنب ; فما يذنب الإنسان إلا من جهالة ; وعلى ذلك يكون النص شاملا لكل سوء يعمله صاحبه ; متى تاب من بعده وأصلح . ويؤيد هذا الفهم النصوص الأخرى التي تجعل التوبة من الذنب - أيا كان - والإصلاح بعده , مستوجبة للمغفرة بما كتب الله على نفسه من الرحمة . .
ونعود - قبل الانتهاء من استعراض هذه الفقرة من السورة - إلى بعض الآثار التي وردت عن ملابسات نزول هذه الآيات ; وعن دلالة هذه الآثار مع النصوص القرآنية على حقيقة النقلة الهائلة التي كان هذا الدين ينقل إليها البشرية يومذاك ; والتي ما تزال البشرية حتى اليوم دون القمة التي بلغتها يومها ثم تراجعت عنها جدا . .
قال أبو جعفر الطبري:حدثنا هناد بن السري , حدثنا أبو زبيد , عن أشعث , عن كردوس الثعلبي , عن ابن مسعود , قال:مر الملأ من قريش بالنبي [ ص ] وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب , ونحوهم من ضعفاء المسلمين . فقالوا:يا محمد , رضيت بهؤلاء من قومك ? أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا ? أنحن نكون تبعا لهؤلاء ? اطردهم عنك ! فلعلك إن طردتهم أن نتبعك ! فنزلت هذه الآية: (ولا تطردالذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه). . (وكذلك فتنا بعضهم ببعض)إلى آخر الآية .
وقال:حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي , قال:حدثنا أبي , حدثنا أسباط , عن السدي , عن أبى سعيد الأزدي - وكان قارى ء الأزد - عن أبى الكنود , عن خباب في قول الله تعالى ذكره: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه). . إلى قوله: فتكون من الظالمين . . قال:جاء الأقرع ابن حابس التميمي , وعيينة بن حصن الفزاري , فوجد النبي [ ص ] قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب , في أناس من الضعفاء من المؤمنين . فلما رأوهم حقروهم . فأتوه فقالوا:إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا , فإن وفود العرب تأتيك , فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد ; فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ; فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت ! قال:نعم ! قالوا:فاكتب لنا عليك بذلك كتابا . قال:فدعا بالصحيفة , ودعا عليا ليكتب . قال:ونحن قعود في ناحية , إذ نزل جبريل بهذه الآية:
(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء , وما من حسابك عليهم من شيء , فتطردهم , فتكون من الظالمين). . ثم قال(وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا:أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ? أليس الله بأعلم بالشاكرين ?). . ثم قال: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل:سلام عليكم , كتب ربكم على نفسه الرحمة). . فألقى رسول الله [ ص ] الصحيفة من يده ; ثم دعانا فأتيناه وهو يقول:" سلام عليكم , كتب ربكم على نفسه الرحمة " . . فكنا نقعد معه , فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا . فأنزل الله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه , ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا). . [ سورة الكهف:28 ] قال:فكان رسول الله [ ص ] يقعد معنا بعد , فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم !
وكان [ ص ] بعدها إذا رآهم بدأهم بالسلام , وقال:" الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني ربي أن أبدأهم بالسلام " .
وفي صحيح مسلم:عن عائذ بن عمرو , أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال , ونفر . فقالوا:والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها ! قال:فقال أبو بكر:أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ? فأتى النبي [ ص ] فأخبره . فقال:" يا أبا بكر , لعلك أغضبتهم . لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك " . فأتاهم أبو بكر فقال:يا إخوتاه , أغضبتكم ? قالوا:لا يغفر الله لك يا أخي . .
نحن في حاجة إلى وقفة طويلة أمام هذه النصوص . . والبشرية بجملتها في حاجة إلى هذه الوقفة كذلك . . إن هذه النصوص لا تمثل مجرد مبادى ء وقيم ونظريات في "حقوق الإنسان ! " . . إنها أكبر من ذلك بكثير . . إنها تمثل شيئا هائلا تحقق في حياة البشرية فعلا . . تمثل نقلة واسعة نقلها هذا الدين للبشرية بجملتها . . تمثل خطا وضيئا على الأفق بلغته هذه البشرية ذات يوم في حياتها الحقيقة . . ومهما يكن من تراجع البشرية عن هذا الخط الوضيء الذي صعدت إليه في خطو ثابت على حداء هذا الدين , فإن هذا لا يقلل من عظمة تلك النقلة ; ومن ضخامة هذا الشيء الذي تحقق يوما ; ومن أهمية هذا الخط الذي ارتسم بالفعل في حياة البشرالواقعية . . إن قيمة ارتسام هذا الخط وبلوغه ذات يوم . أن تحاول البشرية مرة ومرة ومرة الارتفاع إليه ; ما دام أنها قد بلغته ; فهو في طوقها إذن وفي وسعها . . والخط هناك على الأفق , والبشرية هي البشرية ; وهذا الدين هو هذا الدين . . فلا يبقى إلا العزم والثقة واليقين . .
وقيمة هذه النصوص أنها ترسم للبشرية اليوم ذلك الخط الصاعد بكل نقطه ومراحله . . من سفح الجاهلية الذي التقط الإسلام منه العرب , إلى القمة السامقة التي بلغ بهم إليها , وأطلعتهم في الأرض يأخذون بيد البشرية من ذلك السفح نفسه إلى تلك القمة التي بلغوها !
فأما ذلك السفح الهابط الذي كان فيه العرب في جاهليتهم - وكانت في البشرية كلها - فهو يتمثل واضحا في قوله:"الملأ" من قريش:"يا محمد , رضيت بهؤلاء من قومك ? أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا ? أنحن نكون تبعًا لهؤلاء ? اطردهم عنك ! فلعلك إن طردتهم أن نتبعك ! " . . أو في احتقار الأقرع بن حابس التميمي , وعيينة بن حصن الفزاري , للسابقين من أصحاب رسول الله [ ص ] بلال , وصهيب , وعمار , وخباب , وأمثالهم من الضعفاء ; وقولهما للنبي [ ص ]:إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا ; فإن وفود العرب تأتيك , فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد ! " . .
. . هنا تتبدى الجاهلية بوجهها الكالح ! وقيمها الهزيلة , واعتباراتها الصغيرة . . عصبية النسب والجنس واعتبارات المال والطبقة . . وما إلى ذلك من اعتبارات . هؤلاء بعضهم ليسوا من العرب ! وبعضهم ليسوا من طبقة الأشراف ! وبعضهم ليسوا من ذوي الثراء ! . . ذات القيم التي تروج في كل جاهلية ! والتي لا ترتفع عليها جاهليات الأرض اليوم في نعراتها القومية والجنسية والطبقية !
هذا هو سفح الجاهلية . . وعلى القمة السامقة الإسلام ! الذي لا يقيم وزنا لهذه القيم الهزيلة ولهذه الاعتبارات الصغيرة , ولهذه النعرات السخيفة ! . . الإسلام الذي نزل من السماء ولم ينبت من الأرض . فالأرض كانت هي هذا السفح . . هذا السفح الذي لا يمكن أن ينبت هذه النبتة الغريبة الجديدة الكريمة . . الإسلام الذي يأتمر به - أول من يأتمر - محمد [ ص ] محمد رسول الله الذي يأتيه الوحي من السماء ; والذي هو من قبل في الذؤابة من بني هاشم في الذروة من قريش . . والذي يأتمر به أبو بكر صاحب رسول الله [ ص ] ; في شأن "هؤلاء الأعبد" . . نعم هؤلاء الأعبد الذين خلعوا عبودية كل أحد ; وصاروا أعبدا لله وحده ; فكان من أمرهم ما كان !
وكما أن سفح الجاهلية الهابط يرتسم في كلمات الملأ من قريش , وفي مشاعر الأقرع وعيينة . . فإن قمة الإسلام السامقة ترتسم في أمر الله العلي الكبير , لرسوله [ ص ] -:
(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه . ما عليك من حسابهم من شيء , وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين . وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا:أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ? أليس الله بأعلم بالشاكرين ? وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل:سلام عليكم , كتب ربكم على نفسه الرحمة:أنه من عمل منكم سوءا بجهالة , ثم تاب من بعده وأصلح , فأنه غفور رحيم). .
ويتمثل في سلوك رسول الله [ ص ] مع "هؤلاء الأعبد" . . الذين أمره ربهم أن يبدأهم بالسلام وأن يصبر معهم فلا يقوم حتى يقوموا وهو محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم - وهو بعد ذلك - رسول الله وخير خلق الله , وأعظم من شرفت بهم الحياة !
ثم يتمثل في نظرة "هؤلاء الأعبد" لمكانهم عند الله ; ونظرتهم لسيوفهم واعتبارها "سيوف الله" ونظرتهملأبي سفيان "شيخ قريش وسيدهم" بعد أن أخره في الصف المسلم كونه من الطلقاء الذين أسلموا عام الفتح وذهبوا طلقاء عفو رسول الله [ ص ] وقدمهم هم في الصف كونهم من السابقين إلى الإسلام وهو في شدة الابتلاء . . فلما أن عاتبهم أبو بكر - رضي الله عنه - في أمر أبى سفيان , حذره صاحبه رسول الله [ ص ] أن يكون قد أغضب "هؤلاء الأعبد" ! فيكون قد أغضب الله - يا الله ! فما يملك أي تعليق أن يبلغ هذا المدى وما نملك إلا أن نتملاه ! ويذهب أبو بكر - رضي الله عنه - يترضى "الأعبد" ليرضى الله:"يا إخوتاه . أغضبتكم" ? فيقولون:"لا يا أخي . يغفر الله لك" !
أي شيء هائل هذا الذي تحقق في حياة البشرية ? أية نقلة واسعة هذه التي قد تمت في واقع الناس ? أي تبدل في القيم والأوضاع , وفي المشاعر والتصورات , في آن ? والأرض هي الأرض والبيئة هي البيئة , والناس هم الناس , والاقتصاد هو الاقتصاد . . وكل شيء على ما كان , إلا أن وحيا نزل من السماء , على رجل من البشر , فيه من الله سلطان . . يخاطب فطرة البشر من وراء الركام , ويحدو للهابطين هنالك عند السفح , فيستجيشهم الحداء - على طول الطريق - إلى القمة السامقة . . فوق . . فوق . . هنالك عند الإسلام !
ثم تتراجع البشرية عن القمة السامقة ; وتنحدر مرة أخرى إلى السفح . وتقوم - مرة أخرى - في نيويورك , وواشنطن , وشيكاغو . . وفي جوهانسبرج . . وفي غيرها من أرض "الحضارة ! " تلك العصبيات النتنة . عصبيات الجنس واللون , وتقوم هنا وهناك عصبيات "وطنية " و"قومية " و"طبقية " لا تقل نتنا عن تلك العصبيات . .
ويبقى الإسلام هناك على القمة . . حيث ارتسم الخط الوضيء الذي بلغته البشرية . . يبقى الإسلام هناك - رحمة من الله بالبشرية - لعلها أن ترفع أقدامها من الوحل , وترفع عينيها عن الحمأة . . وتتطلع مرة أخرى إلى الخط الوضيء ; وتسمع مرة أخرى حداء هذا الدين ; وتعرج مرة أخرى إلى القمة السامقة على حداء الإسلام . .
ونحن لا نملك - في حدود منهجنا في هذه الظلال - أن نستطرد إلى أبعد من هذه الإشارة . . لا نملك أن نقف هنا تلك "الوقفة الطويلة " التي ندعو البشرية كلها أن تقفها أمام هذه النصوص ودلالتها . لتحاول أن تستشرف المدى الهائل الذي يرتسم من خلالها في تاريخ البشرية ; وهي تصعد على حداء الإسلام من سفح الجاهلية الهابط , إلى تلك القمة السامقة البعيدة . . ثم تهبط مرة أخرى على عواء "الحضارة المادية " الخاوية من الروح والعقيدة ! . . ولتحاول كذلك أن تدرك إلى أين يملك الإسلام اليوم أن يقود خطاها مرة أخرى ; بعد أن فشلت جميع التجارب , وجميع المذاهب , وجميع الأوضاع , وجميع الأنظمة , وجميع الأفكار ; وجميع التصورات , التي ابتدعها البشر لأنفسهم بعيدا عن منهج الله وهداه . . فشلت في أن ترتفع بالبشرية مرة أخرى إلى تلك القمة ; وأن تضمن للإنسان حقوقه الكريمة في هذه الصورة الوضيئة ; وأن تفيض على القلوب الطمأنينة - مع هذه النقلة الهائلة - وهي تنقل البشرية إليها بلا مذابح ; وبلا اضطهادات ; وبلا إجراءات استثنائية تقضي على الحريات الأساسية ; وبلا رعب , وبلا فزع , وبلا تعذيب , وبلا جوع , وبلا فقر , وبلا عرض واحد من أعراض النقلات التي يحاولها البشر في ظل الأنظمة البائسة التي يضعها البشر ; ويتعبد فيها بعضهم بعضا من دون الله . .
فحسبنا هذا القدر هنا . . وحسبنا الإيحاءات القوية العميقة التي تفيض بها النصوص ذاتها , وتسكبها في القلوب المستنيرة .
(وكذلك نفصل الآيات , ولتستبين سبيل المجرمين). .
ختام هذه الفقرة التي قدمت طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول في هذه النصاعة الواضحة . كما قدمت هذه العقيدة عارية من كل زخرف ; وفصلت الاعتبارات والقيم التي جاءت هذه العقيدة لتلغيها من حياة البشرية ; والاعتبارات والقيم التي جاءت لتقررها . .
(وكذلك نفصل الآيات). .
بمثل هذا المنهج , وبمثل هذه الطريقة , وبمثل هذا البيان والتفصيل . . تفصل الآيات , التي لا تدع في هذا الحق ريبة ; ولا تدع في هذا الأمر غموضا ; ولا تبقى معها حاجة لطلب الخوارق ; فالحق واضح , والأمر بين , بمثل ذلك المنهج الذي عرض السياق القرآني منه ذلك النموذج . .
على أن كل ما سبق في السورة من تفصيل لدلائل الهدى وموحيات الإيمان ; ومن بيان للحقائق وتقرير للوقائع , يعتبر داخلا في مدلول قوله تعالى:
(وكذلك نفصل الآيات). .
الدرس الثالث:استبانة سبيل المجرمين
أما ختام هذه الآية القصيرة:
(ولتستبين سبيل المجرمين). .
فهو شأن عجيب ! . . إنه يكشف عن خطة المنهج القرآني في العقيدة والحركة بهذه العقيدة ! إن هذا المنهج لا يعني ببيان الحق وإظهاره حتى تستبين سبيل المؤمنين الصالحين فحسب . إنما يعني كذلك ببيان الباطل وكشفه حتى تستبين سبيل الضالين المجرمين أيضا . . إن استبانة سبيل المجرمين ضرورية لاستبانة سبيل المؤمنين . وذلك كالخط الفاصل يرسم عند مفرق الطريق !
إن هذا المنهج هو المنهج الذي قرره الله - سبحانه - ليتعامل مع النفوس البشرية . . ذلك أن الله سبحانه يعلم أن إنشاء اليقين الاعتقادي بالحق والخير يقتضي رؤية الجانب المضاد من الباطل والشر ; والتأكيد من أن هذا باطل محض وشر خالص ; وأن ذلك حق ممحض وخير خالص . . كما أن قوة الاندفاع بالحق لا تنشأ فقط من شعور صاحب الحق أنه على الحق ; ولكن كذلك من شعوره بأن الذي يحاده ويحاربه إنما هو على الباطل . . وأنه يسلك سبيل المجرمين ; الذين يذكر الله في آية أخرى أنه جعل لكل نبي عدوا منهم (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين). . ليستقر في نفس النبي ونفوس المؤمنين , أن الذين يعادونهم إنها هم المجرمون ; عن ثقة , وفي وضوح , وعن يقين .
إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح . واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات . ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتدغبشا وشبهة في موقف المؤمنين وفي سبيلهم . فهما صفحتان متقابلتان , وطريقان مفترقتان . . ولا بد من وضوح الألوان والخطوط . .
ومن هنا يجب أن تبدأ كل حركة إسلامية بتحديد سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين . يجب إن تبدأ من تعريف سبيل المؤمنين وتعريف سبيل المجرمين ; ووضع العنوان المميز للمؤمنين . والعنوان المميز للمجرمين , في عالم الواقع لا في عالم النظريات . فيعرف أصحاب الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية من هم المؤمنون ممن حولهم ومن هم المجرمون . بعد تحديد سبيل المؤمنين ومنهجهم وعلامتهم , وتحديد سبيل المجرمين ومنهجهم وعلامتهم . بحيث لا يختلط السبيلان ولا يتشابه العنوانان , ولا تلتبس الملامح والسمات بين المؤمنين والمجرمين . .
وهذا التحديد كان قائما , وهذا الوضوح كان كاملا , يوم كان الإسلام يواجه المشركين في الجزيرة العربية . فكانت سبيل المسلمين الصالحين هي سبيل الرسول [ ص ] ومن معه . وكانت سبيل المشركين المجرمين هي سبيل من لم يدخل معهم في هذا الدين . . ومع هذا التحديد وهذا الوضوح كان القرآن يتنزل وكان الله - سبحانه - يفصل الآيات على ذلك النحو الذي سبقت منه نماذج في السورة - ومنها ذلك النموذج الأخير - لتستبين سبيل المجرمين !
وحيثما واجه الإسلام الشرك والوثنية والإلحاد والديانات المنحرفة المتخلفة من الديانات ذات الأصل السماوي بعد ما بدلتها وأفسدتها التحريفات البشرية . . حيثما واجه الإسلام هذه الطوائف والملل كانت سبيل المؤمنين الصالحين واضحة , وسبيل المشركين الكافرين المجرمين واضحة كذلك . . لا يجدي معها التلبيس !
ولكن المشقة الكبرى التي تواجه حركات الإسلام الحقيقية اليوم ليست في شيء من هذا . . إنها تتمثل في وجود أقوام من الناس من سلالات المسلمين , في أوطان كانت في يوم من الأيام دارا للاسلام , يسيطر عليها دين الله , وتحكم بشريعته . . ثم اذا هذه الارض , واذا هذه الاقوام , تهجر الاسلام حقيقة , وتعلنه اسما . وإذا هي تتنكر لمقومات الإسلام اعتقادا وواقعا . وإن ظنت أنها تدين بالإسلام اعتقادا ! فالإسلام شهادة أن لا إله إلا الله . . وشهادة أن لا إله إلا الله تتمثل في الاعتقاد بأن الله - وحده - هو خالق هذا الكون المتصرف فيه . وأن الله - وحده - هو الذي يتقدم إليه العباد بالشعائر التعبدية ونشاط الحياة كله . وأن الله - وحده - هو الذي يتلقى منه العباد الشرائع ويخضعون لحكمه في شأن حياتهم كله . . وأيما فرد لم يشهد أن لا إله إلا الله - بهذا المدلول - فإنه لم يشهد ولم يدخل في الإسلام بعد . كائنا ما كان اسمه ولقبه ونسبه . وأيما أرض لم تتحقق فيها شهادة أن لا إله إلا الله - بهذا المدلول - - فهي أرض لم تدن بدين الله , ولم تدخل في الإسلام بعد . .
وفي الأرض اليوم أقوام من الناس أسماؤهم أسماء المسلمين ; وهم من سلالات المسلمين . وفيها أوطان كانت في يوم من الأيام دارا للإسلام . . ولكن لا الأقوام اليوم تشهد أن لا إله إلا الله - بذلك المدلول - ولا الأوطان اليوم تدين لله بمقتضى هذا المدلول . .
وهذا أشق ما تواجهه حركات الإسلام الحقيقية في هذه الأوطان مع هؤلاء الأقوام !
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:20 pm

أشق ما تعانيه هذه الحركات هو الغبش والغموض واللبس الذي أحاط بمدلول لا إله إلا الله , ومدلول الإسلام في جانب ; وبمدلول الشرك وبمدلول الجاهلية في الجانب الآخر . .
أشق ما تعانيه هذه الحركات هو عدم استبانة طريق المسلمين الصالحين , وطريق المشركين المجرمين ; واختلاط الشارات والعناوين ; والتباس الأسماء والصفات ; والتيه الذي لا تتحدد فيه مفارق الطريق !
ويعرف أعداء الحركات الإسلامية هذه الثغرة . فيعكفون عليها توسيعا وتمييعا وتلبيسا وتخليطا . حتى يصبحالجهر بكلمة الفصل تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام ! . . تهمة تكفير "المسلمين" !!! ويصبح الحكم في أمر الإسلام والكفر مسألة المرجع فيها لعرف الناس واصطلاحهم , لا إلى قول الله ولا إلى قول رسول الله !
هذه هي المشقة الكبرى . . وهذه كذلك هي العقبة الأولى التي لا بد أن يجتازها أصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل !
يجب أن تبدأ الدعوة إلى الله باستبانة سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين . . ويجب ألا تأخذ أصحاب الدعوة إلى الله في كلمة الحق والفصل هوادة ولا مداهنة . وألا تأخذهم فيها خشية ولا خوف ; وألا تقعدهم عنها لومة لائم , ولا صيحة صائح:انظروا ! إنهم يكفرون المسلمين !
إن الإسلام ليس بهذا التميع الذي يظنه المخدوعون ! إن الإسلام بين والكفر بين . . الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله - بذلك المدلول - فمن لم يشهدها على هذا النحو ; ومن لم يقمها في الحياة على هذا النحو , فحكم الله ورسوله فيه أنه من الكافرين الظالمين الفاسقين . . المجرمين . .
(وكذلك نفصل الآيات , ولتستبين سبيل المجرمين). .
أجل يجب أن يجتاز أصحاب الدعوة إلى الله هذه العقبة ; وأن تتم في نفوسهم هذه الاستبانة ; كي تنطلق طاقاتهم كلها في سبيل الله لا تصدها شبهة , ولا يعوقها غبش , ولا يميعها لبس . فإن طاقاتهم لا تنطلق إلا إذا اعتقدوا في يقين أنهم هم "المسلمون" وأن الذين يقفون في طريقهم ويصدونهم ويصدون الناس عن سبيل الله هم "المجرمون" . . كذلك فإنهم لن يحتملوا متاعب الطريق إلا إذا استيقنوا أنها قضية كفر وإيمان . وأنهم وقومهم على مفرق الطريق , وأنهم على ملة وقومهم على ملة . وأنهم في دين وقومهم في دين:
(وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين). .
. . وصدق الله العظيم . .
الوحدة الثامنة:56 - 65 الموضوع:مجالات وميادين دالة على حقيقة الألوهية والوحدانية


قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)
مقدمة الوحدة مجالات حقيقة الألوهية
هذه الموجه عودة إلى "حقيقة الألوهية " بعد بيان "حقيقية الرسالة وحقيقة الرسول" في الموجة السابقة لها في السياق المتلاحم ; وبعد استبانة سبيل المجرمين واستبانة سبيل المؤمنين - كما ذكرنا ذلك في نهاية الفقرة السابقة .
وحقيقة الألوهية في هذه الموجة تتجلى في مجالات شتى ; نجملها هنا - قبل تفصيلها في استعراض النصوص القرآنية:
تتجلى في قلب رسول الله [ ص ] وهو يجد في نفسه بينة من ربه , هو منها على يقين , لا يزعزعه تكذيب المكذبين . ومن ثم يخلص نفسه لربه , ويفاصل قومه مفاصلة المستيقن من ضلالهم يقينه من هداه (قل:إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله . قل:لا أتبع أهواءكم , قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين . قل:إني على بينة من ربي وكذبتم به . ما عندي ما تستعجلون به , إن الحكم إلا الله , يقص الحق وهو خير الفاصلين). .
وتتجلى في حلم الله على المكذبين , وعدم استجابته لاقتراحاتهم أن ينزل عليهم خارقة مادية حتى لا يعجل لهم بالعذاب عند تكذيبهم بها - كما جرت سنته تعالى - وهو قادر عليه . ولو كان رسول الله [ ص ] يملك هذا الذي يستعجلون به , ما أمسكه عنهم , ولضاقت بشريته بهم وبتكذيبهم . فإمهالهم هذا الإمهال هو مظهر من مظاهر حلم الله ورحمته , كما أنها مجال تتجلى فيه ألوهيتهSadقل:لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم , والله أعلم بالظالمين). .
وتتجلى في علم الله بالغيب ; وإحاطة هذاالعلم بكل ما يقع في هذا الوجود ; في صورة لا تكون إلا لله ; ولا يصورها هكذا إلا اللهSadوعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو , ويعلم ما في البر والبحر , وما تسقط من ورقة إلا يعلمها . ولا حبة في ظلمات الأرض , ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين). .
وتتجلى في هيمنة الله على الناس وقهره للعباد في كل حالة من حالاتهم , في النوم والصحو , في الموت والحياة , في الدنيا والآخرة: (وهو الذي يتوفاكم بالليل , ويعلم ما جرحتم بالنهار , ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى , ثم إليه مرجعكم , ثم ينبئكم بما كنتم تعملون . وهو القاهر فوق عباده , ويرسل عليكم حفظة ,حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا , وهم لا يفرطون . ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق . ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين).
وتتجلى في فطرة المكذبين أنفسهم , حين يواجهون الهول ; فلا يدعون إلا الله لرفعه عنهم . . ثم هم مع ذلك يشركون , وينسون أن الله , الذي يدعونه لكشف الضر , قادر على أن يذيقهم ألوان العذاب فلا يدفعه عنهم أحدSadقل:من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية:لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين ? قل:الله ينجيكم منها ومن كل كرب , ثم أنتم تشركون . قل:هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم , أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض . انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون).
الدرس الأول:56 - 58 الأمر والحكم لله وحدوده صلاحيات الرسول
(قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله . قل لا أتبع أهواءكم . قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين . . قل إني على بينة من ربي - وكذبتم به - ما عندي ما تستعجلون به . إن الحكم إلا لله يقص الحق , وهو خير الفاصلين . قل:لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم , والله أعلم بالظالمين). .
تحتشد هذه الموجة بالمؤثرات الموحية , التي تتمثل في شتى الإيقاعات التي تواجه القلب البشري بحقيقة الألوهية في شتى مجاليها . . ومن بين هذه المؤثرات العميقة , ذلك الإيقاع المتكرر:"قل . . قل . . قل . . " خطابا لرسول الله [ ص ] ليبلغ عن ربه , ما يوحيه إليه ; وما لا يملك غيره ; ولا يتبع غيره ; ولا يستوحي غيره:
(قل:إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله . قل:لا أتبع أهواءكم . قد ضللت إذا , وما أنا من المهتدين). .
يأمر الله - سبحانه - رسوله [ ص ] , أن يواجه المشركين بأنه منهي من ربه عن عبادة الذين يدعونهم من دون الله ويتخذونهم أندادا لله . . ذلك أنه منهي عن اتباع أهوائهم - وهم إنما يدعون الذين يدعون من دون الله عن هوى لا عن علم , ولا عن حق - وأنه إن يتبع أهواءهم هذه يضل ولا يهتدي . فما تقوده أهواؤهم وما تقودهم إلا إلى الضلال .
يأمر الله - سبحانه - نبيه [ ص ] أن يواجه المشركين هذه المواجهة , وأن يفاصلهم هذه المفاصلة , كما أمره من قبل في السورة بمثل هذا وهو يق 1 (أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أِشهد . قل:إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون . .
ولقد كان المشركون يدعون رسول الله [ ص ] أن يوافقهم على دينهم , فيوافقوه على دينه ! وأن يسجد لآلهتم فيسجدوا لإلهه ! كأن ذلك يمكن أن يكون ! وكأن الشرك والإسلام يجتمعان في قلب ! وكأن العبودية لله يمكن أن تقوم مع العبودية لسواه ! وهو أمر لا يكون أبدا . فالله أغنى الشركاء عن الشرك وهو يطلب من عباده أن يخلصوا له العبودية ; ولا يقبل منهم عبوديتهم له إذا شابوها بشيء من العبودية لغيرة . . في قليل أو كثير . .
ومع أن المقصود في الآية أن يواجههم رسول الله [ ص ] بأنه منهي عن عبادة أي مما يدعون ويسمون من دون الله , فإن التعبير ب(الذين)في قوله تعالى:
(قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله). .


قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)
يستوقف النظر . فكلمة الذين تطلق على العقلاء . ولو كان المقصود هي الأوثان , والأصنام , وما إليها لعبر ب"ما" بدل(الذين). . فلا بد أن يكون المقصود بالذين نوعا آخر - مع الأصنام والأوثان وما إليها - نوعا من العقلاء الذين يعبر عنهم بالاسم الموصولSadالذين)فغلب العقلاء , ووصف الجميع بوصف العقلاء . . وهذا الفهم يتفق مع الواقع من جهة ; ومع المصطلحات الإسلامية في هذا المقام من جهة:
فمن جهة الواقع نجد أن المشركين ما كانوا يشركون بالله الأصنام والأوثان وحدها . ولكن كانوا يشركون معه الجن والملائكة والناس . . وهم ما كانوا يشركون الناس إلا في أن يجعلوا لهم حق التشريع للمجتمع وللأفراد . حيث يسنون لهم السنن , ويضعون لهم التقاليد ; ويحكمون بينهم في منازعاتهم وفق العرف والرأي . .
وهنا نصل إلى جهة المصطلحات الإسلامية . . فالإسلام يعتبر هذا شركا ; ويعتبر أن تحكيم الناس في أمور الناس تأليه لهم ; وجعلهم أندادا من دون الله . . وينهى الله عنه نهيه عن السجود للأصنام والأوثان ; فكلاهما في عرف الإسلام سواء . . شرك بالله , ودعوة أنداد من دون الله !
ثم يجيء الإيقاع الثاني موصولا بالإيقاع الأول ومتمما له: (قل:إني على بينة من ربي ; وكذبتم به , ما عندي ما تستعجلون به . إن الحكم إلا لله , يقص الحق , وهو خير الفاصلين). .
وهو أمر من الله - سبحانه - لنبيه [ ص ] أن يجهر في مواجهة المشركين المكذبين بربهم - بما يجده في نفسه من اليقين الواضح الراسخ , والدليل الداخلي البين , والإحساس الوجداني العميق , بربه . . ووجوده , ووحدانيته , ووحيه إليه . وهو الشعور الذي وجده الرسل من ربهم , وعبروا عنه مثل هذا التعبير أو قريبا منه:
قالها نوح - عليه السلام -Sadقال:يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي , وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ? أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ?). .
وقالها صالح - عليه السلام -: قال:يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة , فمن ينصرني من الله إن عصيته ? فما تزيدونني غير تخسير . .
وقالها إبراهيم - عليه السلام -: (وحاجه قومه . قال:أتحاجوني في الله وقد هدان ?). .
وقالها يعقوب - عليه السلام - لبنيه(فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا . قال ألم أقل لكم:إني أعلم من الله ما لا تعلمون ?). .
فهي حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب أوليائه ; ممن يتجلى الله لهم في قلوبهم ; فيجدونه - سبحانه - حاضرا فيها ; ويجدون هذه الحقيقة بينة هنالك في أعماقهم تسكب في قلوبهم اليقين بها . وهي الحقيقة التي يأمر الله نبيه أن يجهر بها في مواجهة المشركين المكذبين ; الذين يطلبون منه الخوارق لتصديق ما جاءهم به من حقيقة ربه , الحقيقة التي يجدها هو كاملة واضحة عميقة في قلبه:
(قل إني على بينة من ربي , وكذبتم به). .
كذلك كانوا يطلبون أن ينزل عليهم خارقة أو ينزل بهم العذاب , ليصدقوا أنه جاءهم من عند الله . . وكان يؤمر أن يعلن لهم حقيقة الرسالة وحقيقة الرسول ; وأن يفرق فرقانا كاملا بينها وبين حقيقة الألوهية ; وإن يجهر بأنه لا يملك هذا الذي يستعجلونه ; فالذي يملكه هو الله وحده ; وهو ليس إلها , إنما هو رسول:


قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)
(ما عندي ما تستعجلون به , إن الحكم إلا لله , يقص الحق وهو خير الفاصلين). .
إن إيقاع العذاب بهم بعد مجيء الخارقة وتكذيبهم بها حكم وقضاء ; ولله وحده الحكم والقضاء . فهو وحده الذي يقص الحق ويخبر به ; وهو وحده الذي يفصل في الأمر بين الداعي إلى الحق والمكذبين به . وليس هذا أو ذلك لأحد من خلقه .
وبذلك يجرد الرسول [ ص ] نفسه من أن تكون له قدرة , أو تدخل في شأن القضاء الذي ينزله الله بعباده . فهذا من شأن الألوهية وحدها وخصائصها , وهو بشر يوحي إليه , ليبلغ وينذر ; لا لينزل قضاء ويفصل . وكما أن الله سبحانه هو الذي يقص الحق ويخبر به ; فهو كذلك الذي يقضي في الأمر ويفصل فيه . . وليس بعد هذا تنزيه وتجريد لذات الله - سبحانه - وخصائصه , عن ذوات العبيد . .
ثم يؤمر أن يلمس قلوبهم وعقولهم ويلفتها إلى دلالة قوية على أن هذا الأمر من عند الله , ومتروك لمشيئة الله . فلو أن أمر الخوارق - بما فيها إنزال العذاب - في مقدوره - وهو بشر - ما استطاع أن يمسك نفسه عن الاستجابة لهم , وهم يلحفون هذا الإلحاف . ولكن لأن الأمر بيد الله وحده , فهو يحلم عليهم ; فلا يجيئهم بخارقة يتبعها العذاب المدمر , إن هم كذبوا بها كما فعل بمن قبلهمSadقل:لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم , والله أعلم بالظالمين). .
إن للطاقة البشرية حدودا في الصبر والحلم والإمهال . وما يحلم على البشر ويمهلهم - على عصيانهم وتمردهم وتبجحهم - إلا الله الحليم القوي العظيم . .
وصدق الله العظيم . . فإن الإنسان ليرى من بعض الخلق ما يضيق به الصدر , وتبلغ منه الروح الحلقوم . . ثم ينظر فيجد الله - سبحانه - يسعهم في ملكه , ويطعمهم , ويسقيهم , ويغدق أحيانا علهيم , ويفتح عليهم أبواب كل شيء . . وما يجد الإنسان إلا أن يقول قوله أبي بكر - رضي الله عنه - والمشركون يضربونه الضرب المبرح الغليظ , حتى ما يعرف له أنف من عين:"رب ما أحلمك ! رب ما أحلمك ! " . . فإنما هو حلم الله وحده . . وهو يستدرجهم من حيث لا يعلمون ! (والله أعلم بالظالمين). .
فهو يمهلهم عن علم , ويملي لهم عن حكمة , ويحلم عليهم وهو قادر على أن يجيبهم إلى ما يقترحون , ثم ينزل بهم العذاب الأليم . .
الدرس الثاني:59 مفاتح الغيب ومجالات علم الله
وبمناسبة علم الله - سبحانه - بالظالمين ; واستطرادا في بيان حقيقة الألوهية ; يجلي هذه الحقيقة في مجال ضخم عميق من مجالاتها الفريدة . . مجال الغيب المكنون , وعلم الله المحيط بهذا الغيب إحاطته بكل شيء , ويرسم صورة فريدة لهذا العلم ; ويرسل سهاما بعيدة المدى تشير إلى آماده وآفاقه من بعيدSadوعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو , ويعلم ما في البر والبحر , وما تسقط من ورقة إلا يعلمها , ولا حبة في ظلمات الأرض , ولا رطب ولا يابس , إلا في كتاب مبين). .
إنها صورة لعلم الله الشامل المحيط ; الذي لا يند عنه شيء في الزمان ولا في المكان , في الأرض ولا في السماء , في البر ولا في البحر , في جوف الأرض ولا في طباق الجو , من حي وميت ويابس ورطب . . .
ولكن أين هذا الذي نقوله نحن - بأسلوبنا البشري المعهود - من ذلك النسق القرآني العجيب ? وأين


وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (59)
هذا التعبير الإحصائي المجرد , من ذلك التصوير العميق الموحي ?
إن الخيال البشري لينطلق وراء النص القصير يرتاد آفاق المعلوم والمجهول , وعالم الغيب وعالم الشهود , وهو يتبع ظلال علم الله في أرجاء الكون الفسيح , ووراء حدود هذا الكون المشهود . . وإن الوجدان ليرتعش وهو يستقبل الصور والمشاهد من كل فج وواد . وهو يرتاد - أو يحاول أن يرتاد - أستار الغيوب المختومة في الماضي والحاضر والمستقبل ; البعيدة الآماد والآفاق والأغوار . . مفاتحها كلها عند الله ; لا يعلمها إلا هو . . ويجول في مجاهل البر وفي غيابات البحر , المكشوفة كلها لعلم الله . ويتبع الأوراق الساقطة من أشجار الأرض , لا يحصيها عد , وعين الله على كل ورقة تسقط , هنا وهنا وهناك . ويلحظ كل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض لا تغيب عن عين الله . ويرقب كل رطب وكل يابس في هذا الكون العريض , لا يند منه شيء عن علم الله المحيط . .
إنها جولة تدير الرؤوس , وتذهل العقول . جولة في آماد من الزمان , وآفاق من المكان , وأغوار من المنظور والمحجوب , والمعلوم والمجهول . . جولة بعيدة موغلة مترامية الأطراف , يعيا بتصور آمادها الخيال . . وهي ترسم هكذا دقيقة كاملة شاملة في بضع كلمات . .
ألا إنه الإعجاز !
وننظر إلى هذه الآية القصيرة من أي جانب فنرى هذا الإعجاز , الناطق بمصدر هذا القرآن .
ننظر إليها من ناحية موضوعها , فنجزم للوهلة الأولى بأن هذا كلام لا يقوله بشر ; فليس عليه طابع البشر . . إن الفكر البشري - حين يتحدث عن مثل هذا الموضوع:موضوع شمول العلم وإحاطته - لا يرتاد هذه الآفاق . . إن مطارح الفكر البشري وانطلاقاته في هذا المجال لها طابع آخر ولها حدود . إنه ينتزع تصوراته التي يعبر عنها من اهتماماته . . فما اهتمام الفكر البشري بتقصي وإحصاء الورق الساقط من الشجر , في كل أنحاء الأرض ? إن المسألة لا تخطر على بال الفكر البشري ابتداء . لا يخطر على باله أن يتتبع ويحصي ذلك الورق الساقط في أنحاء الأرض . ومن ثم لا يخطر له أن يتجه هذا الاتجاه ولا أن يعبر هذا التعبير عن العلم الشامل ! إنما الورق الساقط شأن يحصيه الخالق ; ويعبر عنه الخالق !
وما اهتمام الفكر البشري بكل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض ? إن أقصى ما يحفل به بنو البشر هو الحب الذي يخبأونه هم في جوف الأرض ويرتقبون إنباته . . فأما تتبع كل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض ; فمما لا يخطر للبشر على بال أن يهتموا به , ولا أن يلحظوا وجوده , ولا أن يعبروا به عن العلم الشامل ! إنما الحب المخبوء في ظلمات الأرض شان يحصيه الخالق , ويعبر عنه الخالق !
وما اهتمام الفكر البشري بهذا الإطلاق: (ولا رطب ولا يابس). . إن أقصى ما يتجه إليه تفكير البشر هو الانتفاع بالرطب واليابس مما بين أيديهم . . فأما التحدث عنه كدليل للعلم الشامل . فهذا ليس من المعهود في اتجاه البشر وتعبيراتهم كذلك ! إنما كل رطب وكل يابس شأن يحصيه الخالق , ويعبر عنه الخالق !
ولا يفكر البشر أن تكون كل ورقة ساقطة , وكل حبة مخبوءة , وكل رطب وكل يابس في كتاب مبين . وفي سجل محفوظ . . فما شأنهم بهذا , وما فائدته لهم ? وما احتفالهم بتسجيله ? إنما الذي يحصيه ويسجله هو صاحب الملك , الذي لا يند عنه شيء في ملكه . . الصغير كالكبير ; والحقير كالجليل ; والمخبوء كالظاهر ; والمجهول كالمعلوم ; والبعيد كالقريب . .
إن هذا المشهد الشامل الواسع العميق الرائع . . مشهد الورق الساقط من شجر الأرض جميعا , والحب المخبوءفي أطواء الأرض جميعا , والرطب واليابس في أرجاء الأرض جميعا . . إن هذا المشهد كما أنه لا يتجه إليه الفكر البشري والاهتمام البشري ; وكذلك لا تلحظه العين البشرية ; ولا تلم به النظرة البشرية . . إنه المشهد الذي يتكشف هكذا بجملته لعلم الله وحده ; المشرف على كل شيء , المحيط بكل شيء . . الحافظ لكل شيء , الذي تتعلق مشيئته وقدره بكل شيء . . الصغير كالكبير , والحقير كالجليل , والمخبوء كالظاهر , والمجهول كالمعلوم , والبعيد كالقريب . .
والذين يزاولون الشعور ويزاولون التعبير من بني البشر يدركون جيدا حدود التصور البشري , وحدود التعبير البشري أيضا . ويعلمون - من تجربتهم البشرية - أن مثل هذا المشهد , لا يخطر على القلب البشري ; كما أن مثل هذا التعبير لا يتأتى له أيضا . . والذين يمارون في هذا عليهم أن يراجعوا قول البشر كله , ليروا إن كانوا قد اتجهوا مثل هذا الاتجاه أصلا !
وهذه الآية وأمثالها في القرآن الكريم تكفي وحدها لمعرفة مصدر هذا الكتاب الكريم . .
كذلك ننظر إليها من ناحية الإبداع الفني في التعبير ذاته , فنرى آفاقا من الجمال والتناسق لا تعرفها أعمال البشر , على هذا المستوى السامق:
(وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو). . آماد وآفاق وأغوار في "المجهول" المطلق . في الزمان والمكان , وفي الماضي والحاضر والمستقبل , وفي أحداث الحياة وتصورات الوجدان . .
(ويعلم ما في البر والبحر). . آماد وآفاق وآغوار في "المنظور" , على استواء وسعة وشمول . . تناسب في عالم الشهود المشهود تلك الآماد والآفاق والأغوار في عالم الغيب المحجوب .
(وما تسقط من ورقة إلا يعلمها). . حركة الموت والفناء ; وحركة السقوط والانحدار , من علو إلى سفل , ومن حياة إلى اندثار .
(ولا حبة في ظلمات الأرض). . حركة البزوغ والنماء , المنبثقة من الغور إلى السطح , ومن كمون وسكون إلى اندفاع وانطلاق .
(ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين). . التعميم الشامل , الذي يشمل الحياة والموت , والأزدهار والذبول ; في كل حي على الإطلاق . .
فمن ذا الذي يبدع ذلك الاتجاه والانطلاق ? ومن ذا الذي يبدع هذا التناسق والجمال ? . . من ذا الذي يبدع هذا كله وذلك كله , في مثل هذا النص القصير . . من ? إلا الله !
ثم نقف أمام قوله تعالى:
(وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو). .
نقف لنقول كلمة عن(الغيب)و(مفاتحه)واختصاص الله - سبحانه - "بالعلم" بها . . ذلك أن حقيقة الغيب من "مقومات التصور الإسلامي" الأساسية ; لأنها من مقومات العقيدة الإسلامية الأساسية ; ومن قواعد "الإيمان" الرئيسية . . وذلك أن كلمات(الغيب)و"الغيبية " تلاك في هذه الأيام كثيرا - بعد ظهور المذهب المادي - وتوضع في مقابل "العلم" و"العلمية " . . والقرآن الكريم يقرر أن هناك "غيبا لا يعلم مفاتحه" إلا الله . ويقرر أن ما أوتيه الإنسان من العلم قليل . . وهذا القليل إنما آتاه الله له بقدر ما يعلم هو - سبحانه -من طاقته ومن حاجته . وأن الناس لا يعلمون - فيما وراء العلم الذي أعطاهم الله إياه - إلا ظنا , وأن الظن لا يغني من الحق شيئا . . كما يقرر - سبحانه - أن الله قد خلق هذا الكون , وجعل له سننا لا تتبدل ; وأنه علم الإنسان أن يبحث عن هذه السنن ويدرك بعضها ; ويتعامل معها - في حدود طاقته وحاجته - وأنه سيكشف له من هذه السنن في الأنفس والآفاق ما يزيده يقينا وتأكدا أن الذي جاءه من عند ربه هو الحق . . دون أن يخل هذا الكشف عن سنن الله التي لا تبديل لها , بحقيقة "الغيب" المجهول للإنسان , والذي سيظل كذلك مجهولا , ولا بحقيقة طلاقة مشيئة الله وحدوث كل شيء بقدر غيبي خاص من الله , ينشى ء هذا الحدث ويبرزه للوجود . . في تناسق تام في العقيدة الإسلامية , وفي تصور المسلم الناشى ء من حقائق العقيدة . .
فهذه الحقائق بجملتها - على هذا النحو المتعدد الجوانب المتناسق المتكامل - تحتاج منا هنا - في الظلال - إلى كلمة نحاول بقدر الإمكان أن تكون مجملة , وألا تخرج عن حدود المنهج الذي اتبعناه في الظلال أيضا .
إن الله سبحانه يصف المؤمنين في مواضع كثيرة من القرآن بأنهم الذين يؤمنون بالغيب ; فيجعل هذه الصفة قاعدة من قواعد الإيمان الأساسية:
الم . ذلك الكتاب لا ريب فيه , هدى للمتقين:الذين يؤمنون بالغيب , ويقيمون الصلاة , ومما رزقناهم ينفقون , والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون . أولئك على هدى من ربهم , وأولئك هم المفلحون . . [ البقرة:5 - 1 ] .
والإيمان بالله - سبحانه - هو إيمان بالغيب . فذات الله - سبحانه - غيب بالقياس إلى البشر ; فإذا آمنوا به فإنما يؤمنون بغيب , يجدون آثار فعله , ولا يدركون ذاته , ولا كيفيات أفعاله .
والإيمان بالآخرة كذلك , هو إيمان بالغيب . فالساعة بالقياس إلى البشر غيب , وما يكون فيها من بعث وحساب وثواب وعقاب كله غيب يؤمن به المؤمن , تصديقا لخبر الله سبحانه .
والغيب الذي يتحقق الإيمان بالتصديق به يشمل حقائق أخرى يذكرها القرآن الكريم في وصف واقع المؤمنين وعقيدتهم الشاملة:
(آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون . كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله . لا نفرق بين أحد من رسله . وقالوا:سمعنا وأطعنا . غفرانك ربنا , وإليك المصير). . [ البقرة:285 ] .
فنجد في هذا النص أن رسول الله [ ص ] والمؤمنين كذلك , كل آمن بالله - وهو غيب - وآمن بما أنزل الله على رسوله - وما أنزل الله على رسوله فيه جانب من إطلاعه [ ص ] على جانب من الغيب بالقدر الذي قدره الله - سبحانه - كما قال في الآية الأخرى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول . . [ الجن:27 - 26 ] .
وآمن بالملائكة - وهي غيب - لا يعرف عنه البشر إلا ما يخبرهم به الله , على قدر طاقتهم وحاجتهم .
ويبقى من الغيب الذي لا يقوم الإيمان إلا بالتصديق به:قدر الله - وهو غيب لا يعلمه الإنسان حتى يقع - كما جاء في حديث الإيمان:" . . . والقدر خيره وشره " . . . [ اخرجه الشيخان ] " . .
على أن الغيب في هذا الوجود يحيط بالإنسان من كل جانب . . غيب في الماضي وغيب في الحاضر , وغيبفي المستقبل . . غيب في نفسه وفي كيانه , وغيب في الكون كله من حوله . . غيب في نشأة هذا الكون وخط سيره , وغيب في طبيعته وحركته . . غيب في نشأة الحياة وخط سيرها , وغيب في طبيعتها وحركتها . . غيب فيما يجهله الإنسان , وغيب فيما يعرفه كذلك !
ويسبح الإنسان في بحر من المجهول . . حتى ليجهل اللحظة ما يجري في كيانة هو ذاته فضلا على ما يجري حوله في كيان الكون كله ; وفضلا عما يجري بعد اللحظة الحاضرة له وللكون كله من حوله:ولكل ذره , وكل كهرب من ذرة ; وكل خلية وكل جزئي من خلية !
إنه الغيب . . إنه المجهول . . والعقل البشري - تلك الذبالة القريبة المدى - إنما يسبح في بحر المجهول . فلا يقف إلا على جزر طافية هنا وهنالك يتخذ منها معالم في الخضم . ولولا عون الله له , وتسخير هذا الكون , وتعليمه هو بعض نواميسه , ما استطاع شيئا . . ولكنه لا يشكر . . (وقليل من عبادي الشكور). . بل إنه في هذه الأيام ليتبجح بما كشف الله له من السنن , وبما آتاه من العلم القليل . . يتبجح فيزعم أحيانا أن "الإنسان يقوم وحده" ولم يعد في حاجة إلى إله يعينه ! ويتبجح أحيانا فيزعم أن "العلم" يقابل "الغيب" وأن "العلمية " في التفكير والتنظيم تقابل "الغيبية " وأنه لا لقاء بين العلم والغيب ; كما أنه لا لقاء بين العقلية العلمية والعقلية الغيبية !
فلنلق نظرة على وقفة "العلم" أمام "الغيب" . . في بحوث وأقوال "العلماء" من بني البشر أنفسهم - بعد أن نقف أمام كلمة الفصل التي قالها العليم الخبير عن علم الإنسان القليل - (وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا). . . [ الإسراء:85 ] (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى). . [ النجم:29 ] وأن الغيب كله لله: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو). . . [ الأنعام:59 ] وأن الذي يعلم الغيب هو الذي يرىSadأعنده علم الغيب فهو يرى ?). . [ النجم:35 ] . . . وهي ناطقة بذاتها عن مدلولاتها . .
فلنلق نظرة على وقفة "العلم" أمام "الغيب" في بحوث وأقوال العلماء من بني الإنسان لا لنصدق بها كلمة الفصل من الله سبحانه - فحاشا للمؤمن أن يصدق قول الله بقول البشر - ولكننا نقف هذه الوقفة لنحاكم الذين يلوكون كلمات العلم والغيب , والعلمية والغيبية , إلى ما يؤمنون هم به من قول البشر ! ليعلموا أن عليهم هم أن يحاولوا "الثقافة " و"المعرفة " ليعيشوا في زمانهم ; ولا يكونوا متخلفين عن عقليته ومقررات تجاربه !
وليستيقنوا أن "الغيب" هو الحقيقة "العلمية " الوحيدة المستيقنة من وراء كل التجارب والبحوث والعلم الإنساني ذاته ! وأن "العلمية " في ضوء التجارب والنتائج الأخيرة مرادفة تماما "للغيبية " . . أما الذي يقابل الغيبية حقا فهو "الجهلية " !!! الجهلية التي تعيش في القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر - ربما - ولكنها لا تعيش في القرن العشرين !!!
عالم معاصر - من أمريكا - يقول عن "الحقائق" التي يصل إليها "العلم" بجملتها:
"إن العلوم حقائق مختبرة ; ولكنها مع ذلك تتأثر بخيال الإنسان وأوهامه ومدى بعده عن الدقة في ملاحظاته وأوصافه واستنتاجاته . ونتائج العلوم مقبولة داخل هذه الحدود . فهي بذلك مقصورة على الميادين الكمية في الوصف والتنبؤ . وهي تبدأ بالاحتمالات , وتنتهي بالاحتمالات كذلك . . وليس باليقين . . ونتائج العلوم بذلك تقريبية , وعرضة للأخطاء المحتملة في القياس والمقارنات ; ونتائجها اجتهادية , وقابلة للتعديل بالإضافةوالحذف , وليست نهائية . وإننا لنرى أن العالم عندما يصل إلى قانون أو نظرية يقول:إن هذا هو ما وصلنا إليه حتى الآن , ويترك الباب مفتوحا لما قد يستجد من التعديلات" .
وهذه الكلمة تلخص حقيقة جميع النتائج التي وصل إليها العلم , والتي يمكن أن يصل إليها كذلك . فطالما أن "الإنسان" بوسائله المحدودة , بل بوجوده المحدود بالقياس إلى الأزل والأبد هو الذي يحاول الوصول إلى هذه النتائج ; فإنه من الحتم أن تكون مطبوعة بطابع هذا الإنسان , ولها مثل خصائصه من كونها محدودة المدى ; وقابلة للخطأ والصواب , والتعديل والتبديل . .
على أن الوسيلة التي يصل بها الإنسان إلى أية نتيجة هي التجربة والقياس . فهو يجرب , ثم يعمم النتيجة التي يصل إليها عن طريق القياس ; والقياس - باعتراف العلم وأهله - وسيلة تؤدي إلى نتيجة ظنية ; ولا يمكن أبدا أن تكون قطعية ولا نهائية . والوسيلة الأخرى - وهي التجربة والاستقصاء بمعنى تعميم التجربة على كل ما هو من جنس ما وقعت عليه التجارب في جميع الأزمنة وفي جميع الظروف - وسيلة غير مهيأة للإنسان . وهي إحدى الوسائل الموصلة إلى نتائج قطعية . ولا سبيل إلى نتيجة قطعية وحقيقة يقينية إلا عن طريق هدى الله الذي يبينه للناس . ومن ثم يبقى علم الإنسان فيما وراء ما قرره الله له , علما ظنيا لا يصل إلى مرتبة اليقين بحال !
على أن "الغيب" ضارب حول الإنسان فيما وراء ما يصل إليه علمه الظني ذاك . . .
هذا الكون من حوله . . إنه ما يزال يضرب في الفروض والنظريات حول مصدره ونشأته وطبيعته وحول حركته , وحول "الزمان" ما هو وحول "المكان" وارتباطه بالزمان وارتباط ما يجري في الكون بالزمان والمكان .
والحياة . ومصدرها . ونشأتها . وطبيعتها . وخط سيرها . والمؤثرات فيها . وارتباطها بهذا الوجود "المادي" ! إن كان هناك في الكون مادة على الإطلاق ذات طبيعة غير طبيعة "الفكر" وغير طبيعة الطاقة على العموم !
"والإنسان" ما هو ? ما الذي يميزه من المادة ? وما الذي يميزه عن بقية الأحياء ? وكيف جاء إلى هذه الأرض وكيف يتصرف ? وما "العقل" الذي يتميز به ويتصرف ? وما مصيره بعد الموت والإنحلال ? . .
بل هذا الكيان الإنساني ذاته , ما الذي يجري في داخله من تحليل وتركيب في كل لحظة ? وكيف يجري ? . .
إنها كلها ميادين للغيب , يقف العلم على حافاتها , ولا يكاد يقتحهما , حتى على سبيل الظن والترجيح . وإن هي إلا فروض واحتمالات !
ولندع ما لا يشغل العلم به نفسه - إلا قليلا في هذا القرن - من حقيقة الألوهية , وحقيقة العوالم الأخرى من ملائكة وجن وخلق لا يعلمه إلا الله . ومن حقيقة الموت , وحقيقة الآخرة . وحقيقة الحساب والجزاء . . لندع هذا كله لحظة ففي "الغيب" القريب , الكفاية , ومن هذا الغيب يقف العلم وقفة التسليم , الذي لا يخرج عنه إلا من يؤثرون المراء على "العلم" والتبجح على الإخلاص !
ونضرب بعض الأمثال . .
1 - في قاعدة بناء الكون وسلوكه:
الذرة - فيما يقول العلم الحديث - قاعدة بناء الكون . وليست هي أصغر وحدة في بناء هذا العالم . فهي مؤلفة من بروتونات [ طاقة كهربية موجبة ] والكترونات [ طاقة كهربية سالبة ] ونيوترونات [ طاقة محايدة مكونه من طاقة كهربائية موجبة وطاقة كهربائية سالبة متعادلتين ساكنتين ] وحين تحطم الذرة تتحرر الكهارب [ الإلكترونات ] ولكنها لا تسلك في المعمل سلوكا حتميا موحدا . فهي تسلك مرة كأنها أمواج ضوئية ومرة كأنها قذائف . ولا يمكن تحديد سلوكها المقبل مقدما . وإنما هي تخضع لقانون آخر - غير الحتمية - هو قانون الاحتمالات . وكذلك تسلك الذرة نفسها , والمجموعة المحدودة من الذرات [ في صورة جزيئات ] هذا السلوك . يقول سير جيمس جيننر - الإنجليزي - الأستاذ في الطبيعيات والرياضيات:
"لقد كان العلم القديم يقرر تقرير الواثق , أن الطبيعة لا تستطيع أن تسلك إلا طريقا واحدا:وهو الطريق الذي رسم من قبل , لتسير فيه من بداية الزمن إلى نهايته , وفي تسلسل مستمر بين علة ومعلول , وألا مناص من أن الحالة [ أ ] تتبعها الحالة [ ب ] أما العلم الحديث فكل ما يستطيع أن يقوله حتى الآن هو:أن الحالة [ أ ] يحتمل أن تتبعها [ ب ] أو [ ج ] أو [ د ] أو غيرها من الحالات الأخرى التي يخطئها الحصر . نعم إن في استطاعته أن يقول:إن حدوث الحالة [ ب ] أكثر أحتمالا من حدوث الحالة [ ج ] وإن الحالة [ ج ] أكثر احتمالا من الحالة [ د ] . . وهكذا بل إن في مقدوره أن يحدد درجة احتمال كل حالة من الحالات [ ب ] و [ ج ] و [ د ] بعضها بالنسبة إلى بعض . ولكنه لا يستطيع أن يتنبأ عن يقين:أي الحالات تتبع الأخرى . لأنه يتحدث دائما عما يحتمل . أما ما يجب أن يحدث فأمره موكول إلى الأقدار - مهما تكن حقيقة هذه الأقدار ! " .
فمإذا يكون "الغيب" وماذا يكون قدر الله المغيب عن علم الإنسان , إن لم يكن هو هذا الذي تنتهي إليه تجارب العلم الإنساني , وتقف على عتباته في صلب الكون وذراته ?
ويضرب مثلا لذلك إشعاع ذرات الراديوم , وتحولها إلى رصاص وهليوم . . وهي خاضعة تماما لقدر مجهول , وغيب مستور , يقف دونه علم الإنسان:
"ولنضرب لذلك مثلا ماديا يريده وضوحا:من المعروف أن ذرات الراديوم وغيره من المواد ذات النشاط الإشعاعي , تتفكك بمجرد مرور الزمن عليها , وتخلف وراءها ذرات من الرصاص والهليوم . ولهذا فإن كتلة من الراديوم ينقص حجمها باستمرار , ويحل مكانها رصاص وهليوم . والقانون العام الذي يتحكم في معدل التناقص غريب غاية الغرابة . ذلك أن كمية من الراديوم تنقص بنفس الطريقة التي ينقص بها عدد من السكان , إذا لم تجد عليهم مواليد , وكانت نسبة تعرض كل منهم للوفاة واحدة بغض النظر عن السن ; أو أنها تنقص كما ينقص عدد أفراد كتيبة من الجند معرضين لنيران ترسل عليهم اعتباطا , ومن غير أن يكون أحدهم مقصودا لذاته . ومجمل القول إنه ليس لكبر السن أثر ما في ذرة الراديوم الواحدة . فإنها لا تموت لأنها قد استوفت حظها من الحياة , بل لأن المنية قد أصابتها خبط عشواء .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:21 pm

ولنوضح هذه الحقيقة بمثل مادي فنقول:إذا فرض أن بحجرتنا ألفين من ذرات الراديوم . فإن العلم لا يستطيع أن يقول:كم منها يبقى حيا بعد عام . بل كل ما يستطيعه هو أن يذكر فقط الاحتمالات التي ترجح بقاء 2000 أو 1999 أو 1998 , وهكذا . وأكثر الأمور احتمالا في الواقع هو أن يكون العدد 1999 , أي أن أرجح الاحتمالات هو أن ذرة واحدة لا أكثر من الألفي ذرة , هي التي تتحلل في العام التالي .
"ولسنا ندري بأية طريقة تختار تلك الذرة المعينة من بين هذه الألفي ذرة . وقد نشعر في بادى ء الأمر بميل إلى افتراض أن هذه الذرة ستكون هي التي تتعرض للاصطدام أكثر من غيرها , أو التي تقع في أشد الأمكنة حرارة , أو التي يصادفها غير هذا أو ذاك من الأسباب في العام التالي . ولكن هذا كله غير صحيح , لأنه إذا كان في استطاعة الصدمات أو الحرارة أن تفكك ذرة واحدة , فإن في استطاعتها أيضا أن تفكك ال 1999 ذرة الباقية , ويكون في استطاعتنا أن نعجل بتفكيك الراديوم بمجرد ضغطه أو تسخينه ; ولكن كل عالم من علماء الطبيعة يقرر أن ذلك مستحيل ; بل هو يعتقد على الأرجح أن الموت يصيب في كل عام ذرة واحدة من كل 2000 من ذرات الراديوم , ويضطرها إلى أن تتفكك . وهذه هي نظرية "التفكك التلقائي" التي وضعها "رذرفورد" و"سدي" في عام 1903
فكيف إذن يكون القدر الغيبي إن لم يكن هو هذا الذي تتشعع به الذرات على غير اختيار منها ولا من أحد . وعلى غير علم منها ولا من أحد ?!
إن الرجل الذي يقول هذا الكلام , لا يريد أن يثبت به القدر الإلهي المغيب عن الناس . بل إنه ليحاول جاهدا أن يهرب من ضغط النتائج التي ينتهي إليها العلم البشري ذاته . ولكن حقيقة الغيب تفرض نفسها عليه فرضا على النحو الذي نراه !
2 - وكما تفرض حقيقة "الغيب" نفسها على قاعدة بناء الكون وحركته , فهي كذلك تفرض نفسها على قاعدة انبثاق الحياة وحركتها بنفس القوة في النتائج التي ينتهي إليها العلم البشري .
يقول عالم الأحياء والنبات "رسل تشارلز إرنست" الأستاذ بجامعة فرانكفورت بألمانيا:
"لقد وضعت نظريات عديدة لكي تفسر نشأة الحياة من عالم الجمادات ; فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين , أو من الفيروس , أو من تجمع بعض الجزئيات البروتينية الكبيرة . وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات . ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية , قد باءت بفشل وخذلان ذريعين . ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع الذرات والجزيئات عن طريق المصادفة , يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية . وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة , فهذا شأنه وحده ! ولكنه إذ يفعل ذلك , فإنما يسلم بأمر أشد إعجازا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله , الذين خلق الأشياء ودبرها .
"إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها . وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شهادة تقوم على الفكر والمنطق . ولذلك فإننيأؤمن بوجود الله إيمانا راسخًا" .
والذي يهمنا هنا من هذه الشهادة هو أن سر الحياة ونشأتها غيب من غيب الله , كنشأة الكون وحركته ; وأن ليس لدى البشر عن ذلك إلا الاحتمالات . وصدق الله العظيم: (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم). . .
3 - ونخطو خطوة واسعة لنصل إلى الإنسان . . إن الدفقة الواحدة من ماء الرجل تحتوي على نحو ستين مليونا من الحيوانات المنوية . . كلها تدخل في سباق لتلحق بالبويضة في رحم المرآة . . ولا يعلم أحد من الذي يسبق ! فهو غيب , أو هو قدر غيبي لا علم للبشر به - بما فيهم الرجل والمرأة صاحبا الدور في هذا الأمر ! - ثم يصل السابق من بين ستين مليونا ! ويلتحم مع البويضة ليكونا معا خلية واحدة ملقحة هي التي ينتج منها الجنين . ولما كانت كل كروموسومات البويضة مؤنثة , بينما كروموسومات الحيوان المنوي بعضها مذكر وبعضها مؤنث ; فإن غلبة عدد كروموسومات التذكير أو كروموسومات التأنيث في الحيوان المنوي الذي يلتحم بالبويضة , هو الذي يقرر مصير الجنين - ذكرا أو أنثى - وهذا خاضع لقدر الله الغيبي لا علم به ولا دخل للبشر - بما فيهم أبوا الجنين أنفسهماSadالله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد . وكل شيء عنده بمقدار . عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال). . [ الرعد:9 - 8 ](لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور . أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما , إنه عليم قدير). . [ الشورى:50 - 49 ] (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك , لا إله إلا هو فأني تصرفون ?). . . [ الزمر:6 ] .
هذا هو "الغيب" الذي يقف أمامه "العلم" البشري ; ويواجهه في القرن العشرين . . بينما الذين يعيشون على فتات القرون الماضية يزعمون أن "الغيبية " تنافي "العلمية " . وأن المجتمع الذي يريد أن يعيش بعقلية علمية ينبغي له أن يتخلص من العقلية الغيبية ! ذلك بينما العلم البشري ذاته . . علم القرن العشرين . . يقول:إن كل ما يصل إليه من النتائج هو "الاحتمالات" ! وإن الحقيقة المستيقنة الوحيدة هي أن هنالك "غيبًا" لا شك فيه !
على أننا قبل أن نغادر هذه الوقفة المجملة أمام حقيقة الغيب , ينبغي أن نقول كلمة عن طبيعة "الغيب" في العقيدة الإسلامية , وفي التصور الإسلامي , وفي العقلية الإسلامية .
إن القرآن الكريم - وهو المصدر الأساسي للعقيدة الإسلامية التي تنشى ء التصور الإسلامي والعقلية الإسلامية - يقرر أن هناك عالما للغيب وعالما للشهادة . فليس كل ما يحيط بالإنسان غيبا , وليس كل ما يتعامل معه من قوى الكون مجهولا . .
إن هنالك سننا ثابته لهذا الكون ; يملك "الإنسان" أن يعرف منها القدر اللازم له , حسب طاقته وحسب حاجته , للقيام بالخلافة في هذه الأرض . وقد أودعه الله القدرة على معرفة هذا القدر من السنن الكونية ; وعلى تسخير قوى الكون وفق هذه السنن للنهوض بالخلافة , وتعمير الأرض , وترقية الحياة , والانتفاع بأقواتها وأرزاقها وطاقاتها . .
وإلى جانب هذه السنن الثابته - في عمومها - مشيئة الله الطليقة ; لا تقيدها هذه السنن وإن كانت من عملها . وهناك قدر الله الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها . فهي ليست آلية بحتة , فالقدر هو المسيطر على كل حركة فيها ; وإن جرت وفق السنة التي أودعها الله إياها . وهذا القدر الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها "غيب" لا يعلمه أحد علم يقين ; وأقصى ما يصل إليه الناس هو الظنون و"الاحتمالات" . . وهذا ما يعترف به العلم البشري أيضًا . .
وإن ملايين الملايين من العمليات لتتم في كيان الإنسان في اللحظة الواحدة ; وكلها "غيب" بالقياس إليه , وهي تجري في كيانه ! ومثلها ملايين ملايين العمليات التي تتم في الكون من حوله ; وهو لا يعلمها !
وإن الغيب ليحيط بماضيه وماضي الكون . وحاضره وحاضر الكون . ومستقبله ومستقبل الكون . . وذلك مع وجود السنن الثابتة , التي يعرف بعضها , وينتفع بها انتفاعا علميا منظما في النهوض بعبء الخلافة .
وإن "الإنسان" ليجيء إلى هذا العالم على غير رغبة منه ولا علم بموعد قدومه ! وإنه ليذهب عن هذا العالم على غير رغبة منه ولا علم بموعد رحيله ! . . وكذلك كل شيء حي . . ومهما تعلم ومهما عرف , فإن هذا لن يغير من هذا الواقع شيئا !
إن العقلية الإسلامية عقلية "غيبية علمية " لأن "الغيبية " هي "العلمية " بشهادة "العلم" والواقع . . أما التنكر للغيب فهو "الجهلية " التي يتعالم أصحابها وهم بهذه الجهالة !
وإن العقلية الإسلامية لتجمع بين الاعتقاد بالغيب المكنون الذي لا يعلم مفاتحه إلا الله ; وبين الاعتقاد بالسنن التي لا تتبدل , والتي تمكن معرفة الجوانب اللازمة منها لحياة الإنسان في الأرض , والتعامل معها على قواعد ثابته . . فلا يفوت المسلم "العلم" البشري في مجاله , ولا يفوته كذلك إدراك الحقيقة الواقعية ; وهي أن هنالك غيبا لا يطلع الله عليه أحدا , إلا من شاء , بالقدر الذي يشاء . .
والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها "الفرد" فيتجاوز مرتبة "الحيوان" الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه , إلى مرتبة "الإنسان" الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدود الذي تدركه الحواس - أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس - وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله , ولحقيقة وجوده الذاتي , ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود ; وفي إحساسه بالكون , وما وراء الكون من قدرة وتدبير . كما أنها بعيدة الآثر في حياته على الأرض . فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته ; ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه ; ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود ; وأن وراء الكون . . ظاهرة وخافية . . حقيقة أكبر من الكون , هي التي صدر عنها , واستمد من وجودها وجوده . . حقيقة الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار , ولا تحيط بها العقول . .
. . . "لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة . ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان - كجماعة الماديين في كل زمان - يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى . . إلى عالم البهيمة , الذي لا وجود فيه لغير المحسوس ! ويسمون هذا "تقدمية " ! وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها . فجعل صفتهم المميزة هي صفة: (الذين يؤمنون بالغيب). . . والحمد لله على نعمائه ; والنكسة للمنتكسين والمرتكسين" .
والذين يتحدثون عن "الغيبية " و"العلمية " يتحدثون كذلك عن "الحتمية التاريخية " كأن كل المستقبل مستيقن ! و"العلم" في هذا الزمان يقول:إن هناك "احتمالات" وليست هنالك "حتميات" !
ولقد كان ماركس من المتنبئين "بالحتميات" ! ولكن أين نبوءات ماركس اليوم ?
لقد تنبأ بحتمية قيام الشيوعية في انجلترا , نتيجة بلوغها قمة الرقي الصناعي ومن ثم قمة الرأسمالية في جانب والفقر العمالي في جانب آخر . . فإذا الشيوعية تقوم في أكثر الشعوب تخلفا صناعيا . . في روسيا والصين وما إليها . . ولا تقوم قط في البلاد الصناعية الراقية !
ولقد تنبأ لينين وبعده ستالين بحتمية الحرب بين العالم الرأسمالي والعالم الشيوعي . وها هو ذا خليفتهما "خروشوف" يحمل راية "التعايش السلمي" !
ولا نمضي طويلا مع هذه "الحتميات" التنبؤية ! فهي لا تستحق جدية المناقشة !
إن هنالك حقيقة واحدة مستيقنة هي حقيقة الغيب , وكل ما عداها احتمالات . وإن هنالك حتمية واحدة هي وقوع ما يقضي به الله ويجري به قدره . وقدر الله غيب لا يعلمه إلا هو . وإن هنالك - مع هذا وذلك - سننا للكون ثابته , يملك الإنسان أن يتعرف إليها , ويستعين بها في خلافة الأرض , مع ترك الباب مفتوحا لقدر الله النافذ ; وغيب الله المجهول . . وهذا قوام الأمر كله . . (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم).
الدرس الثالث:60 خضوع الإنسان لقدر الله في دنياه وآخرته
ومن علم الله الشامل بمفاتح الغيب , وبما يجري في جنبات الكون , ينتقل السياق إلى مجال من مجالات هذا العلم الشامل , في ذوات البشر , ومجال كذلك من مجالات الهيمنة الإلهية , بعد العلم المحيط:
(وهو الذي يتوفاكم بالليل , ويعلم ما جرحتم بالنهار , ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى , ثم إليه مرجعكم , ثم ينبئكم بما كنتم تعملون). .
بضع كلمات أخرى , كالتي رسمت آفاق الغيب وآماده وأغواره , وأشارات إلى مدى العلم الإلهي وشموله في الآية السابقة . . بضع كلمات أخرى تضم حياة البشرية كلها في قبضة الله - سبحانه - وفي علمه وقدره وتدبيره . . صحوهم ومنامهم . . موتهم وبعثهم . حشرهم وحسابهم . . ولكن على "طريقة القرآن" المعجزة في الإحياء والتشخيص , وفي لمس المشاعر واستجاشتها , مع كل صورة وكل مشهد وكل حركة يرسمها تعبيره العجيب .
(وهو الذي يتوفاكم بالليل). .
فهي الوفاة إذن حين يأخذهم النعاس ; هي الوفاة في صورة من صورها بما يعتري الحاس من غفلة , وما يعتري الحس من سهوة , وما يعتري العقل من سكون , وما يعتري الوعي من سبات - أي انقطاع - وهو السر الذي لا يعلم البشر كيف يحدث ; وإن عرفوا ظواهره وآثاره ; وهو "الغيب" في صورة من صوره الكثيرة المحيطة بالإنسان . . وهؤلاء هم البشر مجردين من كل حول وطول - حتى من الوعي - ها هم أولاء في سبات وانقطاع عن الحياة . ها هم أولاء في قبضه الله - كما هم دائما في الحقيقة - لا يردهم إلى الصحو والحياة الكاملة إلا إرادة الله . . فما أضعف البشر في قبضة الله ! (ويعلم ما جرحتم بالنهار). .


وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ (61)
فما تتحرك جوارحهم لأخذ أو ترك , إلا وعند الله علم بما كسبت من خير أو شر . . وهؤلاء هم البشر مراقبين في الحركات والسكنات ; لا يند عن علم الله منهم شيء , مما تكسبه جوارحهم بعد الصحو بالنهار !
(ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى). .
أي يوقظكم في النهار من سباتكم وانقطاعكم ; لتتم آجالكم التي قضاها الله . . وهؤلاء هم البشر داخل المجال الذي قدره الله . لا مهرب لهم منه , ولا منتهى لهم سواه !
(ثم إليه مرجعكم). .
فهي الأوبة إلى الراعي بعد انقضاء المراح !
(ثم ينبئكم بما كنتم تعملون). .
فهو عرض السجل الذي وعى ما كان , وهو العدل الدقيق الذي لا يظلم في الجزاء .
وهكذا تشمل الأية الواحدة , ذات الكلمات المعدودة , ذلك الشريط الحافل بالصور والمشاهد , والمقررات والحقائق , والإيحاءات والظلال . . فمن ذا الذي يملك أن يصنع ذلك ? وكيف تكون الآيات الخوارق , إن لم تكن هي هذه ? التي يغفل عنها المكذبون , ويطلبون الخوارق المادية وما يتبعها من العذاب الأليم !
الدرس الرابع:61 - 62 قهر الله لعباده ورقابته عليهم وحسابهم يوم البعث
ولمسة أخرى من حقيقة الألوهية . . لمسة القوة القاهرة فوق العباد . والرقابة الدائمة التي لا تغفل . والقدر الجاري الذي لا يتقدم ولا يتأخر , والمصير المحتوم الذي لا مفر منه ولا مهرب . والحساب الأخير الذي لا يني ولا يمهل . . وكله من الغيب الذي يلف البشر ويحيط بالناس:
(وهو القاهر فوق عباده , ويرسل عليكم حفظة , حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون . ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق , ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين). .
(وهو القاهر فوق عباده). .
فهو صاحب السلطان القاهر ; وهم تحت سيطرته وقهره . هم ضعاف في قبضة هذا السلطان ; لا قوة لهم ولا ناصر . هم عباد . والقهر فوقهم . وهم خاضعون له مقهورون . .
وهذه هي العبودية المطلقة للألوهية القاهرة . . وهذه هي الحقيقة التي ينطق بها واقع الناس - مهما ترك لهم من الحرية ليتصرفوا , ومن العلم ليعرفوا , ومن القدرة ليقوموا بالخلافة - إن كل نفس من أنفاسهم بقدر ; وكل حركة في كيانهم خاضعة لسلطان الله بما أودعه في كيانهم من ناموس لا يملكون أن يخالفوه . وإن كان هذا الناموس يجري في كل مرة بقدر خاص حتى في النفس والحركة !
(ويرسل عليكم حفظة). .
لا يذكر النص هنا ما نوعهم . . وفي مواضع أخرى أنهم ملائكة يحصون على كل إنسان كل ما يصدر عنه . . أما هنا فالمقصود الظاهر هو إلقاء ظل الرقابة المباشرة على كل نفس . ظل الشعور بأن النفس غير منفردة لحظة واحدة , وغير متروكة لذاتها لحظة واحدة . فهناك حفيظ عليها رقيب يحصي كل حركة وكل نأمة ; ويحفظ ما يصدر عنها لا يند عنه شيء . . وهذا التصور كفيل بأن ينتفض له الكيان البشري ; وتستيقظ فيه كل خالجة وكل جارحة .


ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)
(حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون). .
الظل نفسه , في صورة أخرى . . فكل نفس معدودة الأنفاس , متروكة لأجل لا تعلمه - فهو بالنسبة لها غيب لا سبيل إلى كشفه - بينما هو مرسوم محدد في علم الله , لا يتقدم ولا يتأخر . وكل نفس موكل بأنفاسها وأجلها حفيظ قريب مباشر حاضر , لا يغفو ولا يغفل ولا يهمل - فهو حفيظ من الحفظة - وهو رسول من الملائكة - فإذا جاءت اللحظة المرسومة الموعودة - والنفس غافلة مشغولة - أدى الحفيظ مهمته , وقام الرسول برسالته . . وهذا التصور كفيل كذلك بأن يرتعش له الكيان البشري ; وهو يحس بالقدر الغيبي يحيط به ; ويعرف أنه في كل لحظة قد يقبض , وفي كل نفس قد يحين الأجل المحتوم .
(ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق). .
مولاهم الحق من دون الآلهة المدعاة . . مولاهم الذي أنشأهم , والذي أطلقهم للحياة ما شاء . . في رقابته التي لا تغفل ولا تفرط . . ثم ردهم إليه عندما شاء ; ليقضي فيهم بحكمه بلا معقب:
(ألا له الحكم , وهو أسرع الحاسبين). .
فهو وحده يحكم , وهو وحده يحاسب . وهو لا يبطى ء في الحكم , ولا يمهل في الجزاء . . ولذكر السرعة هنا وقعه في القلب البشري . فهو ليس متروكا ولو إلى مهلة في الحساب !
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:21 pm

وتصور المسلم للأمر على هذا النحو الذي توحي به أصول عقيدته في الحياة والموت والبعث والحساب , كفيل بأن ينزع كل تردد في إفراد الله سبحانه بالحكم - في هذه الأرض - في أمر العباد . .
إن الحساب والجزاء والحكم في الآخرة , إنما يقوم على عمل الناس في الدنيا ; ولا يحاسب الناس على ما اجترحوا في الدنيا إلا أن تكون هناك شريعة من الله تعين لهم ما يحل وما يحرم , مما يحاسبون يوم القيامة على أساسه ; وتوحد الحاكمية في الدنيا والآخرة على هذا الأساس . .
فأما حين يحكم الناس في الأرض بشريعة غير شريعة الله ; فعلام يحاسبون في الآخرة ? أيحاسبون وفق شريعة الأرض البشرية التي كانوا يحكمون بها ; ويتحاكمون إليها ? أم يحاسبون وفق شريعة الله السماوية التي لم يكونوا يحكمون بها ; ولا يتحاكمون إليها ?
إنه لا بد أن يستيقن الناس أن الله محاسبهم على أساس شريعته هو لا شريعة العباد . وأنهم إن لم ينظموا حياتهم , ويقيموا معاملاتهم - كما يقيمون شعائرهم وعباداتهم - وفق شريعة الله في الدنيا , فإن هذا سيكون أول ما يحاسبون عليه بين يدي الله . وأنهم يومئذ سيحاسبون على أنهم لم يتخذوا الله - سبحانه - إلها في الأرض ; ولكنهم اتخذوا من دونه أربابا متفرقة . وأنهم محاسبون إذن على الكفر بألوهية الله - أو الشرك به باتباعهم شريعته في جانب العبادات والشعائر , واتباعهم شريعة غيره في النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي , وفي المعاملات والارتباطات - والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن شاء . .
الدرس الخامس:63 - 64 عودة الإنسان عند الشدة إلى الله وتضرعه إليه
ثم يحاكمهم إلى فطرتهم التي تعرف حقيقة الألوهية ; وتلتجى ء إلى إلهها الحق في ساعة الشدة ; ويرسم لهم هذه الفطرة أمام الهول والكرب ; وكيف يخالفون عنها في اليسر والرخاء . . في مشهد قصير سريع , ولكنه واضح حاسم , وموح مؤثر .
إن الهول والكرب الذي ترتعد له الفرائض ليس مؤجلا دائما إلى يوم الحشر والحساب . فهم يصادفون


قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (64)
الهول في ظلمات البر والبحر . فلا يتوجهون عند الكرب إلا لله ; ولا ينجيهم من الكرب إلا الله . . ولكنهم يعودون إلى ما كانوا فيه من الشرك عند اليسر والرخاء:
(قل:من ينجيكم من ظلمات البر والبحر , تدعونه تضرعا وخفية:لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين . قل:الله ينجيكم منها ومن كل كرب , ثم أنتم تشركون). .
إن تصور الخطر , وتذكر الهول , قد يردان النفوس الجامحة , ويرققان القلوب الغليظة , ويذكران النفس لحظات الضعف والإنابة ; كما يذكرانها رحمة الفرج ونعمة النجاة:
(قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية:لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين). .
إنها تجربة يعرفها كل من وقع في ضيقة , أو رأى المكروبين في لحظة الضيق . . وظلمات البر والبحر كثيرة . وليس من الضروري أن يكون الليل لتتحقق الظلمات . فالمتاهة ظلام , والخطر ظلام , والغيب الذي ينتظر الخلق في البر والبحر حجاب . . وحيثما وقع الناس في ظلمة من ظلمات البر والبحر لم يجدوا في أنفسهم إلا الله يدعونه متضرعين أو يناجونه صامتين . . إن الفطرة تتعرى حينئذ من الركام ; فتواجه الحقيقة الكامنة في أعماقها . . حقيقة الألوهية الواحدة . . وتتجه إلى الله الحق بلا شريك ; لأنها تدرك حينئذ سخافة فكرة الشرك , وتدرك انعدام الشريك ! ويبذل المكروبون الوعود .
(لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين). .
والله - سبحانه - يقول لرسوله [ ص ] ليذكرهم بحقيقة الأمر:
(قل:الله ينجيكم منها ومن كل كرب). فليس هنالك غيره يستجيب , ويقدر على دفع الكروب . .
ثم ليذكرهم بتصرفهم المنكر العجيب:
(ثم أنتم تشركون). .
الدرس السادس:65 عجز الناس عن دفع عذاب الله وبأسه عنهم
وهنا يواجههم ببأس الله الذي قد يأخذهم بعد النجاة ! فما هي مرة وتنتهي , ثم يفلتون من القبضة كما يتصورون:
(قل:هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم , أو من تحت أرجلكم , أو يلبسكم شيعا , ويذيق بعضكم بأس بعض . انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون). .
وتصور العذاب الغامر من فوق , أو النابع من تحت , أشد وقعا في النفس من تصوره آتيا عن يمين أو شمال . فالوهم قد يخيل للإنسان أنه قد يقدر على دفع العذاب من يمين أو شمال ! أما العذاب الذي يصب عليه من فوق , أو يأخذه من تحت , فهو عذاب غامر قاهر مزلزل , لا مقاومة له ولا ثبات معه ! والتعبير الموحي يتضمن هذا المؤثر القوي في حس الإنسان ووهمه , وهو يقرر حقيقة قدرة الله على أخذ العباد بالعذاب من حيث شاء وكيف شاء .
ويضيف إلى ألوان العذاب الداخلة في قدرة الله ; والتي قد يأخذ العباد بها متى شاء ; لونا آخر بطيئا طويلا ; لا ينهي أمرهم كله في لحظة ولكنه يصاحبهم ويساكنهم ويعايشهم بالليل والنهار:
(أو يلبسكم شيعا , ويذيق بعضكم بأس بعض). .
وهي صورة من العذاب المقيم الطويل المديد ; الذي يذوقونه بأيديهم , ويجرعونه لأنفسهم ; إذ يجعلهم


قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)
شيعا وأحزابا , متداخلة لا يتميز بعضها عن بعض , ولا يفاصل بعضها بعضا , فهي أبدا في جدال وصراع , وفي خصومة ونزاع , وفي بلاء يصبه هذا الفريق على ذاك . .
ولقد عرفت البشرية في فترات كثيرة من تاريخها ذلك اللون من العذاب , كلما انحرفت عن منهج الله وتركت لأهواء البشر ونزواتهم وشهواتهم وجهالتهم وضعفهم وقصورهم . . تصريف الحياة وفق تلك الأهواء والنزوات والشهوات والجهالة والضعف والقصور . وكلما تخبط الناس وهم يضعون أنظمة للحياة وأوضاعا وشرائع وقوانين وقيما وموازين من عند أنفسهم ; يتعبد بها الناس بعضعهم بعضا ; ويريد بعضهم أن يخضع لأنظمته وأوضاعه وشرائعه وقوانينه البعض الآخر , والبعض الآخر يأبى ويعارض , وأولئك يبطشون بمن يأبى ويعارض . وتتصارع رغباتهم وشهواتهم وأطماعهم وتصوراتهم . فيذوق بعضهم بأس بعض , ويحقد بعضهم على بعض , وينكر بعضهم بعضا , لأنهم لا يفيئون جميعا إلى ميزان واحد ; يضعه لهم المعبود الذي يعنوا له كل العبيد , حيث لا يجد أحدهم في نفسه استكبارا عن الخضوع له , ولا يحس في نفسه صغارا حين يخضع له .
إن الفتنة الكبرى في الأرض هي أن يقوم من بين العباد من يدعي حق الألوهية عليهم , ثم يزاول هذا الحق فعلا ! إنها الفتنة التي تجعل الناس شيعا ملتبسة ; لأنهم من ناحية المظهر يبدون أمة واحدة أو مجتمعا واحدا , ولكن من ناحية الحقيقة يكون بعضهم عبيدا لبعض ; ويكون بعضهم في يده السلطة التي يبطش بها - لأنها غير مقيدة بشريعة من الله - ويكون بعضهم في نفسه الحقد والتربص . . ويذوق الذين يتربصون والذين يبطشون بعضهم بأس بعض ! وهم شيع ; ولكنها ليست متميزة ولا منفصله ولا مفاصلة ! والأرض كلها تعيش اليوم في هذا العذاب البطيء المديد !
وهذا يقودنا إلى موقف العصبة المسلمة في الأرض . وضرورة مسارعتها بالتميز من الجاهلية المحيطة بها - والجاهلية كل وضع وكل حكم وكل مجتمع لا تحكمه شريعة الله وحدها , ولا يفرد الله سبحانه بالألوهية والحاكمية - وضرورة مفاصلتها للجاهلية من حولها ; باعتبار نفسها أمة متميزة من قومها الذي يؤثرون البقاء في الجاهلية , والتقيد بأوضاعها وشرائعها وأحكامها وموازينها وقيمها .
إنه لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها هذا العذاب: (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض). . إلا بأن تنفصل هذه العصبة عقيديا وشعوريا ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها - حتى يأذن الله لها بقيام "دار إسلام" تعتصم بها - وإلا أن تشعر شعورا كاملا بأنها هي "الأمة المسلمة " وأن ما حولها ومن حولها , ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه , جاهلية وأهل جاهلية . وأن تفاصل قومها على العقيدة والمنهج ; وأن تطلب بعد ذلك من الله أن يفتح بينها وبين قومها بالحق وهو خير الفاتحين .
فإذا لم تفاصل هذه المفاصلة , ولم تتميز هذا التميز , حق عليها وعيد الله هذا . وهو أن تظل شيعة من الشيع في المجتمع , شيعة تتلبس بغيرها من الشيع , ولا تتبين نفسها , ولا يتبينها الناس مما حولها . وعندئذ يصيبها ذلك العذاب المقيم المديد ; دون أن يدركها فتح الله الموعود !
إن موقف التميز والمفاصلة قد يكلف العصبة المسلمة تضحيات ومشقات . . غير أن هذه التضحيات والمشقات لن تكون أشد ولا أكبر من الآلام والعذاب الذي يصيبها نتيجة التباس موقفها وعدم تميزه , ونتيجة اندغامها وتميعها في قومها والمجتمع الجاهلي من حولها . .
ومراجعة تاريخ الدعوة إلى الله على أيدي جميع رسل الله , يعطينا اليقين الجازم بأن فتح الله ونصره , وتحقيق وعده بغلبة رسله والذين آمنوا معهم . . لم يقع في مرة واحدة , قبل تميز العصبة المسلمة ومفاصلتهالقومها على العقيدة وعلى منهج الحياة - أي الدين - وانفصالها بعقيدتها ودينها عن عقيدة الجاهلية ودينها - أي نظام حياتها - وأن هذه كانت هي نقطة الفصل ومفرق الطريق في الدعوات جميعا .
وطريق هذه الدعوة واحد . ولن يكون في شأنها إلا ما كان على عهود رسل الله جميعا , صلوات الله عليهم وسلامه:
(انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون). .
والله نسأل أن يجعلنا ممن يصرف الله لهم الآيات فيفقهون . .
الوحدة التاسعة:67 - 70 الموضوع:مفاصلة الكفار ومفارقتهم مقدمة الوحدة وجوب ومفاصلة الكفار
إنها جولة لتقرير المفاصلة التي انتهت بها الموجة السابقة ; فقوم النبي [ ص ] هم الذين كذبوا بما جاءهم به - وهو الحق - ومن ثم انفصل ما بينه وبين قومه وانبت ; وأمر أن يفاصلهم فيعلن إليهم أنه ليس عليهم بوكيل , وأنه يتركهم لمصيرهم الذي لا بد آت , وأمر أن يعرض عنهم فلا يجالسهم متى رآهم يخوضون في الدين , ويتخذونه لعبا ولهو , ولا يوقرونه التوقير الواجب للدين , وأمر - مع ذلك - أن يذكرهم ويحذرهم ويبلغهم وينذرهم , ولكن على أنه وإياهم - وهم قومه - فريقان مختلفان , وأمتان متميزتان . . فلا قوم ولا جنس ولا عشيرة ولا أهل في الإسلام . . إنما هو الدين الذي يربط ما بين الناس أو يفصم . . وإنما هي العقيدة التي تجمع بين الناس أو تفرق . وحين يوجد أساس الدين توجد تلك الروابط الأخرى . وحين تنفصم هذه العروة تفصم الروابط والصلات .
وهذه هي الخلاصة المجملة لهذه الموجة من السياق .


وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (66) لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)
الدرس الأول:66 - 67 مفاصلة الكفار وتهديدهم بالمستقبل (وكذب به قومك - وهو الحق - قل:لست عليكم بوكيل . لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون). .
والخطاب لرسول الله [ ص ] يعطيه , ويعطي المؤمنين من ورائه , الثقة التي تملأ القلب بالطمأنينة . الثقة بالحق - ولو كذب به قومه وأصروا على التكذيب - فما هم بالحكم في هذا الأمر , إنما كلمة الفصل فيه لله سبحانه . وهو يقرر أنه الحق . وأن لا قيمة ولا وزن لتكذيب القوم !
ثم يأمر الله تعالى نبيه [ ص ] أن يبرأ من قومه , وينفض منهم يده , وأن يعلنهم بهذه المفاصلة , ويعلمهم أنه لا يملك لهم شيئا ; وأنه ليس حارسا عليهم ولا موكلا بهم بعد البلاغ , ولا مكلفا أن يهدي قلوبهم - فليس هذا من شأن الرسول - ومتى أبلغهم ما معه من الحق , فقد انتهى بينه وبينهم الأمر ; وأنه يخلي بينهم وبين المصير الذي لا بد أن ينتهي إليه أمرهم . فإن لكل نبأ مستقرا ينتهي إليه ويستقر عنده . وعندئذ يعلمون ما سيكون !
(لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون). .
وفي هذا الإجمال من التهديد ما يزلزل القلوب . .
إنها الطمأنينة الواثقة بالحق ; الواثقة بنهاية الباطل مهما تبجح , الواثقة بأخذ الله للمكذبين في الأجل المرسوم , الواثقة من أن كل نبأ إلى مستقر ; وكل حاضر إلى مصير .
وما أحوج أصحاب الدعوة إلى الله - في مواجهة التكذيب من قومهم , والجفوة من عشيرتهم , والغربة في أهلهم , والأذى والشدة والتعب والأواء . . ما أحوجهم إلى هذه الطمأنينة الواثقة التي يسكبها القرآن الكريم في القلوب !
الدرس الثاني:68 - 70 الأمر بمقاطعة الخائضين في آيات الله
فإذا أنهى إليهم هذا البلاغ , وإذا واجه تكذيبهم بهذه المفاصلة . . فإنه [ ص ] مأمور بعد ذلك ألا يجالسهم - حتى للبلاغ والتذكير - إذا رآهم يخوضون في آيات الله بغير توقير ; ويتحدثون عن الدين بغير ما ينبغي للدين من الجد والمهابة ; ويجعلون الدين موضعا للعب واللهو ; بالقول أو بالفعل ; حتى لا تكون مجالسته لهم - وهم على مثل هذه الحال - موافقة ضمنية على ما هم فيه ; أو قلة غيرة على الدين الذي لا يغار المسلم على حرمة كما يغار عليه . فإذا أنساه الشيطان فجلس معهم , ثم تذكر , قام من فوره وفارق مجلسهم:
(وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره . وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين). .
ولقد كان هذا الأمر للرسول [ ص ] ويمكن في حدود النص أن يكون أمرا لمن وراءه من المسلمين . . كان هذا الأمر في مكة . حيث كان عمل الرسول [ ص ] يقف عند حدود الدعوة . وحيث كان غير مأمور بقتال للحكمة التي أرادها الله في هذه الفترة . وحيث كان الاتجاه واضحا لعدم الاصطدام بالمشركين ما أمكن . . فكان هذا الأمر بألا يجلس النبي [ ص ] في مجالس المشركين ; متى رآهم يخوضون في آيات الله ويذكرون دينه بغير توقير , والمسارعة إلى ترك هذه المجالس - لو أنساه الشيطان - بمجرد أن يتذكر أمر الله ونهيه . وكان المسلمون كذلك مأمورين بهذا الأمر كما تقول بعض الروايات . . والقوم الظالمون , المقصود بهم هنا القوم المشركون . كما هو التعبير الغالب في القرآن الكريم . .


وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)
فأما بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة , فكان للنبي [ ص ] شأن آخر مع المشركين . وكان الجهاد والقتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله . حيث لا يجترى ء أحد على الخوض في آيات الله !
ثم يكرر السياق المفاصلة بين المؤمنين والمشركين , كما قررها من قبل بين الرسول [ ص ] وبين المشركين . ويقرر اختلاف التبعة واختلاف المصير:
(وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء , ولكن ذكرى لعلهم يتقون). .
فليست هنالك تبعة مشتركة بين المتقين والمشركين . فهما أمتان مختلفتان - وإن اتحدتا في الجنس والقوم فهذه لا وزن لها في ميزان الله , ولا في اعتبار الإسلام . . إنما المتقون أمة , والظالمون [ أي المشركون ] أمة , وليس على المتقين شيء من تبعة الظالمين وحسابهم . ولكنهم إنما يقومون بتذكيرهم رجاء أن يتقوا مثلهم , وينضموا إليهم . . وإلا فلا مشاركة في شيء , إذا لم تكن مشاركة في عقيدة !
هذا دين الله وقوله . . ولمن شاء أن يقول غيره . ولكن ليعلم أنه يخرج من دين الله كله إذ يقول ما يقول ! ويستمر السياق في تقرير هذه المفاصلة ; وفي بيان الحدود التي تكون فيها المعاملة:
(وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا , وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع , وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها . أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا , لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون). .
ونقف من الآية أمام عدة أمور:
أولها:أن الرسول [ ص ] وينسحب الأمر على كل مسلم - مأمور أن يهمل شأن الذين يتخذون دينهم لعبا ولهوا . . وهذا يتم بالقول كما يتم بالفعل . . فالذي لا يجعل لدينه وقاره واحترامه باتخاذه قاعدة حياته اعتقادا وعبادة , وخلقا وسلوكا , وشريعة وقانونا , إنما يتخذ دينه لعبا ولهوا . . والذي يتحدث عن مبادى ء هذا الدين وشرائعه فيصفها أوصافا تدعو إلى اللعب واللهو . كالذين يتحدثون عن "الغيب" - وهو أصل من أصول العقيدة - حديث الاستهزاء . والذين يتحدثون عن "الزكاة " وهي ركن من أركان الدين حديث الاستصغار . والذين يتحدثون عن الحياء والخلق والعفة - وهي من مبادى ء هذا الدين - بوصفها من أخلاق المجتمعات الزراعية , أو الإقطاعية , أو "البرجوازية " الزائلة ! والذين يتحدثون عن قواعد الحياة الزوجية المقررة في الإسلام حديث إنكار أو استنكار . والذين يصفون الضمانات التي جعلها الله للمرأة لتحفظ عفتها بأنها "أغلال ! " . . وقبل كل شيء وبعد كل شيء . . الذين ينكرون حاكمية الله المطلقة في حياة الناس الواقعية . . السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية . . ويقولون:إن للبشر أن يزاولوا هذا الاختصاص دون التقيد بشريعة الله . . . أولئك جميعا من المعنيين في هذه الآيات بأنهم يتخذون دينهم لعبا ولهوا . وبأن المسلم مأمور بمفاصلتهم ومقاطعتهم إلا للذكرى . وبأنهم الظالمون - أي المشركون - والكافرون الذين أبسلوا بما كسبوا , فلهم شراب من حميم وعذاب أليم لما كانوا يكفرون . .
وثانيها:أن الرسول [ ص ] وينسحب الامر على كل مسلم - مأمور بعد إهمال شأن هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا - أن يقوم بتذكيرهم وتخويفهم من أن ترتهن نفوسهم بما كسبوا , وأن يلاقوا الله ليس لهم من دونه ولي ينصرهم , ولا شفيع يشفع لهم ; كما أنه لا يقبل منهم فدية لتطلق نفوسهم بعد ارتهانها بما كسبت .
وللتعبير القرآني جماله وعمقه وهو يقول:


وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (70)
(وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع , وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها). .
فكل نفس على حدة تبسل [ أي ترتهن وتؤخذ ] بما كسبت , حالة أن ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع ولا يقبل منها عدل تفتدى به وتفك الربقة !
فأما أولئك الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا فهؤلاء قد ارتهنوا بما كسبوا ; وحق عليهم ما سبق في الآية ; وكتب عليهم هذا المصير:
(أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا , لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون). .
لقد أخذوا بما فعلوا ; وهذا جزاؤهم:شراب ساخن يشوي الحلوق والبطون ; وعذاب أليم بسبب كفرهم , الذي دل عليه استهزاؤهم بدينهم . .
وثالثها:قول الله تعالى في المشركين: (الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوًا). .
فهل هو دينهم ? . .
إن النص ينطبق على من دخل في الإسلام , ثم اتخذ دينه هذا لعبا ولهوا . . وقد وجد هذا الصنف من الناس وعرف باسم المنافقين . . ولكن هذا كان في المدينة . .
فهل هو ينطبق على المشركين الذين لم يدخلوا في الإسلام ? إن الإسلام هو الدين . . هو دين البشرية جميعا . . سواء من آمن به ومن لم يؤمن . . فالذي رفضه إنما رفض دينه . . باعتبار أنه الدين الوحيد الذي يعده الله دينا ويقبله من الناس بعد بعثة خاتم النبيين .
ولهذه الأضافة دلالتها في قوله:
(وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوًا). .
فهي - والله أعلم - إشارة إلى هذا المعنى الذي أسلفناه , من اعتبار الإسلام دينا للبشرية كافة . فمن اتخذه لعبا ولهوا , , فإنما يتخذ دينه كذلك . . ولو كان من المشركين . .
ولا نزال نجدنا في حاجة إلى تقرير من هم المشركون ? إنهم الذين يشركون بالله أحدا في خصائص الألوهية . سواء في الاعتقاد بألوهية أحد مع الله . أو بتقديم الشعائر التعبدية لأحد مع الله . أو بقبول الحاكمية والشريعة من احد مع الله . ومن باب أولى من يدعون لأنفسهم واحدة من هذه , مهما تسموا بأسماء المسلمين ! فلنكن من أمر ديننا على يقين !
ورابعها:حدود مجالسة الظالمين - أي المشركين - والذين يتخذون دينهم لعبا ولهوا . . وقد سبق القول بأنها لمجرد التذكير والتحذير . فليست لشيء وراء ذلك - متى سمع الخوض في آيات الله ; أو ظهر اتخاذها لعبا ولهوا بالعمل بأية صورة مما ذكرنا أو مثلها . .
وقد جاء في قول القرطبي في كتابه:الجامع لأحكام القرآن بصدد هذه الآية:
"في هذه الآية رد من كتاب الله عز وجل , على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج وأتباعهم , لهم أن يخالطوا الفاسقين , ويصوبوا آراءهم تقية . . "
ونحن نقول:إن المخالطة بقصد الموعظة والتذكير وتصحيح الفاسد والمنحرف من آراء الفاسقين تبيحها الآية في الحدود التي بينتها . أما مخالطة الفاسقين والسكوت عما يبدونه من فاسد القول والفعل من باب التقيةفهو المحظور . لأنه - في ظاهرة - إقرار للباطل , وشهادة ضد الحق . وفيه تلبيس على الناس , ومهانة لدين الله وللقائمين على دين الله . وفي هذه الحالة يكون النهي والمفارقة .
كذلك روى القرطبي في كتابه هذه الأقوال:
"قال ابن خويز منداد:من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر - مؤمنا كان أو كافرا - قال:وكذلك منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو , ودخول كنائسهم والبيع , ومجالسة الكفار وأهل البدع ; وألا تعتقد مودتهم , ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم . وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي:اسمع مني كلمة , فأعرض عنه , وقال:ولا نصف كلمة ! . ومثله عن أيوب السختياني . وقال الفضيل بن عياض:من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله , وأخرج الإسلام من قلبه , ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها ; ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة , وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له . وروى أبو عبدالله الحاكم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت:قال رسول الله [ ص ] " من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام " . .
فهذا كله في صاحب البدعة وهو على دين الله . . وكله لا يبلغ مدى من يدعي خصائص الألوهية بمزاولته للحاكمية ; ومن يقره على هذا الادعاء . . فليس هذا بدعة مبتدع ; ولكنه كفر كافر , أو شرك مشرك . مما لم يتعرض له السلف لأنه لم يكن في زمانهم . فمنذ أن قام الإسلام في الأرض لم يبلغ من أحد أن يدعي هذه الدعوى - وهو يزعم الإسلام . ولم يقع شيء من ذلك إلا بعد الحملة الفرنسية التي خرج بعدها الناس من إطار الإسلام - إلا من عصم الله - وكذلك لم يعد في قول هؤلاء السلف ما ينطبق على هذا الذي كان ! فقد تجاوز كل ما تحدثوا عنه بمثل هذه الأحكام . .
الوحدة العاشرة:71 - 73 حيرة متبع الشياطين ومن حقائق العقيدة هذه الوحدة بآياتها الثلاثة درس واحد
هذا الإيقاع القوي بحقيقة الألوهية وخصائصها ; وباستنكار الشرك والعودة إليه بعد الهدى ; وبمشهد الذي يرجع القهقري مرتدا عن دين الله ; وحيرته في التيه بلا اتجاه ; وبتقرير أن هدى الله وحده هو الهدى . . هذا الإيقاع يختم برنة عالية عميقة مدوية . عن سلطان الله المطلق , في الأمر والخلق ; وعن انكشاف هذا السلطان وتفرده بالظهور - حتى للمنكرين المطموسين - (يوم ينفخ في الصور)ويبعث من في القبور ; ويستيقن من لم يكن يستيقن أن الملك لله وحده , وأن إليه المصير:
قل:أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا , ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله , كالذي استهوته الشياطين في الأرض , حيران , له أصحاب يدعونه إلى الهدى . ائتنا . قل:إن هدى الله هو الهدى , وأمرنا لنسلم لرب العالمين . وأن أقيموا الصلاة واتقوه . .
(قل). . الإيقاع القوي المتكرر في السورة ; الذي يوحي بأن هذا الأمر لله وحده , وأن الرسول [ ص ] إنما هو منذر ومبلغ ; والذي يوحي بجلال هذا الأمر وعلويته ورهبته ; وأن الرسول [ ص ] إنما هو مأمور به من ربه .
(قل:أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ? . .
قل لهم يا محمد ما هم عليه من دعوة غير الله والاستعانة به وإسلام مقادهم لهؤلاء الذين يدعونهم من دونه , وهم لا يملكون نفعا ولا ضرا . سواء كان ما يدعونه وثنا أو صنما , حجرا أو شجرا , روحا أم ملكا , شيطانا أم إنسانا . . فكلهم سواء في أنهم لا ينفعون شيئا ولا يضرون . فهم أعجز من النفع والضر . وكل حركة إنما تجري بقدر من الله . فما لم يأذن به الله لا يكون , ولا يكون إلا قدره وما جرى به قضاؤه من الأمور . .
قل لهم مستنكرا دعوة غير الله , وعبادة غير الله , والاستعانة بغير الله , والخضوع لغير الله . وسخف هذا التصرف وهذا الاتجاه . . وسواء كان ذلك ردا على ما كان يقترحه المشركون على النبي [ ص ] من مشاركتهم عبادة آلهتهم ليشاركوه عبادة ربه ! أو كان ذلك استنكارا مبتدأ لما عليه المشركون , وإعلانا للمفارقة والمفاصلة فيه من جانب النبي [ ص ] والمؤمنين . . فإن المؤدى في النهاية واحد ; وهو استنكار هذا السخف الذي يرفضه العقل البشري ذاته متى عرض له في النور ; بعيدا عن الموروثات الراسبة , وبعيدا كذلك عن العرف السائد في البيئة !
ولتجسيم السخف وتضخيم الاستنكار يعرض هذه المعتقدات في ضوء ما هدى الله المسلمين إليه من عبادته وحده , واتخاذه وحده إلها , والدينونه له وحده بلا شريك: 1 (قل:أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا ? . .
فهو ارتداد على الأعقاب ; ورجوع إلى الوراء ; بعد التقدم والارتقاء . .
ثم هذا المشهد الشاخص المتحرك الموحي المثير:
(كالذي استهوته الشياطين في الأرض) (. . حيران . . له أصحاب يدعونه إلى الهدى:ائتنًا). .
إنه مشهد حي شاخص متحرك للضلالة والحيرة التي تنتاب من يشرك بعد التوحيد , ومن يتوزع قلبه بين الإله الواحد , والآلهة المتعددة من العبيد ! ويتفرق إحساسه بين الهدى والضلال , فيذهب في التيه . . إنه مشهد ذلك المخلوق التعيس: (الذي استهوته الشياطين في الأرض)- ولفظ الاستهواء لفظ مصور بذاته لمدلوله - ويا ليته يتبع هذا الاستهواء في اتجاهه , فيكون له اتجاه صاحب القصد الموحد - ولو في طريق الضلال ! -
قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72)
ولكن هناك , من الجانب الآخر , أصحاب له مهتدون , يدعونه إلى الهدى , وينادونه(ائتنا)- وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء(حيران)لا يدري أين يتجه , ولا أي الفريقين يجيب !
إنه العذاب النفسي يرتسم ويتحرك , حتى ليكاد يحس ويلمس من خلال التعبير !
ولقد كنت أتصور هذا المشهد وما يفيض به من عذاب الحيرة والتأرجح والقلقلة كلما قرآت هذا النص . . ولكن مجرد تصور . . حتى رأيت حالات حقيقية , يتمثل فيها هذا الموقف , ويفيض منها هذا العذاب . . حالات ناس عرفوا دين الله وذاقوه - أيا كانت درجة هذه المعرفة وهذا التذوق - ثم ارتدوا عنه إلى عبادة الآلهة الزائفة , تحت قهر الخوف والطمع . . ثم إذا هم في مثل هذا البؤس المرير . . وعندئذ عرفت ماذا تعني هذه الحالة , وماذا يعني هذا التعبير !
وبينما ظل المشهد الحي الشاخص المتحرك الموحي , يغمر النفس بالوجل من هذا المصير التعيس . . يأتي التقرير الحاسم بالاتجاه الثابت المستقيم:
(قل:إن هدى الله هو الهدى , وأمرنا لنسلم لرب العالمين , وأن أقيموا الصلاة واتقوه). .
إنه التقرير الحاسم في الظرف النفسي المناسب , فالنفس التي ترتسم لها صورة الحيرة الطاغية , والعذاب المرير من هذه الحيرة التي لا تستقر على قرار , تكون أقرب ما تكون إلى استقبال القرار الحاسم بالراحة والتسليم . .
ثم إنه الحق في ذلك التقرير الحاسم:
(قل:إن هدى الله هو الهدى). .
هو وحدة الهدى - كما يفيد التركيب البياني للجملة - وإنه لكذلك عن يقين . .
وإن البشرية لتخبط في التيه , كلما تركت هذا الهدى , أو انحرفت عن شيء منه واستبدلت به شيئا من تصوراتها هي ومقولاتها , وأنظمتها وأوضاعها , وشرائعها وقوانينها , وقيمها وموازينها , بغير(علم)ولا(هدى)ولا (كتاب منير). .
إن "الإنسان" موهوب من الله القدرة على تعرف بعض نواميس الكون وبعض طاقاته وقواه , للانتفاع بها في الخلافة في الأرض , وترقية هذه الحياة . . ولكن هذا الإنسان ذاته غير موهوب من الله القدرة على استكناه الحقائق المطلقة في هذا الكون , ولا على الإحاطة بأسرار الغيوب التي تلفه من كل جانب , ومنها غيب عقله هو وروحه , بل غيب وظائف جسمه والأسباب الكامنة وراء هذه الوظائف , والتي تدفعها للعمل هكذا , وبهذا الانتظام , وفي هذا الاتجاه .
ومن ثم يحتاج هذا "الإنسان" إلى هدى الله في كل ما يختص بكينونته وحياته من عقيدة وخلق , وموازين وقيم , وأنظمة وأوضاع , وشرائع وقوانين تحكم هذه الكينونة وتنظم لها واقع الحياة . .
وكلما فاء هذا "الإنسان" إلى هدى الله اهتدى . لأن هدى الله هو الهدى . وكلما بعد كلية عنه , أو انحرف بعض الانحراف واستبدل به شيئا من عنده ضل . لأن ما ليس من هدى الله فهو ضلال . . إذ ليس هنالك نوع ثالث (فماذا بعد الحق إلا الضلال ?).
ولقد ذاقت البشرية من ويلات هذا الضلال - وما تزال كلها تذوق - ما هو "حتمي" في تاريخ البشرية حين تنحرف عن هدى الله . . فهذه هي "الحتمية التاريخية " الوحيدة المستيقنة لأنها من أمر الله , ومن خبر الله ,لا تلك الحتميات المدعاة ! والذي يريد أن يتملى شقاء البشرية في انحرافها عن هدى الله , لا يحتاج أن ينقب , فهو حوله في كل أرض تراه الأعين وتلمسه الأيدي , ويصرخ منه العقلاء في كل مكان .
ومن ثم يستطرد السياق في الآية ليقرر ضرورة الاستسلام لله وحده , وعبادته وحده , ومخافته وتقواه: (وأمرنا لنسلم لرب العالمين , وأن أقيموا الصلاة واتقوه). .
قل يا محمد وأعلن أن هدى الله هو الهدى ; وأننا - من ثم - أمرنا أن نسلم لرب العالمين . فهو وحده الذي يستسلم له العالمون . فالعوالم كلها مستسلمة له , فماذا الذي يجعل الإنسان وحده - من بين العالمين - يشذ عن الاستسلام لهذه الربوبية الشاملة التي تستسلم لها العوالم في السماوات والأرضين ?
إن ذكر الربوبية للعالمين هنا له موضعه . . إنه يقرر الحقيقة التي لا مناص من الاعتراف بها وهي استسلام الوجود كله , وما فيه من عوالم مشهودة ومغيبة , للنواميس التي وضعها الله لها ; وهي لا تملك الخروج عليها , والإنسان - من ناحية تركيبه العضوي - يستسلم كذلك لهذه النواميس كرها , ولا يملك الخروج عليها . . فلا يبقى إلاأن يستسلم في الجانب الذي ترك له الخيار فيه ليبتلى فيه , وهو جانب الاختيار . . اختيار الهدى أو الضلال . . ولو استسلم فيه استسلام كيانه العضوي , لاستقام أمره , وتناسق تكوينه وسلوكه , وجسمه وروحه , ودنياه وآخرته . .
وفي إعلان الرسول [ ص ] والمسلمين معه , أنهم أمروا بالاستسلام فاستسلموا , إيحاء مؤثر لمن يفتح الله قلبه للتلقي والاستجابة على مدى الزمان .
وبعد إعلان الاستسلام لرب العالمين تجيء التكاليف التعبدية والشعورية:
(وأن أقيموا الصلاة واتقوه).
فالأصل هو الاستسلام لربوبية رب العالمين , وسلطانه وتربيته وتقويمه . ثم تجيء العبادات الشعائرية ; وتجيء الرياضات النفسية . . لتقوم على قاعدة الاستسلام . . فإنها لا تقوم إلا إذا رسخت هذه القاعدة ليقوم عليها البناء .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:22 pm

وفي الإيقاع الأخير في الفقرة يحشد السياق المؤثرات من الحقائق الأساسية في العقيدة:حقيقة الحشر . وحقيقة الخلق . وحقيقة السلطان . وحقيقة العلم بالغيب والشهادة . وحقيقة الحكمة والخبرة . . من خصائص الألوهية , التي هي الموضوع الرئيسي في هذه السورة:
(وهو الذي إليه تحشرون . وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق . ويوم يقول:كن فيكون . قوله الحق , وله الملك يوم ينفخ في الصور , عالم الغيب والشهادة , وهو الحكيم الخبير). .
(وهو الذي إليه تحشرون). .
إن الاستسلام لرب العالمين ضرورة وواجب . . فهو الذي إليه تحشر الخلائق . . فأولى لهم أن يقدموا بين يدي الحشر - الحتمي - ما ينجيهم ; وأولى لهم أن يستسلموا اليوم له استسلام العالمين ; قبل أن يقفوا أمامه


وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)
مسؤولين . . وكذلك يصبح تصور هذه الحقيقة - حقيقة الحشر - موحيا بالاستسلام في المبدأ , ما دام أنه لا مفر من الاستسلام في المصير !
(وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق). .
وهذه حقيقة أخرى تحشد كمؤثر آخر . . فالله الذي يؤمرون بالاستسلام له هو الذي خلق السماوات والأرض - والذي يخلق يملك ويحكم ويقضي ويتصرف - ولقد خلق السماوات والأرض(بالحق). فالحق قوام هذا الخلق . . وفضلا عما يقرره هذا النص من نفي الأوهام التي عرفتها الفلسفة عن هذا الكون - وبخاصة الأفلاطونية والمثالية - من أن هذا العالم المحسوس وهم لا وجود له على الحقيقة ! - فضلا على تصحيح مثل هذه التصورات , فإن النص يوحي بأن الحق أصيل في بنية هذا الكون , وفي مآلاته كذلك . فالحق الذي يلوذ به الناس يستند إلى الحق الكامن في فطرة الوجود وطبيعته , فيؤلف قوة هائلة , لا يقف لها الباطل , الذي لا جذور له في بنية الكون , وإنما هو كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار . وكالزبد يذهب جفاء , إذ لا أصالة له في بناء الكون . . كالحق . . وهذه حقيقة ضخمة , ومؤثر كذلك عميق . .
إن المؤمن الذي يشعر أن الحق الذي معه - هو شخصيا وفي حدود ذاته - إنما يتصل بالحق الكبير في كيان هذا الوجود . [ وفي الآية الأخرى: (ذلك بأن الله هو الحق)] فيتصل الحق الكبير الذي في الوجود بالحق المطلق في الله سبحانه . . إن المؤمن الذي يشعر بهذه الحقيقة على هذا النحو الهائل , لا يرى في الباطل - مهما تضخم وانتفخ وطغى وتجبر وقدر على الأذى المقدر - إلا فقاعة طارئة على هذا الوجود ; لا جذور لها ولا مدد ; تنفثى ء من قريب , وتذهب كأن لم تكن في هذا الوجود .
كما أن غير المؤمن يرتجف حسه أمام تصور هذه الحقيقة . وقد يستسلم ويثوب ! (ويوم يقول:كن فيكون). .
فهو السلطان القادر , وهي المشيئة الطليقة , في الخلق والإبداع والتغيير والتبديل . . وعرض هذه الحقيقة - فضلا على أنه من عمليات البناء للعقيدة في قلوب المؤمنين - هو كذلك مؤثر موح في نفوس الذين يدعون إلى الاستسلام لله رب العالمين الخالق بالحق . . الذي يقول:كن فيكون . (قوله الحق). .
سواء في القول الذي يكون به الخلق: (كن فيكون). أو في القول الذي يأمر به بالاستسلام له وحده . أو في القول الذي يشرع به للناس حين يستسلمون . أو في القول الذي يخبر به عن الماضي والحاضر والمستقبل . وعن الخلق والنشأة والحشر والجزاء .
قوله الحق في هذا كله . . فأولى أن يستسلم له وحده من يشركون به ما لا ينفع ولا يضر من خلقه . ومن يتبعون قول غيره كذلك وتفسيره للوجود وتشريعه للحياة . في أي اتجاه .
(وله الملك يوم ينفخ في الصور). .
ففي هذا اليوم يوم الحشر . . يوم ينفخ في الصور [ هو القرن المجوف كالبوق ] وهو اليوم الذي يكون فيه البعث والنشر ; بكيفية غيبية لا يعلمها البشر , فهي من غيب الله الذي احتفظ به . والصور كذلك غيب من ناحية ماهيته وحقيقته , ومن ناحية كيفية استجابة الموتى له , والروايات المأثورة ; تقول:هو بوق من نور ينفخ فيه ملك , فيسمع من في القبور , حيث يهبون للنشور - وهذه هي النفخة الثانية - أما الأولى فيصعق لهامن في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله كما جاء في آية الزمرSadونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض - إلا من شاء الله - ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون). . وهذه الأوصاف للصور ولآثار النفخة فيه تعطينا - عن يقين - أنه على غير ما يمكن أن يكون البشر قد عهدوه في هذه الأرض أو تصوروه . . وهو من ثم غيب من غيب الله . . نعلمه بقدر ما أعطانا الله من وصفه وأثره , ولا نتجاوز هذا القدر الذي لا أمان في تجاوزه , ولا يقين . إنما هي الظنون !
في هذا اليوم الذي ينفخ فيه في الصور يبرز - حتى للمنكرين - ويظهر - حتى للمطموسين - أن الملك لله وحده , وأنه لا سلطان إلا سلطانه , ولا إرادة إلا إرادته . . فأولى لمن يأبون الاستسلام له في الدنيا طائعين أن يستسلموا قبل أن يستسلموا لسلطانه المطلق يوم ينفخ في الصور .
(عالم الغيب والشهادة). .
الذي يعلم ذلك الغيب المحجوب , كما يعلم هذا الكون المشهود . والذي لا تخفي عليه خافية من أمر العباد , ولا يند عنه شأن من شؤونهم . . فأولى لهم أن يسلموا له ويعبدوه ويتقوه . وهكذا تذكر هذه الحقيقة لذاتها , وتتخذ مؤثرا موحيا في مواجهة المكذبين والمعارضين .
(وهو الحكيم الخبير):-
يصرف أمور الكون الذي خلقه , وأمور العباد الذين يملكهم في الدنيا والآخرة بالحكمة والخبرة . . فأولى أن يستسلموا لتوجيهه وشرعه , ويسعدوا بآثار حكمته وخبرته . ويفيئوا إلى هداه وحده . ويخرجوا من التيه , ومن الحيرة , إلى ظلال الحكمة والخبرة , وإلى كنف الهدى والبصيرة . .
وهكذا تتخذ هذه الحقيقة مؤثرا موحيا للعقول والقلوب . .
الوحدة الحاديه عشرة:74 - 94 الموضوع:عرض حقائق العقيدة من خلال القصص والحياة هذا الدرس بطوله لحمة واحدة ; يتناول موضوعا متصل الفقرات . . إنه يعالج الموضوع الأساسي في السورة - وهو بناء العقيدة على قاعدة من التعريف الشامل بحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية , وما بينهما من ارتباطات - ولكنه يعالجه في أسلوب آخر غير ما جرى به السياق منذ أول السورة . . يعالجه في أسلوب القصص والتعقيب عليه . . مع استصحاب المؤثرات الموحية التي تزخر بها السورة ; ومنها مشهد الاحتضار الكامل السمات ; وذلك كله في نفس طويل رتيب يتوسط الموجات المتلاحقة التي تحدثنا عنها في تقديم السورة . .
والدرس - في جملته - يعرض موكب الإيمان الموصول منذ نوح - عليه السلام , إلى محمد [ ص ] وفي مطلع هذا الموكب يستعرض حقيقة الألوهية - كما تتجلى في فطرة عبد من عباد الله الصالحين - إبراهيم عليه السلام - ويرسم مشهدا رائعا حقا للفطرة السليمة , وهي تبحث عن إلهها الحق , الذي تجده في أعماقها , بينما هي تصطدم في الخارج بانحرافات الجاهلية وتصوراتها . إلى أن يخلص لها تصور حق , يطابق ما ارتسم في أعماقها عن إلهها الحق . ويقوم على ما تحده في أطوائها من برهان داخلي هو أقوى وأثبت من المشهود المحسوس ! ذلك حين يحكي السياق عن إبراهيم عليه السلام بعد اهتدائه إلى ربه الحق , واطمئنانه إلى ما وجده في قلبه منهSadوحاجه قومه . قال:أتحاجوني في الله وقد هدان ? ولا أخاف ما تشركون به , إلا أن يشاء ربي شيئا , وسع ربي كل شيء علما , أفلا تتذكرون ? وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ? فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ?).
ثم يمضي السياق مع موكب الإيمان الموصول ; يقوده الرهط الكريم من رسل الله على توالي العصور ; حيث يبدو شرك المشركين وتكذيب المكذبين لغوا لا وزن له , يتناثر على جانبي الموكب الجليل , الماضي في طريقه الموصول . وحيث يلتحم آخره مع أوله ; فيؤلف الأمة الواحدة , يقتدي آخرها بالهدى الذي اهتدى به أولها , دون اعتبار لزمان أو مكان ; ودون اعتبار لجنس أو قوم , ودون اعتبار لنسب أو لون . . فالحبل الموصول بين الجميع هو هذا الدين الواحد الذي يحمله ذلك الرهط الكريم .
إنه مشهد رائع كذلك ; يبدو من خلال قول الله تعالى لرسوله الكريم بعد استعراض الموكب العظيمSadذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده , ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون . أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة . فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين . أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده . قل:لا أسألكم عليه أجرا , إن هو إلا ذكرى للعالمين). .
وبعد استعراض هذا الموكب الجليل يجيء التنديد بمن يزعمون أن الله لم يرسل رسلا , ولم ينزل على بشر كتابا . . إنهم لم يقدروا الله حق قدره . فما قدر الله حق قدره من يقول:إنه - سبحانه - تارك الناس لأنفسهم وعقولهم وما يتعاورها من الأهواء والشهوات والضعف والقصور . فما يليق هذا بألوهية الله وربوبيته , وعلمه وحكمته وعدله ورحمته . . إنما اقتضت رحمة الله وعلمه ورحمته وعدله أن يرسل إلى عباده رسلا , وأن ينزل على بعض الرسل كتبا , ليحاولوا جميعا هداية البشرية إلى بارئها , واستنقاد فطرتها من الركام الذي يرين عليها , ويغلق منافذها , ويعطل أجهزة الالتقاط والاستجابة فيها . . ويضرب مثلا الكتاب الذي أنزل على موسى . وهذا الكتاب الذي يصدق ما بين يديه من الكتب جميعا . .
وينتهي الدرس الطويل المتلاحم الفقرات باستنكار الافتراء ممن يفتري على الله , وادعاء من يزعم أنه يوحى إليه من الله , وادعاء القدرة على تنزيل مثل ما أنزل الله . . وهي الدعاوى التي كان يدعيها بعض من يواجهون الدعوة الإسلامية , وفيهم من ادعى الوحي وفيهم من ادعى النبوة .
وفي الختام يجيء مشهد الاحتضار المكروب للمشركين: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت , والملائكة باسطوا أيديهم:أخرجوا أنفسكم , اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون . ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة , وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم , وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ! لقد تقطع بينكم , وضل عنكم ما كنتم تزعمون ! . .
وهو مشهد كئيب مكروب رعيب ; يجلله الهوان ويصاحبه التنديد والتأنيب . جزاء الاستكبار والإعراض والافتراء والتكذيب . .
الدرس الأول:74 - 79 إبراهيم يقيم الحجة على قومه حول الوحدانية وينقض ألوهية غير الله (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر:أتتخذ أصناما آلهة ? إني أراك وقومك في ضلال مبين . . وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض , وليكون من الموقنين . . فلما جن عليه الليل رأى كوكبا . قال:هذا ربي , فلما أفل قال:لا أحب الآفلين . فلما رأى القمر بازغا قال:هذا ربي , فلما أفل قال:لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . فلما رأى الشمس بازغة قال:هذا ربي , هذا أكبر , فلما أفلت قال:يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا , وما أنا من المشركين . .
إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يرسمه السياق القرآني في هذه الآيات . . مشهد الفطرة وهي - للوهلة الأولى - تنكر تصورات الجاهلية في الأصنام وتستنكرها . وهي تنطلق بعد إذ نفضت عنها هذه الخرافة في شوق عميق دافق تبحث عن إلهها الحق , الذي تجده في ضميرها , ولكنها لا تتبينه في وعيها وإدراكها . وهي تتعلق في لهفتها المكنونة بكل ما يلوح أنه يمكن أن يكون هو هذا الإله ! حتى إذا اختبرته وجدته زائفا , ولم تجد فيه المطابقة لما هو مكنون فيها من حقيقة الإله وصفته . . ثم وهي تجد الحقيقة تشرق فيها وتتجلى لها . وهي تنطلق بالفرحة الكبرى , والامتلاء الجياش , بهذه الحقيقة , وهي تعلن في جيشان اللقيا عن يقينها الذي وجدته من مطابقة الحقيقة التي انتهت إليها بوعيها للحقيقة التي كانت كامنة من قبل فيها ! . . إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يتجلى في قلب إبراهيم - عليه السلام - والسياق يعرض التجربة الكبرى التي اجتازها في هذه الآيات القصار . . إنها قصة الفطرة مع الحق والباطل . وقصة العقيدة كذلك يصدع بها المؤمن ولا يخشى فيها لومة لائم ; ولا يجامل على حسابها أبا ولا أسرة ولا عشيرة ولا قوما . . كما وقف إبراهيم من أبيه وقومه هذه الوقفه الصلبة الحاسمة الصريحة:
(وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر:أتتخذ أصناما آلهة ? إني أراك وقومك في ضلال مبين). .
إنها الفطرة تنطق على لسان إبراهيم . إنه لم يهتد بعد بوعيه وإدراكه - إلى إلهة - ولكن فطرته السليمة تنكر ابتداء أن تكون هذه الأصنام التي يعبدها قومه آلهة - وقوم إبراهيم من الكلدانيين بالعراق كانوا يعبدون الأصنام كما كانوا يعبدون الكواكب والنجوم - فالإله الذي يعبد , والذي يتوجه إليه العباد في السراء والضراء , والذي خلق الناس والأحياء . . هذا الإله في فطرة إبراهيم لا يمكن أن يكون صنما من حجر , أو وثنا من خشب . . وإذا لم تكن هذه الاصنام هي التي تخلق وترزق وتسمع وتستجيب - وهذا ظاهر من حالها للعيان - فما هي بالتي تستحق أن تعبد ; وما هي بالتي تتخذ آلهة حتى على سبيل أن تتخذ واسطة بين الإله الحق والعباد !
وإذن فهو الضلال البين تحسه فطرة إبراهيم - عليه السلام - للوهلة الأولى . وهي النموذج الكامل للفطرة التي فطر الله الناس عليها . . ثم هي النموذج الكامل للفطرة وهي تواجه الضلال البين , فتنكره وتستنكره ,



وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)
وتجهر بكلمة الحق وتصدع , حينما يكون الأمر هو أمر العقيدة:
(أتتخذ أصناما آلهة ? إني أراك وقومك في ضلال مبين). .
كلمة يقولها إبراهيم - عليه السلام - لأبيه . وهو الأواه الحليم الرضي الخلق السمح اللين , كما ترد أوصافه في القرآن الكريم . ولكنها العقيدة هنا . والعقيدة فوق روابط الأبوة والبنوة , وفوق مشاعر الحلم والسماحة . وإبراهيم هو القدوة التي أمر الله المسلمين من بنيه أن يتأسوا بها . والقصة تعرض لتكون أسوة ومثالا . .
وكذلك استحق إبراهيم - عليه السلام - بصفاء فطرته وخلوصها للحق أن يكشف الله لبصيرته عن الأسرار الكامنة في الكون , والدلائل الموحية بالهدى في الوجود:
(وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض , وليكون من الموقنين). .
بمثل هذه الفطرة السليمة , وهذه البصيرة المفتوحة ; وعلى هذا النحو من الخلوص للحق , ومن إنكار الباطل في قوة . . نري إبراهيم حقيقة هذا الملك . . ملك السماوات والأرض . . ونطلعه على الأسرار المكنونة في صميم الكون , ونكشف له عن الآيات المبثوثة في صحائف الوجود , ونصل بين قلبه وفطرته وموحيات الإيمان ودلائل الهدى في هذا الكون العجيب . لينتقل من درجة الإنكار على عبادة الآلهة الزائفة , إلى درجة اليقين الواعي بالإله الحق . .
وهذا هو طريق الفطرة البديهي العميق . . وعي لا يطمسه الركام . وبصر يلحظ ما في الكون من عجائب صنع الله . وتدبر يتبع المشاهد حتى تنطق له بسرها المكنون . . وهداية من الله جزاء على الجهاد فيه . .
وكذلك سار إبراهيم - عليه السلام - وفي هذا الطريق وجد الله . . وجده في إدراكه ووعيه , بعد أن كان يجده فحسب في فطرته وضميره . . ووجد حقيقة الألوهية في الوعي والإدراك مطابقة لما استكن منها في الفطرة والضمير .
فلنتابع الرحلة الشائقة مع فطرة إبراهيم الصادقة . . إنها رحلة هائلة وإن كانت تبدو هينة ميسرة ! رحلة من نقطة الإيمان الفطري إلى نقطة الإيمان الوعي ! الإيمان الذي يقوم عليه التكليف بالفرائض والشرائع ; والذي لا يكل الله - سبحانه - جمهرة الناس فيه إلى عقولهم وحدها , فيبينه لهم في رسالات الرسل , ويجعل الرسالة - لا الفطرة ولا العقل البشري - هي حجته عليهم , وهي مناط الحساب والجزاء , عدلا منه ورحمة , وخبرة بحقيقة الإنسان وعلما . .
فأما إبراهيم - عليه السلام - فهو إبراهيم ! خليل الرحمن وأبو المسلمين . .
(فلما جن عليه الليل رأى كوكبا . قال:هذا ربي , فلما أفل قال:لا أحب الآفلين). .
إنها صورة لنفس إبراهيم , وقد ساورها الشك - بل الإنكار الجازم - لما يعبد أبوه وقومه من الأصنام . وقد باتت قضية العقيدة هي التي تشغل باله , وتزحم عالمه . . صورة يزيدها التعبير شخوصا بقوله: (فلما جن عليه الليل). . كأنما الليل يحتويه وحده , وكأنما يعزله عن الناس حوله , ليعيش مع نفسه وخواطره وتأملاته , ومع همه الجديد الذي يشغل باله ويزحم خاطره:
(فلما جن عليه الليل رأى كوكبا , قال:هذا ربي). .
وكان قومه يعبدون الكواكب والنجوم - كما أسلفنا - فلما أن يئس من أن يكون إلهة الحق - الذي يجده


فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)
في فطرته في صورة غير مدركة ولا واعية - صنما من تلك الأصنام , فلعله رجا أن يجده في شيء مما يتوجه إليه قومه بالعبادة !
وما كانت هذه أول مرة يعرف فيها إبراهيم أن قومه يتجهون بالعبادة إلى الكواكب والنجوم . وما كانت هذه أول مرة يرى فيها إبراهيم كوكبا . . ولكن الكوكب - الليلة - ينطق له بما لم ينطق من قبل , ويوحي إلى خاطره بما يتفق مع الهم الذي يشغل باله , ويزحم عليه عالمه:
(قال:هذا ربي). .
فهو بنوره وبزوغه وارتفاعه أقرب - من الأصنام - إلى أن يكون ربا ! . . ولكن لا ! إنه يكذب ظنه: (فلما أفل قال:لا أحب الآفلين). .
إنه يغيب . . يغيب عن هذه الخلائق . فمن ذا يرعاها إذن ومن ذا يدبر أمرها . . إذا كان الرب يغيب ?!
لا , إنه ليس ربا , فالرب لا يغيب !
إنه منطق الفطرة البديهي القريب . . لا يستشير القضايا المنطقية والفروض الجدلية , إنما ينطلق مباشرة في يسر وجزم . لأن الكينونة البشرية كلها تنطق به في يقين عميق . .
(لا أحب الآفلين). .
فالصلة بين الفطرة وإلهها هي صلة الحب ; والآصرة هي آصرة القلب . . وفطرة إبراهيم "لا تحب" الآفلين , ولا تتخذ منهم إلها . إن الإله الذي تحبه الفطرة . . لا يغيب . . !
(فلما رأى القمر بازغا قال:هذا ربي . فلما أفل قال:لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين). .
إن التجربة تتكرر . وكأن إبراهيم لم ير القمر قط ; ولم يعرف أن أهله وقومه يعبدونه ! فهو الليلة في نظره جديد:
(قال:هذا ربي). .
بنوره الذي ينسكب في الوجود ; وتفرده في السماء بنوره الحبيب . . ولكنه يغيب ! . . والرب - كما يعرفة إبراهيم بفطرته وقلبه - لا يغيب !
هنا يحس إبراهيم أنه في حاجة إلى العون من ربه الحق الذي يجده في ضميره وفطرته . ربه الذي يحبه , ولكنه بعد لم يجده في إدراكه ووعيه . . ويحس أنه ضال مضيع إن لم يدركه ربه بهدايته . إن لم يمد إليه يده . ويكشف له عن طريقه:
(قال:لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين). .
(فلما رأى الشمس بازغة قال:هذا ربي . هذا أكبر . فلما أفلت قال:يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا , وما أنا من المشركين).
إنها التجربة الثالثة مع أضخم الأجرام المنظورة وأشدها ضوءا وحرارة . . الشمس . . والشمس تطلع كل يوم وتغيب . ولكنها اليوم تبدو لعيني إبراهيم كأنها خلق جديد . إنه اليوم يرى الأشياء بكيانه المتطلع إلى إله يطمئن به ويطمئن إليه ; ويستقر على قرار ثابت بعد الحيرة المقلقة والجهد الطويل:
(قال:هذا ربي . هذا أكبر).
ولكنها كذلك تغيب . .


فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)
هنا يقع التماس , وتنطلق الشرارة , ويتم الاتصال بين الفطرة الصادقة والله الحق , ويغمر النور القلب ويفيض على الكون الظاهر وعلى العقل والوعي . . هنا يجد إبراهيم إلهه . . يجده في وعيه وإدراكه كما هو في فطرته وضميره . . هنا يقع التطابق بين الإحساس الفطري المكنون والتصور العقلي الواضح . .
وهنا يجد إبراهيم إلهه . ولكنه لا يجده في كوكب يلمع , ولا في قمر يطلع , ولا في شمس تسطع . . ولا يجده فيما تبصر العين , ولا فيما يحسه الحس . . إنه يجده في قلبه وفطرته , وفي عقله ووعيه , وفي الوجود كله من حوله . . إنه يجده خالقا لكل ما تراه العين , ويحسه الحس , وتدركه العقول .
وعندئذ يجد في نفسه المفاصلة الكاملة بينه وبين قومه في كل ما يعبدون من آلهة زائفة ; ويبرأ في حسم لا مواربة فيه من وجهتهم ومنهجهم وما هم عليه من الشرك - وهم لم يكونوا يجحدون الله البتة , ولكنهم كانوا يشركون هذه الأرباب الزائفة - وإبراهيم يتجه إلى الله وحده بلا شريك:
(قال:يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين). .
فهو الاتجاه إلى فاطر السماوات والأرض . الاتجاه الحنيف الذي لا ينحرف إلى الشرك . وهي الكلمة الفاصلة , واليقين الجازم , والاتجاه الأخير . . فلا تردد بعد ذلك ولا حيرة فيما تجلى للعقل من تصور مطابق للحقيقة التي في الضمير . .
الدرس الثاني:80 - 83 ثبات إبراهيم على الحق وأمنه وثناء الله عليه
ومرة أخرى نشهد ذلك المشهد الرائع الباهر . . مشهد العقيدة وقد استعلنت في النفس , واستولت على القلب , بعدما وضحت وضوحها الكامل وانجلى عنها الغبش . . نشهدها وقد ملأت الكيان الإنساني , فلم يعد وراءها شيء . وقد سكبت فيه الطمأنينة الواثقة بربه الذي وجده في قلبه وعقله وفي الوجود من حوله . . وهو مشهد يتجلى بكل روعته وبهائه في الفقرة التالية في السياق .
لقد انتهى إبراهيم إلى رؤية الله - سبحانه - في ضميره وعقله وفي الوجود من حوله . وقد اطمأن قلبه واستراح باله . وقد احس بيد الله تأخذ بيده وتقود خطاه في الطريق . . والآن يجيء قومه ليجادلوه فيما انتهى إليه من يقين ; وفيما انشرح له صدره من توحيد ; وليخوفوه آلهتهم التي تنكر لها أن تنزل به سوءا . . وهو يواجههم في يقينه الجازم ; وفي إيمانه الراسخ ; وفي رؤيته الباطنة والظاهرة لربه الحق الذي هداه:
(وحاجه قومه , قال:أتحاجوني في الله وقد هدان ? ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا , وسع ربي كل شيء علما . أفلا تتذكرون ? وكيف أخاف ما أشركتم , ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ? فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ?). .
إن الفطرة حين تنحرف تضل ; ثم تتمادى في ضلالها , وتتسع الزاوية ويبعد الخط عن نقطة الابتداء , حتى ليصعب عليها أن تثوب . . وهؤلاء قوم إبراهيم - عليه السلام - يعبدون أصناما وكواكب ونجوما . فلا يتفكرون ولا يتدبرون هذه الرحلة الهائلة التي تمت في نفس إبراهيم . ولم يكن هذا داعيا لهم لمجرد التفكر والتدبر .
بل جاءوا يجادلونه ويحاجونه . وهم على هذا الوهن الظاهر في تصوراتهم وفي ضلال مبين .
ولكن إبراهيم المؤمن الذي وجد الله في قلبه وعقله وفي الوجود كله من حوله , يواجههم مستنكرا في طمأنينة ويقين:
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:23 pm

وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81)
(قال:أتحاجوني في الله وقد هدان ?). .
أتجادلونني في الله وقد وجدته يأخذ بيدي , ويفتح بصيرتي , ويهديني إليه , ويعرفني به . . لقد أخذ بيدي وقادني فهو موجود - وهذا هو في نفسي دليل الوجود - لقد رأيته في ضميري وفي وعيي , كما رأيته في الكون من حولي . فما جدالكم في أمر أنا أجده في نفسي ولا أطلب عليه الدليل . فهدايته لي إليه هي الدليل ?!
(ولا أخاف ما تشركون به). .
وكيف يخاف من وجد الله ? وماذا يخاف ومن ذا يخاف ? وكل قوة - غير قوة الله - هزيلة وكل سلطان - غير سلطان الله - لا يخاف ?!
ولكن إبراهيم في عمق إيمانه , واستسلام وجدانه , لا يريد أن يجزم بشيء إلا مرتكنا إلى مشيئة الله الطليقة , وإلى علم الله الشامل:
(إلا أن يشاء ربي شيئا . وسع ربي كل شيء علمًا).
فهو يكل إلى مشيئة الله حمايته ورعايته ; ويعلن أنه لا يخاف من آلهتهم شيئا , لأنه يركن إلى حماية الله ورعايته . ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما شاءه الله , ووسعه علمه الذي يسع كل شيء . .
(وكيف أخاف ما أشركتم , ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ? فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ?).
إنه منطق المؤمن الواثق المدرك لحقائق هذا الوجود . إنه إن كان أحد قمينا بالخوف فليس هو إبراهيم - وليس هو المؤمن الذي يضع يده في يد الله ويمضي في الطريق - وكيف يخاف آلهة عاجزة - كائنة ما كانت هذه الآلهة , والتي تتبدى أحيانا في صورة جبارين في الأرض بطاشين ; وهم أمام قدرة الله مهزولون مضعوفون ! - كيف يخاف إبراهيم هذه الآلهة الزائفة العاجزة , ولا يخافون هم أنهم أشركوا بالله ما لم يجعل له سلطانا ولا قوة من الأشياء والأحياء ? وأي الفريقين أحق بالأمن ? الذي يؤمن به ويكفر بالشركاء ? أم الذي يشرك بالله ما لا سلطان له ولا قوة ? أي الفريقين أحق بالأمن , لو كان لهم شيء من العلم والفهم ?!
هنا يتنزل الجواب من الملأ الأعلى ; ويقضي الله بحكمه في هذه القضية:
(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم , أولئك لهم الأمن وهم مهتدون). .
الذين آمنوا وأخلصوا أنفسهم لله , لا يخلطون بهذا الإيمان شركا في عبادة ولا طاعة ولا اتجاه . هؤلاء لهم الأمن , وهؤلاء هم المهتدون(وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء). .
ولقد كانت هذه هي الحجة التي ألهمها الله إبراهيم ليدحض بها حجتهم التي جاءوا بها يجادلونه . ولقد كشف لهم عن وهن ما هم عليه من تصورهم أن هذه الآلهة تملك أن تسيء إليه . . وواضح أنهم ما كانوا يجحدون وجود الله ; ولا أنه هو صاحب القوة والسلطان في الكون , ولكنهم كانوا يشركون به هذه الآلهة . فلما واجههم إبراهيم , بأن من كان يخلص نفسه لله لا يخاف من دونه , فأما من يشرك بالله فهو أحق بالمخافة . . لما واجههم بهذه الحجة التي آتاها الله له وألهمه إياها , سقطت حجتهم , وعلت حجته , وارتفع إبراهيم على قومه عقيدة وحجة ومنزلة . . وهكذا يرفع الله من يشاء درجات . متصرفا في هذا بحكمته وعلمه:
(إن ربك حكيم عليم). .
وقبل أن نغادر هذه الفقرة نحب أن نستمتع بنفحة من نفحات الحياة في عصر صحابة رسول الله [ ص ]


الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)
- وهذا القرآن يتنزل عليهم غضا ; وتشربه نفوسهم ; وتعيش به وله ; وتتعامل به وتتعايش بمدلولاته وإيحاءاته ومقتضياته , في جد وفي وعي وفي التزام عجيب , تأخذنا روعته وتبهرنا جديته ; وندرك منه كيف كان هذا الرهط الفريد من الناس , وكيف صنع الله بهذا الرهط ما صنع من

وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (88) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ (89)
وفي الآيات ذكر لسبعة عشر نبيا رسولا - غير نوح وإبراهيم - وإشارة إلى آخرين (من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم). . والتعقيبات على هذا الموكب: (وكذلك نجزي المحسنين). . (وكلا فضلنا على العالمين). . (واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم). . وكلها تعقيبات تقرر إحسان هذا الرهط الكريم واصطفاءه من الله , وهدايته إلى الطريق المستقيم .
وذكر هذا الرهط على هذا النحو , واستعراض هذا الموكب في هذه الصورة , كله تمهيد للتقريرات التي تليه:
(ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده , ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون). .
وهذا تقرير لينابيع الهدى في هذه الأرض . فهدى الله للبشر يتمثل فيما جاءت به الرسل . وينحصر المستيقن منه , والذي يجب اتباعه , في هذا المصدر الواحد , الذي يقرر الله - سبحانه - أنه هو هدى الله ; وأنه هو الذي يهدي إليه من يختار من عباده . . ولو أن هؤلاء العباد المهديين حادوا عن توحيد الله , وتوحيد المصدر الذي يستمدون منه هداه , وأشركوا بالله في الاعتقاد أو العبادة أو التلقي , فإن مصيرهم أن يحبط عنهم عملهم:أي ان يذهب ضياعا , ويهلك كما تهلك الدابة التي ترعى نبتا مسموما فتنتفخ ثم تموت . . وهذا هو الأصل اللغوي للحبوط !
(أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة . فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين). .
وهذا هو التقرير الثاني . . فقرر في الأول مصدر الهدى , وقصره على هدى الله الذي جاءت به الرسل . وقرر في الثاني أن الرسل الذين ذكرهم والذين أشار إليهم , هم الذين آتاهم الله الكتاب والحكمة والسلطان والنبوة -(والحكم)يجيء بمعنى الحكمة كما يجيء بمعنى السلطان كذلك - وكلا المعنيين محتمل في الآية . فهؤلاء الرسل أنزل الله على بعضهم الكتاب كالتوراة مع موسى , والزبور مع داود , والإنجيل مع عيسى . وبعضهم آتاه الله الحكم كداود وسليمان - وكلهم أوتي السلطان على معنى أن ما معه من الدين هو حكم الله , وأن الدين الذي جاءوا به يحمل سلطان الله على النفوس وعلى الأمور . فما أرسل الله الرسل إلا ليطاعوا , وما أنزل الكتاب إلا ليحكم بين الناس بالقسط , كما جاء في الآيات الأخرى . وكلهم أوتي الحكمة وأوتي النبوة . . وأولئك هم الذين وكلهم الله بدينه , يحملونه إلى الناس , ويقومون عليه , ويؤمنون به ويحفظونه . . فإذا كفر بالكتاب والحكم والنبوة مشركو العربSadهؤلاء)فإن دين الله غني عنهم ; وهؤلاء الرهط الكرام والمؤمنون بهم هم حسب هذا الدين ! . . إنها حقيقة قديمة امتدت شجرتها , وموكب موصول تماسكت حلقاته ; ودعوة واحدة حملها رسول بعد رسول ; وآمن بها ويؤمن من يقسم الله له الهداية ; بما يعلمه من استحقاقه للهداية ! . . وهو تقرير يسكب الطمأنينة في قلب المؤمن , وفي قلوب العصبة المسلمة - أيا كان عددها - إن هذه العصبة ليست وحدها . ليست مقطوعة من شجرة ! إنها فرع منبثق من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء , وحلقة في موكب جليل موصول , موصولة أسبابه بالله وهداه . . إن المؤمن الفرد , في أي أرض وفي أي جيل , قوي قوي , وكبير كبير , إنه من تلك الشجرة المتينة السامقة الضاربة الجذور في أعماق الفطرة البشرية وفي أعماق التاريخ الأنساني , وعضو من ذلك الموكب الكريم الموصول بالله وهداه منذ أقدم العصور .
(أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده . قل:لا أسألكم عليه أجرا . إن هو إلا ذكرى للعالمين). .
وهو التقرير الثالث . . فهؤلاء الرهط الكرام الذين يقودون موكب الإيمان , هم الذين هداهم الله . وهداهم الذي جاءهم من الله فيه القدوة لرسول الله [ ص ] ومن آمن به . فهذا الهدى وحده هو الذي


أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)
يسير عليه . وهذا الهدى وحده هو الذي يحتكم إليه , وهذا الهدى وحده هو الذي يدعو إليه ويبشر به . . قائلا لمن يدعوهم:
(لا أسألكم عليه أجرًا). . (إن هو إلا ذكرى للعالمين). . للعالمين . . لا يختص به قوم ولا جنس ولا قريب ولا بعيد . . إنه هدى الله لتذكير البشر كافة . ومن ثم فلا أجر عليه يتقاضاه . وإنما أجره على الله !
الدرس الرابع:91 - 92 الرد على منكري النبوات وإثبات الرسالة الإسلامية
ثم يمضي السياق يندد بمنكري النبوات والرسالات , ويصمهم بأنهم لا يقدرون الله قدره , ولا يعرفون حكمة الله ورحمته وعدله . ويقرر أن الرسالة الأخيرة إنما تجري على سنة الرسالات قبلها ; وأن الكتاب الأخير مصدق لما بين يديه من الكتب . . مما يتفق مع ظل الموكب الذي سبق عرضه ويتناسق:
(وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا:ما أنزل الله على بشر من شيء . قل:من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس - تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا - وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ? قل:الله . ثم ذرهم في خوضهم يلعبون . وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه , ولتنذر أم القرى ومن حولها , والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به , وهم على صلاتهم يحافظون). .
لقد كان المشركون في معرض العناد واللجاج يقولون:إن الله لم يرسل رسولا من البشر ; ولم ينزل كتابا يوحي به إلى بشر . بينما كان إلى جوارهم في الجزيرة أهل الكتاب من اليهود ; ولم يكونوا ينكرون عليهم أنهم أهل كتاب , ولا أن الله أنزل التوارة على موسى - عليه السلام - إنما هم كانوا يقولون ذلك القول في زحمة العناد واللجاج , ليكذبوا برسالة محمد [ ص ] لذلك يواجههم القرآن الكريم بالتنديد بقولتهم:ما أنزل الله على بشر من شيء ; كما يواجههم بالكتاب الذي جاء به موسى من قبل:
(وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا:ما أنزل الله على بشر من شيء). .
وهذا القول الذي كان يقوله مشركو مكة في جاهليتهم , يقوله أمثالهم في كل زمان ; ومنهم الذين يقولونه الآن ; ممن يزعمون أن الأديان من صنع البشر ; وأنها تطورت وترقت بتطور البشر وترقيهم . لا يفرقون في هذا بين ديانات هي من تصورات البشر أنفسهم , كالوثنيات كلها قديما وحديثا , ترتقي وتنحط بارتقاء أصحابها وانحطاطهم , ولكنها تظل خارج دين الله كله . وبين ديانات جاء بها الرسل من عند الله , وهي ثابتة على أصولها الأولى ; جاء بها كل رسول ; فتقبلتها فئة وعتت عنها فئة ; ثم وقع الانحراف عنها والتحريف فيها , فعاد الناس إلى جاهليتهم في انتظار رسول جديد , بذات الدين الواحد الموصول .
وهذا القول يقوله - قديما أو حديثا - من لا يقدر الله حق قدره ; ومن لا يعرف كرم الله وفضله , ورحمته وعدله . . إنهم يقولون:إن الله لا يرسل من البشر رسولا ولو شاء لأنزل ملائكة ! كما كان العرب يقولون . أو يقولون:إن خالق هذا الكون الهائل لا يمكن أن يعني بالإنسان "الضئيل" في هذه الذرة الفلكية التي اسمها الأرض ! بحيث يرسل له الرسل ; وينزل على الرسل الكتب لهداية هذا المخلوق الصغير في هذا الكوكب الصغير ! وذلك كما يقول بعض الفلاسفة في القديم والحديث ! أو يقولون:إنه ليس هناك من إله ولا من وحي ولا من رسل . . إنما هي أوهام الناس أو خداع بعضهم لبعض باسم الدين ! كما يقول الماديون الملحدون !
وكله جهل بقدر الله - سبحانه - فالله الكريم العظيم العادل الرحيم , العليم الحكيم . . . لا يدع هذا الكائن الإنساني وحده , وهو خلقه , وهو يعلم سره وجهره , وطاقاته وقواه , ونقصه وضعفه , وحاجته إلى الموازين القسط التي يرجع إليها بتصوراته وأفكاره , وأقواله وأعماله , وأوضاعه ونظامه , ليرى إن كانت صوابا وصلاحا , أو كانت خطأ وفسادا . . ويعلم - سبحانه - أن العقل الذي أعطاه له , يتعرض لضغوط كثيرة


وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)
من شهواته ونزواته ومطامعه ورغباته , فضلا على أنه موكل بطاقات الأرض التي له عليها سلطان بسبب تسخيرها له من الله , وليس موكلا بتصور الوجود تصورا مطلقا , ولا بصياغة الأسس الثابتة للحياة . فهذا مجال العقيدة التي تأتي له من الله ; فتنشىء له تصورا سليما للوجود والحياة . . ومن ثم لا يكله الله إلى هذا العقل وحده , ولا يكله كذلك إلى ما أودع فطرته من معرفة لدنية بربها الحق , وشوق إليه , وليأذ به في الشدائد . . فهذه الفطرة قد تفسد كذلك بسبب ما يقع عليها من ضغوط داخلية وخارجية , وبسبب الإغواء والاستهواء الذي يقوم به شياطين الجن والإنس , بكل ما يملكون من أجهزة التوجيه والتأثير . . إنما يكل الله الناس إلى وحيه ورسله وهداه وكتبه , ليرد فطرتهم إلى استقامتها وصفائها , وليرد عقولهم إلى صحتها وسلامتها , وليجلو عنهم غاشية التضليل من داخل أنفسهم ومن خارجها . . وهذا هو الذي يليق بكرم الله وفضله , ورحمته وعدله , وحكمته وعلمه . . فما كان ليخلق البشر , ثم يتركهم سدى . . ثم يحاسبهم يوم القيامة ولم يبعث فيهم رسولا: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا) . . فتقدير الله حق قدره يقتضي الاعتقاد بأنه أرسل إلى عباده رسلا يستنقذون فطرتهم من الركام , ويساعدون عقولهم على الخلاص من الضغوط , والانطلاق للنظر الخالص والتدبر العميق . وأنه أوحى إلى هؤلاء الرسل منهج الدعوة إلى الله , وأنزل على بعضهم كتبا تبقى بعدهم في قومهم إلى حين - ككتب موسى وداود وعيسى - أو تبقي إلى آخر الزمان كهذا القرآن .
ولما كانت رسالة موسى معروفة بين العرب في الجزيرة , وكان أهل الكتاب معروفين هناك , فقد أمر الله رسوله أن يواجه المشركين المنكرين لأصل الرسالة والوحي ; بتلك الحقيقة:
(قل:من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس - تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا - وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم). .
وقد عرضنا في تقديم السورة للقول بأن هذه الآية مدنية , وأن المخاطبين بها هم اليهود . ثم ذكرنا هناك ما اختاره ابن جرير الطبري من القراءة الأخرى (يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا). . وأن المخاطبين بها هم المشركون , وهذا خبر عن اليهود بما كان واقعا منهم من جعل التوراة في صحائف يتلاعبون بها ,
فيبدون منها للناس ما يتفق مع خطتهم في التضليل والخداع , والتلاعب بالاحكام والفرائض ; ويخفون ما لا يتفق مع هذه الخطة من صحائف التوراة ! مما كان العرب يعلمون بعضه وما أخبرهم الله به في هذا القرآن من فعل اليهود . . فهذا خبر عن اليهود معترض في سياق الآية لا خطابا لهم . . والآية على هذا مكية لا مدنية . . ونحن نختار ما اختاره ابن جرير .
فقل لهم يا محمد:من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس , مما يجعله اليهود صحائف يخفون بعضها ويظهرون بعضها قضاء للباناتهم من وراء هذا التلاعب الكرية ! كذلك واجههم بأن الله علمهم بما يقص عليهم من الحقائق والأخبار ما لم يكونوا يعملون ; فكان حقا عليهم أن يشكروا فضل الله ; ولا ينكروا أصله بإنكار أن الله نزل هذا العلم على رسوله وأوحى به إليه .
ولم يترك لهم أن يجيبوا على ذلك السؤال . إنما أمر رسول الله [ ص ] أن يحسم القول معهم في هذا الشأن ; وألا يجعله مجالا لجدل لا يثيره إلا اللجاج:


وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)
(قل:الله . ثم ذرهم في خوضهم يلعبون). .
قل:الله أنزله . . ثم لا تحفل جدالهم ولجاجهم ومراءهم , ودعهم يخوضون لاهين لاعبين . وفي هذا من التهديد , قدر ما فيه من الاستهانة , قدر ما فيه من الحق والجد ; فحين يبلغ العبث أن يقول الناس مثل ذلك الكلام , يحسن احترام القول وحسم الجدل وتوفير الكلام !
ويمضي السياق يحكي شيئا عن الكتاب الجديد , الذي ينكر الجاحدون أن يكون الله نزله . فإذا هو حلقة مسبوقة جاءت قبلها حلقات , فليس بدعا من الكتب التي ينزلها الله على من يشاء من رسله الكرام:
(وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه , ولتنذر أم القرى ومن حولها . والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به , وهم على صلاتهم يحافظون). .
إنها سنة من سنن الله أن يرسل الرسل , وأن ينزل الله عليهم الكتب . وهذا الكتاب الجديد , الذي ينكرون تنزيله , هو كتاب مبارك . . وصدق الله . . فإنه والله لمبارك . .
مبارك بكل معاني البركة . . إنه مبارك في أصله . باركه الله وهو ينزله من عنده . ومبارك في محله الذي علم الله أنه له أهل . . قلب محمد الطاهر الكريم الكبير . . ومبارك في حجمه ومحتواه . فإن هو إلا صفحات قلائل بالنسبة لضخام الكتب التي يكتبها البشر ; ولكنه يحوي من المدلولات والإيحاءات والمؤثرات والتوجيهات في كل فقرة منه ما لا تحتويه عشرات من هذه الكتب الضخام , في أضعاف أضعاف حيزه وحجمه ! وإن الذي مارس فن القول عند نفسه وعند غيره من بني البشر ; وعالج قضية التعبير بالألفاظ عن المدلولات , ليدرك أكثر مما يدرك الذين لا يزاولون فن القول ولا يعالجون قضايا التعبير , أن هذا النسق القرآني مبارك من هذه الناحية . وأن هنالك استحالة في أن يعبر البشر في مثل هذا الحيز - ولا في أضعاف أضعافه - عن كل ما يحمله التعبير القرآني من مدلولات ومفهومات وموحيات ومؤثرات ! وأن الآية الواحدة تؤدي من المعاني وتقرر من الحقائق ما يجعل الاستشهاد بها على فنون شتى من أوجه التقرير والتوجيه شيئا متفردا لا نظير له في كلام البشر . . وإنه لمبارك في أثره . وهو يخاطب الفطرة والكينونة البشرية بجملتها خطابا مباشرا عجيبا لطيف المدخل ; ويواجهها من كل منفذ وكل درب وكل ركن ; فيفعل فيها ما لا يفعله قول قائل . ذلك أن به من الله سلطانا . وليس في قول القائلين من سلطان !
ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا في تصوير بركة هذا الكتاب . وما نحن ببالغين لو مضينا شيئا أكثر من شهادة الله له بأنه(مبارك)ففيها فصل الخطاب !
(مصدق الذي بين يديه). .
فهو يصدق ما بين يديه من الكتب التي نزلت من عندالله - في صورتها التي لم تحرف لا فيما حرفته المجامع وقالت:إنه من عندالله - هو يصدقها لأنها جاءت بالحق الذي جاء به في أصول العقيدة . أما الشرائع فقد جعل لكل أمة شرعة ومنهاجا , في حدود العقيدة الكبرى في الله .
والذين يكتبون عن الإسلام فيقولون:إنه أول دين جاء بالعقيدة الكاملة في توحيد الله ; أو جاء بالعقيدة الكاملة في حقيقة الرسالة والرسول ; أو جاء بالعقيدة الكاملة في الآخرة والحساب والجزاء . . وهم يقصدون الثناء على الإسلام ! . . هؤلاء لا يقرآون القرآن ! ولو قرأوه لسمعوا الله تعالى يقرر أن جميع رسله - صلوات الله عليهم وسلامه - جاءوا بالتوحيد المطلق الخالص الذي لا ظل فيه للشرك في صورة من صوره . . وأنهم جميعا أخبروا الناس بحقيقة الرسول , وبشريته وأنه لا يملك لهم ولا لنفسه ضرا ولا نفعا , ولا يعلم غيبا ,ولا يبسط أو يقبض رزقا . . وأنهم جميعا أنذروا قومهم بالآخرة وما فيها من حساب وجزاء . . وأن سائر حقائق العقيدة الإسلامية الأساسية جاء بها كل رسول . . وصدق الكتاب الأخير ما جاءت به الكتب قبله . . إنما تلك الأقوال أثر من آثار الثقافة الأوربية . التي تزعم أن أصول العقيدة - بما فيها العقائد السماوية - قد تطورت وترقت , بتطور الأقوام وترقيها ! وما يمكن أن يدافع عن الإسلام بهدم أصوله التي يقررها القرآن ! فليحذر الكتاب والقارئون هذا المزلق الخطير !!!
فأما حكمة إنزال هذا الكتاب , فلكي ينذر به الرسول [ ص ] أهل مكة - أم القرى - وما حولها:
(ولتنذر أم القرى ومن حولها). .
وسميت مكة أم القرى , لأنها تضم بيت الله الذي هو أول بيت وضع للناس ليعبدوا الله فيه وحده بلا شريك ; وجعله مثابة أمن للناس وللأحياء جميعا ; ومنه خرجت الدعوة العامة لأهل الأرض ; ولم تكن دعوة عامة من قبل ; وإليه يحج المؤمنون بهذه الدعوة , ليعودوا إلى البيت الذي خرجت منه الدعوة !
وليس المقصود , كما يتصيد أعداء الإسلام من المستشرقين , أن تقصر الدعوة على أهل مكة ومن حولها . فهم يقتطعون هذه الآية من القرآن كله , ليزعموا أن محمدا [ ص ] ما كان يقصد في أول الأمر أن يوجه دعوته إلا إلى أهل مكة وبعض المدن حولها . وأنه إنما تحول من هذا المجال الضيق الذي ما كان خياله يطمح في أول الأمر إلى أوسع منه ; فتوسع في الجزيرة كلها , ثم هم أن يتخطاها . . لمصادفات لم يكن في أول الأمر على علم بها ! وذلك بعد هجرته إلى المدينة , وقيام دولته بها ! . . وكذبوا . . ففي القرآن المكي , وفي أوائل الدعوة , قال الله سبحانه لرسوله [ ص ] (وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين). . . [ الأنبياء:107 ] . . (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرًا). . [ سبأ:28 ] ولعل الدعوة يومذاك كانت محصورة في شعاب مكة يحيط بها الكرب والابتلاء !
(والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به , وهم على صلاتهم يحافظون). .
فالذين يؤمنون بأن هناك آخرة وحسابا وجزاء , يؤمنون بأن الله لا بد مرسل للناس رسولا يوحي إليه ; ولا يجدون في نفوسهم مشقة في التصديق به ; بل إنهم ليجدون داعيا يدعوهم إلى هذا التصديق . كما أنهم لإيمانهم بالآخرة وبهذا الكتاب يحافظون على صلاتهم , ليكونوا على صلة دائمة وثيقة بالله ; وليقوموا بطاعته ممثلة في الصلاة . . فهي طبيعة نفس . . متى صدقت بالآخرة واستيقنتها , صدقت بهذا الكتاب وتنزيله , وحرصت على الصلة بالله وطاعته . . وملاحظة نماذج النفوس البشرية تصدق في الواقع هذا الكلام الصادق بذاته .
الدرس الخامس:93 - 94 مشهد خزي الظالمين أثناء الإحتضار والبعث
ويختم هذه الجولة المتلاحقة الأشواط بمشهد حي شاخص متحرك مكروب رعيب . . مشهد الظالمين . . [ رأي المشركين ] الذين يفترون على الله الكذب , أو يدعون أنهم أوحي إليهم ادعاء لا حقيقة له . أو يزعمون أنهم مستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن . . مشهد هؤلاء الظالمين - الذين لا يقاس إلى ظلمهم هذا ظلم - وهم في غمرات الموت , والملائكة باسطو أيديهم إليهم بالعذاب , ويطلبون أرواحهم . والتأنيب يجبه وجوههم , وقد تركوا كل شيء وراءهم وضل عنهم شركاؤهم .
(ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا , أو قال:أوحي إلي ولم يوح إليه شيء , ومن قال:سأنزل مثل


وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)
ما أنزل الله ? ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت , والملائكة باسطو أيديهم:أخرجوا أنفسكم . اليوم تجزون عذاب الهون , بما كنتم تقولون على الله غير الحق , وكنتم عن آياته تستكبرون . ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة , وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ! لقد تقطع بينكم , وضل عنكم ما كنتم تزعمون). .
وقد ورد عن قتادة وابن عباس - رضي الله عنهم - أن الآية نزلت في مسيلمة الكذاب وسجاح بنت الحارث زوجته والأسود العنسي ; وهم الذين تنبأوا في حياة الرسول [ ص ] وادعوا أن الله أوحى إليهم . أما الذين قال سأنزل مثلما أنزل الله - أو قال أوحي إلي كذلك - ففي رواية عن ابن عباس أنه عبدالله بن سعد بن أبي سرح , وكان أسلم وكتب الوحي لرسول الله [ ص ] وأنه لما نزلت الآية التي في "المؤمنون"Sadولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين)دعاه النبي [ ص ] فأملاها عليه فلما انتهى إلى قوله: (ثم أنشأناه خلقا آخر)عجب عبدالله في تفصيل خلق الإنسان فقال: (تبارك الله أحسن الخالقين). فقال:رسول الله [ ص ]:" هكذا أنزلت علي " . . فشك عبدالله حينئذ وقال:لئن كان محمد صادقا لقد أوحى إلي كما أوحى إليه , ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال ! فارتد عن الإسلام , ولحق بالمشركين . فذلك قوله: (ومن قال:سأنزل مثل ما أنزل الله) . . [ رواه الكلبي عن ابن عباس ] . .
والمشهد الذي يرسمه السياق في جزاء هؤلاء الظالمين [ أي المشركين ] مشهد مفزع مرعب مكروب مرهوب . الظالمون في غمرات الموت وسكراته - ولفظ غمرات يلقي ظله المكروب - والملائكة يبسطون إليهم أيديهم بالعذاب , وهم يطلبون أرواحهم للخروج ! وهم يتابعونهم بالتأنيب:
ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم:أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق , وكنتم عن آياته تستكبرون . .
وجزاء الاستكبار العذاب المهين , وجزاء الكذب على الله هذا التأنيب الفاضح . . وكله مما يضفي على المشهد ظلالا مكروبة , تأخذ بالخناق من الهول والكآبة والضيق !
ثم في النهاية , ذلك التوبيخ والتأنيب من الله تعالى , الذي كذبوا عليه , وها هم أولاء بين يديه , يواجههم في موقف الكربة والضيق:
(ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة)!
فما معكم إلا ذواتكم مجردة ; ومفردة كذلك . تلقون ربكم أفرادا لا جماعة . كما خلقكم أول مرة أفرادا , ينزل أحدكم من بطن أمة فردا عريان أجرد غلبان !
ولقد ند عنكم كل شيء , وتفرق عنكم كل أحد ; وما عدتم تقدرون على شيء مما ملككم الله إياه ; (وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم). .
تركتم كل شيء من مال وزينة , وأولاد ومتاع , وجاه وسلطان . . كله هناك متروك وراءكم , ليس معكم شيء منه , ولا تقدرون منه على قليل أو كثير !
(وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء). .
هؤلاء الذين كنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم في الشدائد , وكنتم تشركونهم في حياتكم وأموالكم , وتقولون:إنهم سيكونون عند الله شفعاءكم [ كالذين كانوا يقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى !)] سواء


وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (94)
كانوا ناسا من البشر كهانا أو ذوي سلطان ; أو كانوا تماثيل من الحجر , أو أوثانا , أو جنا أو ملائكة , أو كواكب أو غيرها مما يرمزون به إلى الآلهة الزائفة , ويجعلون له شركا في حياتهم وأموالهم وأولادهم كما سيجيء في السورة .
فأين ? أين ذهب الشركاء والشفعاء ?
(لقد تقطع بينكم). .
تقطع كل شيء . كل ما كان موصولا . كل سبب وكل حبل !
(وضل عنكم ما كنتم تزعمون). .
وغاب عنكم كل ما كنتم تدعونه من شتى الدعاوى . ومنها أولئك الشركاء , وما لهم من شفاعة عند الله أو تأثير في عالم الأسباب !
إنه المشهد الذي يهز القلب البشري هزا عنيفا . وهو يشخص ويتحرك ; ويلقي ظلاله على النفس , ويسكب إيحاءاته في القلب , ظلاله الرعيبة المكروبة , وإيحاءاته العنيفة المرهوبة . .
إنه القرآن . . إنه القرآن . .
الوحدة الثانية عشرة:95 - 111 الأدلة على الوحدانية من الكون والإنسان والتعريف على الله مقدمة الوحدة
نحن في حاجة إلى أن نستحضر هنا كل ما قلناه من وصف هذه السورة عند التعريف بها . . في حاجة لأن نستحضر ما قلناه عن تدافع الموجات المتلاحقة في المجرى المتدفق ; وعن الروعة الباهرة , التي يصل إليها التعبير والتصوير والإيقاع من سياقها:
"وهذه السورة تعالج موضوعها الأساسي بصورة فريدة . . إنها في كل لمحة منها , وفي كل موقف , وفي كل مشهد , تمثل "الروعة الباهرة " . . الروعة التي تبده النفس , وتشده الحس , وتبهر النفس أيضا , وهو يلاحق مشاهدها وإيقاعها وموحياتها مبهورا !
. . . "وهي تشبه في سياقها المتدافع بهذه المشاهد والمواقف والموحيات والإيقاعات والصور والظلال , مجرى النهر المتدافع بالأمواج المتلاحقة . لا تكاد الموجة تصل إلى قرارها , حتى تجد الموجة التالية ملاحقة لها , ومتشابكة معها , في المجرى المتصل المتدفق .
"وهي في كل موجة من هذه الموجات المتدافعة المتلاحقة المتشابكة , تبلغ حد الروعة الباهرة التي وصفنا . . مع تناسق منهج العرض في شتى المشاهد . . وتأخذ على النفس أقطارها بالروعة الباهرة , وبالحيوية الدافقة , وبالإيقاع التصويري والتعبيري والموسيقي , وبالتجمع والاحتشاد , ومواجهة النفس من كل درب ومن كل نافذة " . .
. . . الخ . . . الخ . . .
أن هذه السمات كلها تتجلى في هذا الدرس , على أتمها وأوفاها . . إن القارى ء يحس كأنما المشاهد تنبثق انبثاقا هي ومدلولاتها في التماع ولألاء . وهي تتدافع في انبثاقها أمام الحس , كما تتدافع إيقاعات التعبير اللفظي عنها لتتناسق معها . والمشاهد والتعبير يتوافيان كذلك مع المدلولات التي يعبران عنها , ويهدفان إليها !
إن كل مشهد من هذه المشاهد كأنما هو انبثاقه لامعة رائعة تجيء من المجهول ! وتتجلى للحواس والقلب والعقل في بهاء أخاذ . .
والعبارة ذاتها كأنما هي انبثاقة كذلك ! وإيقاع العبارة يتناسق في بهاء مع المشهد ومع المدلول . يتناسق معه في قوة الانبثاق , وفي شدة اللألاء .
وتتدفق المدلولات والمشاهد والعبارات في موجات متلاحقة , يتابعها الحس في بهر ! وما يكاد يصل مع الموجة إلى قرارها حتى يجد نفسه مندفعا مرة أخرى مع موجة جديدة . . كالذي حاولنا أن نصف به السورة في مطالعها من قبل !
وصفحة الوجود بجملتها مفتوحة . والمشاهد تتوالى - وكدت أقول:تتواثب - من هنا ومن هناك في الصفحة الفسيحة الأرجاء . .
والجمال هو السمة البارزة هنا . . الجمال الذي يبلغ حد الروعة الباهرة . . المشاهد منتقاة وملتقطة من الزاوية الجمالية . والعبارات كذلك في بنائها اللفظي الإيقاعي , وفي دلالتها . والمدلولات أيضا - على كل ما تزخر به الحقيقة الأصيلة في هذه العقيدة - تتناول هذه الحقيقة من الزاوية الجمالية . . فتبدو الحقيقة ذاتها وكأنما تتلألأ في بهاء !
ومما يوحي بالسمت الجمالي السابغ ذلك التوجيه الرباني إلى تملي الجمال في ازدهار الحياة وازدهائها: (انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه). . فهو التوجيه المباشر إلى الجمال الباهر . . للنظر والتملي والاستمتاع الواعي .
ثم ينتهي هذا الجمال إلى ذروته التي تروع وتبهر في ختام الاستعراض الكوني الحي , حين يصل إلى ما وراء هذا الكون الجميل البهيج الرائع . . إلى بديع السماوات والأرض الذي أودع الوجود كل هذه البدائع . . فيتحدث عنه - سبحانه - حديثا لا تنقل روعته إلا العبارة القرآنية بذاتهاSadلا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار , وهو اللطيف الخبير). .
وبعد فنحن - في هذا الدرس - أمام كتاب الكون المفتوح , الذي يمر به الغافلون في كل لحظة . فلا يقفون أمام خوارقه وآياته , ويمر به المطموسون فلا تتفتح عيونهم على عجائبه وبدائعه . . وها هو ذا النسق القرآني العجيب يرتاد بنا هذا الوجود , كأنما نهبط إليه اللحظة , فيقفنا أمام معالمه العجيبة , ويفتح أعيننا على مشاهده الباهرة , ويثير تطلعنا إلى بدائعه التي يمر عليها الغافلون غافلين !
ها هو ذا يقفنا أمام الخارقة المعجزة التي تقع في كل لحظة من الليل والنهار . . خارقة انبثاق الحياة النابضة من هذا الموات الهامد . . لا ندري كيف انبثقت , ولا ندري من أين جاءت - إلا أنها جاءت من عند الله وانبثقت بقدر من الله . لا يقدر بشر على إدراك كنهها بله ابتداعها !
وها هو ذا يقف بنا أمام دورة الفلك العجيبة . . الدورة الهائلة الدائبة الدقيقة . . وهي خارقة لا يعدلها شيءمما يطلبه الناس من الخوارق . . وهي تتم في كل يوم وليلة . بل تتم في كل ثانية ولحظة . .
وها هو ذا يقف بنا أمام نشأة الحياة البشرية . . من نفس واحدة . . وأمام تكاثرها بتلك الطريقة .
وها هو ذا يقف بنا أمام نشأة الحياة في النبات . . وأمام مشاهد الأمطار الهاطلة , والزروع النامية , والثمار اليانعة . وهي حشد من الحيوات والمشاهد , ومجال للتأمل والريادة . لو نشاهدها بالحس المتوفز والقلب المتفتح .
وها هو ذا الوجود كله , جديدا كأنما نراه أول مرة . حيا يعاطفنا ونعاطفه , متحركا تدب الحركة في أوصاله , عجيبا يشده الحواس والمشاعر . ناطقا بذاته عن خالقه . دالا بآياته على تفرده وقدرته . .
وعندئذ يبدو الشرك بالله - والسياق يواجه الشرك والمشركين بهذا الاستعراض - غريبا غريبا على فطرة هذا الوجود وطبيعته . وشائها شائها في ضمير من يشاهد هذا الوجود الحافل بدلائل الهدى ويتأمله . وتسقط حجة الشرك والمشركين , في مواجهة هذا الإيمان الغامر في مجالي الوجود العجيب . .
والمنهج القرآني - في خطاب الكينونة البشرية بحقيقة الألوهية ; وفي بيانه لموقف العبودية منها ; يجعل حقيقة الخلق والإنشاء للكون , وحقيقة الخلق والإنشاء للحياة , وحقيقة كفالة الحياة بالرزق الذي ييسره لها الله في ملكه , وحقيقة السلطان الذي يخلق ويرزق ويتصرف في عالم الأسباب بلا شريك . . يجعل من هذه الحقائق مؤثرا موحيا . وبرهانا قويا على ضرورة ما يدعو إليه البشر:من العبودية لله وحده , وإخلاص الاعتقاد والعبادة والطاعة والخضوع له وحده . . وكذلك يجيء في السياق - بعد استعراض صفحة الوجود ; وانكشاف حقيقة الخلق والإنشاء والرزق والكفالة والسلطان - الدعوة إلى عبادة الله وحده , أي إلى إفراده سبحانه بالألوهية وخصائصها , في حياة العباد كلها ; وجعل الحاكمية والتحاكم إليه وحده في شؤون الحياة كافة , واستنكار ادعاء الألوهية أو إحدى خصائصها .
وكذلك نجد في هذا الدرس قوله تعالىSadذلكم الله ربكم , لا إله إلا هو , خالق كل شيء فاعبدوه , وهو على كل شيء وكيل). . نموذجا للمنهج القرآني في ربط العبادة الخالصة , بإفراد الألوهية لله وحده , مع تقرير أنه - سبحانه - (خالق كل شيء). . (وهو على كل شيء وكيل). .
وفي نهاية الدرس - وبعد عرض هذه الآيات في صفحة الوجود كله - يكشف عن تفاهة طلب الخوارق , كما يكشف عن طبيعة المكذبين المعاندة , التي لا تتخلف عن الإيمان لنقص في الآيات والدلائل ; ولكن لطبع فيها مطموس ! وإلا فهذه الآيات تزحم الوجود .
الدرس الأول:95 - 96 النبات والكون دال على الوحدانية
(إن الله فالق الحب والنوى , يخرج الحي من الميت , ومخرج الميت من الحي . ذلكم الله فأنى تؤفكون ?). .
إنها المعجزة التي لا يدري سرها أحد ; فضلا على أن يملك صنعها أحد ! معجزة الحياة نشأة وحركة . . وفي كل لحظة تنفلق الحبة الساكنة عن نبتة نامية , وتنفلق النواة الهامدة عن شجرة صاعدة . والحياة الكامنة في الحبة والنواة , النامية في النبتة والشجرة , سر مكنون , لا يعلم حقيقته إلا الله ; ولا يعلم مصدره إلا الله . . وتقف البشرية بعد كل ما رأت من ظواهر الحياة وأشكالها , وبعد كل ما درست من خصائصها وأطوارها . .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:24 pm

إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)
تقف أمام السر المغيب كما وقف الإنسان الأول , تدرك الوظيفة والمظهر , وتجهل المصدر والجوهر , والحياة ماضية في طريقها . والمعجزة تقع في كل لحظة !!!
ومنذ البدء أخرج الله الحي من الميت . فقد كان هذا الكون - أو على الأقل كانت هذه الأرض - ولم يكن هناك حياة . . ثم كانت الحياة . . أخرجها الله من الموات . . كيف ? لا ندري ! وهي منذ ذلك الحين تخرج من الميت ; فتتحول الذرات الميتة في كل لحظة - عن طريق الأحياء - إلى مواد عضوية حية تدخل في كيان الأجسام الحية ; وتتحول - وأصلها ذرات ميتة - إلى خلايا حية . . والعكس كذلك . . ففي كل لحظة تتحول خلايا حية إلى ذرات ميتة ; إلى أن يتحول الكائن الحي كله ذات يوم إلى ذرات ميتة !
(يخرج الحي من الميت , ومخرج الميت من الحي). .
ولا يقدر إلا الله أن يصنع ذلك . . لا يقدر إلا الله أن ينشى ء الحياة منذ البدء من الموات . ولا يقدر إلا الله أن يجهز الكائن الحي بالقدرة على إحالة الذرات الميتة إلى خلايا حية . ولا يقدر إلا الله على تحويل الخلايا الحية مرة أخرى إلى ذرات ميتة . . في دورة لم يعلم أحد يقينا بعد متى بدأت , ولا كيف تتم . . وإن هي إلا فروض ونظريات واحتمالات !!!
لقد عجزت كل محاولة لتفسير ظاهرة الحياة , على غير أساس أنها من خلق الله . . ومنذ أن شرد الناس من الكنيسة في أوربا . .(كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة !). . وهم يحاولون تفسير نشأة الكون وتفسير نشأة الحياة , بدون التجاء إلى الاعتراف بوجود الله . . ولكن هذه المحاولات كلها فشلت جميعا . . ولم تبق منها في القرن العشرين إلا مماحكات تدل على العناد , ولا تدل على الإخلاص !
وأقوال بعض "علمائهم" الذين عجزوا عن تفسير وجود الحياة إلا بالاعتراف بالله , تصور حقيقة موقف "علمهم" نفسه من هذه القضية . ونحن نسوقها لمن لا يزالون عندنا يقتاتون على فتات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من موائد الأوربيين , عازفين عن هذا الدين , لأنه يثبت "الغيب" وهم "علميون ! " لا "غيبيون" ! . .
ونختار لهم هؤلاء العلماء من "أمريكًا !!!
يقول "فرانك أللن" . [ ماجستير ودكتوراه من جامعة كورنل وأستاذ الطبيعة الحيوية بجامعة مانيتوبا بكندا ] في مقال:نشأة العالم هل هو مصادفة أو قصد ? من كتاب:"الله يتجلى في عصر العلم" . . ترجمة الدكتور:الدمرداش عبد المجيد سرحان .
. . "فإذا لم تكن الحياة قد نشأت بحكمة وتصميم سابق , فلا بد أن تكون قد نشأت عن طريق المصادفة فما هي تلك المصادفة إذن حتى نتدبرها ونرى كيف تخلق الحياة ?
"إن نظريات المصادفة والاحتمال لها الآن من الأسس الرياضية السليمة ما يجعلها تطبق على نطاق واسع حيثما انعدم الحكم الصحيح المطلق . وتضع هذه النظريات أمامنا الحكم الأقرب إلى الصواب - مع تقدير احتمال الخطأ في هذا الحكم - ولقد تقدمت دراسة نظرية المصادفة والاحتمال من الوجهة الرياضية تقدما كبيرا , حتى أصبحنا قادرين على التنبؤ بحدوث بعض الظواهر , التي نقول:إنها تحدث بالمصادفة , والتي لا نستطيع أن نفسر ظهورها بطريقة أخرى [ مثل قذف الزهر في لعبة النرد ] . وقد صرنا بفضل تقدم هذه الدراساتقادرين على التمييز بين ما يمكن أن يحدث بطريق المصادفة , وما يستحيل حدوثه بهذه الطريقة , وأن نحسب احتمال حدوث ظاهرة من الظواهر في مدى معين من الزمان . . ولننظر الآن إلى الدور الذي تستطيع أن تلعبه المصادفة في نشأة الحياة:
"إن البروتينات من المركبات الأساسية في جميع الخلايا الحية . وهي تتكون من خمسة عناصر ; هي:الكربون , والأدروجين , والنيتروجين , والأكسجين , والكبريت . . ويبلغ عدد الذرات في الجزيء الواحد 000 40 ذرة . ولما كان عدد العناصر الكيموية في الطبيعة 92 عنصرا , موزعة كلها توزيعا عشوائيا , فإن احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة , لكي تكون جزئيا من جزيئات البروتين , يمكن حسابه لمعرفة كمية المادة التي ينبغي أن تخلط خلطا مستمرا لكي تؤلف هذا الجزيء ; ثم لمعرفة طول الفترة الزمنية اللازمة لكي يحدث هذا الاجتماع بين ذرات الجزيء الواحد .
"وقد قام العالم الرياضي السويسري تشارلز يوجين جاي بحساب هذه العوامل جميعا , فوجد أن الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوين جزيء بروتيني واحد , إلا بنسبة 1 إلى 10 160 , أي بنسبة 1 إلى رقم عشرة مضروبا في نفسه 160 مرة . وهو رقم لا يمكن النطق به أو التعبير عنه بكلمات . . وينبغي أن تكون كمية المادة التي تلزم لحدوث هذا التفاعل بالمصادفة بحيث ينتج جزيء واحد أكثر مما يتسع له كل هذا الكون بملايين المرات . . ويتطلب تكوين هذا الجزيء على سطح الأرض وحدها - عن طريق المصادفة - بلايين لا تحصى من السنوات , قدرها العالم السويسري بأنها عشرة مضروبة في نفسها 243 مرة من السنين [ 10 243 سنة ] .
"إن البروتينات تتكون من سلاسل طويلة من الأحماض الأمينية . فكيف تتألف ذرات هذه الجزيئات ? إنها إذا تآلفت بطريقة أخرى , غير التي تتآلف بها , تصير غير صالحة للحياة . بل تصير في بعض الأحيان سموما , وقد حسب العالم الانجليزي:ج . ب . سيثر . . الطرق التي يمكن أن تتآلف بها الذرات في أحد الجزيئات البسيطة من البروتينات , فوجد أن عددها يبلغ الملايين [ 10 48 ] وعلى ذلك فإنه من المحال عقلا أن تتآلف كل هذه المصادفات لكي تبني جزيئا بروتينيا واحدا .
"ولكن البروتينات ليست إلا مواد كيماوية عديمة الحياة , ولا تدب فيها الحياة إلا عندما يحل فيها ذلك السر العجيب , الذي لا ندري من كنهه شيئا , إنه العقل اللانهائي . وهو الله وحده , الذي استطاع أن يدرك ببالغ حكمته , أن مثل هذا الجزيء البروتيني يصلح لأن يكون مستقرا للحياة , فبناه وصوره , وأغدق عليه سر الحياة " . .
ويقول إيرفنج وليام [ دكتوراه من جامعة إيوى وأخصائي في وراثة النباتات وأستاذ العلوم الطبيعية بجامعة ميتشجان ] في مقال:"المادية وحدها لا تكفي" من الكتاب نفسه:
"إن العلوم لا تستطيع أن تفسر لنا كيف نشأت تلك الدقائق الصغيرة المتناهية في صغرها والتي لا يحصيها عد , وهي التي تتكون منها جميع المواد . كما لا تستطيع العلوم أن تفسر لنا - بالاعتماد على فكرة المصادفة وحدها كيف تتجمع هذه الدقائق الصغيرة لكي تكون الحياة . ولا شك أن النظرية التي تدعي أن جميع صور الحياة الراقية قد وصلت إلى حالتها الراهنة من الرقي بسبب حدوث بعض الطفرات العشوائية والتجمعات والهجائن . . نقول:إن هذه النظرية لا يمكن الأخذ بها إلا عن طريق التسليم . فهي لا تقوم على أساس المنطق والإقناع ! " .
ويقول:"ألبرت ماكومب ونشتر" [ متخصص في علم الأحياء دكتوراه من جامعة تكساس . أستاذ علم الأحياء بجامعة بايلور . . . ] في مقال:"العلوم تدعم إيماني بالله" من الكتاب نفسه:
" . . . وقد اشتغلت بدراسة علم الأحياء . وهو من الميادين العلمية الفسيحة التي تهتم بدراسة الحياة . وليس بين مخلوقات الله أروع من الأحياء التي تسكن هذا الكون .
"انظر إلى نبات برسيم ضئيل . وقد نما على أحد جوانب الطريق . فهل تستطيع أن تجد له نظيرا في روعته بين جميع ما صنعه الإنسان من تلك العدد والآلات الرائعة ? إنه آله حية تقوم بصورة دائبة لا تنقطع آناء الليل وأطراف النهار , بآلاف من التفاعلات الكيموية والطبيعية ; ويتم كل ذلك تحت سيطرة البروتوبلازم - وهو المادة التي تدخل في تركيب جميع الكائنات الحية .
"فمن أين جاءت هذه الآلة الحية المعقدة ? إن الله لم يصنعها هكذا وحدها , ولكنه خلق الحياة , وجعلها قادرة على صيانة نفسها , وعلى الاستمرار من جيل إلى جيل . مع الاحتفاظ بكل الخواص والمميزات التي تعيننا على التمييز بين نبات وآخر . . إن دراسة التكاثر في الأحياء تعتبر أروع دراسات علم الأحياء , وأكثرها إظهارا لقدرة الله . . إن الخلية التناسلية التي ينتج عنها النبات الجديد , تبلغ من الصغر درجة كبرى بحيث يصعب مشاهدتها إلا باستخدام المجهر المكبر . ومن العجيب أن كل صفة من صفات النبات:كل عرق , وكل شعيرة , وكل فرع على ساق , وكل جذر أو ورقة , يتم تكوينها تحت إشراف مهندسين قد بلغوا من دقة الحجم مبلغا كبيرا , فاستطاعوا العيش داخل الخلية التي ينشأ منها النبات . . تلك الفئة من المهندسين هي فئة الكروموسومات [ ناقلات الوراثة ] .
وفي هذا القدر كفاية لنعود إلى الجمال المشرق في سياق القرآن: (ذلكم الله). .
مبدع هذه المعجزة المتكررة المغيبة السر . . هو الله . . وهو ربكم الذي يستحق أن تدينوا له وحده . . بالعبودية والخضوع والاتباع .
(فأنى تؤفكون ?). .
فكيف تصرفون عن هذا الحق الواضح للعقول والقلوب والعيون !
إن معجزة انبثاق الحياة من الموات يجيء ذكرها كثيرا في القرآن الكريم - كما يجيء ذكر خلق الكون ابتداء - في معرض التوجيه إلى حقيقة الألوهية , وآثارها الدالة على وحدة الخالق , لينتهي منها إلى ضرورة وحدة المعبود , الذي يدين له العباد ; بالاعتقاد في ألوهيته وحده , والطاعة لربوبيته وحده , والتقدم إليه وحده بالشعائر التعبدية , والتلقي منه وحده في منهج الحياة كله , والدينونة لشريعته كذلك وحدها . .
وهذه الدلائل لا تذكر في القرآن الكريم في صورة قضايا لاهوتية أو نظريات فلسفية ! إن هذا الدين أكثر جدية من أن ينفق طاقة البشر في قضايا لاهوتية ونظريات فلسفية . إنما يهدف إلى تقويم تصور البشر - بإعطائهم العقيدة الصحيحة - لينتهي إلى تقويم حياة البشر الباطنة والظاهرة .
وذلك لا يكون أبدا إلا بردهم إلى عبادة الله وحده وإخراجهم من عبادة العباد . وإلا أن تكون الدينونة في الحياة الدنيا , وفي شئون الحياة اليومية لله وحده , وإلا أن يخرج الناس من سلطان المتسلطين , الذين يدعون حق الألوهية , فيزاولون الحاكمية في حياة البشر , ويصبحون آلهة زائفة وأربابا كثيرة ; فتفسد الحياة , حين يستعبد الناس فيها لغير الله !
ومن هنا نرى التعقيب على معجزة الحياة:
(ذلكم الله فأنى تؤفكون). .
ذلكم الله الذي يستحق الربوبية فيكم . . والرب هو المربى والموجه والسيد والحاكم . .
ومن ثم يجب ألا يكون الرب إلا الله . .
(فالق الإصباح , وجعل الليل سكنا , والشمس والقمر حسبانا . ذلك تقدير العزيز العليم). .
إن فالق الحب والنوى هو فالق الإصباح أيضا , وهو الذي جعل الليل للسكون , وجعل الشمس والقمر محسوبة حركاتهما مقدرة دوراتهما . . مقدرا ذلك كله بقدرته التي تهيمن على كل شيء , وبعلمه الذي يحيط بكل شيء .
وانفلاق الإصباح من الظلام حركة تشبه في شكلها انفلاق الحبة والنواة . وانبثاق النور في تلك الحركة , كانبثاق البرعم في هذه الحركة . . وبينهما من مشابه الحركة والحيوية والبهاء والجمال سمات مشتركة , ملحوظة في التعبير عن الحقائق المشتركة في طبيعتهما وحقيقتهما كذلك . .
وبين انفلاق الحب والنوى وانفلاق الإصباح وسكون الليل صلة أخرى . . إن الإصباح والإمساء , والحركة والسكون , في هذا الكون - أو في هذه الأرض - ذات علاقة مباشرة بالنبات والحياة .
إن كون الأرض تدور دورتها هذه حول نفسها أمام الشمس ; وكون القمر بهذا الحجم وبهذا البعد من الأرض ; وكون الشمس كذلك بهذا الحجم وهذا البعد وهذه الدرجة من الحرارة . . هي تقديرات من(العزيز)ذي السلطان القادر(العليم)ذي العلم الشامل . . ولولا هذه التقديرات ما انبثقت الحياة في الأرض على هذا النحو , ولما انبثق النبت والشجر , من الحب والنوى . .
إنه كون مقدر بحساب دقيق . ومقدر فيه حساب الحياة , ودرجة هذه الحياة , ونوع هذه الحياة . . كون لا مجال للمصادفة العابرة فيه - وحتى ما يسمونه المصادفة خاضع لقانون ومقدر بحساب . .
والذين يقولون:إن هذه الحياة فلتة عابرة في الكون . وأن الكون لا يحفلها . بل يبدو أنه يعاديها . وأن ضآلة الكوكب الذي قام عليه هذا النوع من الحياة توحي بهذا كله . بل يقول بعضهم:إن هذه الضآلة توحي


وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)
بأنه لو كان للكون إله ما عنى نفسه بهذه الحياة ! . . إلى آخر ذلك اللغو , الذي يسمونه أحيانا "علمًا ! " ويسمونه أحيانا "فلسفة " ! وهو لا يستأهل حتى مناقشته !
إن هؤلاء إنما يحكمون أهواء مستقرة في نفوسهم ; ولا يحكمون حتى نتائج علمهم التي تفرض نفسها عليهم ! ويقرأ لهم الإنسان فيجد كأنما هم هاربون من مواجهة حقيقة قرروا سلفا ألا يواجهوها ! . . إنهم هاربون من الله الذي تواجههم دلائل وجوده ووحدانيته وقدرته المطلقة في كل اتجاه ! وكلما سلكوا طريقا يهربون بها من مواجهة هذه الحقيقة وجدوا الله في نهايتها , فعادوا في ذعر إلى سكة أخرى . ليواجهوا الله - سبحانه - في نهايتها كذلك !
إنهم مساكين ! بائسون ! لقد فروا ذات يوم من الكنيسة وإلهها الذي تستذل به الرقاب . . فروا(كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة). . ثم ما زالوا في فرارهم التقليدي حتى أوائل هذا القرآن . . دون أن يتلفتوا وراءهم ليروا إن كانت الكنيسة ما تزال تتابعهم . أم انقطعت منها - كما انقطعت منهم - الأنفاس .
إنهم مساكين بائسون لأن نتائج علومهم ذاتها تواجههم اليوم أيضا . . فإلى أين الفرار ? . .
يقول "فرانك أللن" العالم الطبيعي الذي اقتطفنا فقرات من مقاله في الفقرة السابقة عن نشأة الحياة:
"إن ملاءمة الأرض للحياة تتخذ صورا عديدة لا يمكن تفسيرها على أساس المصادفة أو العشوائية . فالأرض كرة معلقة في الفضاء تدور حول نفسها , فيكون في ذلك تتابع الليل والنهار , وهي تسبح حول الشمس مرة في كل عام , فيكون في ذلك تتابع الفصول , الذي يؤدي بدوره إلى زيادة مساحة الجزء الصالح للسكنى من سطح كوكبنا , ويزيد من اختلاف الأنواع النباتية أكثر مما لو كانت ساكنة . ويحيط بالأرض غلاف غازي يشتمل على الغارات اللازمة للحياة , ويمتد حولها إلى ارتفاع كبير [ يزيد على 500ميل ] .
"ويبلغ هذا الغلاف الغازي من الكثافة درجة تحول دون وصول ملايين الشهب القاتلة يوميا إلينا , منقضة بسرعة ثلاثين ميلا في الثانية . والغلاف الجوي الذي يحيط بالأرض يحفظ درجة حرارتها في الحدود المناسبة للحياة , ويحمل بخار الماء من المحيطات إلى مسافات بعيدة داخل القارات , حيث يمكن أن يتكاثف مطر يحيي الأرض بعد موتها . والمطر مصدر الماء العذب , ولولاه لأصبحت الأرض صحراء جرداء خالية من كل أثر للحياة . ومن هنا نرى أن الجو والمحيطات الموجودة على سطح الأرض تمثل عجلة التوازن في الطبيعة " . .
إن الأدلة "العلمية " تتكاثر في وجوههم وتتجمع لتعلن عجز المصادفة عجزا كاملا عن تعليل نشأة الحياة , بما يلزم لهذه النشأة - وللنمو والبقاء والتنوع بعدها - من موافقات لا تحصى في تصميم الكون . . منها هذه الموافقات التي ذكرها العالم الطبيعي السابق , ووراءها من نوعها كثير . فلا يبقى إلا تقدير العزيز العليم . الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى . والذي خلق كل شيء فقدره تقديرا . .
الدرس الثاني:97 الإستدلال بالفلك على الوحدانية
(وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر . قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون). .
تتمة لمشهد الفلك الدائر بشمسه وقمره ونجومه . تتمة لعرض المشهد الكوني الهائل الرائع مرتبطا بحياة البشر ومصالحهم واهتماماتهم:
(لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر). .
متاهات البر والبحر ظلمات يهتدي فيها البشر بالنجوم . . كانوا كذلك وما يزالون . . تختلف وسائل الاهتداء بالنجوم ويتسع مداها بالكشوف العلمية والتجارب المنوعة . . وتبقى القاعدة ثابتة:قاعدة الاهتداء بهذه الأجرام في ظلمات البر والبحر . . سواء في ذلك الظلمات الحسية أو ظلمات التصور والفكر . ويبقى النص القرآني الجامع يخاطب البشرية في مدارجها الأولى بهذه الحقيقة , فتجد مصداقها في واقع حياتها الذي تزاوله . ويخاطبها بها وقد فتح عليها ما أراد أن يفتح من الأسرار في الأنفس والآفاق . فتجدها كذلك مصداق قوله في واقع حياتها الذي تزاوله . .
وتبقى مزية المنهج القرآني في مخاطبة الفطرة بالحقائق الكونية , لا في صورة "نظرية " ولكن في صورة "واقعية " . . صورة تتجلى من ورائها يد المبدع , وتقديره , ورحمته , وتدبيره . صورة مؤثرة في العقل والقلب , موحية للبصيرة والوعي , دافعة إلى التدبر والتذكر , وإلى استخدام العلم والمعرفة للوصول إلى الحقيقة الكبرى المتناسقة . . لذلك يعقب على آية النجوم التي جعلها الله للناس ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر هذا التعقيب الموحي:
(قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون). .
فالاهتداء بالنجوم في ظلمات البر والبحر يحتاج إلى علم بمسالكها ودوراتها ومواقعها ومداراتها . . كما يحتاج إلى قوم يعلمون دلالة هذا كله على الصانع العزيز الحكيم . . فالاهتداء - كما قلنا - هو الاهتداء في الظلمات الحسية الواقعية , وفي ظلمات العقل والضمير . . والذين يستخدمون النجوم للاهتداء الحسي , ثم لا يصلون ما بين دلالتها ومبدعها , هم قوم لم يهتدوا بها تلك الهداية الكبرى ; وهم الذين يقطعون بين الكون وخالقه , وبين آيات هذا الكون ودلالتها على المبدع العظيم . .
الدرس الثالث:98 الإستدلال بالنفس على الوحدانية
(وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة , فمستقر ومستودع . قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون). .
إنها اللمسة المباشرة في هذه المرة . . اللمسة في ذات النفس البشرية . النفس البشرية الواحدة الموحدة الكنة والحقيقة في الذكر والأنثى . تبدأ الحياة فيها خطوتها الأولى للتكاثر بالخلية الملقحة . فنفس هي مستودع لهذه الخلية في صلب الرجل , ونفس هي مستقر لها في رحم الأنثى . . ثم تأخذ الحياة في النمو والانتشار . فإذا أجناس وألوان ; وإذا شيات ولغات ; وإذا شعوب وقبائل ; وإذا النماذج التي لا تحصى , والأنماط التي ما تزال تتنوع ما دامت الحياة .
(قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون). .
فالفقة هنا ضروري لإدراك صنع الله في هذه النفس الواحدة , التي تنبثق منها النماذج والأنماط . ولإدراك الموافقات العجيبة الكامنة وراء اتخاذ التلاقح وسيلة للإكثار وتوفير الأعداد المناسبة دائما من الذكور والإناث - في عالم الإنسان - لتتم عملية التزاوج التي قدر الله أن تكون هي وسيلة الإخصاب والإكثار . ووسيلة تنشئة الأطفال في ظروف تحفظ "إنسانيتهم" وتجعلهم أكفاء للحياة "الإنسانية " !
ولا نملك هنا في الظلال أن نبعد في عرض هذه المسألة بكل تفصيلاتها لجلاء هذه الموافقات - فهي في حاجةإلى بحث متخصص - ولكننا نذكر فقط كيفية نشأة النطفة ذكرا أو أنثى وكيف يتم عن طريق التوزيع الغيبي الرباني إنتاج القدر الكافي من الذكور ومن الأنات دائما لكي تتوافر الأعداد المناسبة لبقاء الحياة وامتدادها . .
ولقد ذكرنا من قبل عند تفسير قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو). . أن الذي يقرر صيرورة البويضة الملقحة ذكرا أو أنثى , هو أن يجري قدر الله بأن يكون عدد كروموسومات الحيوان المنوي الذي يلتحم بالبويضة يرجح كروموسومات التذكير على كروموسومات التأنيث أو العكس , وأن جريان القدر بهذا أو ذاك غيب من غيب الله . لا سلطان لأحد عليه إلا الله . .
هذا القدر الذي يجريه الله في كل مرة , فيهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور , يحافظ على توازن دائم في الأرض كلها بين عدد من يجري بهم ليكونوا إناثا , وعدد من يجري بهم ليكونوا ذكورا . فلا يقع اختلال - على مستوى البشرية كلها - في هذا التوازن . الذي عن طريقة يتم الإخصاب والإكثار , وتتم به حياة زوجية مستقرة في الوقت ذاته . . ذلك أن الأخصاب والإكثار وحده قد يتم بأقل عدد من الذكور . . ولكن الله قدر في الحياة الإنسانية أن هذا ليس هو غاية الالتقاء بين الذكر والأنثى ; إنما الغاية - التي تميز الإنسان من الحيوان - هي استقرار الحياة الزوجية بين ذكر وأنثى . . لما وراء هذا الاستقرار من أهداف لا تتم إلا به . وأهمها استقرار الذرية في كنف أبوين في محيط أسرة , ليتم إعداد هذه الذرية لدورها "الإنساني" الخاص - فوق إعدادها لتحصيل القوت وحماية النفس كالحيوان - والدور "الإنساني" الخاص يحتاج إلى الاستقرار بين أبوين في أسرة فترة أطول جدا مما تحتاج إليه طفولة الحيوان !
وهذه الموازنة الدائمة تكفي وحدها لتكون آية على تدبير الخالق وحكمته وتقديره . . ولكن لقوم يفقهون: (قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون). .
أما المطموسون المحجوبون . . وفي أولهم أصحاب "العلمية " الذين يسخرون من "الغيبية " . فإنهم يمرون على هذه الآيات كلها مطموسين محجوبين:"وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها" .
الدرس الرابع 99 الإستدلال بعالم النبات على الوحدانية
ثم يمضي السياق إلى مشاهد الحياة المتفتحة في جنيات الأرض . تراها الأعين , وتستجليها الحواس , وتتدبرها القلوب . وترى فيها بدائع صنع الله . . والسياق يعرضها - كما هي في صفحة الكون - ويلفت إليها النظر في شتى أطوارها , وشتى أشكالها , وشتى أنواعها ; ويلمس الوجدان بما فيها من حياة نامية , ودلالة على القدرة التي تبدع الحياة ; كما يوجه القلب إلى استجلاء جمالها والاستمتاع بهذا الجمال:
(وهو الذي أنزل من السماء ماء , فأخرجنا به نبات كل شيء . فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا . ومن النخل من طلعها قنوان دانية . وجنات من أعناب والزيتون والرمان , مشتبها وغير متشابه . انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه . إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون). .
والماء كثيرا ما يذكر في القرآن في صدد ذكر الحياة والإنبات .
(وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء). .


وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)
ودور الماء الظاهر في إنبات كل شيء دور واضح يعلمه البدائي والمتحضر , ويعرفه الجاهل والعالم . . ولكن دور الماء في الحقيقة أخطر وأبعد مدى من هذا الظاهر الذي يخاطب به القرآن الناس عامة . فقد شارك الماء ابتداء - بتقدير الله - في جعل تربة الأرض السطحية صالحة للإنبات [ إذا صحت النظريات التي تفترض أن سطح الأرض كان في فترة ملتهبا , ثم صلبا لا توجد فيه التربة التي تنبت الزرع , ثم تم ذلك بتعاون الماء والعوامل الجوية على تحويلها إلى تربة لينة ] ثم ظل الماء يشارك في إخصاب هذه التربة , وذلك بإسقاط [ النتروجين - الأزوت ] من الجو كلما أبرق فاستخلصت الشرارة الكهربائية , التي تقع في الجو , النتروجين الصالح للذوبان في الماء ويسقط مع المطر , ليعيد الخصوبة إلى الأرض . . وهو السماد الذي قلد الإنسان القوانين الكونية في صنعه , فأصبح يصنعه الآن بنفس الطريقة ! وهو المادة التي يخلو وجه الأرض من النبات لو نفدت من التربة !
(فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا . ومن النخل من طلعها قنوان دانية . وجنات من أعناب . والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه). .
وكل نبت يبدأ أخضر . واللفظ(خضر)أرق ضلا , وأعمق ألفة من لفظ "أخضر" . . هذا النبت الخضر (يخرج منه حبا متراكبًا). . كالسنابل وأمثالها . (ومن النخل من طلعها قنوان دانية). . وقنوان جمع قنو وهو الفرع الصغير . وفي النخلة هو العذق الذي يحمل الثمر . ولفظة(قنوان)ووصفها(دانية)يشتركان في إلقاء ظل لطيف أليف . وظل المشهد كله ظل وديع حبيب . . (وجنات من أعناب). . (والزيتون والرمان). هذا النبات كله بفصائله وسلالاته - (مشتبها وغير متشابه)- (انظروا إلى ثمرة إذا أثمر وينعه). . انظروا بالحس البصير , والقلب اليقظ . . انظروا إليه في ازدهاره , وازدهائه , عند كمال نضجه . انظروا إليه واستمتعوا بجماله . . لا يقول هنا , كلوا من ثمره إذا أثمر , ولكن يقول: (انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه)لأن المجال هنا مجال جمال ومتاع , كما أنه مجال تدبر في آيات الله , وبدائع صنعته في مجالي الحياة .
(إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون). .
فالإيمان هو الذي يفتح القلب , وينير البصيرة , وينبه أجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة , ويصل الكائن الإنساني بالوجود , ويدعو الوجدان إلى الإيمان بالله خالق الجميع . . وإلا فإن هناك قلوبا مغلقة , وبصائر مطموسة , وفطرا منتكسة , تمر بهذا الإبداع كله , وبهذه الآيات كلها , فلا تحس بها ولا تستجيب . . (إنما يستجيب الذين يسمعون), وإنما يدرك هذه الآيات الذين يؤمنون !
الدرس الخامس:100 - 101 نقض دعوى الشرك بالله ونفي الشركاء عنه
وعندما يبلغ السياق إلى هذا المقطع ; وقد عرض على القلب البشري صفحة الوجود الحافلة بدلائل وجود الله , ووحدانيته , وقدرته , وقد غمر الوجدان بتلك الظلال الكونية الموحية , وقد وصل الضمير بقلب الوجود النابض في كل حي , الناطق ببديع صنع الخلاق . . عندما يبلغ إلى هذا المقطع يعرض شرك المشركين , فإذا هو غريب غريب في هذا الجو المؤمن الموصول بمبدع الوجود . ويعرض أوهام المشركين فإذا هي سخف تشمئز منه القلوب والعقول . وسرعات ما يعقب عليها بالاستنكار . والجو كله مهيأ للاستنكار:
(وجعلوا لله شركاء الجن - وخلقهم - وخرقوا له بنين وبنات بغير علم . سبحانه وتعالى عما يصفون ! بديع السماوات والأرض , أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ? وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم). .


وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)
وقد كان بعض مشركي العرب يعبدون الجن . . وهم لا يعرفون من هم الجن ! ولكنها أوهام الوثنية ! والنفس متى انحرفت عن التوحيد المطلق قيد شبر انساقت في انحرافها إلى أي مدى ; وانفرجت المسافة بينها وبين نقطة الانحراف التي بدأت صغيرة لا تكاد تلحظ ! وهؤلاء المشركون كانوا على دين إسماعيل . . دين التوحيد الذي جاء به إبراهيم عليه السلام في هذه المنطقة . . ولكنهم انحرفوا عن هذا التوحيد . . ولا بد أن يكون الانحراف قد بدأ يسيرا . . ثم انتهى إلى مثل هذا الانحراف الشنيع . . الذي يبلغ أن يجعل الجن شركاء لله . . وهم من خلقه سبحانه:
(وجعلوا لله شركاء الجن - وخلقهم -)!
ولقد عرفت الوثنيات المتعددة في الجاهليات المتنوعة أن هناك كائنات شريرة - تشبه فكرة الشياطين - وخافوا هذه الكائنات - سواء كانت أرواحا شريرة أو ذوات شريرة - وقدموا لها القرابين اتقاء لشرها ; ثم عبدوها !
والوثنية العربية واحدة من هذه الوثنيات التي وجدت فيها هذه التصورات الفاسدة , في صورة عبادة للجن , واتخاذهم شركاء لله . . سبحانه . .
والسياق القرآني يواجههم بسخف هذا الاعتقاد . . يواجههم بكلمة واحدة:
(وخلقهم). .
وهي لفظة واحدة , ولكنها تكفي للسخرية من هذا التصور ! فإذا كان الله سبحانه هو الذي(خلقهم)فكيف يكونون شركاء له في الألوهية والربوبية ?!
ولم تكن تلك وحدها دعواهم . فأوهام الوثنية متى انطلقت لا تقف عند حد من الانحراف . بل كانوا يزعمون له سبحانه بنين وبنات:
(وخرقوا له بنين وبنات بغير علم).
و"خرقوًا أي:اختلقوا . . وفي لفظها جرس خاص وظل خاص ; يرسم مشهد الطلوع بالفرية التي تخرق وتشق !
خرقوا له بنين:عند اليهود:عزير . وعند النصارى:المسيح:وخرقوا له بنات . عند المشركين:الملائكة . وقد زعموا أنهم إناث . . ولا يدري أحد طبعا لماذا هم إناث ! فالادعاءات كلها لا تقوم على أساس من علم . . فكلها (بغير علم). .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:24 pm

(سبحانه وتعالى عما يصفون). .
ثم يواجه فريتهم هذه وتصوراتهم بالحقيقة الإلهية , ويناقشهم في هذه التصورات بما يكشف عما فيها من هلهلة:
(بديع السماوات والأرض . أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة . وخلق كل شيء , وهو بكل شيء عليم). .
إن الذين يبدع هذا الوجود إبداعا من العدم ما تكون حاجته إلى الخلف ! ? والخلف إنما هو امتداد الفانين , وعون الضعفاء , ولذة من لا يبدعون !


بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)
ثم هم يعرفون قاعدة التكاثر . . أن يكون للكائن صاحبة أنثى من جنسه . . فكيف يكون لله ولد - وليست له صاحبة - وهو - سبحانه - مفرد أحد , ليس كمثله شيء . فأنى يكون النسل بلا تزاوج ?!
وهي حقيقة , ولكنها تواجه مستواهم التصوري ; وتخاطبهم بالأمثلة القريبة من حياتهم ومشاهداتهم !
ويتكى ء السياق - في مواجهتهم - على حقيقة "الخلق" لنفي كل ظل للشرك . فالمخلوق لا يكون أبدا شريكا للخالق . وحقيقة الخالق غير حقيقة المخلوق:كما يواجههم بعلم الله المطلق الذي لا تقابله منهم إلا أوهام وظنون:
(وخلق كل شيء). .
(وهو بكل شيء عليم). .
الدرس السادس:102 التعريف على الله الخالق الوكيل المعبود
وكما واجههم السياق القرآني بحقيقة أن الله (خلق كل شيء), ليرتب عليها تهافت تصوراتهم بأن لله - سبحانه - بنين وبنات , أو أن له شركاء الجن - وهو خلقهم - فإنه يتكى ء على هذه الحقيقة مرة أخرى . لتقرير أن الذي يعبد ويخضع له ويطاع , ويعترف له بالدينونة وحده هو خالق كل شيء , فلا إله إذن غيره , ولا رب إذن سواه:
(ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو , خالق كل شيء ; فاعبدوه , وهو على كل شيء وكيل). .
إن تفرد الله سبحانه بالخلق , يفرده سبحانه بالملك . والمتفرد بالخلق والملك يتفرد كذلك بالرزق . فهو خالق خلقه ومالكهم , فهو كذلك يرزقهم من ملكه الذي ليس لأحد شرك فيه . فكل ما يقتاته الخلق وكل ما يستمتعون به فإنما هو من هذا الملك الخالص لله . . فإذا تقررت هذه الحقائق . . الخلق والملك والرزق . . تقرر معها - ضرورة وحتما - أن تكون الربوبية له سبحانه . فتكون له وحده خصائص الربوبية - وهي القوامة والتوجيه والسلطان الذي يخضع له ويطاع , والنظام الذي يتجمع عليه العباد - وتكون له وحده العبادة بكل مدلولاتها . ومنها الطاعة والخضوع والاستسلام .
ولم يكن العرب - في جاهليتهم - ينكرون أن الله هو خالق هذا الكون , وخالق الناس , ورازقهم كذلك من ملكه , الذي ليس وراءه ملك تقتات منه العباد ! . . وكذلك لم تكن الجاهليات الأخرى تنكر هذه الحقائق - على قلة من الفلاسفة الماديين من الإغريق ! - ولم تكن هنالك هذه المذاهب المادية التي تنتشر اليوم بشكل أوسع مما عرف أيام الإغريق . . لذلك لم يكن الإسلام يواجه في الجاهلية العربية إلا الانحراف في التوجه بالشعائر التعبدية لآلهة - مع الله - على سبيل الزلفى والقربى من الله ! - وإلا الانحراف في تلقي الشرائع والتقاليد التي تحكم حياة الناس . . أي أنه لم يكن يواجه الإلحاد في وجود الله - سبحانه - كما يقول اليوم "ناس" ! أو كما يتبجحون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير !
والحق أن هؤلاء الذين يجادلون في وجود الله اليوم قلة . وسيظلون قلة . إنما الانحراف الأساسي هو ذاته الذي كان في الجاهلية . وهو تلقي الشرائع في شؤون الحياة من غير الله . . وهذا هو الشرك التقليدي الأساسي الذي قامت عليه الجاهلية العربية , وكل الجاهليات أيضا !
والقلة الشاذة التي تجادل في وجود الله اليوم لا تعتمد على "العلم" وإن كانت هذه دعواها . فالعلم البشري ذاته لا يملك أن يقرر هذا الإلحاد ولا يجد عليه دليلا لا من هذا العلم ولا من طبيعة الكون . . إنما هي لوثة سببها الأول الشرود من الكنيسة وإلهها الذي كانت تستذل به الرقاب من غير أصل من الدين . . ثم نقص في التكوين الفطري لهؤلاء المجادلين , ينشأ عنه تعطل في الوظائف الأساسية للكينونة البشرية . . كما يقع للأمساخ من المخلوقات . . !
ومع أن حقيقة الخلق والتقدير فيه - كحقيقة انبثاق الحياة أيضا - لم تكن تساق في القرآن لإثبات وجود الله - إذ كان الجدال في وجوده تعالى سخفا لا يستحق من جدية القرآن العناية به - إنما كانت تساق لرد الناس إلى الرشاد , كي ينفذوا في حياتهم ما تقتضيه تلك الحقيقة من ضرورة إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والحاكمية في حياتهم كلها ; وعبادته وحده بلا شريك . .
مع هذا فإن حقيقة الخلق والتقدير فيه - كحقيقة انبثاق الحياة أيضا - تقذف في وجوه الذين يجادلون في الله - سبحانه - بالحجة الدامغة التي لا يملكون بإزائها إلا المراء . وإلا التبجح الذي يصل إلى حد الاستهتار في كثير من الأحيان !
"جوليان هاكسلي" مؤلف كتاب:"الإنسان يقوم وحده" وكتاب "الإنسان في العالم الحديث" من هؤلاء المتبجحين المستهترين ; وهو يقذف بالمقررات التي لا سند لها إل هواه وهو يقول في كتاب "الإنسان في العالم الحديث" ; في فصل:"الدين كمسألة موضوعية " ذلك الكلام !
"ولقد أوصلنا تقدم العلوم والمنطق وعلم النفس إلى طور أصبح فيه الإله فرضا عديم الفائدة , وطردته العلوم الطبيعية من عقولنا , حتى اختفى كحاكم مدبر للكون , وأصبح مجرد "أول سبب" أو أساسا عاما غامضًا .
و"ول ديورانت" مؤلف كتاب "مباهج الفلسفة " يقول:إن الفلسفة تبحث عن الله , ولكنه ليس "إله اللاهوتيين الذين يتصورونه خارج عالم الطبيعة . بل إله الفلاسفة ; وهو قانون العالم وهيكله , وحياته ومشيئته" . . وهو كلام لا تستطيع إمساكه ! ولكنه كلام يقال !
ونحن لا نحاكم هؤلاء الخابطين في الظلام إلى قرآننا , ولا نحاكمهم كذلك إلى عقولنا المنضبطة بهدى هذا القرآن . إنما نكلهم إلى أندادهم من "العلماء" وإلى العلم البشري الذي يواجه هذه القضية بشيء من الجد والتعقل . .
يقول جون كليفلاند كوتران:[ من علماء الكيمياء والرياضة . دكتوراه من جامعة كورنيل . رئيس قسم العلوم الطبيعية بجامعة دولث ] . من مقال:"النتيجة الحتمية " من كتاب:"الله يتجلى في عصر العلم":
"فهل يتصور عاقل , أو يفكر , أو يعتقد , أن المادة المجردة من العقل والحكمة قد أوجدت نفسها بنفسها بمحض المصادفة ? أو أنها هي التي أوجدت هذا النظام وتلك القوانين , ثم فرضته على نفسها ? لا شك أن الجواب سوف يكون سلبيا . بل إن المادة عندما تتحول إلى طاقة أو تتحول الطاقة إلى مادة , فإن كل ذلك يتم طبقا لقوانين معينة . والمادة الناتجة تخضع لنفس القوانين التي تخضع لها المادة التي وجدت قبلها .
"وتدلنا الكيميا على أن بعض المواد في سبيل الزوال أو الفناء ; ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسركة كبيرة والآخر بسرعة ضئيلة . وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية
. ومعنى ذلك أيضا أنها ليست أزلية . إذ أن لها بداية .
وتدل الشواهد من الكيميا وغيرها من العلوم على أن بداية المادة لم تكن بطيئة أو تدريجية , بل وجدت بصورة فجائية . وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه هذه المواد . وعلى ذلك فإن هذا العالم المادي لا بد أن يكون مخلوقا . وهو منذ أن خلق يخضع لقوانين وسنن كونية محددة , ليس لعنصر المصادفة بينها مكان .
"فإذا كان هذا العالم المادي عاجزا عن أن يخلق نفسه , أو يحدد القوانين التي يخضع لها , فلا بد أن يكون الخلق قد تم بقدره كائن غير مادي . وتدل الشواهد جميعا على أن هذا الخالق لا بد أن يكون متصفا بالعقل والحكمة . إلا أن العقل لا يستطيع أن يعمل في العالم المادي - كما في ممارسة الطب والعلاج السيكلوجي - دون أن يكون هنالك إرادة . ولا بد لمن يتصف بالإرادة أن يكون موجودا وجودا ذاتيا . . وعلى ذلك فإن النتيجة المنطقية الحتمية التي يفرضها علينا العقل ليست مقصورة على أن لهذا الكون خالقا فحسب , بل لا بد أن يكون هذا الخالق حكيما عليما قادرا على كل شيء , حتى يستطيع أن يخلق هذا الكون وينظمه ويدبره ; ولا بد أن يكون هذا الخالق دائم الوجود , تتجلى آياته في كل مكان . وعلى ذلك فإنه لا مفر من التسليم بوجود الله , خالق هذا الكون وموجهه - كما أشرنا إلى ذلك في بداية المقال .
"إن التقدم الذي أحرزته العلوم منذ أيام لورد كيلفن يجعلنا نؤكد بصورة لم يسبق لها مثيل , ما قاله من قبل , من أننا إذا فكرنا تفكيرا عميقا , فإن العلوم سوف تضطرنا إلى الإيمان بالله" . .
ويقول فرانك أللن عالم الطبيعة البيولوجية في مقال "نشأة العالم هل هو مصادفة أو قصد" من الكتاب نفسه:
"كثيرا ما يقال:إن هذا الكون المادي لا يحتاج إلى خالق . ولكننا إذا سلمنا بأن هذا الكون موجود , فكيف نفسر وجوده ? . . هنالك أربعة احتمالات للإجابة على هذا السؤال:فإما أن يكون هذا الكون مجرد وهم وخيال - وهو ما يتعارض مع القضية التي سلمنا بها حول وجوده - وإما أن يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم . وإما أن يكون أزليا ليس لنشأته بداية . وإما أن يكون له خالق .
أما الاحتمال الأول فلا يقيم أمامنا مشكلة سوى مشكلة الشعور والإحساس , فهو يعني أن إحساسنا بهذا الكون وإدراكنا لما يحدث فيه لا يعدو أن يكون وهما من الأوهام , ليس له ظل من الحقيقة . ولقد عاد إلى هذا الرأي في العلوم الطبيعية أخيرا سير جيمس جينز , الذي يرى أن هذا الكون ليس له وجود فعلي , وأنه مجرد صورة في أذهاننا . وتبعا لهذا الرأي نستطيع أن نقول:إننا نعيش في عالم من الأوهام ! فمثلا هذه القطارات التي نركبها ونلمسها ليست إلا خيالات ; وبها ركاب وهميون , وتعبر أنهارا لا وجود لها , وتسير فوق جسور غير مادية . . الخ . وهو رأي وهمي لا يحتاج إلى مناقشته أو جدال !
"أما الرأي الثاني القائل بأن هذا العالم , بما فيه من مادة وطاقة , قد نشأ هكذا وحده من العدم , فهو لا يقل عن سابقه سخفا وحماقة ; ولا يستحق هو أيضا أن يكون موضعا للنظر أو المناقشة .


ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)
"والرأي الثالث الذي يذهب إلى أن هذا الكون أزلي ليس لنشأته بداية , إنما يشترك مع الرأي الذي ينادي بوجود خالق لهذا الكون - وذلك في عنصر واحد هو الأزلية - وإذن فنحن إما أن ننسب صفة الأزلية إلى عالم ميت , وإما أن ننسبها إلى إله حي يخلق , وليس هنالك صعوبة فكرية في الأخذ بأحد هذين الاحتمالين أكثر مما في الآخر . ولكن قوانين "الديناميكا الحرارية " تدل على أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجيا , وأنها سائرة حتما إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض , هي الصفر المطلق ; ويومئذ تنعدم الطاقة , وتستحيل الحياة . ولا مناص من حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقات عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق , بمضي الوقت . أما الشمس المستعرة , والنجوم المتوهجة , والأرض الغنية بأنواع الحياة , فكلها دليل واضح على أن أصل الكون أو أساسة يرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة , فهو إذن حدث من الأحداث . . ومعنى ذلك أنه لا بد لأصل الكون من خالق أزلي , ليس له بداية , عليم محيط بكل شيء , قوي ليس لقدرته حدود , ولا بد أن يكون هذا الكون من صنع يديه" .
الله - سبحانه - خالق كل شيء . لا إله إلا هو . .
هذه هي القاعدة التي يقيم عليها السياق القرآني هنا وجوب عبادة الله وحده . ووجوب ربوبيته وحده - بكل مدلولات الربوبية من الحكم والتربية والتوجيه والقوامة:
(ذلكم الله ربكم . لا إله إلا هو:خالق كل شيء . فاعبدوه . وهو على كل شيء وكيل). .
فهي القوامة لا على البشر وحدهم , ولكن على كل شيء كذلك . بما أنه هو خالق كل شيء . . . وهذا هو المقصود من تقرير تلك القاعدة , التي لم يكن المشركون - في جاهليتهم - يجحدونها . ولكنهم ما كانوا يسلمون بمقتضاها . وهو:الخضوع والطاعة لحاكمية الله وحده والدينونة لسلطانه بلا شريك . .
الدرس السابع:103 - 104 الله يدرك الأبصار وهي لا تدركه والقرآن بصائر
ثم تعبير عن صفة الله سبحانه , يغشى الجوانح والحنايا بظلال ما أحسب أن لغة البشر تملك لها وصفا , فلندعها تلقي ظلالها في شفافية ولين ; وترسم المشهد الذي يغلف فيه ما يهول ويروع من صفة الله , بما يطمئن ويروح , ويشف شفافية النور:
(لا تدركه الأبصار , وهو يدرك الأبصار , وهو اللطيف الخبير). .
إن الذين كانوا يطلبون في سذاجة أن يروا الله , كالذين يطلبون في سماجة دليلا ماديا على الله ! هؤلاء وهؤلاء لا يدركون ماذا يقولون !
إن أبصار البشر وحواسهم وإدراكهم الذهني كذلك . . كلها إنما خلقت لهم ليزاولوا بها التعامل مع هذا الكون , والقيام بالخلافة في الأرض . . وإدراك آثار الوجود الإلهي في صفحات هذا الوجود المخلوق . . فأما ذات الله - سبحانه - فهم لم يوهبوا القدرة على إدراكها . لأنه لا طاقة للحادث الفاني أن يرى الأزلي


لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (104)
الأبدي . فضلا على أن هذه الرؤية لا تلزم لهم في خلافة الأرض . وهي الوظيفة التي هم معانون عليها وموهوبون ما يلزم لها . .
وقد يفهم الإنسان سذاجة الأولين . ولكنه لا يملك أن يفهم سماجة الآخرين ! إن هؤلاء يتحدثون عن "الذرة " وعن "الكهرب" وعن "البروتون" وعن "النيوترون" . . وواحد منهم لم ير ذرة ولا كهربا ولا بروتونا ولا نيوترونا في حياته قط . فلم يوجد بعد الجهاز المكبر الذي يضبط هذه الكائنات . . ولكنها مسلمة من هؤلاء كفرض , ومصداق هذا الفرض أن يقدروا آثارا معينة تقع لوجود هذه الكائنات . فإذا وقعت هذه الآثار [ جزموا ] بوجود الكائنات التي أحدثتها ! بينما قصارى ما تصل إليه هذه التجربة هو "احتمال" وجود هذه الكائنات على الصفة التي افترضوها ! . . ولكنهم حين يقال لهم عن وجود الله - سبحانه - عن طريق آثار هذا الوجود التي تفرض نفسها فرضا على العقول ! يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير , ويطلبون دليلا ماديا تراه الأعين . .
كأن هذا الوجود بجملته , وكأن هذه الحياة بأعاجيبها لا تكفي لتكون هذا الدليل !
وكذلك يعقب السياق القرآني على ما عرضه من آيات في صفحة الوجود وفي مكنونات النفوس . وعلى تقريره عن ذات الله سبحانه بأنهSadلا تدركه الأبصار , وهو يدرك الأبصار , وهو اللطيف الخبير).
يعقب السياق على هذا الوصف الذي لا تملك لغة البشر أن تشرحه أو تصفه . . بقولهSadقد جاءكم بصائر من ربكم , فمن أبصر فلنفسه , ومن عمي فعليها , وما أنا عليكم بحفيظ). .
فهذا الذي جاء من عند الله . . بصائر . . والبصائر تهتدي وتهدي . . وهذا بذاته . . بصائر . . تهدي .
فمن أبصر فلنفسه فإنما يجد الهدى والنور . وليس وراء ذلك إلا العمى . فما يبقى على الضلال بعد هذه الآيات والبصائر إلا أعمى . . معطل الحواس . مغلق المشاعر . مطموس الضمير . .
ويوجه النبي [ ص ] أن يعلن براءته من أمرهم ومغبته: (وما أنا عليكم بحفيظ). .
ولا يفوتنا أن نلمح التناسق في الجو والظلال والعبارة بين قوله في الآية السابقة:في صفة الله سبحانهSadلا تدركه الأبصار , وهو يدرك الأبصار , وهو اللطيف الخبير). . وبين قوله في الآية اللاحقة: (قد جاءكم بصائر من ربكم , فمن أبصر فلنفسه , ومن عمي فعليها). . واستخدام الأبصار والبصائر , والبصر والعمى , في السياق المتناسق المتناغم . .
الدرس الثامن:105 - 107 توجيهات للرسول حول الدعوة والأتباع
بعد ذلك يلتفت السياق إلى الرسول [ ص ] فيتحدث عن تصريف الآيات على هذا المستوى , الذي لا يتناسب مع أمية النبي [ ص ] وبيئته ; والذي يدل بذاته على مصدره الرباني - لمن تتفتح بصيرته - ولكن المشركين ما كانوا يريدون الاقتناع بالآيات . ومن ثم كانوا يقولون:إن محمدا درس هذه القضايا العقيدية والكونية مع أحد أهل الكتاب ! وما دروا أن أهل الكتاب ما كانوا يعلمون شيئا على هذا المستوى الذي يحدثهم محمد فيه ; وما كان أهل الأرض جميعا - وما يزالون - يبلغون شيئا من هذا المستوى السامق على كل ما عرف البشر وما يعرفون . ومن ثم يوجه الرسول [ ص ] إلى اتباع ما أوحي إليه والإعراض عن المشركين:


وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106)
(وكذلك نصرف الآيات , وليقولوا:درست , ولنبينه لقوم يعلمون . اتبع ما أوحي إليك من ربك , لاإله إلا هو , وأعرض عن المشركين . ولو شاء الله ما أشركوا . وما جعلناك عليهم حفيظا , وما أنت عليهم بوكيل). .
إن الله يصرف آياته على هذا المستوى الذي لا عهد للعرب به ; لأنه ليس نابعا من بيئتهم - كما أنه ليس نابعا من البيئة البشرية على العموم - فينتهي هذا التصريف إلى نتيجتين متقابلتين في البيئة:
فأما الذين لا يريدون الهدى , ولا يرغبون في العلم , ولا يجاهدون ليبلغوا الحقيقة . فهؤلاء سيحاولون أن يجدوا تعليلا لهذا المستوى الذي يخاطبهم به محمد - وهو منهم - وسيختلقون ما يعلمون أنه لم يقع . فما كان شيء من حياة محمد خافيا عليهم قبل الرسالة ولا بعدها . . ولكنهم يقولون:درست هذا يا محمد مع أهل الكتاب وتعلمته منهم ! وما كان أحد من أهل الكتاب يعلم شيئا على هذا المستوى . . وهذه كتب أهل الكتاب التي كانت بين أيديهم يومذاك ما تزال بين أيدينا . والمسافة شاسعة شاسعة بين هذا الذي في أيديهم وهذا القرآن الكريم . . إن ما بين أيديهم إن هو إلا روايات لا ضابط لها عن تاريخ الأنبياء والملوك مشوبة بأساطير وخرافات من صنع أشخاص مجهولين - هذا فيما يختص بالعهد القديم - فأما العهد الجديد - وهو الأناجيل - فما يزيد كذلك على أن يكون روايات رواها تلاميذ المسيح - عليه السلام - بعد عشرات السنين ; وتداولتها المجامع بالتحريف والتبديل والتعديل على ممر السنين . وحتى المواعظ الخلقية والتوجيهات الروحية لم تسلم من التحريف والإضافة والنسيان . . وهذا هو الذي كان بين أيدي أهل الكتاب حينذاك , وما يزال . . فأين هذا كله من القرآن الكريم ?! ولكن المشركين - في جاهليتهم - كانوا يقولون هذا ; وأعجب العجب أن جاهليين في هذا العصر من "المستشرقين" و"المتمسلمين" ! يقولون هذا القول فيسمى الآن "علمًا" و"بحثًا" و"تحقيقًا" لا يبلغة إلا المستشرقون !
فأما الذين(يعلمون)حقا , فإن تصريف الآيات على هذا النحو يؤدي إلى بيان الحق لهم فيعرفونه:
(ولنبينه لقوم يعلمون). .
ثم تقع المفاصلة بين قوم مبصرين يعلمون , وقوم عمي لا يعلمون !
ويصدر الأمر العلوي للنبي الكريم , وقد صرف الله الآيات , فافترق الناس في مواجهتها فريقين . . يصدر الأمر العلوي للنبي [ ص ] أن يتبع ما أوحي إليه , وأن يعرض عن المشركين , فلا يحفلهم ولا يحفل ما يقولون من قول متهافت , ولا يشغل باله بتكذيبهم وعنادهم ولجاجهم . فإنما سبيله أن يتبع ما أوحي إليه من ربه ; فيصوغ حياته كلها على أساسه ; ويصوغ نفوس أتباعه كذلك . ولا عليه من المشركين ; فإنما هو يتبع وحي الله , الذي لا إله إلا هو , فماذا عليه من العبيد ?!
(اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو , وأعرض عن المشركين). .
ولو شاء الله أن يلزمهم الهدى لألزمهم , ولو شاء أن يخلقهم ابتداء لا يعرفون إلا الهدى كالملائكة لخلقهم . ولكنه سبحانه خلق الإنسان بهذا الاستعداد للهدى وللضلال , وتركه يختار طريقه ويلقى جزاء الاختيار - في حدود المشيئة المطلقة التي لا يقع في الكون إلا ما تجري به , ولكنها لا ترغم إنسانا على الهدى أو الضلال - وخلقه على هذا النحو لحكمة يعلمها ; وليؤدي دوره في هذا الوجود كما قدره الله له . باستعداداته هذه وتصرفاته:
(ولو شاء الله ما أشركوا). .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:25 pm

وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (107) وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (108)
وليس الرسول [ ص ] مسؤولا عن عملهم , وهو لم يوكل بقلوبهم فالوكيل عليها هو الله:
(وما جعلناك عليهم حفيظا , وما أنت عليهم بوكيل). .
وهذا التوجيه لرسول الله [ ص ] يحدد المجال الذي يتناوله اهتمام الرسول [ ص ] وعمله:كما يحدد هذا المجال لخلفائه وأصحاب الدعوة إلى دينه في كل أرض وفي كل جيل . .
إن صاحب الدعوة لا يجوز أن يعلق قلبه وأمله وعمله بالمعرضين عن الدعوة , المعاندين , الذين لا تتفتح قلوبهم لدلائل الهدى وموحيات الإيمان . . إنما يجب أن يفرغ قلبه , وأن يوجه أمله وعمله للذين سمعوا واستجابوا . فهؤلاء في حاجة إلى بناء كيانهم كله على القاعدة التي دخلوا الدين عليها . . قاعدة العقيدة . . وفي حاجة لإنشاء تصور لهم كامل عميق عن الوجود والحياة على أساس هذه العقيدة . وفي حاجة إلى بناء أخلاقهم وسلوكهم ; وبناء مجتمعهم الصغير على هذا الأساس نفسه . وهذا كله يحتاج إلى الجهد . ويستحق الجهد . فأما الواقفون على الشق الآخر , فجزاؤهم الإهمال والإعراض بعد الدعوة والبلاغ . . وحين ينمو الحق في ذاته فإن الله يجري سنته , فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق . . إن على الحق أن يوجد ومتى وجد الحق في صورته الصادقة الكاملة , فإن شأن الباطل هين , وعمره كذلك قريب !
الدرس التاسع:108 النهي عن سب آلهة المشركين وسد الذريعة
ومع أمر الرسول [ ص ] بالإعراض عن المشركين , فقد وجه المؤمنين إلى أن يكون هذا الإعراض في أدب , وفي وقار , وفي ترفع , يليق بالمؤمنين . . لقد أمروا ألا يسبوا آلهة المشركين مخافة أن يحمل هذا أولئك المشركين على سب الله سبحانه - وهم لا يعلمون جلال قدره وعظيم مقامه - فيكون سب المؤمنين لآلهتهم المهينة الحقيرة ذريعة لسب الله الجليل العظيم:
(ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم . كذلك زينا لكل أمة عملهم . ثم إلى ربهم مرجعهم , فينبئهم بما كانوا يعملون).
إن الطبيعة التي خلق الله الناس بها , أن كل من عمل عملا , فإنه يستحسنه , ويدافع عنه ! فإن كان يعمل الصالحات استحسنها ودافع عنها . وإن كان يعمل السيئات استحسنها ودافع عنها . وإن كان على الهدى رآه حسنا , وإن كان على الضلال رآه حسنا كذلك ! فهذه طبيعة في الإنسان . . وهؤلاء يدعون من دون الله شركاء . . مع علمهم وتسليمهم بأن الله هو الخالق الرازق . . ولكن إذا سب المسلمون آلهتهم هؤلاء اندفعوا وعدوا عما يعتقدونه من ألوهية الله , دفاعا عما زين لهم من عبادتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وتقاليدهم ! . .
فليدعهم المؤمنون لما هم فيه:
(ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون). .
وهو أدب يليق بالمؤمن , المطمئن لدينه , الواثق من الحق الذي هو عليه . الهادىء القلب , الذي لا يدخل فيما لا طائل وراءه من الأمور . فإن سب آلهتهم لا يؤدي بهم إلى الهدى ولا يزيدهم إلا عنادا . فما للمؤمنين وهذا الذي لا جدوى وراءه . وإنما قد يجرهم إلى سماع ما يكرهون . من سب المشركين لربهم الجليل العظيم ?!
الدرس العاشر:109 - 110 طلب المشركين لمعجزات مادية والرد عليهم
وأخيرا يختم هذا الدرس , الذي استعرض فيه صفحة الوجود الحافلة بالآيات والخوارق , في كل لحظة من ليل أو نهار . . يختمه بأن هؤلاء المشركين يقسمون بالله جهد أيمانهم أن لو جاءتهم آية - أي خارقة مادية كخوارق الرسل السابقة - ليؤمنن بها ! الأمر الذي جعل بعض المسلمين حين سمعوا أيمانهم يقترحون على رسول


وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)
الله [ ص ] أن يسأل ربه هذه الآية التي يطلبون ! . . ويجيء الرد الحاسم على المؤمنين , ببيان طبيعة التكذيب في هؤلاء المكذبين:
(وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها . قل:إنما الآيات عند الله . وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ? ونقلب أفئدتهم وأبصارهم , كما لم يؤمنوا به أول مرة , ونذرهم في طغيانهم يعمهون . ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة , وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا - إلا أن يشاء الله - ولكن أكثرهم يجهلون). .
إن القلب الذي لا يؤمن بآيات الله المبثوثة في هذا الوجود - بعد توجيهه إليها على هذا النحو العجيب الذي تكفل به هذا الكتاب العجيب - ولا توحي آيات الله المبثوثة في الأنفس والآفاق إليه أن يبادر إلى ربه , ويثوب إلى كنفه . . إن هذاالقلب هو قلب مقلوب . . والذي عاق هؤلاء عن الإيمان في أول الأمر , ما الذي يدري المسلمين الذين يقترحون إجابة طلبهم , أن يعوقهم عن الإيمان بعد ظهور الخارقة ? إن الله هو الذي يعلم حقيقة هذه القلوب . . وهو يذر المكذبين في طغيانهم يعمهون , لأنه يعلم منهم أنهم يستحقون جزاء التكذيب ; كما يعلم عنهم أنهم لا يستجيبون . . لا يستجيبون ولو نزل إليهم الملائكة كما يقترحون ! ولو بعث لهم الموتى يكلمونهم - كما اقترحوا كذلك ! - ولو حشر الله عليهم كل شيء في هذا الوجود يواجههم ويدعوهم إلى الإيمان ! . . إنهم لا يؤمنون - إلا أن يشاء الله - والله سبحانه لا يشاء , لأنهم هم لا يجاهدون في الله ليهديهم الله إليه . . وهذه هي الحقيقة التي يجهلها أكثر الناس عن طبائع القلوب . .
إنه ليس الذي ينقص الذين يلجون في الضلال أنه لا توجد أمامهم دلائل وبراهين . . إنما الذي ينقصهم آفة في القلب , وعطل في الفطرة , وانطماس في الضمير . .
وإن الهدى جزاء لا يستحقه إلا الذين يتجهون إليه , والذين يجاهدون فيه . .
انتهى الجزء السابع ويليه الجزء الثامن مبدوءاً بقوله تعالى:
(ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة)
بسم الله الرحمن الرحيم
بقية سورة الأنعام وأول سورة الأعراف
الجزء الثامن
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الجزء الثامن
هذا الجزء الثامن مؤلف من شطرين:الشطر الأول هو بقية سورة الأنعام - التي سبق شطرها الأول في الجزء السابع - والشطر الثاني هو من سورة الأعراف . .
ولقد سبق التعريف بسورة الأنعام في الجزء السابع ; وسنحاول هنا أن نصل قارئ هذا الجزء بالتعريف الذي تضمنه ذلك الجزء . أما الكلام عن سورة الأعراف فسيجيء في موضعه - إن شاء الله - عندما نواجه السورة .
تمضي بقية سورة الأنعام على منهج السورة الذي أوضحناه في التعريف بها في الجزء السابع . والذي يحسن أن نشير إليه ملخصاً في فقرات مجملة:
جاء في التعريف بالسورة هذه الفقرات:
"إنها - في جملتها - تعرض "حقيقة الألوهية " . تعرضها في مجالي الكون والحياة . كما تعرضها في مجالي النفس والضمير . . وتعرضها في مجاهيل هذا الكون المشهود , كما تعرضها في مجاهيل ذلك الغيب المكنون . .
وتعرضها في النشأة الكونية , والنشأة الحيوية , والنشأة الإنسانية ; كما تعرضها في مصارع الغابرين , واستخلاف المستخلفين . . وتعرضها في مشاهد الفطرة وهي تواجه الكون , وتواجه الأحداث , وتواجه النعماء والضراء ; كما تعرضها في مظاهر القدرة الإلهية والهيمنة في حياة البشر الظاهرة والمستكنة , وفي أحوالهم الواقعة والمتوقعة . . وأخيراً تعرضها في مشاهد القيامة , ومواقف الخلائق , وهي موقوفة على ربها الخالق . . .
"هكذا تطوّف السورة بالقلب البشري في هذه الآماد والآفاق , وفي هذه الأغوار والأعماق . . ولكنها تمضي في هذا كله على منهج القرآن المكي - الذي أسلفنا الحديث عنه في الصفحات السابقة - وعلى منهج القرآن كله . . إنها لا تهدف إلى تصوير "نظرية " في العقيدة , ولا إلى جدل لاهوتي يشغل الأذهان والأفكار . . إنما تهدف إلى تعريف الناس بربهم الحق , لتصل من هذا التعريف إلى تعبيد الناس لربهم الحق . . تعبيد ضمائرهم وأرواحهم , وتعبيد سعيهم وحركتهم , وتعبيد تقاليدهم وشعائرهم , وتعبيد واقعهم كله لهذا السلطان المتفرد . .
سلطان الله الذي لا سلطان غيره في الأرض ولا في السماء .
"ويكاد اتجاه السورة كله يمضي إلى هذا الهدف المحدد . . من أولها إلى آخرها . . فالله هو الخالق . والله هو الرازق , والله هو المالك . والله هو صاحب القدرة والقهر والسلطان . والله هو العليم بالغيوب والأسرار . والله هو الذي يقلب القلوب والأبصار كما يقلب الليل والنهار . . وكذلك يجب أن يكون الله هو الحاكم في حياةالعباد ; وألا يكون لغيره أمر ولا نهي , ولا شرع ولا حكم , ولا تحليل ولا تحريم . . فهذا كله من خصائص الألوهية , ولا يجوز أن يزاوله في حياة الناس أحد من دون الله , لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت , ولا يضر ولا ينفع , ولا يمنح ولا يمنع , ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاَ في الدنيا ولا في الآخرة . . وسياق السورة يسوق على هذه القضية أدلته في تلك المشاهد والمواقف والإيقاعات البالغة حد الروعة الباهرة , والتي تواجه القلب بالحشود الحاشدة من المؤثرات الموحية , من كل درب ومن كل باب !
"والقضية الكبرى التي تعالجها السورة هي قضية "الألوهية والعبودية " في السماوات والأرض في محيطها الواسع , وفي مجالها الشامل . . ولكن المناسبة الحاضرة في حياة الجماعة المسلمة حينذاك . . المناسبة التطبيقية لهذه القاعدة الكبيرة الشاملة . . هي ما تزاوله الجاهلية من حق التحريم والتحليل في الذبائح والمطاعم ; ومن حق تقرير الشعائر في النذور من الذبائح والثمار . . والاولاد . . وهي المناسبة التي تتحدث عنها هذه الآيات في أواخر السورة:
فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين . وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه , وقد فصل لكم ما حرم عليكم - إلا ما اضطررتم إليه 0 وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم . إن ربك هو أعلم بالمعتدين . وذروا ظاهر الإثم وباطنه . إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون . ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه , وانه لفسق , وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم , وإن أطعتموهم إنكم لمشركون . . . [ 118 - 121 ]
(وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً , فقالوا:هذا لله - بزعمهم - وهذا لشركائنا . فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله , وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم . ساء ما يحكمون ! وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم , ليردوهم , وليلبسوا عليهم دينهم . ولو شاء الله ما فعلوه , فذرهم وما يفترون . وقالوا:هذه أنعام وحرث حجر , لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها , وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها - افتراء عليه - سيجزيهم بما كانوا يفترون . وقالوا:ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا , ومحرم على أزواجنا , وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء . سيجزيهم وصفهم . إنه حكيم عليم . قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم , وحرموا ما رزقهم الله - افتراء على الله - قد ضلوا وما كانوا مهتدين . . . [ 136 - 140 ] .
"هذه هي المناسبة الحاضرة في حياة الأمة المسلمة - والجاهلية من حولها - التي تتمثل فيها تلك القضية الكبيرة . . قضية التشريع والحاكمية . . ومن ورائها القضية الكبرى . . قضية الالوهية والعبودية التي تواجهها السورة كلها , ويعالجها القرآن المكي كله , كما يعالجها القرآن المدني أيضاَ , كلما جاء ذكر النظام فيه وذكر التشريع .
"والحشد الذي يتدفق به سياق السورة من التقريرات والمؤثرات , وهو يواجه الجاهلية وأهلها في أمر هذه الأنعام والذبائح والنذور وهي المناسبة التي تتمثل فيها قضية حق الحاكمية والتشريع - وربطها بقضية العقيدة كلها . . قضية الألوهية والعبودية . . وجعلها مسألة إيمان أو كفر , ومسألة إسلام أو جاهلية . . هذا الحشد - على هذا النحو الذي سنحاول أن نستعرض نماذج منه في هذا التعريف المختصر بالسورة , والذي سيتجلى على حقيقته في المواجهة التفصيلية للنصوص في السياق بعد ذلك - يوقع في النفس تلك الحقيقة الأصيلة في طبيعة هذا الدين . وهي أن كل جزئية صغيرة في الحياة الإنسانية يجب أن تخضع خضوعاً مطلقاً لحاكمية الله المباشرة الممثلة في شريعته . وإلا فهو الخروج من هذا الدين جملة , من أجل الخروج على حاكمية الله المطلقة في تلك الجزئية الصغيرة .كذلك يدل ذلك الحشد على مدى الأهمية التي ينوطها هذا الدين بتخليص مظهر الحياة كله من ظلال حاكمية البشر في أي شأن من شؤون البشر - جل أم حقر , كبر أم صغر - وربط أي شأن من هذه الشؤون بالأصل الكبير الذي يتمثل فيه هذا الدين . . وهو حاكمية الله المطلقة التي تتمثل فيها ألوهيته في الأرض , كما تتمثل ألوهيته في الكون كله بتصريف أمر هذا الكون كله بلا شريك . .
هذه المناسبة التي كانت حاضرة في حياة الأمة المسلمة - والجاهلية من حولها - والتي عالجها سياق السورة على هذا النحو الذي سبقت الإشارة إليه في هذه المقتطفات . . هي هي موضوع بقية السورة التي سنعالجها في هذا الجزء . بعدما مضى الشطر الأول من السورة في عرض قضية الألوهية والعبودية في محيطها الشامل ; وانتهى السياق إلى مواجهة هذه المناسبة الواقعية , فربط بينها وبين القضية الكبرى , ذلك الربط القوي المباشر .
إن السياق القرآني يحشد - لمواجهة تلك التقاليد الجاهلية في تحريم بعض المطاعم وتحليل بعضها ; وفي النذور من الثمار والأنعام والأولاد - حشداً ضخماً من المؤثرات والتقريرات ; ويربطها بجملة من الحقائق والقواعد , هي حقائق هذا الدين وقواعده الأساسية ; ويقدم لها ويعقب عليها تقدمات ضخمة وتعقيبات هائلة ; مما يدل على الأهمية البالغة التي ينوطها هذا الدين , بتخليص الحياة كلها من قبضة الجاهلية ; وردها بجملتها إلى الإسلام . . أي إلى سلطان الله وحده . .
وهكذا يبدأ السياق بتقدمه لهذه القضية عن إحاطة مشيئة الله بالعباد جميعاً:جنهم وإنسهم . وجريان الأحداث في هذه العوالم بمشيئته وقدره ; واستدراجه لأعداء الرسل من شياطين الإنس والجن ; وإمهاله لهم , ليقترفوا ما هم مقترفون ; ولو شاء الله لقهرهم على الهدى ولكفهم عن الضلال قهراً أو لهداهم إلى الحق وشرح صدورهم له . أو لكفهم عن أذى الرسل والمؤمنين فلم يصلوا إليهم . فهم لا يعادون الرسل , ولا يقترفون ما يقترفون , خروجاً على سلطان الله ومشيئته ; فهم أعجز من أن يخرجوا على سلطان الله ومشيئته . إنما هي مشيئة الله اقتضت أن يترك لهم الخيار والقدرة على الهدى وعلى الضلال ; وهم في قبضته على كل حال: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن , يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً , ولو شاء ربك ما فعلوه , فذرهم وما يفترون . ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة , وليرضوه , وليقترفوا ما هم مقترفون . .
فإذا تقرر أن عداء شياطين الإنس والجن للرسل سنة يجري بها قدر الله . وأن هؤلاء الشياطين , على كل ما يرتكبونه , هم في قبضة الله . استنكر رسول الله [ ص ] أن يبتغي(حكما)غير الله . . هكذا على الإطلاق , في أي شأن وفي أي أمر . . ذلك أن تحكيم غير الله في شأن هذه المطاعم هو كالتحكيم لغير الله في كل شأن . وهو إقامة ربوبية غير ربوبية الله ينكرها رسول الله . . وأعقب ذلك تقرير أن كلمة ربه قد تمت بهذا الكتاب وبهذه الشريعة فلم يعد هناك قول لقائل , ولا حكم لبشر . وحذر رسول الله [ ص ] أن يطيع البشر في دين الله ; فإن أكثرهم لا يتبعون إلا الظن ; ولا علم عندهم يستيقن ; ومن يطعهم يضلوه . والله وحده هو الذي يعلم الضالين والمهتدين من عباده . . وكان ذلك كله تمهيداً للأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه ان كان المسلمون مؤمنين , والنهي عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه . وتحذيرهم أن يطيعوا أولياء الشياطين في شيء من التحليل والتحريم . وإلا فهم مثلهم مشركون:وأنهيت الفقرة ببيان عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان , والدوافع التي تدفع بالكافرين الى هذا الذي يقترفون: (أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكمالكتاب مفصلاً , والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق , فلا تكونن من الممترين . وتمت كلمة ربك صدقا وعدلاً لا مبدل لكلماته , وهو السميع العليم . وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله , إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون . إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين . . فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين . وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه , وقد فصل لكم ما حرم عليكم - إلا ما اضطررتم إليه - وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم , إن ربك هو أعلم بالمعتدين . وذروا ظاهر الإثم وباطنه , إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون . . ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه - وإنه لفسق - وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم , وإن أطعتموهم إنكم لمشركون . . أو من كان ميتاً فأحييناه , وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ? كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون . وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها , وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون . وإذا جاءتهم آية قالوا:لن نؤمن حتى نؤتى مثلما أوتي رسل الله . الله أعلم حيث يجعل رسالته . سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون). .
ثم يعود السياق فيقرر أن هدى المهتدين وضلال الضالين . . كلاهما إنما يتم بقدر من الله . وأن هؤلاء كهؤلاء في قبضة الله وسلطانه , وفي إطار مشيئته وقدرهSadفمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام . ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء . كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون).
وينهي هذه الفقرة بتقرير أن ما مر من الأمر والنهي , ومن الاعتقاد والتصور , هو صراط الله المستقيم . فيربط بين ذلك الأمر والنهي وبين أصول الاعتقاد في مشيئة الله وقدره , ويجعلهما حزمة واحدة . كما يجعلهما صراط الله المستقيم الذي يأمر الله العباد أن يسلكوه إليه , لينتهوا إلى دار السلام والأمن عند ربهم , وهو وليهم وناصرهمSadوهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون . لهم دار السلام عند ربهم , وهو وليهم بما كانوا يعملون).
ولا تنتهي التعقيبات على مسالة الأمر والنهي في تناول الذبائح , حتى يعرض السياق مصير شياطين الإنس والجن الذين يجادلون المؤمنين في هذه القضية ; وهم في قبضة الله - صاحب السلطان وصاحب الحكم في المصائر - وحتى يعرض سلطان الله كذلك في استخلاف من يستخلف في هذه الأرض , والذهاب بمن يريد له أن يذهب . وتهديد من يركب رأسه منهم في الدنيا - بسبب ما منحه الله من حرية في اختيار طريقه , ابتلاء من الله واختبارا - بانتهاء المهلة ; والأخذ بما كسب في فترة الابتلاء والاختبار: ويوم يحشرهم جميعاً:يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ! وقال أولياؤهم من الإنس:ربنا استمتع بعضنا ببعض , وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا . قال:النار مثواكم خالدين فيها - إلا ما شاء الله - إن ربك حكيم عليم . وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون . يا معشر الجن والإنس , ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي , وينذرونكم لقاء يومكم هذا ? قالوا:شهدنا على أنفسنا , وغرتهم الحياة الدنيا , وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين . ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون . ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون . وربك الغني ذو الرحمة , إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين . إن ما توعدون لآت , وما أنتم بمعجزين . قل:يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل , فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار , إنه لا يفلح الظالمون . .
بهذا الحشد العجيب من حقائق العقيدة الأساسية , ومن المشاهد والمواقف والمؤثرات الموحية ; ومن تسليطالأضواء على حقائق المشيئة وحقائق الوجود الكوني وحقائق النفس البشرية ; والدوافع الظاهرة والخفية في حياة البشر . ومن التقريرات الشاملة عن سلطان الله في السماوات والأرض ; وفي الدنيا والآخرة ; وفي حياة البشر المستترة والظاهرة . . . بهذا الحشد كله يواجه المنهج القرآني ظاهرة واحدة من ظواهر الجاهلية في الأكل أو عدم الأكل من ذبيحة . . فماذا ? . . إنها القضية الأساسية في هذا الدين . . قضية الحاكمية ولمن تكون . . . . وبالتعبير المرادف . . قضية الألوهية والربوبية ولمن تكون . . ومن ثم تنال هذه الملابسة الجزئية كل هذا الاحتشاد والتجمع والاحتفال . .
وبمثل هذا الاحتشاد وهذا الاحتفال وهذا التجمع يواجه كذلك مسألة النذور في الجاهلية من الثمار والأنعام . . والأولاد . .
إن جاهلية العرب لم تكن تجحد الله البتة . ولم تكن تجعل معه إلها آخر يساويه ! ولكنها إنما كانت تجعل معه آلهة - من دونه - أقل منه منزلة ورتبة ! وكانوا يقولون:إنهم إنما يتخذون من هذه الآلهة شفعاء يقربونهم إلى الله . . وفي هذا كان شركهم . و بهذا كانوا مشركين !
وكان من شركهم كذلك أن يبتدعوا هم من عند أنفسهم - يقوم بذلك كهانهم ومشايخهم - شرائع وتقاليد في حياتهم ; ثم يزعمون أن الله شرعها لهم , وأمرهم بها ! . . إنهم لم يكونوا من التبجح في الشرك بحيث ينسبون هذه الشرائع إلى أنفسهم ; ويدعون أن لهم هم سلطة الحاكمية العليا التي يصدرون بها الشرائع مستقلين عن سلطان الله ! لم يكونوا قد عرفوا بعد هذا التبجح الذي عرفه مشركو هذا الزمان ; ممن يدعون - من دون الله - السلطان . . وفي هذا كذلك كان شركهم ; وبهذا كانوا مشركين !
من هذه الشرائع والتقاليد التي ابتدعوها وزعموا أنها شريعة الله ما كانوا ينذرونه من الثمار والأنعام لله سبحانه ولآلهتهم المدعاة ! ثم يتصرفون بعد ذلك على هواهم او على هوى السدنة والكهنة (فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله , وما كان لله , فهو يصل إلى شركائهم)!
ومنها ما كانوا ينذرونه من أولادهم للآلهة المزعومة ; وما كانوا يقتلونه من البنات اتباعاً لعرف القبيلة ! ومنها ما كانوا يحجرونه من الأنعام ومن الزروع ; لا يطعمه إلا من شاء الله - وهم الذين يزعمون تحريمها , وهم كذلك الذين يعينون من هم الذين شاء الله أن يطعموها !
ومنها ما كانوا يحرمون ركوبه من الأنعام . كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي !
ومنها ما كانوا يمنعون أن يذكر اسم الله عليه من الذبائح . زاعمين أن هذا من أمر الله !
ومنها ما كانوا يخصصونه - من الحمل الذي في بطون الأنعام - للذكور منهم دون الإناث . إلا إذا نزل ميتاً فيشارك فيه الإناث . . وكانوا يجعلون هذا حراماً وذلك حلالاً !
ومنه الميتة التي كانوا يحلونها ويقولون:ذبحها الله . فهي حلال بذبح الله !
والقرآن يواجه هذا كله بحملة كاشفة ; يحشد فيها من المقررات الأساسية في العقيدة ; والمشاهد والحقائق المؤثرة ; ما يحشده في مواجهة قضية الشرك والإيمان في سياق السورة كله . . لأنها هي هي بعينها قضية الشرك والإيمان , في صورة تطبيقية واقعة . .
ومن خلال هذه الحملة يتبين أن القضية هي قضية هذا الدين كما هي قضية هذه العقيدة . فهذه التشريعاتوالتقاليد , إنما زينها للمشركين شركاؤهم الذين يشرعونها لهم ليدمروا حياتهم ويلبسوا عليهم دينهم . وتلبيس الدين وتدمير الحياة كلاهما مرتبطان . فإما شرع الله فهو الدين الواضح والحياة السليمة ; وإما شرع غير الله فهو الدين الغامض والحياة المهددة بالردى: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم). .
ويتبين أن الشياطين وراء هذا العدول عن شرع الله ودينه , إلى شرع الشركاء ودينهم . وأن الشيطان وهو العدو المبين يقود خطى المشركين إلى الخسران والتدمير: (كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين). .
ويتبين أن التحريم والتحليل - بغير شرع الله - هو والشرك سواء . فهو شرك مثله , وأن إحالة شيء من هذا كله إلى مشيئة الله القاهرة هو دعوى يدعيها المشركون في جميع العصور . فقد شاءت إرادة الله أن تعطي الناس قدراً من الاختيار تبتليهم به ; ومن ثم فلا قهر على الشرك في كل صوره ; إنما هو الابتلاء , وهم غير مفلتين من قبضة الله على كل حال .(سيقول الذين أشركوا:لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء . كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا . قل:هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ? إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون . قل:فلله الحجة البالغة , فلو شاء لهداكم أجمعين).
ثم نجد موقفاً للإشهاد على أن الله حرم هذا الذي يحرمونه ; يذكرنا بموقف الإشهاد على قضية الألوهية في أول السورة . . ذلك أنها قضية واحدة في الحقيقة . فمزاولة التشريع مزاولة لخصائص الألوهية . . وهي هي بذاتها القضيةSadقل:هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا . فإن شهدوا فلا تشهد معهم . ولا تتبع أهواء الذين كذّبوا بآياتنا , والذين لا يؤمنون بالآخرة , وهم بربهم يعدلون). . ويذكرنا التعبير(يعدلون)هنا بأنه هو بذاته اللفظ الذي استخدم في قضية الألوهية في أول السورة . كما ذكرنا في التعريف بالسورة .
ثم تختم هذه الحملة ببيان أن هذا الذي قرره الله في قضية التشريع والتقاليد في الثمار والأنعام والأولاد هو صراط الله المستقيم . . ذات التعبير الذي استخدم من قبل في قضية تحريم الذبائح وتحليلها . . كما استخدم بذاته في قضية الألوهية في أول السورة كما ذكرنا في التعريف بالسورةSadوأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون).
ولا ينتهي السياق بهذا الحشد الذي اقتطفنا منه هذه الإشارات . . بل يمضي في طريقه يتحدث عن كتاب موسى الذي جاء لقوم موسى: (تفصيلاً لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون)وعن هذا الكتاب المبارك الذي نزله الله ليتبعه المسلمون ويتقوا لعلهم يرحمون . ولتنقطع حجتهم بأن الكتاب قد نزل على اليهود والنصارى من قبل . وأنهم هم لم يجئهم كتاب يفصل لهم كل شيء فيعرفوا ما شرعه الله حقاً ; وما يقال لهم إنه من شرع الله افتراء !
يتبع هذا تهديد الذين لا يتبعون ما جاء به رسول الله [ ص ] ويبقون على ما هم عليه من شرائع جاهلية ينسبونها إلى الله افتراء عليه , ويتعللون بطلب الخوارق التي تحملهم على التصديق والاتباع . . تهديدهم بأن هذه الخوارق التي يطلبونها ستكون يوم تجيء هي فصل الخطاب ; حيث يتبعها الدمار والهلاكSadهل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك ? يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً . قل:انتظروا إنا منتظرون). .
ثم مفاصلة بين رسول الله [ ص ] والدين الذي جاء به والأمة المسلمة ; وبين أولئك الذين يحلون ويحرمون بغير شرع الله ; ويشترعون لأنفسهم ثم يزعمون أنها شريعة اللهSadإن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء . إنما أمرهم إلى الله , ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون). . هكذا واضحة صريحة: (لست منهم في شيء). .
وفي ختام السياق كله - السياق الذي واجه قضية الشرع والحكم هذه المواجهة بمناسبة تبدو في ظاهرها جزئية - يجيء الإيقاع الشامل لقضية العقيدة بجملتها ; ولقضية الدين برمتها . . العقيدة المستكنة في القلب والضمير . والدين الذي يترجم هذه العقيدة إلى نظام ومنهج للحياة: قل:إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين . قل:إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - لا شريك له - وبذلك أمرت , وأنا أول المسلمين . قل:أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء ? ولا تكسب كل نفس إلا عليها , ولا تزر وازرة وزر أخرى , ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . وهو الذي جعلكم خلائف الأرض , ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم . إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم .
إنها جملة قضايا العقيدة والدين:في الدنيا والآخرة . في المحيا والممات . في العمل والجزاء . في العبادة والسلوك . . كلها يجمعها المنهج الرباني ليعقب بها في ذلك الإيقاع الجليل الرهيب الحبيب , على قضية الحاكمية والتشريع , ممثلة في أبسط مظاهرها في الحياة اليومية ومطاعمها ومشاربها ! ذلك أنها هي قضية الألوهية والربوبية في أضخم مجالاتها وأخطر مواقفها . .
00وهذا هو الإسلام . كما يعرضه مصدره الرباني الكريم . الوحدة الثاثة عشرة:111-113 عداوة اصحاب الباطل لاصحاب الحق
مقدمة الوحدة
الآية الأولى تكملة لفقرة سابقة في السياق - في نهاية الجزء السابع - ومتعلقة بما كان يقترحه مشركوا العرب على رسول الله [ ص ] من الخوارق التي يريدون أن يأتي لهم بها فيصدقوه وما كان من حلفهم بالله حلفا مكررا مؤكدا أن لو جاءتهم هذه الآيات التي يطلبون إنهم ليؤمنون ! مما جعل بعض المسلمين انفسهم


وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)
يشتهون أن لو يجيبهم الله إلى ما يطلبون ! ويقترحون على رسول الله [ ص ] أن يسأل ربه هذه الآيات التي يقترحها المقترحون !
والفقرة كلها جاءت هكذا:
وأقسموا بالله جهد أيمانهم:لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها . قل:إنما الآيات عند الله . وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ? ونقلب أفئدتهم وأبصارهم - كما لم يؤمنوا به أول مرة - ونذرهم في طغيانهم يعمهون . . ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة , وكلمهم الموتى , وحشرنا عليهم كل شيء قبلا , ما كانوا ليؤمنوا - إلا أن يشاء الله - ولكن أكثرهم يجهلون . .
ولقد سبق الحديث عن هذه الآيات في نهاية الجزء السابع . فالآن نتحدث عن الحقائق العامة التي تتناولها هذه النصوص ; والتي لم نتعرض لها هناك في تفسيرها:
والحقيقة الأولى:هي أن الإيمان أو الكفر . والهدى أو الضلال . . . لا تتعلق بالبراهين والأدلة على الحق . فالحق هو برهان ذاته . وله من السلطان على القلب البشري ما يجعله يقبله ويطمئن إليه ويرضخ له . . ولكنها المعوقات الأخرى هي التي تحول بين القلب والحق , وهذه المعوقات يقول الله - سبحانه - للمؤمنين بشأنها: وما يشعركم أنها إذا جاءت [ أي الآيات والخوارق ] لا يؤمنون ? ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة , ونذرهم في طغيانهم يعمهون . .
فما وقع لهم في أول مرة ومنعهم من الهدى , يمكن أن يتكرر وقوعه كذلك - بعد نزول الآية - فيمنعهم من الهدى كرة أخرى . .
إن موحيات الإيمان كامنة في القلب ذاته ; وفي الحق كذلك بذاته ; وليست متعلقة بعوامل خارجية . . فيجب أن تتجه المحاولة إذن إلى ذلك القلب لعلاجه من آفاته ومن معوقاته . .
والحقيقة الثانية:هي أن مشيئة الله هي المرجع الأخير في أمر الهدى والضلال . فقد اقتضت هذه المشيئة أن تبتلي البشر بقدر من حرية الاختيار والتوجه في الابتداء ; وجعل هذا القدر موضع ابتلاء للبشر وامتحان . فمن استخدمه في الاتجاه القلبي إلى الهدى والتطلع إليه والرغبة فيه - وإن كان لا يعلم حينئذ أين هو - فقد اقتضت مشيئة الله أن يأخذ بيده ويعينه ويهديه إلى سبيله . ومن استخدمه في الرغبة عن الهدى والصدود عن دلائله وموحياته , فقد اقتضت مشيئة الله أن يضله وأن يبعده عن الطريق وأن يدعه يتخبط في الظلمات . . وإرادة الله وقدره محيطان بالبشر في كل حالة , ومرد الأمر كله إليه في النهاية .
وهذه الحقيقة يشير إليها السياق في قوله تعالىSadونقلب أفئدتهم وأبصارهم - كما لم يؤمنوا به أول مرة - ونذرهم في طغيانهم يعمهون).
وفي قولهSadولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى , وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً , ما كانوا ليؤمنوا - إلا أن يشاء الله - ولكن أكثرهم يجهلون). .
كما يشير إليها في آية سابقة على هذه الفقرة في سياق السورة قوله تعالىSadاتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين . ولو شاء الله ما أشركوا . وما جعلناك عليهم حفيظاً , وما أنت عليهم بوكيل). .


وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (113)
كما تتكرر الإشارة إليها في الآية التالية لهذه الفقرة .
(وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً - ولو شاء ربك ما فعلوه - فذرهم وما يفترون . . .). .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:26 pm

فالأمر كله مرهون بمشيئة الله , هو الذي شاء ألا يهديهم لأنهم لم يأخذوا بأسلوب الهدى ; وهو الذي شاء أن يدع لهم هذا القدر من الاختيار على سبيل الابتلاء ; وهو الذي يهديهم إذا جاهدوا للهدى ; وهو الذي يضلهم إذا اختاروا الضلال . . بلا تعارض - في التصور الإسلامي - بين طلاقة المشيئة الإلهية وهذا المجال الذي ترك للبشر لابتلائهم فيه بهذا القدر من الاختيار .
والحقيقة الثالثة:هي أن الطائعين والعصاة في قبضة الله سواء , وتحت قهره وسلطانه سواء . فهم لا يملكون جميعاً أن يحدثوا شيئاً إلا بقدر الله وفق مشيئته التي جرت بتلك السنن في تصريف أمر العباد . . ولكن المؤمنين يطابقون - في القدر المتروك لهم للاختيار - بين الخضوع القهري المفروض عليهم لسلطان الله في ذوات أنفسهم وفي حركة خلاياهم وفي طبائع تكوينهم العضوي النفسي ; وبين الخضوع الاختياري الذي يلتزمونه بأنفسهم بناء على المعرفة والهدى والاختيار . وبذلك يعيشون في سلام مع أنفسهم ذاتها , لأن الجانب القهري فيها والجانب الاختياري يتبعان ناموسا واحدا وسلطانا واحدا وحكومة واحدة ! فأما الآخرون فهم مقهورون على اتباع ناموس الله الفطري الذي يقهرهم ولا يملكون أن يخرجوا منه في تكوينهم الجسمي وحاجاتهم الفطرية , بينما في الجانب الذي ترك لهم الاختيار فيه هم ناشزون على سلطان الله الممثل في منهجه وشرعه . أشقياء بهذا الفصام في شخصيتهم ! وهم بعد هذا كله في قبضة الله لا يعجزونه في شيء , ولا يحدثون شيئاً إلا بقدره !
وهذه الحقيقة الثالثة ذات أهمية خاصة في القضايا التي يعرضها الشطر الباقي من السورة . فهي تتكرر في مواضع متعددة في صور متنوعة , ذلك أن هذا الشطر كله - كما بينا من قبل - يواجه قضية الألوهية وسلطانها في حياة البشر وشريعتهم التي يعيشون بها . . ومن ثم يتكئ السياق على تقرير أن السلطان كله لله . حتى في كيان العصاة الناشزين عن منهج الله وشرعه , وأنهم لا يؤذون أولياء الله إلا بما شاء الله . فهم أعجز من أن يكون لهم في ذواتهم سلطان , فكيف يكون لهم على المؤمنين سلطان ! إنما هي مشيئة الله يكون بها ما يشاء في الطائعين والعصاة سواء .
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى:
(ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة , وكلمهم الموتى , وحشرنا عليهم كل شيء قبلا , ما كانوا ليؤمنوا - إلا أن يشاء الله - ولكن أكثرهم يجهلون). .
[ يقول - تعالى ذكره - لنبيه محمد [ ص ] يا محمد آيس من فلاح هؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام , القائلين لك: لئن جئتنا بآية لنؤمنن لك فإننا لو نزلنا إليهم الملائكة حتى يروها عيانا وكلمهم الموتى بإحيائنا إياهم حجة لك , ودلالة على نبوتك , وأخبروهم أنك محق فيما تقول , وأن ما جئتهم به حق من عند الله ; وحشرنا عليهم كل شيء فجعلناهم لك قبلا . ما آمنوا ولا صدقوك ولا اتبعوك - إلا أن يشاء الله ذلك لمن شاء منهم - (ولكن أكثرهم يجهلون). . يقول:ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلونأن ذلك كذلك . يحسبون أن الإيمان إليهم , والكفر بأيديهم , متى شاءوا آمنوا , ومتى شاءوا كفروا . وليس ذلك كذلك , ذلك بيدي . لا يؤمن منهم إلا من هديته له فوفقته , ولا يكفر إلا من خذلته عن الرشد فأضللته ] .
وهذا الأصل الذي يقرره ابن جرير هنا هو الصحيح . ولكنه يحتاج إلى زيادة الإيضاح - التي أسلفناها - باستلهام مجموعة النصوص القرآنية عن الهدى والضلالة ومشيئة الله وجهد الإنسان . . إن الإيمان حدث والضلال حدث . وما يقع في هذا الوجود حدث إلا بقدر من الله ينشئه:
(إنا كل شيء خلقناه بقدر). فأما السنة التي يجري على اساسها ذلك القدر بوقوع إيمان فلان وضلال فلان , فهي التي تبينها مجموعة النصوص . وهي أن الإنسان مبتلي بقدر من الاختيار في الاتجاه . فإذا اتجه إلى الهدى وجاهد فيه هداه الله ووقع هداه وتحقيق بقدر من الله . وإذا اتجه إلى الضلال وكره الهدى أضله الله . ووقع ضلاله وتحقق بقدر من الله . . وهو على الحالين في قبضة الله وسلطانه . وحياته تجري بقدر الله وفق مشيئته الطليقة , وسنته التي وضعتها مشيئته الطليقة .
بعد ذلك تجيء آيتان في سياق السورة ; هما من ناحية تكملة للمعاني والحقائق التي تستهدفها الفقرة السابقة التي انتهينا من الحديث عنها . ومن ناحية هما تمهيد للقضايا العقيدية المتعلقة بالسلطان والشريعة والحاكمية . وهي القضايا التي تستغرق ما تبقى من السورة . .
الآيتان:
وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً - ولو شاء ربك ما فعلوه - فذرهم وما يفترون . ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة , وليرضوه , وليقترفوا ما هم مقترفون .
. . كذلك . . كالذي قدرناه من أن أولئك المشركين الذين يعلقون إيمانهم بمجيء الخوارق , ويعرضون عن دلائل الهدى وموحياته في الكون والنفس , لا يقع منهم الإيمان ولو جاءتهم كل آية . . كذلك الذي قدرناه في شأن هؤلاء , قدرنا أن يكون لكل نبي عدوهم شياطين الإنس والجن . وقدرنا أن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليخدعوهم به ويغروهم بحرب الرسل وحرب الهدى . وقدرنا أن تصغي إلى هذا الزخرف أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة , ويرضوه , ويقترفوا ما يقترفونه من العداوة للرسل وللحق ; ومن الضلال والفساد في الأرض . .
كل ذلك إنما جرى بقدر الله ; وفق مشيئته . ولو شاء ربك ما فعلوه . ولمضت مشيئته بغير هذا كله ; ولجرى قدره بغير هذا الذي كان . فليس شيء من هذا كله بالمصادفة . وليس شيء من هذا كله بسلطان من البشر كذلك أو قدرة !
فإذا تقرر أن هذا الذي يجري في الأرض من المعركة الناشبة التي لا تهدأ بين الرسل والحق الذي معهم , وبين شياطين الإنس والجن وباطلهم وزخرفهم وغرورهم . . إذا تقرر أن هذا الذي يجري في الأرض إنما يجري بمشيئة الله ويتحقق بقدر الله , فإن المسلم ينبغي أن يتجه إذن إلى تدبر حكمة الله من وراء ما يجري في الأرض ; بعد أن يدرك طبيعة هذا الذي يجري والقدرة التي وراءه . .
(وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا , شياطين الإنس والجن , يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً). .
بإرادتنا وتقديرنا , جعلنا لكل نبي عدوا . . هذا العدو هو شياطين الإنس والجن . . والشيطنة وهي التمرد والغواية والتمحض للشر صفة تلحق الإنس كما تلحق الجن . وكما أن الذي يتمرد من الجن ويتمحض للشر والغواية يسمى شيطاناً ; فكذلك الذي يتمرد من الإنس ويتمحض للشر والغواية . . وقد يوصف بهذه الصفة الحيوان أيضا إذا شرس وتمرد واستشرى أذاه ! وقد ورد:"الكلب الأسود شيطان" .
هؤلاء الشياطين - من الإنس والجن - الذين قدر الله أن يكونوا عدوا لكل نبي , يخدع بعضهم بعضا بالقول المزخرف , الذي يوحيه بعضهم إلى بعض - ومن معاني الوحي التأثير الداخلي الذي ينتقل به الأثر من كائن إلى كائن آخر - ويغر بعضهم بعضا , ويحرض بعضهم بعضاً على التمرد والغواية والشر والمعصية . .
وشياطين الإنس أمرهم معروف ومشهود لنا في هذه الأرض , ونماذجهم ونماذج عدائهم لكل نبي , وللحق الذي معه , وللمؤمنين به , معروفة يملك أن يراها الناس في كل زمان .
فأما شياطين الجن - والجن كله - فهم غيب من غيب الله , لا نعرف عنه إلا ما يخبرنا به من عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو . . ومن ناحية مبدأ وجود خلائق أخرى في هذا الكون غير الإنسان وغير الأنواع والأجناس المعروفة في الأرض من الأحياء . . نقول من ناحية المبدأ ونحن نؤمن بقول الله عنها , ونصدق بخبره في الحدود التي قررها . فأما أولئك الذين يتترسون "بالعلم" لينكروا ما يقرره الله في هذا الشأن , فلا ندري علام يرتكنون ? إن علمهم البشري لا يزعم أنه أحاط بكل أجناس الأحياء , في هذا الكوكب الأرضي ! كما أن علمهم هذا لا "يعلم" ماذا في الأجرام الأخرى ! وكل ما يمكن أن "يفترضه" أن نوع الحياة الموجودة في الأرض يمكن أولا يمكن أن يوجد في بعض الكواكب والنجوم . . وهذا لا يمكن أن ينفي - حتى لو تأكدت الفروض - أن أنواعا أخرى من الحياة وأجناساً أخرى من الأحياء يمكن أن تعمر جوانب أخرى في الكون لا يعلم هذا "العلم" عنها شيئاً ! فمن التحكم والتبجح أن ينفي أحد باسم "العلم" وجود هذه العوالم الحية الأخرى .
وأما من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمى بالجن ; والذي يتشيطن بعضه ويتمحض للشر والغواية - كإبليس وذريته - كما يتشيطن بعض الإنس . . من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمى بالجن , نحن لا نعلم عنه إلا ما جاءنا الخبر الصادق به عن الله - سبحانه - وعن رسول الله [ ص ] .
ونحن نعرف أن هذا الخلق مخلوق من مارج من نار . وأنه مزود بالقدرة على الحياة في الأرض وفي باطن الأرض وفي خارج الأرض أيضاَ . وأنه يملك الحركة في هذه المجالات باسرع مما يملك البشر . وأن منه الصالحين المؤمنين , ومنه الشياطين المتمردين . وأنه يرى بني آدم وبنو آدم لا يرونه - في هيئته الأصلية - وكم من خلائق ترى الإنسان ولا يراها الإنسان ! وأن الشياطين منه مسلطون على بني الإنسان يغوونهم ويضلونهم , وهم قادرون على الوسوسة لهم والإيحاء بطريقة لا نعلمها . وأن هؤلاء الشياطين لا سلطان لهم على المؤمنين الذاكرين . وأن الشيطان مع المؤمن إذا ذكر الله خنس وتوارى , وإذا غفل برز فوسوس له ! وأن المؤمن اقوى بالذكر من كيد الشيطان الضعيف . وأن عالم الجن يحشر مع عالم الإنس ; ويحاسب ; ويجازى بالجنة وبالنار كالجنس الإنساني . وأن الجن حين يقاسون إلى الملائكة يبدون خلقاً ضعيفاً لا حول له ولا قوة !
وفي هذه الآية نعرف أن الله سبحانه قد جعل لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن . .
ولقد كان الله - سبحانه - قادراً - لو شاء - ألا يفعلوا شيئاً من هذا . . ألا يتمردوا ; وألا يتمحضوا للشر ; وألا يعادوا الأنبياء ; وألا يؤذوا المؤمنين ; وألا يضلوا الناس عن سبيل الله . . كان الله سبحانه قادراً أن يقهرهمقهراً على الهدى ; أو أن يهديهم لو توجهوا للهدى ; أو أن يعجزهم عن التصدي للأنبياء والحق والمؤمنين به . . ولكنه سبحانه ترك لهم هذا القدر من الاختيار . وأذن لهم أن تمتد أيديهم بالأذى لأولياء الله - بالقدر الذي تقضي به مشيئته ويجري به قدره - وقدر أن يبتلي أولياءه بأذى أعدائه ; كما يبتلي أعداءه بهذا القدر من الاختيار والقدرة الذي أعطاهم إياه . فما يملك هؤلاء أن يوقعوا بأولياء الله من الأذى إلا ما قدره الله:
(ولو شاء الله ما فعلوه). .
فما الذي يخلص لنا من هذه التقريرات ?
يخلص لنا ابتداء:أن الذين يقفون بالعداوة لكل نبي ; ويقفون بالأذى لأتباع الأنبياء . . هم "شياطين" ! . شياطين من الإنس ومن الجن . . وأنهم يؤدون جميعاً - شياطين الإنس والجن - وظيفة واحدة ! وأن بعضهم يخدع بعضاً ويضله كذلك مع قيامهم جميعاً بوظيفة التمرد والغواية وعداء أولياء الله . .
ويخلص لنا ثانياً:أن هؤلاء الشياطين لا يفعلون شيئاً من هذا كله , ولا يقدرون على شيء من عداء الأنبياء وإيذاء أتباعهم بقدرة ذاتية فيهم . إنما هم في قبضة الله . وهو يبتلي بهم أولياءه لأمر يريده0من تمحيص هؤلاء الأولياء , وتطهير قلوبهم , وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء . فإذا اجتازوا الامتحان بقوة كف الله عنهم الابتلاء . وكف عنهم هؤلاء الأعداء . وعجز هؤلاء الأعداء أن يمدوا إليهم أيديهم بالأذى وراء ما قدر الله . وآب أعداء الله بالضعف والخذلان ; وبأوزارهم كاملة يحملونها على ظهورهم:
(ولو شاء الله ما فعلوه). .
ويخلص لنا ثالثا:أن حكمة الله الخالصة هي التي اقتضت أن يترك لشياطين الإنس والجن أن يتشيطنوا - فهو إنما يبتليهم في القدر الذي تركه لهم من الاختيار والقدرة - وأن يدعهم يؤذون أولياءه فترة من الزمان - فهو إنما يبتلي أولياءه كذلك لينظروا:أيصبرون ? أيثبتون على ما معهم من الحق بينما الباطل ينتفش عليهم ويستطيل ? أيخلصون من حظ أنفسهم في أنفسهم ويبيعونها بيعة واحدة لله , على السراء وعلى الضراء سواء . وفي المنشط والمكره سواء ? وإلا فقد كان الله قادراً على ألا يكون شيء من هذا الذي كان !
ويخلص لنا رابعاً:هو أن الشياطين من الإنس والجن , وهو أن كيدهم وأذاهم . فما يستطيلون بقوة ذاتية لهم ; وما يملكون أن يتجاوزوا ما أذن الله به على أيديهم . . والمؤمن الذي يعلم أن ربه هو الذي يقدر , وهو الذي يأذن , خليق أن يستهين بأعدائه من الشياطين ; مهما تبلغ قوتهم الظاهرة وسلطانهم المدّعى . ومن هنا هذا التوجيه العلوي لرسول الله الكريم:
(فذرهم وما يفترون). .
دعهم وافتراءهم . فأنا من ورائهم قادر على أخذهم , مدخر لهم جزاءهم . .
وهناك حكمة أخرى غير ابتلاء الشياطين , وابتلاء المؤمنين . . لقد قدر الله أن يكون هذا العداء , وأن يكون هذا الايحاء , وأن يكون هذا الغرور بالقول والخداع . . لحكمة أخرى:
(ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة , وليرضوه , وليقترفوا ما هم مقترفون)أي لتستمع إلى ذلك الخداع والإيحاء قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة . . فهؤلاء يحصرون همهم كله في الدنيا . وهم يرون الشياطين في هذه الدنيا يقفون بالمرصاد لكل نبي وينالون بالأذى أتباع كل نبي ويزين بعضهم لبعض القول والفعل فيخضعون للشياطين , معجبين بزخرفهم الباطل , معجبين بسلطانهم الخادع . ثم يكسبون ما يكسبون من الإثم والشر والمعصية والفساد . في ظل ذلك الإيحاء , وبسبب هذا الإصغاء . .
وهذا أمر أراده الله كذلك وجرى به قدره . لما وراءه من التمحيص والتجربة . ولما فيه من إعطاء كل أحد فرصته ليعمل لما هو ميسر له ; ويستحق جزاءه بالعدل والقسطاس .
ثم لتصلح الحياة بالدفع ; ويتميز الحق بالمفاصلة ; ويتمحض الخير بالصبر ; ويحمل الشياطين أوزارهم كاملة يوم القيامة . . وليجري الأمر كله وفق مشيئة الله . . أمر أعدائه وأمر أوليائه على السواء . . إنها مشيئة الله , والله يفعل ما يشاء . .
والمشهد الذي يرسمه القرآن الكريم للمعركة بين شياطين الإنس والجن من ناحية , وكل نبي وأتباعه من ناحية أخرى ; ومشيئة الله المهيمنة وقدره النافذ من ناحية ثالثة . . هذا المشهد بكل جوانبه جدير بأن نقف أمامه وقفة قصيرة:
إنها معركة تتجمع فيها قوى الشر في هذا الكون . . شياطين الإنس والجن . . تتجمع في تعاون وتناسق لإمضاء خطة مقررة . . هي عداء الحق الممثل في رسالات الأنبياء وحربه . . خطة مقررة فيها وسائلها . . (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً). . يمد بعضهم بعضاً بوسائل الخداع والغواية ; وفي الوقت ذاته يغوي بعضهم بعضا ! وهي ظاهرة ملحوظة في كل تجمع للشر في حرب الحق وأهله . . إن الشياطين يتعاونون فيما بينهم ; ويعين بعضهم بعضاً على الضلال أيضاً ! إنهم لا يهدون بعضهم البعض إلى الحق أبداً . ولكن يزين بعضهم لبعض عداء الحق وحربه والمضي في المعركة معه طويلاً !
ولكن هذا الكيد كله ليس طليقاً . . إنه محاط به بمشيئة الله وقدره . . لا يقدر الشياطين على شيء منه إلا بالقدر الذي يشاؤه الله وينفذه بقدره . ومن هنا يبدو هذا الكيد - على ضخامته وتجمع قوى الشر العالمية كلها عليه - مقيداً مغلولاً ! إنه لا ينطلق كما يشاء بلا قيد ولا ضابط . ولا يصيب من يشاء بلا معقب ولا مراجع - كما يحب الطغاة أن يلقوا في روع من يعبدونهم من البشر , ليعلقوا قلوبهم بمشيئتهم وإرادتهم . . كلا ! إن إرادتهم مقيدة بمشيئة الله . وقدرتهم محدودة بقدر الله . وما يضرون أولياء الله بشيء إلا بما أراده الله - في حدود الابتلاء - ومرد الأمر كله إلى الله .
ومشهد التجمع على خطة مقررة من الشياطين جدير بأن يسترعي وعي أصحاب الحق ليعرفوا طبيعة الخطة ووسائلها . . ومشهد إحاطة مشيئة الله وقدره بخطة الشياطين وتدبيرهم جدير كذلك بأن يملأ قلوب أصحاب الحق بالثقة والطمأنينة واليقين , وأن يعلق قلوبهم وأبصارهم بالقدرة القاهرة والقدر النافذ , وبالسلطان الحق الأصيل في هذا الوجود , وأن يطلق وجدانهم من التعلق بما يريده أو لا يريده الشياطين ! وأن يمضوا في طريقهم يبنون الحق في واقع الخلق , بعد بنائه في قلوبهم هم وفي حياتهم . أما عداوة الشياطين , وكيد الشياطين , فليدعوهما للمشيئة المحيطة والقدر النافذ .
(ولو شاء ربك ما فعلوه . فذرهم وما يفترون). .
الوحدة الرابعة عشرة:114-27 الموضوع:تقرير مبدأ الحاكمية لله والأنكار على حكم الجاهلية الآن نجيء إلى القضية التي تعالجها بقية السورة ; والتي كان التمهيد لها مطرداً في سياق السورة كله ; وآخر هذا التمهيد ما ساقه من قضايا العقيدة الكبيرة ; ومن واقع المعركة العقيدية الطويلة في الآيتين السابقتين . ومن تقرير سلطان الله المطلق فيما يقع من المعركة بين شياطين الإنس والجن وكل نبي . ومن قواعد الهدى والضلال وسنة الله التي يجري وفقها الضلال والهدى . . . إلى آخر ما استعرضناه في الصفحات السابقة .
الآن نجيء إلى القضية التي جعلت هذه المقدمات كلها قاعدة لها . . قضية الحل والحرمة فيما ذكر اسم اللهعليه وما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح . . وهي تأخذ أهميتها من ناحية تقرير المبدأ الإسلامي الأول:مبدأ حق الحاكمية المطلقة لله وحده ; وتجريد البشر من ادعاء هذا الحق أو مزاولته في أية صورة من الصور . . وحين تكون القضية هي قضية هذا المبدأ فإن الصغيرة تكون كالكبيرة في تحقيق هذا المبدأ أو نقضه . . ولا يهم أن يكون الأمر أمر ذبيحة يؤكل منها أولا يؤكل ; أو أن يكون أمر دولة تقام أو نظام مجتمع يوضع . فهذه كتلك من ناحية المبدأ . وهذه كتلك تعني الاعتراف بألوهية الله وحده ; أو تعني رفض هذه الألوهية .
والمنهج القرآني يتكئ كثيراً جدا على هذا المبدأ لتقريره في كل مناسبة . ولا يمل تكراره حيثما جاءت مناسبته أمام كل تشريع للصغير وللكبير من الأمور . . ذلك أن هذا المبدأ هو العقيدة , وهو الدين , وهو الإسلام ; وليس وراءه من هذا الدين كله إلا التطبيقات والتفريعات .
وسنجد في هذا المقطع من السورة - كما سنجد في بقيتها إلى ختامها - أن تقرير هذا المبدأ يكرر في صور شتى ; بمناسبة عرض شرائع الجاهلية وتقاليدها ; ويتضح ارتباط هذه الشرائع والتقاليد بالشرك والاستكبار عن الإسلام ; وانبثاقها من نقطة إقامة ألوهية أخرى غير الوهية الله , ومن ثم يسلط عليها القرآن هذه الحملات العنيفة , المنوعة الأساليب , ويربطها هذا الربط باصل الاعتقاد وأصل الإيمان والإسلام .
الدرس الأول:تقرير جهة الحاكمية في التحليل والتحريم
إن السياق يبدأ بتقرير جهة الحاكمية في أمر العباد كله - تمهيدا لتقرير جهة الحاكمية في التحليل والتحريم في الذبائح , الأمر الذي يزاول فيه المشركون حق الحاكمية افتراء على الله واعتداء على سلطانه - ويمهد لهذا الأمر تمهيداً طويلاً كما نلحظ من سياق الآيات في هذا الموضع:
أفغير الله أبتغي حكما , وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً , والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق , فلا تكونن من الممترين . وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته , وهو السميع العليم . وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله , إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون . إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله , وهو أعلم بالمهتدين .
هذا التمهيد كله يجيء قبل أن يدخل في الموضوع الواقع الحاضر الذي يمهد له هذا التمهيد , ثم يربطه ربطاً مباشراً بقضية الإيمان أو الكفر:
(فكلوا مما ذكر اسم الله عليه . . إن كنتم بآياته مؤمنين . . وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه , وقد فصل لكم ما حرم عليكم - إلا ما اضطررتم إليه).
وقبل أن ينتهي من عرض قضية التحليل والتحريم - بعد ذلك التمهيد كله - يفصل بين فقرتين بتوجيهات وتعقيبات أخرى , تحوي مؤثرات قوية من الأمر والنهي والبيان والوعيد:
(وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم . إن ربك هو أعلم بالمعتدين . وذروا ظاهر الإثم وباطنه . إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون). .
ثم يستأنف الحديث في قضية التحليل والتحريم ; فيربطها مباشرة بقضية الإسلام والشرك:
(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه - وإنه لفسق - وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم . . وإن أطعتموهم إنكم لمشركون). .
ثم يمضي بعد ذلك شوطاً آخر في الحديث عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان . . شوطاً كأنه تعقيب على أمر التحليل والتحريم .


أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114)
ومن هذا التتابع , وهذا الربط , وهذا التوكيد , تتمثل طبيعة نظرة الإسلام لقضية التشريع والحاكمية , في شؤون الحياة اليومية . .
(أفغير الله أبتغي حكماً , وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً , والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق , فلا تكونن من الممترين). .
إنه سؤال على لسان رسول الله [ ص ] للاستنكار . استنكار أن يبتغي حكما غير الله في شأن من الشؤون على الاطلاق . وتقرير لجهة الحاكمية في الأمر كله , وإفرادها بهذا الحق الذي لا جدال فيه . ونفي أن يكون هناك أحد غير الله يجوز أن يتجه إليه طالباً حكمه في أمر الحياة كله:
أفغير الله أبتغي حكماً ? . .
ثم . . تفصيل لهذا الإنكار , وللملابسات التي تجعل تحكيم غير الله شيئاً مستنكراً غريباً . . إن الله لم يترك شيئاً غامضاً ; ولم يجعل العباد محتاجين إلى مصدر آخر , يحكمونه في ما يعرض لهم من مشكلات الحياة:
(وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً). .
لقد نزل هذا الكتاب ليحكم بالعدل بين الناس فيما اختلفوا فيه , ولتتمثل فيه حاكمية الله وألوهيته . ثم لقد نزل هذا الكتاب مفصلاً , محتوياً على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام الحياة جملة . كما أنه تضمن أحكاماً تفصيلية في المسائل التي يريد الله تثبيتها في المجتمع الإنساني مهما اختلفت مستوياته الاقتصادية والعلمية والواقعية جملة . . وبهذا وذلك كان في هذا الكتاب غناء عن تحكيم غير الله في شأن من شؤون الحياة . . هذا ما يقرره الله - سبحانه - عن كتابه . فمن شاء أن يقول:إن البشرية في طور من أطوارها لا تجد في هذا الكتاب حاجتها فليقل . . ولكن ليقل معه . . إنه - والعياذ بالله - كافر بهذا الدين , مكذب بقول رب العالمين !
ثم إن هناك من حولهم ملابسة أخرى تجعل ابتغاء غير الله حكماً في شأن من الشؤون أمراً مستنكراً غريباً . . إن الذين اوتوا الكتاب من قبل يعلمون أن هذا الكتاب منزل من عند الله , وهم اعرف بالكتاب لأنهم من أهل الكتاب:
(والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق). .
ولقد كانت هذه ملابسة حاضرة في مكة وفي الجزيرة , يخاطب الله بها المشركين . . سواء أقر أهل الكتاب بها وجهروا - كما وقع من بعضهم ممّن شرح الله صدره للإسلام - أو كتموها وجحدوها - كما وقع من بعضهم فالأمر في الحالين واحد ; وهو إخبار الله سبحانه - وخبره هو الصدق - أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربه بالحق . . فالحق محتواه ; كما أن الحق متلبس بتنزيله من الله . .
وما يزال أهل الكتاب يعلمون أن هذا الكتاب منزل من الله بالحق . وما يزالون يعلمون أن قوة هذا الدين إنما تنبثق من هذا الحق الذي يتلبس به , ومن هذا الحق الذي يحتويه . وما يزالون - من أجل علمهم بهذا كله - يحاربون هذا الدين , ويحاربون هذا الكتاب , حرباً لا تهدأ . . وأشد هذه الحرب وأنكاها , هو تحويل الحاكمية عن شريعة هذا الكتاب ; إلى شرائع كتب أخرى من صنع البشر . وجعل غير الله حكماً , حتى لا تقوم لكتاب الله قائمة , ولا يصبح لدين الله وجود . وإقامة ألوهيات أخرى في البلاد التي كانت الألوهية فيها لله وحده ; يوم كانت تحكمها شريعة الله التي في كتابه ; ولا تشاركها شريعة أخرى , ولا يوجد إلى جوار كتاب الله كتب أخرى , تستمد منها أوضاع المجتمع , وأصول التشريعات , ويرجع إليها ويستشهد بفقراتها


وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116)
كما يستشهد المسلم بكتاب الله وآياته ! وأهل الكتاب - من صليبيين وصهيونيين - من وراء هذا كله ; ومن وراء كل وضع وكل حكم يقام لمثل هذه الأهداف الخبيثة !
وحين يقرر السياق أن هذا الكتاب أنزله الله مفصلاً ; وأن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من الله بالحق , يلتفت إلى رسول الله [ ص ] ومن وراءه من المؤمنين به ; يهون عليه وعليهم شأن التكذيب والجدل الذي يجدونه من المشركين ; وشأن الكتمان والجحود الذي يجدونه من بعض أهل الكتاب:
(فلا تكونن من الممترين). .
وما شك رسول الله [ ص ] ولا امترى . ولقد ورد أنه [ ص ] عندما أنزل الله عليهSadفإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك . لقد جاءك الحق من ربك , فلا تكونن من الممترين). . قال:" لا أشك , ولا أسأل " .
ولكن هذا التوجيه وأمثاله ; وهذا التثبيت على الحق ونظائره ; تدل على ضخامة ما كان يلقاه [ ص ] والجماعة المسلمة معه من الكيد والعنت والتكذيب والجحود ; ورحمة الله - سبحانه - به وبهم بهذا التوجيه والتثبيت . .
ويمضي السياق في هذا الاتجاه ; يقرر أن كلمة الله الفاصلة قد تمت ; وأنه لا مبدل لها بفعل الخلق , بالغاً ما بلغ كيدهم:
(وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً , لا مبدل لكلماته , وهو السميع العليم). .
لقد تمت كلمة الله - سبحانه - صدقاً - فيما قال وقرر - وعدلاً - فيما شرع وحكم - فلم يبق بعد ذلك قول لقائل في عقيدة أو تصور أو أصل أو مبدأ أو قيمة أو ميزان . ولم يبق بعد ذلك قول لقائل في شريعة أو حكم , او عادة أو تقليد . . ولا معقب لحكمه ولا مجير عليه . .
(وهو السميع العليم). .
الذي يسمع ما يقوله عباده , ويعلم ما وراءه , كما يعلم ما يصلح لهم , وما يصلحهم .
وإلى جانب تقرير أن "الحق" هو ما تضمنه الكتاب الذي أنزله الله , يقرر أن ما يقرره البشر وما يرونه إن هو إلا اتباع الظن الذي لا يقين فيه ; واتباعه لا ينتهي إلا الى الضلال . وأن البشر لا يقولون الحق ولا يشيرون به إلا إذا أخذوه من ذلك المصدر الوحيد المستيقن ; ويحذر الرسول [ ص ] أن يطيع الناس في شيء يشيرون به عليه من عند أنفسهم ; مهما بلغت كثرتهم ; فالجاهلية هي الجاهلية مهما كثر أتباعها الضالون:
(وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله . إن يتبعون إلا الظن , وإن هم إلا يخرصون). .
ولقد كان أكثر من في الأرض - كما هو الحال اليوم بالضبط - من أهل الجاهلية . . لم يكونوا يجعلون الله هو الحكم في أمرهم كله , ولم يكونوا يجعلون شريعة الله التي في كتابه هي قانونهم كله . ولم يكونوا يستمدون تصوراتهم وأفكارهم , ومناهج تفكيرهم ومناهج حياتهم من هدى الله وتوجيهه . . ومن ثم كانوا - كما هو الحال اليوم - في ضلالة الجاهلية ; لا يملكون أن يشيروا برأي ولا بقول ولا بحكم يستند على الحق ويستمد منه ; ولا يقودون من يطيعهم ويتبعهم إلا الى الضلال . . كانوا - كما هم اليوم - يتركون العلم المستيقن ويتبعون الظن والحدس . . والظن والحدس لا ينتهيان إلا الى الضلال . . وكذلك حذر الله رسوله من طاعتهم واتباعهم كي لا يضلوا عن سبيل الله . . هكذا على وجه الإجمال . وإن كانت المناسبة الحاضرة حينذاك كانت هي مناسبة


إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)
تحريم بعض الذبائح وتحليل بعضها كما سيجيء في السياق . .
ثم قرر أن الذي يحكم على العباد بأن هذا مهتد وهذا ضال هو الله وحده . لأن الله وحده هو الذي يعلم حقيقة العباد , وهو الذي يقرر ما هو الهدى وما هو الضلال:
(إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين). .
فلا بد من قاعدة للحكم على عقائد الناس وتصوراتهم وقيمهم وموازينهم ونشاطهم وأعمالهم . لا بد من قاعدة لتقرير ما هو الحق وما هو الباطل في هذا كله - كي لا يكون الأمر في هذه المقومات هو أمر هوى الناس المتقلب واصطلاحهم الذي لا يقوم على علم مستيقن . . ثم لا بد من جهة تضع الموازين لهذه المقومات , ويتلقى منها الناس حكمها على العباد والقيم سواء .
والله - سبحانه - يقرر هنا أنه هو - وحده - صاحب الحق في وضع هذا الميزان . وصاحب الحق في وزن الناس به , وتقرير من هو المهتدي , ومن هو الضال .
إنه ليس "المجتمع" هو الذي يصدر هذه الأحكام وفق اصطلاحاته المتقلبة . . ليس المجتمع الذي تتغير أشكاله ومقوماته المادية , فتتغير قيمه وأحكامه . . حيث تكون قيم وأخلاق للمجتمع الزراعي , وقيم وأخلاق أخرى للمجتمع الصناعي . وحيث تكون هناك قيم وأخلاق للمجتمع الرأسمالي البرجوازي , وقيم وأخلاق أخرى للمجتمع الاشتراكي أو الشيوعي . . ثم تختلف موازين الناس وموازين الأعمال وفق مصطلح هذه المجتمعات !
الإسلام لا يعرف هذا الأصل ولا يقره . . الإسلام يعين قيماً ذاتية له يقررها الله - سبحانه - وهذه القيم تثبت مع تغير "أشكال" المجتمعات . . والمجتمع الذي يخرج عليها له اسمه في الاصطلاح الإسلامي . . إنه مجتمع غير إسلامي . . مجتمع جاهلي . . مجتمع مشرك بالله , لأنه يدع لغير الله - من البشر - أن يصطلح على غير ما قرره الله من القيم والموازين والتصورات والأخلاق , والأنظمة والأوضاع . . وهذا هو التقسيم الوحيد الذي يعرفه الإسلام للمجتمعات وللقيم وللأخلاق . . إسلامي وغير إسلامي . . إسلامي وجاهلي . . بغض النظر عن الصور والأشكال !!
الدرس الثاني:118 - 121 الذبائح بين التشريع الرباني والتشريع الجاهلي
بعد هذا التمهيد التقريري الطويل تجيء قضية الذبائح , مبنية على القاعدة الأساسية التي أقامها ذلك التمهيد التقريري الطويل:
فكلوا مما ذكر اسم الله عليه . . إن كنتم بآياته مؤمنين . . وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه , وقد فصل لكم ما حرم عليكم - إلا ما اضطررتم إليه - وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم , إن ربك هو أعلم بالمعتدين . وذروا ظاهر الإثم وباطنه , إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون . ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه - وإنه لفسق - وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم , وإن أطعتموهم إنكم لمشركون . .
وقبل أن ندخل في تفصيل هذه الأحكام من الناحية الفقهية , يهمنا أن نبرز المبادئ الأساسية الإعتقادية التي تقررها .
إنه يأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه . والذكر يقرر الوجهة ويحدد الاتجاه . ويعلق إيمان الناس بطاعة هذا الأمر الصادر إليهم من الله:
(فكلوا مما ذكر اسم الله عليه . . إن كنتم بآياته مؤمنين). .


وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ (120)
ثم يسألهم:وما لهم في الامتناع من الأكل مما ذكر اسم الله عليه , وقد جعله الله لهم حلالا ? وقد بين لهم الحرام الذي لا يأكلونه إلا اضطراراً ? فانتهى بهذا البيان كل قول في حله وحرمته ; وفي الأكل منه أو تركه ?
(وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ?). .
ولما كانت هذه النصوص تواجه قضية حاضرة إذ ذاك في البيئة , حيث كان المشركون يمتنعون من ذبائح أحلها الله ; ويحلون ذبائح حرمها الله - ويزعمون أن هذا هو شرع الله ! - فإن السياق يفصل في أمر هؤلاء المشترعين المفترين على الله , فيقرر أنهم إنما يشرعون بأهوائهم بغير علم ولا اتباع , ويضلون الناس بما يشرعونه لهم من عند أنفسهم , ويعتدون على ألوهية الله وحاكميته بمزاولتهم لخصائص الألوهية وهم عبيد:
(وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم . . إن ربك هو أعلم بالمعتدين). .
ويأمرهم بأن يتركوا الإثم كله - ظاهره وخافيه - ومنه هذا الذي يزاولونه من إضلال الناس بالهوى وبغير علم ; وحملهم على شرائع ليست من عند الله , وافتراء أنها شريعة الله ! ويحذرهم مغبة هذا الإثم الذي يقترفونه:
(وذروا ظاهر الإثم وباطنه . إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون). .
ثم ينهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح التي كانوا يذكرون عليها أسماء آلهتهم ; أو ينحرونها للميسر ويستقسمونها بالأزلام ; أو من الميتة التي كانوا يجادلون المسلمين في تحريمها , يزعمون أن الله ذبحها ! فكيف يأكل المسلمون مما ذبحوا بأيديهم , ولا يأكلون مما ذبح الله ?! وهو تصور من تصورات الجاهلية التي لا حد لسخفها وتهافتها في جميع الجاهليات ! وهذا ما كانت الشياطين - من الإنس والجن - توسوس به لأوليائها ليجادلوا المسلمين فيه من أمر هذه الذبائح مما تشير إليه الآيات:
(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه - وإنه لفسق - وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم . . وإن أطعتموهم إنكم لمشركون . .). .
وأمام هذا التقرير الأخير نقف , لنتدبر هذا الحسم وهذه الصراحة في شأن الحاكمية والطاعة والاتباع في هذا الدين . .
إن النص القرآني لقاطع في أن طاعة المسلم لأحد من البشر في جزئية من جزئيات التشريع التي لا تستمد من شريعة الله , ولا تعتمد على الاعتراف له وحده بالحاكمية . . أن طاعة المسلم في هذه الجزئية تخرجه من الإسلام لله , إلى الشرك بالله .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42627
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى