فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

صفحة 2 من اصل 4 الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 9:15 pm

الدرس الأول:12 شمول ملكية الله للزمان والمكان
(قل:لمن ما في السماوات والأرض ? قل لله , كتب على نفسه الرحمة , ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه , الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون . وله ما سكن في الليل والنهار , وهو السميع العليم). .
إنه موقف المواجهة للبيان والتقرير , ثم المفاصلة . . ومن ثم يبدأ بتوجيه الرسول [ ص ] لهذه المواجهة . مواجهة المشركين - الذين يعرفون أن الله هو الخالق ثم يعدلون به من لا يخلق ; فيجعلون له شركاء مع الله في تصريف حياتهم - مواجهتهم بالسؤال عن الملكية - بعد الخلق - لكل ما في السماوات والأرض , مسقصيا بهذا السؤال حدود الملكية في المكان:
(ما في السماوات والأرض). . مع تقرير الحقيقة التي لم يكونوا هم يجادولن فيها ; والتي حكى القرآن في مواضع إقرارهم الكامل بها:
(قل:لمن ما في السماوات والأرض ? قل:لله). .
ولقد كان العرب في جاهليتهم - على كل ما في هذه الجاهلية من ضلال في التصور ينشأ عنه انحطاط في الحياة - أرقى - في هذا الجانب - من الجاهلية "العلمية " الحديثة , التي لا تعرف هذه الحقيقة , والتي تغلق فطرتها وتعطلها دون رؤية هذه الحقيقة ! كانوا يعرفون ويقررون أن لله ما في السماوات والأرض . ولكنهم ما كانوا يرتبون على هذه الحقيقة نتائجها المنطقية ; بإفراد الله سبحانه بالحاكمية فيما يملك , وعدم التصرف فيه إلا بإذن الله وحده وشرعه . . وبهذا اعتبروا مشركين , وسميت حياتهم بالجاهلية ! فكيف بمن يخرجون الحاكمية في أمرهم كله من اختصاص الله سبحانه ; ويزاولونها هم بأنفسهم ?! بماذا يوصفون وبماذا توصف حياتهم ? لا بد من إعطائهم صفة أخرى غير الشرك . . فهو الكفر والظلم والفسق كما يقرر الله سبحانه . . أيا كانت دعواهم في الإسلام وأيا كانت الصفة التي تعطيها لهم شهادات الميلاد !
ونعود إلى الآية . لنجد السياق يلحق بهذا التقرير لملكية الله - سبحانه - لما في السماوات وما في الأرض , أنه - سبحانه:
(كتب على نفسه الرحمة). .
فهو سبحانه المالك , لا ينازعه منازع , ولكنه - فضلا منه ومنة - كتب على نفسه الرحمة . كتبها بإرادته ومشيئته ; لا يوجبها عليه موجب ولا يقترحها عليه مقترح ; ولا يقتضيها منه مقتض - إلا إرادته الطليقة وإلا ربوبيته الكريمة - وهي - الرحمة - قاعدة قضائه في خلقه , وقاعدة معاملته لهم في الدنيا والآخرة . . والاعتقاد إذن بهذه القاعدة يدخل في مقومات التصور الإسلامي , فرحمة الله بعباده هي الأصل , حتى في ابتلائه لهم أحيانا بالضراء . فهو يبتليهم ليعد طائفة منهم بهذا الابتلاء لحمل أمانته , بعد الخلوص والتجرد والمعرفة والوعي والاستعداد والتهيؤ عن طريق هذا الابتلاء ; وليميز الخبيث من الطيب في الصف , وليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ; وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة . . والرحمة في هذا كله ظاهرة . .


قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)
على أن تلمس مواضع رحمة الله ومظاهرها يستغرق الأعمار والأجيال . فما من لحظة إلا وتغمر العباد فيها الرحمة . . إنما ذكرنا الرحمة في الابتلاء بالضراء , لأن هذه هي التي قد تزيغ فيها القلوب والأبصار !
ولن نحاول نحن أن نتقصى مواضع الرحمة الإلهية أو مظاهرها - وإن كنا سنشير إشارة مجملة إلى شيء من ذلك فيما يلي - ولكننا سنحاول أن نقف قليلا أمام هذا النص القرآني العجيب:
(كتب على نفسه الرحمة).
وقد تكرر وروده في السورة في موضع آخر سيأتي: (كتب ربكم على نفسه الرحمة).
إن الذي يستوقف النظر في هذا النص هو ذلك التفضل الذي أشرنا من قبل إليه . . تفضل الخالق المالك ذي السلطان القاهر فوق عباده . . تفضله - سبحانه - بأن يجعل رحمته بعباده في هذه الصورة . . مكتوبة عليه . . كتبها هو على نفسه ; وجعلها عهدا منه لعباده . . بمحض إرادته ومطلق مشيئته . . وهي حقيقة هائلة لا يثبت الكيان البشري لتمليها وتأملها وتذوق وقعها ; حين يقف لتدبرها في هذه الصورة العجيبة . .
كذلك يستوقف النظر مرة أخرى ذلك التفضل الآخر الذي يتجلى في إخباره لعباده بما كتبه - سبحانه - على نفسه من رحمته . فإن العناية بإبلاغهم هذه الحقيقة هي تفضل آخر , لا يقل عن ذلك التفضل الأول ! فمن هم العباد حتى تبلغ العناية بهم أن يبلغوا ما جرت به إرادة الله في الملأ الأعلى ? وأن يبلغوا بكلمات منه سبحانه يحملها إليهم رسوله ? من هم ? إلا أنه الفضل العميم , الفائض من خلق الله الكريم ?!
إن تدبر هذه الحقيقة على هذا النحو ليدع القلب في عجب وفي دهش ; كما يدعه في أنس وفي روح لا تبلغ الكلمات أن تصور جوانبه وحواشيه !
ومثل هذه الحقائق , وما تثيره في القلب من مشاعر ; ليس موكولا إلى التعبير البشري ليبلغ شيئا في تصويره ; وإن كان القلب البشري مهيأ لتذوقه , لا لتعريفه !
وتمثل هذه الحقيقة في التصور الإسلامي يكون جانبا أساسيا من تصور حقيقة الألوهية , وعلاقة العباد بها . . وهو تصور جميل مطمئن ودود لطيف . يعجب الإنسان معه لمناكيد الخلق الذين يتقولون على التصور الإسلامي في هذا الجانب , لأنه لا يقول ببنوة أحد من عباد الله لله ! - على نحو ما تقول التصورات الكنسية المحرفة - فالتصور الإسلامي إذ يرتفع على هذه التصورات الصبيانية الطفولية , يبلغ في الوقت ذاته من تصوير العلاقة الرحيمة بين الله وعباده هذا المستوى الذي يعجز التعبير البشري عن وصفه . والذي يترع القلب بحلاوة مذاقه , كما يروعه بجلال إيقاعة . .
ورحمة الله تفيض على عباده جميعا ; وتسعهم جميعا ; وبها يقوم وجودهم , وتقوم حياتهم . وهي تتجلى في كل لحظة من لحظات الوجود أو لحظات الحياة للكائنات . فأما في حياة البشر خاصة فلا نملك أن نتابعها في كل مواضعها ومظاهرها ; ولكننا نذكر منها لمحات في مجاليها الكبيرة:
إنها تتجلى ابتداء في وجود البشر ذاته . في نشأتهم من حيث لا يعلمون . وفي إعطائهم هذا الوجود الإنساني الكريم ; بكل ما فيه من خصائص يتفضل بها الإنسان على كثير من العالمين .
وتتجلى في تسخير ما قدر الله أن يسخره للإنسان , من قوى الكون وطاقاته . وهذا هو الرزق في مضمونه الواسع الشامل . الذي يتقلب الإنسان في بحبوحة منه في كل لحظة من لحظات حياته .
وتتجلى في تعليم الله للإنسان , بإعطائه ابتداء الاستعداد للمعرفة ; وتقدير التوافق بين استعدادته هذه وإيحاءات الكون ومعطياته . . هذا العلم الذي يتطاول به بعض المناكيد على الله , وهو الذي علمهم إياه ! وهومن رزق الله بمعناه الواسع الشامل كذلك .
وتتجلى في رعاية الله لهذا الخلق بعد استخلافه في الأرض , بموالاة إرسال الرسل إليه بالهدى . كلما نسي وضل ; وأخذه بالحلم كلما لج في الضلال ; ولم يسمع صوت النذير , ولم يصغ للتحذير . وهو على الله هين . ولكن رحمة الله وحدها هي التي تمهله , وحلم الله وحده هو الذي يسعه .
وتتجلى في تجاوز الله - سبحانه - عن سيئاته إذا عمل السوء بجهالة ثم تاب , وبكتابة الرحمة على نفسه ممثلة في المغفرة لمن أذنب ثم أناب .
وتتجلى في مجازاته عن السيئة بمثلها , ومجازاته على الحسنة بعشر أمثالها . والمضاعفة بعد ذلك لمن يشاء . ومحو السيئة بالحسنة . . وكله من فضل الله . فلا يبلغ أحد أن يدخل الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته . حتى رسول الله [ ص ] كما قال عن نفسه , في معرفة كاملة بعجز البشر وفضل الله .
والإقصار منا عن متابعة رحمة الله في مظاهرها , وإعلان القصور والعي عنها , هو أجدر وأولى . وإلا فما نحن ببالغين من ذلك شيئا ! وإن لحظة واحدة يفتح الله فيها أبواب رحمته لقلب العبد المؤمن ; فيتصل به ; ويعرفه ; ويطمئن إليه - سبحانه - ويأمن في كنفه ; ويستروح في ظله . . إن لحظة واحدة من هذه اللحظات لتعجز الطاقة البشرية عن تمليها واستجلائها , فضلا على وصفها والتعبير عنها .
فلننظر كيف مثل رسول الله [ ص ] لهذه الرحمة بما يقربها للقلوب شيئا ما:
"أخرج الشيخان - بإسناده عن أبى هريرة رضي الله عنه - قال:قال رسول الله [ ص ] لما قضى الله الخلق - وعند مسلم:لما خلق الله الخلق - كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش:إن رحمتي سبقت غضبي . . وعند البخاري في رواية أخرى:إن رحمتي غلبت غضبي " . .
وأخرج الشيخان - بإسناده عنه رضي الله عنه - قال:قال رسول الله [ ص ]:" جعل الله الرحمة مائة جزء . فأمسك عنده تسعة وتسعين , وأنزل في الأرض جزءا واحدا . فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق . حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه " . .
وأخرج مسلم - بإسناده عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله [ ص ]:" إن لله مائة رحمة . فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم , وتسعة وتسعون ليوم القيامة " . .
وله في أخرى:" إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة , كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض . فجعل منها في الأرض رحمة واحدة , فيها تعطف الوالدة على ولدها , والوحش والطير بعضها على بعض . فإذا كان يوم القيامة أكملها الله تعالى بهذه الرحمة " . .
وهذا التمثيل النبوي الموحي , يقرب للإدراك البشري تصور رحمة الله تعالى . . ذلك إذ ينظر إلى رحمة الأمهات بأطفالها في الخلائق الحية ويتملاها ويعجب لها , وإلى رحمة القلوب البشرية بالطفولة والشيخوخة , والضعف والمرض ; وبالأقرباء والأوداء والأصحاب ; وبرحمة الطير والوحش بعضها على بعض - ومنها ما يدعو إلى الدهش والعجب - ثم يرى أن هذا كله من فيض رحمة واحدة من رحمات الله سبحانه . فهذا مما يقرب إلى إدراكه تصور هذه الرحمة الكبرى شيئا ما !
وكان رسول الله [ ص ] لا يني يعلم أصحابه ويذكرهم بهذه الرحمة الكبرى:
عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال:قدم على رسول الله [ ص ] بسبي . فإذاامرأة من السبي تسعى قد تحلب ثديها , إذ وجدت صبيا في السبي , فأخذته , فألزقته ببطنها فأرضعته . فقال [ ص ]:" أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ? " قلنا:لا والله وهي تقدر على ألا تطرحه . قال:" فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها " . . [ أخرجه الشيخان ] .
وكيف لا . وهذه المرأة إنما ترحم ولدها , من فيض رحمة واحدة من رحمات الله الواسعة ?
ومن تعليم رسول الله [ ص ] لأصحابه هذه الحقيقة القرآنية , بهذا الأسلوب الموحي , كان ينتقل بهم خطوة أخرى ; ليتخلقوا بخلق الله هذا في رحمته , ليتراحموا فيما بينهم وليرحموا الأحياء جميعا ; ولتتذوق قلوبهم مذاق الرحمة وهم يتعاملون بها , كما تذوقتها في معاملة الله لهم بها من قبل .
عن ابن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال:قال رسول الله [ ص ] " الراحمون يرحمهم الله تعالى . ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " . . [ أخرجه أبو داود والترمذي ] .
وعن جرير - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله [ ص ]:" لا يرحم الله من لا يرحم الناس " . . . [ أخرجه الشيخان والترمذي ] .
وفي رواية لأبي داود والترمذي عن أبى هريرة - رضي الله عنه -:قال [ ص ]:" لا تنزع الرحمة إلا من شقي " .
وعن أبى هريرة كذلك . قال:قبل رسول الله [ ص ] الحسن بن علي - رضي الله عنهما - وعنده الأقرع بن حابس . فقال الأقرع:إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا ! فنظر إليه رسول الله [ ص ] ثم قال:" من لا يرحم لا يرحم " . . [ أخرجه الشيخان ] .
ولم يكن [ ص ] يقف في تعليمه لأصحابه - رضوان الله عليهم - عند حد الرحمة بالناس . وقد علم أن رحمه ربه وسعت كل شيء . وأن المؤمنين مأمورن أن يتخلقوا بأخلاق الله ; وأن الإنسان لا يبلغ تمام إنسانيته إلا حين يرحم كل حي تخلقا بخلق الله سبحانه . وكان تعليمه لهم بالطريقة الموحية التي عهدناها:
عن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله [ ص ] " بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش , فوجد بئرا , فنزل فيها فشرب , ثم خرج , وإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش . فقال الرجل:لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني , فنزل البئر , فملأ خفه ماء , ثم أمسكه بفيه حتى رقي , فسقى الكلب . فشكر الله تعالى له فغفر له " . قالوا:يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرا ? قال:" في كل كبد رطبة أجر " . . [ أخرجه مالك والشيخان ] .
وفي أخرى:إن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر , قد أدلع [ أي أخرج ] لسانه من العطش فنزعت له موقها [ أي خفها ] فغفر لها به .
وعن عبد الرحمن بن عبدالله عن أبيه - رضي الله عنه - قال:كنا مع رسول الله [ ص ] في سفر . فرأينا حمرة [ طائر ] معها فرخان لها فأخذناهما . فجاءت الحمرة تعرش [ أو تفرش ] - [ أي ترخي جناحيها وتدنو من الأرض ] فلما جاء رسول الله [ ص ] قال:" من فجع هذه بولدها ? ردوا ولدها إليها " . ورأى قرية نمل قد أحرقناها فقال:" من أحرق هذه ? قلنا:نحن . قال:إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار " . . [ أخرجه أبو داود ] . .
وعن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله [ ص ] " قرصت نملة نبيا من الأنبياءفأمر بقرية النمل فحرقت . فأوحي الله تعالى إليه:أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح ? " . . . [ أخرجه الشيخان ] .
وهكذا علم رسول الله [ ص ] أصحابه هدى القرآن . ليتذوقوا رحمة الله من خلال مزاولتهم للرحمة . . أليس أنهم إنما يتراحمون برحمة واحدة من رحمات الله الكثيرة ?!
وبعد فإن استقرار هذه الحقيقة في تصور المسلم لينشى ء في حسه وفي حياته وفي خلقه آثارا عميقة ; يصعب كذلك تقصيها ; ولا بد من الاكتفاء بالإشارة السريعة إليها , كي لا نخرج من نطاق الظلال القرآنية , إلى قضية مستقلة !
إن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو ليسكب في قلب المؤمن الطمأنينة إلى ربه - حتى وهو يمر بفترات الابتلاء بالضراء , التي تزيغ فيها القلوب والأبصار - فهو يستيقن أن الرحمة وراء كل لمحة , وكل حالة , وكل وضع ; وأن ربه لا يعرضه للابتلاء لأنه تخلى عنه , أو طرده من رحمته . فإن الله لا يطرد من رحمته أحدا يرجوها . إنما يطرد الناس أنفسهم من هذه الرحمة حين يكفرون بالله ويرفضون رحمته ويبعدون عنها !
وهذه الطمأنينة إلى رحمة الله تملأ القلب بالثبات والصبر , وبالرجاء والأمل , وبالهدوء والراحة . . فهو في كنف ودود , يستروح ظلاله , ما دام لا يبعد عنه في الشرود !
والشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يستجيش في حس المؤمن الحياء من الله . فإن الطمع في المغفرة والرحمة لا يجرى ء على المعصية - كما يتوهم البعض - إنما يستجيش الحياء من الله الغفور الرحيم . والقلب الذي تجرئه الرحمة على المعصية هو قلب لم يتذوق حلاوة الإيمان الحقيقية ! لذلك لا أستطيع أن أفهم أو أسلم ما يجري على ألسنة بعض المتصوفة من أنهم يلجون في الذنب ليتذوقوا حلاوة الحلم , أو المغفرة , أو الرحمة . . إن هذا ليس منطق الفطرة السوية في مقابلة الرحمة الإلهية !
كذلك فإن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يؤثر تأثيرا قويا في خلق المؤمن , وهو يعلم أنه مأمور أن يتخلق بأخلاق الله - سبحانه - وهو يرى نفسه مغمورا برحمة الله مع تقصيره وذنبه وخطئه - فيعلمه ذلك كله كيف يرحم , وكيف يعفو , وكيف يغفر . . كما رأينا في تعليم الرسول [ ص ] لأصحابه ; مستمدا تعليمه لهم من هذه الحقيقة الكبيرة . .
ومن مواضع رحمة الله التي تقررها الآية الكريمة:أن الله كتب ليجمعنهم إلى يوم القيامة:
(قل لمن ما في السماوات والأرض ? قل:لله . كتب على نفسه الرحمة . ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه . .). .
فمن هذه الرحمة المكتوبة , ذلك الجمع الذي لا ريب فيه . . ذلك الجمع الذي يشي بما وراءه من عناية الله - سبحانه - بعباده من الناس ; فقد خلقهم لأمر ; واستخلفهم في هذه الأرض لغاية , ولم يخلقهم عبثا , ولم يتركهم سدى . ولكن يجمعهم إلى يوم القيامة - فهذا اليوم هو نهاية المطاف الذي يفيئون إليه كما يفيء الراحل إلى وجهته - فيعطيهم جزاء كدحهم إليه , وينقدهم أجر عملهم في دار الدنيا . فلا يضيع عليهم كدح ولا أجر ; إنما يوفون أجورهم يوم القيامة . . وفي هذه العناية تتجلى الرحمة في مظهر من مظاهرها . . كما أن ما يتجلى من فضل الله في جزاء السيئة بمثلها , والحسنة بعشرة أمثالها , والإضعاف لمن يشاء , والتجاوز عما يشاء لمن يشاء . . كل أولئك من مظاهر الرحمة التي تتجلى في هذا الجمع أيضا .
ولقد كان العرب في جاهليتهم - قبل أن يمن الله عليهم بهذا الدين ويرفعهم إلى مستواه الكريم - يكذبونبيوم القيامة - شأنهم في هذا شأن أهل الجاهلية "العلمية " الحديثة !!! لذلك جاء التعبير في هذه الصيغة المؤكدة بشتى التوكيدات , لمواجهة ذلك التكذيب:
(ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه). .
ولن يخسر في هذا اليوم إلا الذين لم يؤمنوا في الدنيا . . وهؤلاء لن يخسروا شيئا ويكسبوا شيئا . . هؤلاء خسروا كل شيء . . فقد خسروا أنفسهم كلها , فلم يعودوا يملكون أن يكسبوا شيئا . أليس أن الإنسان إنما يكسب لنفسه ? فإذا خسر نفسه ذاتها فماذا يكسب ? ولمن يكسب ?! .
(الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون). .
لقد خسروا أنفسهم وفقدوها ; فلم تعد لهم نفس تؤمن ! . . وهو تعبير دقيق عن حالة واقعة . . إن الذين لا يؤمنون بهذا الدين - مع عمق ندائه وإيحائه للفطرة بموحيات الإيمان ودلائله - هؤلاء لا بد أن يكونوا قد فقدوا قبل ذلك فطرتهم ! لا بد أن تكون أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية في كيانهم معطلة مخربة ; أو محجوبة مغلفة . فهم في هذه الحالة قد خسروا أنفسهم ذاتها , بفقدانهم أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية الحية في كيانها , ومن ثم فهم لا يؤمنون . . إذ أنهم لم يعودوا يملكون أنفسهم التي بها يؤمنون . . وهذا هو التفسير العميق لعدم إيمانهم مع توافر دلائل الإيمان وموحياته من حولهم . . وهذا هو الذي يحدد مصيرهم في ذلك اليوم . وهو الخسارة الكبرى المترتبة على خسارتهم من قبل لنفوسهم !
بعد ذلك يمضي السياق يستقصي الخلائق في الزمان - كما استقصاها في الآية السابقة في المكان - ليقرر تفرد الله - سبحانه - بملكيتها ; وعلمه - سبحانه - وسمعه المحيطين بها:
(وله ما سكن في الليل والنهار , وهو السميع العليم). .
وأقرب تأويل لقوله: (ما سكن)أنه من السكنى - كما ذكر الزمخشري في الكشاف - وهو بهذا يعني كل ما اتخذ الليل والنهار سكنا ; فهو يعني جميع الخلائق ; ويقرر ملكيتها لله وحده . كما قرر من قبل ملكية الخلائق كلها له سبحانه . غير أنه في الآية الأولى: (قل:لمن ما في السماوات والأرض ? قل:لله)قد استقصى الخلائق من ناحية المكان . وفي هذه الآية الثانية: (وله ما سكن في الليل والنهار). . قد استقصى الخلائق من ناحية الزمان . . ومثله معروف في التعبير القرآني حين يتجه إلى الاستقصاء . . وهذا هو التأويل الذي نطمئن إليه في الآيتين من بين شتى التأويلات .
والتعقيب بصفتي السمع والعلم يفيد الإحاطة بهذه الخلائق , وبكل ما يقال عنها كذلك من مقولات المشركين الذي يواجههم هذا النص . . ولقد كانوا مع إقرارهم بوحدانية الخالق المالك , يجعلون لأربابهم المزعومة جزءا من الثمار ومن الأنعام ومن الأولاد - كما سيجيء في نهاية السورة - فهو يأخذ عليهم الإقرار هنا بملكية كل شيء ; ليواجههم بها فيما يجعلونه للشركاء بغير إذن من الله . كما أنه يمهد بتقرير هذه الملكية الخالصة لما سيلي في هذه الفقرة من ولاية لله وحده , بما أنه هو المالك المتفرد بملكية كل شيء . في كل مكان وفي كل زمان , الذي يحيط سمعه وعلمه بكل شيء , وبكل ما يقال عن كل شيء كذلك !
الدرس الثاني:14 - 18 مظاهر الألوهية في حياة الناس واستنكار موالاة غيره
والآن , وقد تقرر أن الله وحده هو الخالق , وأن الله وحده هو المالك . . . يجيء الاستنكار العنيف للاستنصار بغير الله , والعبودية لغير الله , والولاء لغير الله . ويتقرر أن هذا مناقض لحقيقة الإسلام لله , وأنه هو الشرك الذي لا يجتمع مع الإسلام . وتذكر من صفات الله سبحانه:أنه فاطر السماوات والأرض , وأنه الرازق






قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ (14)
المطعم , وأنه الضار النافع , وأنه القادر القاهر . كما يذكر العذاب المخوف المرهوب . . فتجلل الموقف كله ظلال الجلال والرهبة , في إيقاع مدو عميق:
قل:أغير الله أتخذ وليا , فاطر السماوات والأرض , وهو يطعم ولا يطعم ? قل:إني أمرت أن أكون أول من أسلم , ولا تكونن من المشركين . قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه , وذلك الفوز المبين . وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو , وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير . .
إن هذه القضية . . قضية اتخاذ الله وحده وليا . بكل معاني كلمة "الولي" . أي اتخاذه وحده ربا ومولى معبودا يدين له العبد بالعبودية ممثلة في الخضوع لحاكميته وحده ; ويدين له بالعبادة له شعائرها وحده . واتخاذه وحده ناصرا يستنصر به ويعتمد عليه , ويتوجه إليه في الملمات . . إن هذه القضية هي قضية العقيدة في صميمها . فإما إخلاص الولاء لله - بهذه المعاني كلها - فهو الإسلام . وإما إشراك غيره معه في أي منها , فهو الشرك الذي لا يجتمع في قلب واحد هو والإسلام !
وفي هذه الآيات تقرر هذه الحقيقة بأقوى عبارة وأعمق إيقاع:
(قل:أغير الله أتخذ وليا , فاطر السماوات والأرض , وهو يطعم ولا يطعم ? قل:إني أمرت أن أكون أول من أسلم , ولا تكونن من المشركين). .
إنه منطق الفطرة القوي العميق . . لمن يكون الولاء ولمن يتمحض ? لمن إن لم يكن لفاطر السماوات والأرض الذي خلقهما وأنشأهما ? لمن إن لم يكن لرازق من في السماوات والأرض الذي يطعم ولا يطلب طعاما ?
(قل:أغير الله أتخذ وليًا). . وهذه صفاته سبحانه . . أي منطق يسمح بأن يتخذ غير الله وليا ? إن كان يتولاه لينصره ويعينه , فالله هو فاطر السماوات والأرض , فله السلطان في السماوات والأرض . وإن كان يتولاه ليرزقه ويطعمه , فالله هو الرازق المطعم لمن في السماوات ومن في الأرض . ففيم الولاء لغير صاحب السلطان الرزاق ?
ثم . . (قل:إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين). . والإسلام وعدم الشرك معناهما المتعين ألا أتخذ غير الله وليا . فاتخاذ غير الله وليا - بأي معنى - هو الشرك . ولن يكون الشرك إسلاما . .
قضية واحدة محددة , لا تقبل لينا ولا تميعا . . إما أفراد الله سبحانه بالتوجه والتلقي والطاعة والخضوع والعبادة والاستعانة ; والإقرار له وحده بالحاكمية في كل أمر من هذه الأمور ورفض إشراك غيره معه فيها ; وولاء القلب والعمل , في الشعيرة والشريعة له وحده بلا شريك . . إما هذا كله فهو الإسلام . . وإما إشراك أحد من عباده معه في شيء من هذا كله فهو الشرك . الذي لا يجتمع في قلب واحد مع الإسلام .
لقد أمر رسول الله [ ص ] أن يعلن هذا الاستنكار في وجه المشركين الذين كانوا يدعونه إلى الملاينة والمداهنة ; ليجعل لآلهتهم مكانا في دينه , مقابل أن يدخلوا معه في هذا الدين . وليترك لهم بعض خصائص الألوهية يزاولونها إبقاء على مكانتهم وكبريائهم ومصالحهم , . . وأولها تقاليد التحريم والتحليل . . في مقابل أن يكفوا عن معارضته , وأن يجعلوه رئيسا فيهم ; ويجمعوا له من مالهم , ويزوجوه أجمل بناتهم !
لقد كانوا يرفعون يدا للإيذاء والحرب والتنكيل , ويمدون يدا بالإغراء والمصالحة واللين . .
وفي وجه هذه المحاولة المزدوجة أمر رسول الله [ ص ] أن يقذف بهذا الاستنكار العنيف , وبهذا الحسم الصريح , وبهذا التقرير الذي لا يدع مجالا للتمييع .


قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)
وأمر كذلك أن يقذف في قلوبهم بالرعب والترويع ; في الوقت الذي يعلن فيه تصوره لجدية الأمر والتكليف ولخوفه هو من عذاب ربه , إن عصاه فيما أمر به من الإسلام والتوحيد:
(قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه , وذلك الفوز المبين). .
إنه تصوير لحقيقة مشاعر الرسول [ ص ] تجاه أمر ربه له ; وتجسيم لخوفه من عذابه . العذاب الذي يعتبر مجرد صرفه عن العبد رحمه من الله وفوزا مبينا . ولكنه في الوقت ذاته حمله مزلزلة على قلوب المشركين في ذلك الزمان , وقلوب المشركين بالله في كل زمان . حملة مزلزلة تصور العذاب في ذلك اليوم العظيم ; يطلب الفريسة , ويحلق عليها , ويهجم ليأخذها . فلا تصرفه عنها إلا القدرة القادرة التي تأخذ بخطامه فتلويه عنها ! وإن أنفاس القاريء لهذا التصوير لتحتبس - وهو يتمثل المشهد - في انتظار هذه اللقطة الأخيرة !
ثم إنه لماذا يتخذ غير الله وليا , ويعرض نفسه للشرك الذي نهى عنه وللمخالفة عن الإسلام الذي أمر به , ولما يعقب المعصية من هذا العذاب الهائل الرعيب ? . . ألعل ذلك رجاء جلب نفع أو دفع ضر في هذه الحياة الدنيا ? رجاء نصرة الناس له في الضراء ; ورجاء نفع الناس له بالسراء ? . . إن هذا كله بيد الله ; وله القدرة المطلقة في عالم الأسباب ; وله القهر كذلك على العباد ; وعنده الحكمة والخبرة في المنع والعطاء:
(وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو , وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير). .
إنه تتبع هواجس النفس ووساوس الصدر ; وتتبع مكامن الرغائب والمخافات , ومطارح الظنون والشبهات وتجليه هذا كله بنور العقيدة , وفرقان الإيمان , ووضوح التصور , وصدق المعرفة بحقيقة الألوهية . ذلك لخطورة القضية التي يعالجها السياق القرآني في هذا الموضع , وفي جملة هذا القرآن:
الدرس الثالث:19 الإشهاد على الوحدانية والرسالة والبراءة من الشرك
وأخيرا تجيء قمة المد في هذه الموجة ; ويجيء الإيقاع المدوي العميق ; في موقف الإشهاد والإنذار والمفاصلة والتبرؤ من المشاركة في الشرك . . كل ذلك في رنة عالية , وفي حسم رهيب:
(قل:أي شيء أكبر شهادة ? قل الله . شهيد بيني وبينكم , وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ , أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أشهد , قل:إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون). .
إن تتابع المقاطع والإيقاعات في الآية الواحدة عجيب ; وإن هذا التتابع ليرسم الموقف لحظة لحظة , ومشهدا مشهدا , ويكاد ينطق بملامح الوجوه فيه وخلجات الصدور . .
فها هو ذا رسول الله [ ص ] يؤمر من ربه هذا الأمر . . ثم ها هو ذا يواجه المشركين الذين يتخذون من دون الله أولياء ; يجعلون لهم بعض خصائص الألوهية مع الله ; ويدعون رسول الله [ ص ] أن يقرهم على هذا الذي هم فيه ليدخلوا هم فيما جاءهم به ! كأن ذلك يمكن أن يكون ! وكأنه يمكن أن يجتمع الإسلام والشرك في قلب واحد على هذا النحو الذي كانوا يتصورونه ; والذي لا يزال يتصوره ناس في هذا الزمان , من أنه يمكن أن يكون الإنسان مسلما لله ; بينما هو يتلقى من غير الله في شؤون الحياة ; وبينما هو يخضع لغير الله ويستنصر بغير الله , ويتولى غير الله !

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية: 20
عدد المساهمات: 7431
المهارة: 41704
تاريخ التسجيل: 16/04/2010
الكفاءة: 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 9:17 pm

قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (19) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (20)
ها هو ذا رسول الله [ ص ] يواجه هؤلاء المشركين ; ليبين لهم مفرق الطريق بين دينه ودينهم , وبين توحيده وشركهم , وبين إسلامه وجاهليتهم . وليقرر لهم:أنه لا موضع للقاء بينه وبينهم , إلا أن يتخلصوا هم من دينهم ويدخلوا في دينه . وأنه لا وجه للمصالحة في هذا الأمر ; لأنه يفترق معهم في أول الطريق !
وها هو ذا يبدأ معهم مشهد الإشهاد العلني المفتوح المكشوف:
(قل:أي شيء أكبر شهادة ?). .
أي شاهد في هذا الوجود كله هو أكبر شهادة ? أي شاهد تعلو شهادته كل شهادة ? أي شاهد تحسم شهادته في القضية فلا يبقى بعد شهادته شهادة ?
وللتعميم المطلق , حتى لا يبقى في الوجودكله(شيء)لا يستقصى وزنه في مقام الشهادة:يكون السؤال: (أي شيء أكبر شهادة ?).
وكما يؤمر رسول الله [ ص ] بالسؤال , فهو يؤمر كذلك بالجواب . ذلك أنه لا جواب غيره باعتراف المخاطبين أنفسهم . ولا جواب غيره في حقيقة الأمر والواقع:
ل:الله . .
نعم ! فالله - سبحانه وتعالى - هو أكبر شهادة . . هو الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين . . هو الذي لا شهادة بعد شهادته , ولا قول بعد قوله . فإذا قال فقد انتهى القول , وقد قضي الأمر .
فإذا أعلن هذه الحقيقة:حقيقة أن الله سبحانه هو أكبر شهادة , أعلن لهم أنه - سبحانه - هو الشهيد بينه وبينهم في القضية:
(شهيد بيني وبينكم). .
على تقدير:هو شهيد بيني وبينكم - فهذا التقطيع في العبارة هو الأنسب في جو المشهد:وهو أولى من الوصل على تقدير: (قل الله شهيد بيني وبينكم).
فإذا تقرر المبدأ:مبدأ تحكيم الله سبحانه في القضية , أعلن إليهم أن شهادة الله سبحانه , تضمنها هذا القرآن , الذي أوحاه إليه لينذرهم به ; وينذر به كل من يبلغه في حياته [ ص ] أو من بعد . فهو حجة عليهم وعلى من يبلغه غيرهم ; لأنه يتضمن شهادة الله في هذه القضية الأساسية ; التي تقوم عليها الدنيا والآخرة , ويقوم عليها الوجود كله والوجود الإنساني ضمنا:
(وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ). .
فكل من بلغه هذا القرآن من الناس , بلغة يفهمها , ويحصل منها محتواه , فقد قامت عليه الحجة به , وبلغه الإنذار , وحق عليه العذاب , إن كذب بعد البلاغ . . [ فأما من يحول عدم فهمه للغة القرآن دون فهمه لفحواه , فلا تقوم عليه الحجة به ; ويبقى إثمه على أهل هذا الدين الذين لم يبلغوه بلغته التي يفهم بها مضمون هذا الشهادة . . هذا إذا كان مضمون القرآن لم يترجم إلى لغته ] . .
فإذا أعلن إليهم أن شهادة الله - سبحانه - متضمنة في هذا القرآن , أعلن إليهم مضمون هذه الشهادة في صورة التحدي والاستنكار لشهادتهم هم , المختلفة في أساسها عن شهادة الله سبحانه . وعالنهم بأنه ينكر شهادتهم هذه ويرفضها ; وأنه يعلن غيرها ويقرر عكسها ويشهد لربه بالوحدانية المطلقة والألوهية المتفردة ;وأنه يفاصلهم على هذا عند مفرق الطريق ; وأنه يتبرأ من شركهم في صيغة التشديد والتوكيد:
أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أشهد , قل:إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون . .
والنصوص القرآنية بمقاطعها هذه , وبإيقاعاتها هذه , تهز القلوب بما لا يملك البيان البشري أن يفعل فلا أريد أن أوقف تدفقها وانسكابها في القلب بأي تعليق .
تعقيب على الوحدة - الولاء والتوحيد والمفاصلة
ولكني أريد أن أتحدث عن القضية التي تضمنها هذا المقطع , وجرت بها هذه الموجة . . إن هذه القضية التي عرضها السياق القرآني في هذه الآيات . . قضية الولاء والتوحيد والمفاصلة . . هي قضية هذه العقيدة ; وهي الحقيقية الكبرى فيها . وان العصبة المؤمنة اليوم لخليقة بأن تقف أمام هذا الدرس الرباني فيها وقفة طويلة . .
إن هذه العصبة تواجه اليوم من الجاهلية الشاملة في الأرض , نفس ما كانت تواجهه العصبة التي تنزلت عليها هذه الآيات , لتحدد على ضوئها موقفها , ولتسير على هذا الضوء في طريقها ; وتحتاج - من ثم - أن تقف وقفة طويلة أمام هذه الآيات , لترسم طريقها على هداها .
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية ; وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول الله [ ص ] ويوم جاءها الإسلام مبينا على قاعدته الكبرى:"شهادة أن لا إله إلا الله" . . شهادة أن لا إله إلا الله بمعناها الذي عبر عنه ربعي بن عامر رسول قائد المسلمين إلى رستم قائد الفرس , وهو يسأله:"ما الذي جاء بكم ? " فيقول:"الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده , ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام" . .
وهو يعلم أن رستم وقومه لا يعبدون كسرى بوصفه إلها خالقا للكون ; ولا يقدمون له شعائر العبادة المعروفة ; ولكنهم إنما يتلقون منه الشرائع , فيعبدونه بهذا المعنى الذي يناقض الإسلام وينفيه ; فأخبره أن الله ابتعثهم ليخرجوا الناس من الأنظمة والأوضاع التي يعبد العباد فيها العباد , ويقرون لهم بخصائص الألوهية - وهي الحاكمية والتشريع والخضوع لهذه الحاكمية والطاعة لهذا التشريع - [ وهي الأديان ] . . إلى عبادة الله وحده وإلى عدل الإسلام .
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بلا إله إلا الله . فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد , وإلى جور الأديان ; ونكصت عن لا إله إلا الله , وإن ظل فريق منها يردد على المآذن:"لا إله إلا الله" ; دون أن يدرك مدلولها , ودون أن يعني هذا المدلول وهو يرددها , ودون أن يرفض شرعية "الحاكمية " التي يدعيها العباد لأنفسهم - وهي مرادف الألوهية - سواء ادعوها كأفراد , أو كتشكيلات تشريعية , أو كشعوب . فالأفراد , كالتشكيلات , كالشعوب , ليست آلهة , فليس لها إذن حق الحاكمية . . إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية , وارتدت عن لا إله إلا الله . فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية . ولم تعد توحد الله , وتخلص له الولاء . .
البشرية بجملتها , بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات:"لا إله إلا الله" بلا مدلول ولا واقع . . وهؤلاء أثقل إثما وأشد عذابا يوم القيامة , لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد - من بعدما تبين لهم الهدى - ومن بعد أن كانوا في دين الله !
فما أحوج العصبة المسلمة اليوم أن تقف طويلا أمام هذه الآيات البينات !
ما أحوجها أن تقف أمام آية الولاء:
(قل:أغبر الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض , وهو يطعم ولا يطعم ? قل:إني أمرت أن أكون أول من أسلم , ولا تكونن من المشركين). .
ذلك لتعلم أن اتخاذ غير الله وليا - بكل معاني "الولي" . . وهي الخضوع والطاعة , والاستنصار والاستعانة . . يتعارض مع الإسلام , لأنه هو الشرك الذي جاء الإسلام ليخرج منه الناس . . ولتعلم أن أول ما يتمثل فيه الولاء لغير الله هو تقبل حاكمية غير الله في الضمير أو في الحياة . . الأمر الذي تزاوله البشرية كلها بدون استثناء . ولتعمل أنها تستهدف اليوم إخراج الناس جميعا من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ; وأنها تواجه جاهلية كالتي واجهها رسول الله [ ص ] والجماعة المسلمة حين تلقي هذه الآيات . .
وما أحوجها أن تستصحب في مواجهتها للجاهلية تلك الحقائق والمشاعر التي تسكبها في القلب المؤمن الآيات التالية:
قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه , وذلك الفوز المبين . وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو , وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير . .
فما أحوج من يواجه الجاهلية بطاغوتها وجبروتها , وبإعراضها وعنادها , وبالتوائها وكيدها , وبفسادها وانحلالها . . ما أحوج من يواجه هذا الشر كله , أن يستصحب في قلبه هذه الحقائق وهذا المشاعر . . مخافة المعصية والولاء لغير الله . ومخافة العذاب الرعيب الذي يترقب العصاة . . واليقين بأن الضار والنافع هو الله . وأن الله هو القاهر فوق عباده فلا معقب على حكمه ولا راد لما قضاه . إن قلبا لا يستصحب هذه الحقائق وهذه المشاعر لن يقوى على تكاليف "إنشاء" الإسلام من جديد في وجه الجاهلية الطاغية . . وهي تكاليف هائلة تنوء بها الجبال !
ثم ما أحوج العصبة المؤمنة - بعد أن تستيقن حقيقة مهمتها في الأرض اليوم ; وبعد أن تستوضح حقيقة العقيدة التي تدعو إليها ومقتضياتها من إفراد الله سبحانه بالولاء بكل مدلولاته ; وبعد أن تستصحب معها في مهمتها الشاقة تلك الحقائق والمشاعر . ما أحوجها بعد ذلك كله إلى موقف الإشهاد والقطع والمفاصلة والتبرؤ من الشرك الذي تزاوله الجاهلية البشرية اليوم كما كانت تزاوله جاهلية البشرية الأولى . وأن تقول ما أمر رسول الله [ ص ] أن يقوله ; وأن تقذف في وجه الجاهلية , بما قذف به في وجهها الرسول الكريم , تنفيذا لأمر به العظيم:
(قل:أي شيء أكبر شهادة ? قل:الله , شهيد بيني وبينكم , وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أشهد . قل:إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون). .
إنه لا بد أن تقف العصبة المسلمة في الأرض , من الجاهلية التي تغمر الأرض , هذا الموقف . لا بد أن تقذف في وجهها بكلمة الحق هذه عالية مدوية , قاطعة فاصلة , مزلزلة رهيبة . . ثم تتجه إلى الله تعلم أنه على كل شيء قدير , وأنه هو القاهر فوق عباده . وأن هؤلاء العباد - بما فيهم الطواغيت المتجبرون - أضعف من الذباب , وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ! وأنهم ليسوا بضارين من أحد إلا بإذن الله ; وليسوا بنافعين أحدا إلا بإذن الله , وأن الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
ولا بد أن تستيقن العصبة المسلمة كذلك أنها لن تنصر ولن يتحقق لها وعد الله بالتكمين في الأرض , قبل أن تفاصل الجاهلية على الحق عند مفترق الطريق . وقبل أن تعلن كلمة الحق في وجه الطاغوت , وقبل أنتشهد على الجاهلية هذا الإشهاد , وتنذرها هذه النذارة , وتعلنها هذا الإعلان , وتفاصلها هذه المفاصلة , وتتبرأ منها هذه البراءة . .
إن هذا القرآن لم يأت لمواجهة موقف تاريخي ; إنما جاء منهجا مطلقا خارجا عن قيود الزمان والمكان . منهجا تتخذه الجماعة المسلمة حيثما كانت في مثل الموقف الذي تنزل فيه هذا القرآن . وهي اليوم في مثل هذا الموقف تماما ; وقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا القرآن لينشيء الإسلام في الأرض إنشاء . . فليكن اليقين الجازم بحقيقة هذا الدين . والشعور الواضح بحقيقة قدرة الله وقهره . والمفاصلة الحاسمة مع الباطل وأهله . . لتكن هذه عدة الجماعة المسلمة . . والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين . .
الوحدة الرابعة:20 - 32 مواجهة المشركين بمصيرهم في يوم البعث الذي يكذبون به
مقدمة الوحدة - الرابعة من سورة الأنعام هذه الجولة - أو هذه الموجه - عودة إلى مواجهة المشركين المكذبين بالقرآن الكريم , المكذبين بالبعث والآخرة . . ولكنها لا تواجههم بتصوير تعنتهم وعنادهم ; ولا تواجههم بمصارع الغابرين من المكذبين من أسلافهم - كما سبق في سياق السورة - إنما تواجههم بمصيرهم في يوم البعث الذي يكذبون به ; وبجزائهم في الآخرة التي ينكرونها . . تواجههم بهذا الجزاء وبذلك المصير في مشاهد حية شاخصة . . تواجههم به وهم محشورون جميعا , مسؤولون سؤال التبكيت والتأنيب , وسؤال التشهير والتعجيب: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ? وهم في رعب وفزع , وفي تضعضع وذهول يقسمون بالله ويعترفون له وحده بالربوبية: (والله ربنا ما كنا مشركين)! . . وتواجههم به وهم موقوفون على النار , محبوسون عليها , وهم في رعب وفزع , وفي ندم وحسرة يقولون: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين)! . . وتواجههم به وهم موقوفون على ربهم , وهم يتذاوبون من الخجل والندم , ومن الروع والهول ; وهو - جل جلاله - يسألهم سبحانه: (أليس هذا بالحق ?)فيجيبون في استخذاء وتذاوب: (بلى وربنًا). فلا يجديهم هذا الاعتراف شيئا: (قال:فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). . ويواجهون به وهم قد خسروا أنفسهم وخسروا كل شيء إذن ; وجاءوا يحملون أوزارهم على ظهورهم ; وهم يجأرون بالحسرة على تفريطهم في الأخرة , وأخذهم للصفقة الخاسرة !
مشهد وراء مشهد , وكل مشهد يزلزل القلوب , ويخلخل المفاصل , ويهز الكيان , ويفتح العين والقلب - عند من يشاء الله أن يفتح عينه وقلبه - على الحق الذي يواجههم به رسول الله [ ص ] والكتاب الذي يكذبون به ; بينما الذين أوتوا الكتاب من قبلهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم !
الدرس الأول:20 معرفة أهل الكتاب بنبوة محمد عليه السلام
(الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم , الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون). .
لقد تكرر في القرآن الكريم ذكر معرفة أهل الكتاب - وهم اليهود والنصارى - لهذا القرآن ; أو لصحة رساله محمد [ ص ] وتنزيل هذا القرآن عليه من عند الله . . تكرر ذكر هذه الحقيقة سواء في مواجهة أهل الكتاب أنفسهم , عندما كانوا يقفون من النبى [ ص ] ومن هذا الدين وقفة المعارضة والإنكار والحرب والعداء [ وكان هذا غالبا في المدينة ] أو في مواجهة المشركين من العرب ; لتعريفهم أن أهل الكتاب , الذين يعرفون طبيعة الوحي والكتب السماوية , يعرفون هذا القرآن , ويعرفون صدق رسول الله [ ص ] في أنه وحي أوحى به ربه إليه كما أوحى إلى الرسل من قبله .
وهذا الآية - كما رجحنا - مكية . وذكر أهل الكتاب فيها على هذا النحو - إذن - يفيد أنها كانت مواجهة للمشركين بأن هذا القرآن الذي ينكرونه , يعرفه أهل الكتاب كما يعرفون أبناءهم ; وإذا كانت كثرتهم لم تؤمن به فذلك لأنهم خسروا أنفسهم , فهم لا يؤمنون . شأنهم في هذا شأن المشركين , الذين خسروا أنفسهم , فلم يدخلوا في هذا الدين ! والسياق قبل هذه الآية وبعدها كله عن المشركين . مما يرجح مكيتها كما قلنا من قبل في التعريف بالسورة . .
وقد جرى المفسرون على تفسير مثل هذا التقرير: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم). . على أنهم يعرفون أنه منزل من عند الله حقا ; أو على أن النبى [ ص ] رسول من عندالله حقا , يوحى إليه بهذا القرآن . .
وهذا جانب من مدلول النص فعلا ولكنا نلمح - باستصحاب الواقع التاريخي وموقف أهل الكتاب من هذاالدين فيه - أن هناك جانبا آخر من مدلول النص ; لعل الله - سبحانه - أراد أن يعلمه للجماعة المسلمة , ليستقر في وعيها على مدار التاريخ , وهي تواجه أهل الكتاب بهذا الدين . .
إن أهل الكتاب يعرفون أن هذا الكتاب حق من عند الله ; ويعرفون - من ثم - ما فيه من سلطان وقوة ; ومن خير وصلاح ; ومن طاقة دافعة للأمة التي تدين بالعقيدة التي جاء بها ; وبالأخلاق التي تنبثق منها ; وبالنظام الذي يقوم عليها . ويحسبون كل حساب لهذا الكتاب وأهله ; ويعلمون جيدا أن الأرض لا تسعهم وتسع أهل الدين ! . . إنهم يعرفون ما فيه من حق , ويعرفون ما هم فيه من باطل . . ويعرفون أن الجاهلية التي صاروا إليها , وصارت إليها أوضاع قومهم وأخلاقهم وأنظمتهم , لا يمكن أن يهادنها هذا الدين , أو يبقى عليها . . وأنها - من ثم - معركة لا تهدأ حتى تجلو الجاهلية عن هذه الأرض , ويستعلي هذا الدين , ويكون الدين كله لله . . أي أن يكون السلطان في الأرض كله لله ; وأن يطارد المعتدون على سلطان الله في الأرض كلها . وبذلك وحده يكون الدين كله لله . .
إن أهل الكتاب يعلمون جيدا هذه الحقيقة في هذا الدين . . ويعرفونه بها كما يعرفون أبناءهم . . وهم جيلا بعد جيل يدرسون هذا الدين دراسة دقيقة عميقة ; وينقبون عن أسرار قوته ; وعن مداخلة إلى النفوس ومساربه فيها ; ويبحثون بجد:كيف يستطيعون أن يفسدوا القوة الموجهة في هذا الدين ? كيف يلقون بالريب والشكوك في قلوب أهله ? كيف يحرفون الكلم فيه عن مواضعه ? كيف يصدون أهله عن العلم الحقيقي به ? كيف يحولونه من حركة دافعة تحطم الباطل والجاهلية وتسترد سلطان الله في الأرض وتطارد المعتدين على هذا السلطان , وتجعل الدين كله لله . . إلى حركة ثقافية بارده , وإلى بحوث نظرية ميتة , وإلى جدل لاهوتي أو فقهي أو طائفي فارغ ? كيف يفرغون مفهوماته في اوضاع وأنظمة وتصورات غريبة عنه مدمرة له , مع إيهام أهله أن عقيدتهم محترمة مصونة ?! كيف في النهاية يملأون فراغ العقيدة بتصورات أخرى ومفهومات أخرى واهتمامات أخرى , ليجهزوا على الجذور العاطفية الباقية من العقيدة الباهتة ?!
إن أهل الكتاب يدرسون هذا الدين دراسة جادة عميقة فاحصة ; لا لأنهم يبحثون عن الحقيقية - كما يتوهم السذج من أهل هذا الدين ! - ولا لينصفوا هذا الدين وأصله - كما يتصور بعض المخدوعين حينما يرون اعترافا من باحث أو مستشرق بجانب طيب في هذا الدين ! - كلا ! إنما هم يقومون بهذه الدراسة الجادة العميقة الفاحصة , لأنهم يبحثون عن مقتل لهذا الدين ! لأنهم يبحثون عن منافذه ومساربه إلى الفطرة ليسدوها أو يميعوها ! لأنهم يبحثون عن أسرار قوته ليقاوموه منها ! لأنهم يريدون أن يعرفوا كيف يبني نفسه في النفوس ليبنوا على غراره التصورات المضادة التي يريدون ملء فراغ الناس بها !
وهم من أجل هذه الأهداف والملابسات كلها يعرفونه كما يعرفون أبناءهم !
ومن واجبنا نحن أن نعرف ذلك . . وأن نعرف معه أننا نحن الأولى بأن نعرف ديننا كما نعرف أباءنا !
إن الواقع التاريخي من خلال أربعة عشر قرنا ينطق بحقيقة واحدة . . هي هذه الحقيقة التي يقررها القرآن الكريم في هذه الآية: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم). . ولكن هذه الحقيقة تتضح في هذه الفترة وتتجلى بصورة خاصة . . إن البحوث التي تكتب عن الإسلام في هذه الفترة تصدر بمعدل كتاب كل أسبوع ; بلغة من اللغات الأجنبية . . وتنطق هذه البحوث بمدى معرفة أهل الكتاب بكل صغيرة وكبيرة عن طبيعة هذا الدين وتاريخه , ومصادر قوته , ووسائل مقاومته , وطرق إفساد توجيهه ! ومعظمهم - بطبيعة الحال - لا يفصح عن نيته هذه ; فهم يعلمون أن الهجوم الصريح على هذا الدين كان يثير حماسة الدفاعوالمقاومة ; وأن الحركات التي قامت لطرد الهجوم المسلح على هذا الدين - الممثل في الاستعمار - إنما كانت ترتكز على قاعدة من الوعي الديني أو على الأقل العاطفة الدينية ; وأن استمرار الهجوم على الإسلام - ولو في الصورة الفكرية - سيظل يثير حماسة الدفاع والمقاومة ! لذلك يلجأ معظمهم إلى طريقة أخبث . . يلجأ إلى إزجاء الثناء لهذا الدين , حتى ينوم المشاعر المتوفزة , ويخدر الحماسة المتحفزة , وينال ثقة القارى ء واطمئنانه . .
ثم يضع السم في الكأس ويقدمها مترعة . . هذا الدين نعم عظيم . . ولكنه ينبغي أن يتطور بمفهوماته ويتطور كذلك بتنظيماته ليجاري الحضارة "الإنسانية " الحديثة ! وينبغي ألا يقف موقف المعارضة للتطورات التي وقعت في أوضاع المجتمع , وفي أشكال الحكم , وفي قيم الأخلاق ! وينبغي - في النهاية - أن يتمثل في صورة عقيدة في القلوب , ويدع الحياة الواقعية تنظمها نظريات وتجارب وأساليب الحضارة "الإنسانية " الحديثة ! ويقف فقط ليبارك ما تقرره الأرباب الأرضية من هذه التجارب والأساليب . . وبذلك يظل دينا عظيما . . !!!
وفي أثناء عرض مواضع القوة والعمق في هذا الدين - وهي ظاهريا تبدو في صورة الإنصاف الخادع والثناء المخدر - يقصد المؤلف قومه من أهل الكتاب ; لينبههم إلى خطورة هذا الدين , وإلى أسرار قوته ; ويسير أمام الأجهزة المدمرة بهذا الضوء الكشاف , ليسددوا ضرباتهم على الهدف . وليعرفوا هذا الدين كما يعرفون أبناءهم !
إن أسرار هذا القرآن ستظل تتكشف لأصحابه ; جديده دائما ; كلما عاشوا في ظلاله ; وهم يخوضون معركة العقيدة ; ويتدبرون بوعي أحداث التاريخ ; ويطالعون بوعي أحداث الحاضر . ويرون بنور الله . الذي يكشف الحق , وينير الطريق . .
الدرس الثاني:21 صور لخزي الكافرين الظالمين في الآخرة
(ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته ? إنه لا يفلح الظالمون . ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا:أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ? ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا:والله ربنا ما كنا مشركين . انظر كيف كذبوا على أنفسهم , وضل عنهم ما كانوا يفترون). .
هذا استطرد في مواجهة المشركين بحقيقة ما يزاولونه , ووصف موقفهم وعملهم في تقدير الله سبحانه . . مواجهة تبدأ باستفهام تقريري لظلمهم بافتراء الكذب على الله ; وذلك فيما كانوا يدعونه من أنهم على دينه الذي جاء به إبراهيم عليه السلام ; ومن زعمهم أن ما يحلونه وما يحرمونه من الأنعام والمطاعم والشعائر - كالذي سيجيء في آخر السورة مشفوعا بقوله تعالىSadبزعمهم)- هو من أمر الله . . وليس من أمره . وذلك كالذي يزعمه بعض من يدعون اليوم أنهم على دين الله الذي جاء به محمد [ ص ] ويقولون عن أنفسهم إنهم "مسلمون" ! وهو من الكذب المفترى على الله . ذلك أنهم يصدرون أحكاما وينشئون أوضاعا , ويبتدعون قيما من عند أنفسهم يغتصبون فيها سلطان الله ويدعونه لأنفسهم , ويزعمون أنها هي دين الله ; ويزعم لهم بعض من باعوا دينهم ليشتروا به مثوى في دركات الجحيم , أنه هو دين الله ! . . وباستنكار تكذيبهم كذلك بآيات الله , التي جاءهم بها النبى [ ص ] فردوها وعارضوها وجحدوها . وقالوا:إنها ليست من عند الله . بينما هم يزعمون أن ما يزاولونه في جاهليتهم هو الذي من عند الله ! وذلك كالذي يحدث من أهل الجاهلية اليوم . . حذوك النعل بالنعل . .
يواجههم باستنكار هذا كله ; ووصفه بأنه أظلم الظلم:
(ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته !). .


أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية: 20
عدد المساهمات: 7431
المهارة: 41704
تاريخ التسجيل: 16/04/2010
الكفاءة: 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 9:18 pm

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)
والظلم هنا كناية عن الشرك . في صورة التفظيع له والتقبيح . وهو التعبير الغالب في السياق القرآني عن الشرك . وذلك حين يريد أن يبشع الشرك وينفر منه . ذلك أن الشرك ظلم للحق , وظلم للنفس , وظلم للناس . هو اعتداء على حق الله - سبحانه - في أن يوحد ويعبد بلا شريك . واعتداء على النفس بإيرادها موارد الخسارة والبوار . واعتداء على الناس بتعبيدهم لغير ربهم الحق , وإفساد حياتهم بالأحكام والأوضاع التي تقوم على أساس هذا الاعتداء . . ومن ثم فالشرك ظلم عظيم , كما يقول عنه رب العالمين . ولن يفلح الشرك ولا المشركون:
(إنه لا يفلح الظالمون). .
والله - سبحانه - يقرر الحقيقة الكلية ; ويصف الحصيلة النهائية للشرك والمشركين - أو للظلم والظالمين - فلا عبرة بما تراه العيون القصيرة النظر , في الأمد القريب , فلاحا ونجاحا . . فهذا هو الاستدراج المؤدي إلى الخسار والبوار . . ومن أصدق من الله حديثا ? . .
وهنا يصور من عدم فلاحهم موقفهم يوم الحشر والحساب , في هذا المشهد الحي الشاخص الموحي:
(ويوم نحشرهم جميعا , ثم نقول للذين أشركوا:أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ? ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا:والله ربنا ما كنا مشركين . انظر كيف كذبوا على أنفسهم , وضل عنهم ما كانوا يفترون). .
إن الشرك ألوان , والشركاء ألوان , والمشركين ألوان . . وليست الصورة الساذجة التي تتراءى للناس اليوم حين يسمعون كلمة الشرك وكلمة الشركاء وكلمة المشركين:من أن هناك ناسا كانوا يعبدون أصناما أو أحجارا , أو أشجارا , أو نجوما , أو نارا . . الخ . . هي الصورة الوحيدة للشرك !
إن الشرك في صميمه هو الاعتراف لغير الله - سبحانه - بإحدى خصائص الألوهية . . سواء كانت هي الاعتقاد بتسيير إرادته للأحداث ومقادير الكائنات . أو كانت هي التقدم لغير الله بالشعائر التعبدية والنذور وما إليها . أو كانت هي تلقي الشرائع من غير الله لتنظيم أوضاع الحياة . . كلها ألوان من الشرك , يزاولها ألوان من المشركين , يتخذون ألوانا من الشركاء !
والقرآن الكريم يعبر عن هذا كله بالشرك ; ويعرض مشاهد يوم القيامة تمثل هذه الألوان من الشرك والمشركين والشركاء ; ولا يقتصر على لون منها , ولا يقصر وصف الشرك على واحد منها ; ولا يفرق في المصير والجزاء بين ألوان المشركين في الدنيا وفي الآخرة سواء . .
ولقد كان العرب يزاولون هذه الألوان من الشرك جميعا:
كانوا يعتقدون أن هناك كائنات من خلق الله , لها مشاركة - عن طريق الشفاعة الملزمة عندالله - في تسيير الأحداث والأقدار . كالملائكة . أو عن طريق قدرتها على الأذى - كالجن بذواتهم أو باستخدام الكهان والسحرة لهم - أو عن طريق هذه وتلك - كأرواح الآباء والأجداد - وكل أولئك كانوا يرمزون له بالأصنام التي تعمرها أرواح هذه الكائنات ; ويستنطقها الكهان ; فتحل لهم ما تحل , وتحرم عليهم ما تحرم . . وإنما هم الكهان في الحقيقة . . هم الشركاء !
وكانوا يزاولون الشرك في تقديم الشعائر لهذه الأصنام ; وتقديم القربان لها والنذور - وفي الحقيقة للكهان - كما أن بعضهم - نقلا عن الفرس - كانوا يعتقدون في الكواكب ومشاركتها في تسيير الأحداث - عن طريق المشاركة لله - ويتقدمون لها كذلك بالشعائر [ ومن هنا علاقة الحلقة المذكورة في هذه السورة من قصة إبراهيم عليه السلام بموضوع السورة كما سيأتي ] . .


وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (24)
وكذلك كانوا يزاولون اللون الثالث من الشرك بإقامتهم لأنفسهم - عن طريق الكهان والشيوخ - شرائع وقيما وتقاليد , لم يأذن بها الله . . وكانوا يدعون ما يدعيه بعض الناس اليوم من أن هذا هو شريعة الله ! وفي هذا المشهد - مشهد الحشر والمواجهة - يواجه المشركين - كل أنواع المشركين بكل ألوان الشرك - بسؤالهم عن الشركاء - كل أصناف الشركاء - أين هم ? فإنه لا يبدو لهم أثر ; ولا يكفون عن أتباعهم الهول والعذاب:
(ويوم نحشرهم جميعا , ثم نقول للذين أشركوا:أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ?). .
والمشهد شاخص , والحشر واقع , والمشركون مسؤولون ذلك السؤال العظيم . . الأليم: (أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ?). .
وهنا يفعل الهول فعله . . هنا تتعرى الفطرة من الركام الذي ران عليها في الدنيا . . هنا ينعدم من الفطرة ومن الذاكرة - كما هو منعدم في الواقع والحقيقة - وجود الشركاء ; فيشعرون أنه لم يكن شرك , ولم يكن شركاء . . لم يكن لهذا كله من وجود لا في حقيقة ولا واقع . . هنا "يفتنون فيذهب الخبث , ويسقط الركام - من فتنة الذهب بالنار ليخلص من الخبث والزبد -:
(ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا:والله ربنا ما كنا مشركين). .
إن الحقيقة التي تجلت عنها الفتنه , أو التي تبلورت فيها الفتنة , هي تخليهم عن ماضيهم كله وإقرارهم بربوبية الله وحده ; وتعريهم من الشرك الذي زاولوه في حياتهم الدنيا . . ولكن حيث لا ينفع الإقرار بالحق والتعري من الباطل . . فهو إذن بلاء هذا الذي تمثله قولتهم وليس بالنجاة . . لقد فات الأوان . . فاليوم للجزاء لا للعمل . . واليوم لتقرير ما كان لا لاسترجاع ما كان . .
لذلك يقرر الله سبحانه , معجبا رسوله [ ص ] من أمر القوم , أنهم كذبوا على أنفسهم يوم اتخذوا هؤلاء الشركاء شركاء , حيث لا وجود لشركتهم مع الله في الحقيقة . وأنهم اليوم غاب عنهم ما كانوا يفترونه , فاعترفوا بالحق بعد ما غاب عنهم الافتراء:
(انظر كيف كذبوا على أنفسهم , وضل عنهم ما كانوا يفترون). .
فالكذب منهم كان على أنفسهم ; فهم كذبوها وخدعوها يوم اتخذوا مع الله شريكا , وافتروا على الله هذا الافتراء . وقد ظل عنهم ما كانوا يفترون وغاب , في يوم الحشر والحساب !
هذا هو التأويل الذي أستريح إليه في حلفهم بالله يوم القيامة وهم في حضرته:أنهم ما كانوا مشركين . وفي تأويل كذبهم على أنفسهم كذلك . فهم لا يجرؤون يوم القيامة أن يكذبوا على الله , وأن يحلفوا أنهم ما كانوا مشركين عامدين بالكذب على الله - كما تقول بعض التفاسير - فهم يوم القيامة لا يكتمون الله حديثا . . إنما هو تعري الفطرة عن الشرك أمام الهول الرعيب ; وأنمحاء هذا الباطل الكاذب حتى لا أثر له في حسهم يومذاك . ثم تعجيب الله - سبحانه - من كذبهم الذي كذبوه على أنفسهم في الدنيا ; والذي لا ظل له في حسهم ولا في الواقع يوم القيامة !
. . والله أعلم بمراده على كل حال . . إنما هو احتمال . .
الدرس الثالث:25 - 28 محاربة الكفار للحق وخزيهم في الآخرة وكذبهم في تمني العودة للدنيا
ويمضي السياق يصور حال فريق من المشركين ; ويقرر مصيرهم في مشهد من مشاهد القيامة . . يصور حالهم


وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (25)
وهم يستمعون القرآن معطلي الإدراك , مطموسي الفطرة , معاندين مكابرين , يجادلون رسول الله [ ص ] وهم على هذا النحو من الاستغلاق والعناد , ويدعون على هذا القرآن الكريم أنه أساطير الأولين ; وينأون عن سماعه وينهون غيرهم عنه أيضا . . يصور حالهم هكذا في الدنيا في صفحة , وفي الصفحة الأخرى يرسم لهم مشهدا كئيبا مكروبا ; وهم موقوفون على النار محبوسون عليها , وهي تواجههم بهول المصير الرعيب ; وهم يتهافتون متخاذلين ; ويتهاوون متحسرين ; يتمنون لو يردون إلى الدنيا فيكون لهم موقف غير ذلك الموقف , الذي انتهى بهم إلى هذا المصير . فيردون عن هذا التمني بالتصغير والتحقير:
ومنهم من يستمع إليك , وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا , وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها , حتى إذا جاؤوك يجادلونك , يقول الذين كفروا:إن هذا إلا أساطير الأولين . وهم ينهون عنه وينأون عنه , وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون . ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا:يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ! بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل , ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه , وإنهم لكاذبون . . إنهما صفحتان متقابلتان:صفحة في الدنيا يرتسم فيها العناد والإعراض ; وصفحة في الآخرة يرتسم فيها الندم والحسرة . . يرسمها السياق القرآني , ويعرضهما هذا العرض المؤثر الموحي ; ويخاطب بهما الفطر الجاسية ; ويهز بها هذه الفطر هزا , لعل الركام الذي ران عليها يتساقط , ولعل مغاليقها الصلدة تتفتح , ولعلها تفيء إلى تدبر هذا القرآن قبل فوات الأوان .
(ومنهم من يستمع إليك , وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا , وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها). .
والأكنة:الأغلفة التي تحول دون أن تتفتح هذه القلوب فتفقه ; والوقر:الصمم الذي يحول دون هذه الآذان أن تؤدي وظيفتها فتسمع . .
وهذه النماذج البشرية التي تستمع ; ولكنها لا تفقه , كأن ليس لها قلوب تدرك ; وكأن ليس لها آذان تسمع . . نماذج مكرورة في البشرية في كل جيل وفي كل قبيل , في كل زمان وفي كل مكان . . إنهم أناسي من بني آدم . . ولكنهم يسمعون القول وكأنهم لا يسمعونه . كأن آذانهم صماء لا تؤدي وظيفتها . وكأن إدراكهم في غلاف لا تنفذ إليه مدلولات ما سمعته الآذان !
وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها . حتى إذا جاؤوك يجادلونك . يقول الذين كفروا:إن هذا إلا أساطير الأولين . .
فأعينهم ترى كذلك . ولكن كأنها لا تبصر . أو كأن ما تبصره لا يصل إلى قلوبهم وعقولهم !
فما الذي أصاب القوم يا ترى ? ما الذي يحول بينهم وبين التلقي والاستجابة . بينما لهم آذان ولهم عيون ولهم عقول ? يقول الله - سبحانه -:
(وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا . وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها). .
وهذا يعبر عن قضاء الله فيهم بألا يتلقى إدراكهم هذا الحق ولا يفقهه ; وبألا تؤدي أسماعهم وظيفتها فتنقل إلى إدراكهم ما تسمع من هذا الحق فتستجيب له , مهما يروا من دلائل الهدى وموحيات الإيمان .
غير أنه يبقى أن نلتمس سنة الله في هذا القضاء . . إنه سبحانه يقول: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). .
ويقولSadونفس وما سواها , فألهمها فجورها وتقواها , قد أفلح من زكاها , وقد خاب من دساها). . فشأن الله - سبحانه - أن يهدي من يجاهد ليبلغ الهدى ; وأن يفلح من يزكي نفسه ويطهرها . . فأما هؤلاء فلم يتوجهوا إلى الهدى ليهديهم الله ; ولم يحاولوا أن يستخدموا أجهزة الاستقبال الفطرية في كيانهم , فييسر الله لهم الاستجابة . . هؤلاء عطلوا أجهزتهم الفطرية ابتداء ; فجعل الله بينهم وبين الهدى حجابا ; وجرى قضاؤه فيهم بهذا الذي جرى جزاء على فعلهم الأول ونيتهم الأولى . . وكل شيء إنما يكون بأمر الله . ومن أمر الله أن يهدي من يجاهد , وأن يفلح من يتزكى . ومن أمر الله أن يجعل على قلوب المعرضين أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا , وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها . . والذين يحيلون ضلالهم وشركهم وخطاياهم على إرادة الله بهم , وعلى قضائه فيهم , إنما يغالطون في هذه الإحالة . والله سبحانه يجبههم بالحق , وهو يحكي أقوالهم في هذا الشأن ويسفههاSadوقال الذين أشركوا:لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا , ولا حرمنا من دونه من شيء . كذلك فعل الذين من قبلهم . فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ? ولقد بعثنا في كل أمة رسولا:أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت , فمنهم من هدى الله , ومنهم من حقت عليه الضلالة , فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين). . فدل هذا على إنكار الله عليهم قولهم ; وعلى أن الضلالة إنما حقت عليهم - بعد النذارة - بفعلهم . .
والذين أثاروا قضايا القضاء والقدر , والجبر والاختيار , وإرادة العبد وكسبه . . ليجعلوا منها مباحث لاهوتية , تخضع لما تتصوره عقولهم من فروض وتقديرات , إنما يجانبون منهج القرآن في عرض هذه القضية في صورتها الواقعية التقريرية البسيطة ; التي تقرر أن كل شيء إنما يكون بقدر من الله ; وأن اتجاه الإنسان على هذا النحو أو ذاك داخل في حدود فطرته التي خلقه الله عليها , والتي جرى بها قدر الله فكانت على ما كانت عليه ; وأن اتجاهه على هذا النحو أو ذاك تترتب عليه نتائج وآثار في الدنيا والآخرة يجري بها قدر الله أيضا , فتكون . . وبهذا يكون مرجع الأمر كله إلى قدر الله . . ولكن على النحو الذي يرتب على إرادة الإنسان الموهوبة له ما يوقعه قدر الله به . . وليس وراء هذا التقرير إلا الجدل الذي ينتهي إلى المراء !
والمشركون كانت معروضة عليهم أمارات الهدى ودلائل الحق وموحيات الإيمان , في هذا القرآن , الذي يلفتهم إلى آيات الله في الأنفس والآفاق ; وهي وحدها كانت كفيلة - لو اتجهت إليها قلوبهم - أن توقع على أوتار هذه القلوب , وأن تهز فيها المدارك الغافية فتوقظها وتحييها , لتتلقى وتستجيب . . إلا أنهم هم لم يجاهدوا ليهتدوا ; بل عطلوا فطرتهم وحوافزها ; فجعل الله بينهم وبين موحيات الهدى حجابا ; وصاروا حين يجيئون إلى الرسول [ ص ] لا يجيئون مفتوحي الأعين والآذان والقلوب ; ليتدبروا ما يقوله لهم تدبر الباحث عن الحق ; ولكن ليجادلوا ويتلمسوا أسباب الرد والتكذيب:
حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقول الذين كفروا:إن هذا إلا أساطير الأولين . .
والأساطير جمع أسطورة . وكانوا يطلقونها على الحكايات التي تتضمن الخوارق المتعلقة بالألهة والأبطال في قصص الوثنيات . وأقربها إليهم كانت الوثنية الفارسية وأساطيرها .
وهم كانوا يعلمون جيدا أن هذا القرآن ليس بأساطير الأولين . ولكنهم إنما كانوا يجادلون ; ويبحثون عن أسباب الرد والتكذيب ; ويتلمسون أوجه الشبهات البعيدة . . وكانوا يجدون فيما يتلى عليهم من القرآن قصصا عن الرسل وأقوامهم ; وعن مصارع الغابرين من المكذبين . فمن باب التمحل والتماس أوهى الأسباب , قالوا عن هذا القصص وعن القرآن كله: (إن هذا إلا أساطير الأولين)!


وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)
وإمعانا في صرف الناس عن الاستماع لهذا القرآن , وتثبيت هذه الفرية . . فرية أن هذا القرآن إن هو إلا أساطير الأولين . . كان مالك بن النضر , وهو يحفظ أساطير فارسية عن رستم واسفنديار من أبطال الفرس الأسطوريين , يجلس مجلسا قريبا من رسول الله [ ص ] وهو يتلو القرآن . فيقول للناس:إن كان محمد يقص عليكم أساطير الأولين , فعندي أحسن منها ! ثم يروح يقص عليهم مما عنده من الأساطير , ليصرفهم عن الاستماع إلى القرآن الكريم !
ولقد كانوا كذلك ينهون الناس عن الاستماع إليه - وهم كبراؤهم - وينأون هم عن الاستماع خشية التأثر والاستجابة:
(وهم ينهون عنه , وينأون عنه , وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون). .
لقد كانوا على يقين من أنه ليس أساطير الأولين . وأن مواجهته بأساطير الأولين لا تجدي لو ترك الناس يسمعون ! وكان كبراء قريش يخافون على أنفسهم من تأثير هذا القرآن فيها كما يخافون على أتباعهم . فلم يكن يكفي إذن في المعركة بين الحق النفاذ بسلطانه القوي , والباطل الواهن المتداعي , أن يجلس النضر بن الحارث يروي للناس أساطير الأولين ! ومن ثم كانوا ينهون أتباعهم أن يستمعوا لهذا القرآن ; كما كانوا هم أنفسهم ينأون بأنفسهم - خوفا عليها أن تتأثر وتستجيب - وحكاية الأخنس بن شريق , وأبي سفيان بن حرب , وعمرو بن هشام وهم يقاومون جاذبية القرآن التي تشدهم شدا إلى التسمع في خفية لهذا القرآن حكاية مشهورة في السيرة .
وهذا الجهد كله الذي كانوا يبذلونه ليمنعوا أنفسهم ويمنعوا غيرهم من الاستماع لهذا القرآن ; ومن التأثر به والاستجابة له . . هذا الجهد كله إنما كانوا يبذلونه في الحقيقة لإهلاك أنفسهم - كما يقرر الله - سبحانه -: (وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون)!
وهل يهلك إلا نفسه من يجاهد نفسه ويجاهد غيره دون الهدى والصلاح والنجاة , في الدنيا والآخرة ?
إنهم مساكين أولئك الذين يجعلون همهم كله في الحيلولة بين أنفسهم والناس معهم وبين هدى الله ! مساكين ! ولو تبدوا في ثياب الجبابرة وزي الطواغيت ! مساكين فهم لا يهلكون إلا أنفسهم في الدنيا والآخرة . وإن بدا لهم حينا من الدهر وبدا للمخدوعين بالزبد أنهم رابحون مفلحون .
ومن شاء ان يرى فلينظر في الصفحة الأخرى المواجهة لهذه الصفحة الأولى:
(ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا:يا ليتنا نرد , ولا نكذب بآيات ربنا , ونكون من المؤمنين)!
إنه المشهد المقابل لمشهدهم في الدنيا . . مشهد الاستخذاء والندامة والخزي والحسرة . في مقابل مشهد الإعراض والجدال والنهي والنأي والادعاء العريض !
(ولو ترى إذ وقفوا على النار). .
لو ترى ذلك المشهد ! لو تراهم وقد حبسوا على النار لا يملكون الإعراض والتولي ! ولا يملكون الجدل والمغالطة !
لو ترى لرأيت ما يهول ! ولرأيتهم يقولون:


بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)
(يا ليتنا نرد , ولا نكذب بآيات ربنا , ونكون من المؤمنين). .
يعلمون الآن أنها كانت (آيات ربنا)! وهم يتمنون لو يردون إلى الدنيا . وعندئذ فلن يكون منهم تكذيب بهذه الآيات , وعندئذ سيكونون من المؤمنين !
ولكنها ليست سوى الأماني التي لا تكون !
على أنهم إنما يجهلون جبلتهم . فهي جبلة لا تؤمن . وقولهم هذا عن أنفسهم:إنهم لو ردوا لما كذبوا ولكانوا مؤمنين , إنما هو كذب لا يطابق حقيقة ما يكون منهم لو كان لإجابتهم من سبيل ! وإنهم ما يقولون قولتهم هذه , إلا لأنه تكشف لهم من سوء عملهم وسوء مغبتهم ما كانوا من قبل يخفونه على أتباعهم ليوهموهم أنهم محقون , وأنهم ناجون , وأنهم مفلحون .
(بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل . ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه . وإنهم لكاذبون). .
إن الله يعلم طبيعتهم ; ويعلم إصرارهم على باطلهم ; ويعلم أن رجفة الموقف الرعيب على النار هي التي أنطقت ألسنتهم بهذه الأماني وهذه الوعود . . (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون). .
ويدعهم السياق في هذا المشهد البائس , وهذا الرد يصفع وجوهم بالمهانة والتكذيب !
الدرس الرابع:29 - 32 حقيقة الحياة في التصور الإسلامي
يدعهم ليفتح صفحتين جديدتين متقابلتين كذلك ; ويرسم لهما مشهدين متقابلين:أحدهما في الدنيا وهم يجزمون بأن لا بعث ولا نشور , ولا حساب ولا جزاء . وثانيهما في الآخرة وهم موقوفون على ربهم يسألهم عما هم فيه: (أليس هذا بالحق ?). . السؤال الذي يزلزل ويذيب . . فيجيبون إجابة المهين الذليل: (بلى ! وربنا). . فيجبهون عندئذ بالجزاء الأليم بما كانوا يكفرون . . ثم يمضي السياق يرسم مشهدهم والساعة تأخذهم بغتة , بعدما كذبوا بلقاء الله , فتنتابهم الحسرة ; وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ! وفي النهاية يقرر حقيقة وزن الدنيا والآخرة في ميزان الله الصحيح:
(وقالوا:إن هي إلا حياتنا الدنيا , وما نحن بمبعوثين . ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال:أليس هذا بالحق ? قالوا:بلى وربنا . قال:فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون . . قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا:يا حسرتنا على ما فرطنا فيها , وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون , وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو , وللدار الآخرة خير للذين يتقون . أفلا تعقلون ?)
وقضية البعث والحساب والجزاء في الدار الآخرة من قضايا العقيدة الأساسية , التي جاء بها الإسلام ; والتي يقوم عليها بناء هذه العقيدة بعد قضية وحدانية الألوهية . والتي لا يقوم هذا الدين - عقيدة وتصورا , وخلقا وسلوكا , وشريعة ونظاما - إلا عليها . . وبها . .
إن هذا الدين الذي أكمله الله , وأتم به نعمته على المؤمنين به , ورضيه لهم دينا - كما قال لهم في كتابه الكريم - هو منهج للحياة كامل في حقيقته , متكامل متناسق في تكوينه . . "يتكامل" ويتناسق فيه تصوره الاعتقادي مع قيمه الخلقية , مع شرائعه التنظيمية . . وتقوم كلها على قاعدة واحدة من حقيقة الألوهية فيه وحقيقة الحياة الآخرة .
فالحياة - في التصور الإسلامي - ليست هي هذه الفترة القصيرة التي تمثل عمر الفرد ; وليست هي هذه الفترة المحدودة التي تمثل عمر الأمة من الناس ; كما أنها ليست هي هذه الفترة المشهودة التي تمثل عمر البشرية في هذه الحياة الدنيا .
إن الحياة - في التصور الإسلامي - تمتد طولا في الزمان , وتمتد عرضا في الآفاق , وتمتد عمقا في العوالم , وتمتد تنوعا في الحقيقة . . عن تلك الفترة التي يراها ويظنها ويتذوقها من يغفلون الحياة الآخرة من حسابهم ولا يؤمنون بها .
إن الحياة - في التصور الإسلامي - تمتد في الزمان , فتشمل هذه الفترة المشهوده - فترة الحياة الدنيا - وفترة الحياة الأخرى التي لا يعلم مداها إلا الله ; والتي تعد فترة الحياة الدنيا بالقياس إليها ساعة من نهار !
وتمتد في المكان , فتضيف إلى هذه الأرض التي يعيش عليها البشر ; دارا أخرى:جنة عرضها كعرض السماوات والأرض ; ونارا تسع الكثرة من جميع الأجيال التي عمرت وجه الأرض ملايين الملايين من السنين !
وتمتد في العوالم , فتشمل هذا الوجود المشهود إلى وجود مغيب لا يعلم حقيقة كلها إلا الله ; ولا نعلم نحن عنه إلا ما أخبرنا به الله . وجود يبدأ من لحظة الموت , وينتهي في الدار الآخرة . وعالم الموت وعالم الآخرة كلاهما من غيب الله . وكلاهما يمتد فيه الوجود الإنساني في صور لا يعلمها إلا الله .
وتمتد الحياة في حقيقتها ; فتشمل هذا المستوى المعهود في الحياة الدنيا , إلى تلك المستويات الجديدة في الحياة الأخرى . . في الجنة وفي النار سواء . . وهي ألوان من الحياة ذات مذاقات ليست من مذاقات هذه الحياة الدنيا . . ولا تساوي الدنيا - بالقياس إليها - جناح بعوضة !
والشخصية الإنسانية - في التصور الإسلامي - يمتد وجودها في هذه الأبعاد من الزمان , وفي هذه الآفاق من المكان , وفي هذه الأعماق والمستويات من العوالم والحيوات . . ويتسع تصورها للوجود كله ; وتصورها للوجود الإنساني ; ويتعمق تذوقها للحياة ; وتكبر اهتماماتها وتعلقاتها وقيمها , بقدر ذلك الامتداد في الأبعاد والآفاق والأعماق والمستويات . . بينما أولئك الذين لا يؤمنون بالآخرة , يتضاءل تصورهم للوجود الكوني , وتصورهم للوجود الإنساني ; وهم يحشرون أنفسهم وتصوراتهم وقيمهم وصراعهم في ذلك الجحر الضيق الصغير الضئيل من هذه الحياة الدنيا !
ومن هذا الاختلاف في التصور يبدأ الاختلاف في القيم , ويبدأ الاختلاف في النظم . . ويتجلى كيف أن هذا الدين منهج حياة متكامل متناسق ; وتتبين قيمة الحياة الآخرة في بنائه:تصورا واعتقادا , وخلقا وسلوكا وشريعة ونظاما . .
إن إنسانا يعيش في هذا المدى المتطاول من الزمان والمكان والعوالم والمذاقات , غير إنسان يعيش في ذلك الجحر الضيق , ويصارع الآخرين عليه , بلا انتظار لعوض عما يفوته , ولا لجزاء عما يفعله وما يفعل به . . إلا في هذه الأرض ومن هؤلاء الناس !
إن اتساع التصور وعمقه وتنوعه ينشى ء سعة في النفس وكبرا في الاهتمامات ورفعة في المشاعر ! ينشأ عنها هي بذاتها خلق وسلوك , غير خلق الذين يعيشون في الجحور وسلوكهم ! فاذا أضيف إلى سعة التصور وعمقه وتنوعه , طبيعة هذا التصور , والاعتقاد في عدل الجزاء في الدار الآخرة , وفي ضخامة العوض عما يفوت ونفاسته ; استعدت النفس للبذل في سبيل الحق والخير والصلاح الذي تعلم أنه من أمر الله , وأنه مناط العوض والجزاء ; وصلح خلق الفرد واستقام سلوكه - متى استيقن من الآخرة كما هي في التصور الإسلامي - وصلحت الأوضاع والأنظمة , التي لا يتركها الأفراد تسوء وتنحرف , وهم يعلمون أن سكوتهم على فسادها لا يحرمهم صلاح الحياة الدنيا وحدها وخيراتها ; ولكنه يحرمهم كذلك العوض في الآخرة , فيخسرون الدنيا والآخرة !
والذين يفترون على عقيدة الحياة الآخرة فيقولون:إنها تدعو الناس إلى السلبية في الحياة الدنيا ; وإلى إهمال هذه الحياة ; وتركها بلا جهد لتحسينها وإصلاحها ; وإلى تركها للطغاة والمفسدين تطلعا إلى نعيم الآخرة . . الذين يفترون هذا الافتراء على عقيدة الآخرة يضيفون إلى الافتراء الجهالة ! فهم يخلطون بين عقيدة الآخرة - كما هي في التصورات الكنسية المنحرفة - وعقيدة الآخرة كما هي في دين الله القويم . . فالدنيا - في التصور الإسلامي - هي مزرعة الآخرة . والجهاد في الحياة الدنيا لإصلاح هذه الحياة , ورفع الشر والفساد عنها , ورد الاعتداء عن سلطان الله فيها , ودفع الطواغيت وتحقيق العدل والخير للناس جميعا . . كل أولئك هو زاد الآخرة ; وهو الذي يفتح للمجاهدين أبواب الجنة , ويعوضهم عما فقدوا في صراع الباطل , وما أصابهم من الأذى . .
فكيف يتفق لعقيدة هذه تصوراتها أن يدع أهلها الحياة الدنيا تركد وتأسن , أو تفسد وتختل , أو يشيع فيها الظلم والطغيان , أو تتخلف في الصلاح والعمران . . وهم يرجون الآخرة , وينتظرون فيها الجزاء من الله ?
إن الناس إذا كانوا في فترات من الزمان يعيشون سلبيين ; ويدعون الفساد والشر والظلم والطغيان والتخلف والجهالة تغمر حياتهم الدنيا - مع ادعائهم الإسلام - فإنما هم يصنعون ذلك كله أو بعضه لأن تصورهم للإسلام قد فسد وانحرف ; ولأن يقينهم في الآخرة قد تزعزع وضعف ! لا لأنهم يدينون بحقيقة هذا الدين ; ويستيقنون من لقاء الله في الآخرة . فما يستيقن أحد من لقاء الله في الآخرة , وهو يعي حقيقة هذا الدين , ثم يعيش في هذه الحياة سلبيا , أو متخلفا , أو راضيا بالشر والفساد والطغيان .
إنما يزاول المسلم هذه الحياة الدنيا , وهو يشعر أنه أكبر منها وأعلى . ويستمتع بطيباتها أو يزهد فيها وهو يعلم أنها حلال في الدنيا خالصة له يوم القيامة . ويجاهد لترقية هذه الحياة وتسخير طاقاتها وقواها وهو يعرف أن هذا واجب الخلافة عن الله فيها . ويكافح الشر والفساد والظلم محتملا الأذى والتضحية حتى الشهادة وهو إنما يقدم لنفسه في الآخرة . . إنه يعلم من دينه أن الدنيا مزرعة الآخرة ; وأن ليس هنالك طريق للآخرة لا يمر بالدنيا ; وأن الدنيا صغيرة زهيدة ولكنها من نعمة الله التي يجتاز منها إلى نعمة الله الكبرى . .
وكل جزئية في النظام الإسلامي منظور فيها إلى حقيقية الحياة الآخرة ; وما تنشئه في التصور من سعة وجمال وارتفاع ; وما تنشئه في الخلق من رفعة وتطهر وسماحة ومن تشدد في الحق وتحرج وتقوى ; وما تنشئه في النشاط الإنساني من تسديد وثقة وتصميم .
من أجل ذلك كله لا تستقيم الحياة الإسلامية بدون يقين في الآخرة . ومن أجل ذلك كله كان هذا التوكيد في القرآن الكريم على حقيقة الأخرة . .
وكان العرب في جاهليتهم - وبسبب من هذه الجاهلية - لا تتسع آفاقهم التصورية والشعورية والفكرية للاعتقاد في حياة أخرى غير هذه الحياة الدنيا ; ولا في عالم آخر غير هذا العالم الحاضر:ولا في امتداد الذات الإنسانية إلى آماد وآفاق وأعماق غير هذه الآماد المحسوسة . . مشاعر وتصورات أشبه شيء بمشاعر الحيوان وتصوراته . . شأنهم في هذا شأن الجاهلية الحاضرة . . "العلمية " كما يصر أهلها على تسميتها !
(وقالوا:إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين). .
وكان الله - سبحانه - يعلم أن الاعتقاد على هذا النحو يستحيل أن تنشأ في ظله حياة إنسانية رفيعة كريمة . . هذه الآفاق الضيقة في الشعور والتصور , التي تلصق الإنسان بالأرض , وتلصق تصوره بالمحسوس منها


وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (30)
كالبهيمة . . وهذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان , التي تطلق السعار في النفس , والتكالب على المتاع المحدود , والعبودية لهذا المتاع الصغير , كما تطلق الشهوات من عقالها تعربد وحدها بلا كابح , ولا هدنة , ولا أمل في عوض , إن لم تقض هذه الشهوات الهابطة الصغيرة , التي لا تكاد تبلغ نزوات البهيمة ! . . وهذه الأنظمة والأوضاع , التي تنشأ في الأرض منظورا فيها إلى هذه الرقعة الضيقة من الزمان والمكان ; بلا عدل ولا رحمة , ولا قسط ولا ميزان . . إلا أن يصارع الأفراد بعضهم بعضا , وتصارع الطبقات بعضها بعضا , وتصارع الأجناس بعضها بعضا . . وينطلق الكل في الغابة انطلاقا لا يرتفع كثيرا على انطلاق الوحوش والغيلان ! كما نشهد اليوم في عالم "الحضارة " . . في كل مكان . .
كان الله - سبحانه - يعلم هذا كله ; ويعلم أن الأمة التي قدر أن يعطيها مهمة الإشراف على الحياة البشرية , وقيادتها إلى القمة السامقة التي يريد أن تتجلى فيها كرامة الإنسانية في صورة واقعية . . أن هذه الأمة لا يمكن أن تؤدي واجبها هذا إلا بأن تخرج بتصوراتها وقيمها من ذلك الجحر الضيق إلى تلك الآفاق والآماد الواسعة . . من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة . .
ولهذا كان ذلك التوكيد على حقيقة الآخرة . . أولا لأنها حقيقة . والله يقص الحق . وثانيا لأن اليقين بها ضرورة لاستكمال إنسانية الإنسان:تصورا واعتقادا , وخلقا وسلوكا , وشريعة ونظاما .
ومن ثم كانت هذه الإيقاعات العنيفة العميقة التي نراها في هذه الموجة من نهر السورة المتدفق . . الإيقاعات التي يعلم الله أن فطرة الإنسان تهتز لها وترجف ; فتفتح نوافذها , وتستيقظ أجهزة الاستقبال فيها , وتتحرك وتحيا , وتتأهب للتلقي والاستجابة . . ذلك كله فضلا على أنها تمثل الحقيقة:
(ولو ترى إذ وقفوا على ربهم . قال:أليس هذا بالحق ? قالوا:بلى وربنا . قال:فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). .
هذا مصير الذين قالوا: (إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين). . وهذا هو مشهدهم البائس المخزي المهين ; وهم موقوفون في حضرة ربهم الذي كذبوا بلقائه , لا يبرحون الموقف . وكأنما أخذ بأعناقهم حتى وقفوا في هذا المشهد الجليل الرهيب:
(قال:أليس هذا بالحق ?). .
وهو سؤال يخزي ويذيب ! (قالوا:بلى وربنا). .
الآن . وهم موقوفون على ربهم . في الموقف الذي نفوا على سبيل التوكيد أن يكون ! وفي اختصار يناسب جلال الموقف , ورهبة المشهد , وهول المصير , يجيء الأمر العلوي بالقضاء الأخير:قال: (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). .
وهو مصير يتفق مع الخلائق التي أبت على نفسها سعة التصور الإنساني وآثرت عليه جحر التصور الحسي ! والتي أبت أن ترتفع إلى الأفق الإنساني الكريم , وأخلدت إلى الأرض , وأقامت حياتها وعاشت على أساس ذلك التصور الهابط الهزيل ! لقد ارتكست هذه الخلائق حتى أهلت نفسها لهذا العذاب ; الذي يناسب طبائع الكافرين بالآخرة ; الذين عاشوا ذلك المستوى الهابط من الحياة ! بذلك التصور الهابط الهزيل !

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية: 20
عدد المساهمات: 7431
المهارة: 41704
تاريخ التسجيل: 16/04/2010
الكفاءة: 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 9:18 pm


قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ (31)
ويستكمل السياق المشهد الذي ختمه هناك بهذا القضاء العلوي تنسيقا له مع الجلال والروعة والهول . . يستكمله بتقرير حقيقته:
(قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله . حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا:يا حسرتنا على ما فرطنا فيها !). .
فهي الخسارة المحققة المطلقة . . خسارة الدنيا بقضاء الحياة فيها في ذلك المستوى الأدنى . . وخسارة الآخرة على النحو الذي رأينا . . والمفاجأة التي لم يحسب لها أولئك الغافلون الجاهلون حسابا:
(حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا:يا حسرتنا على ما فرطنا فيها !). .
ثم مشهدهم كالدواب الموقرة بالأحمال:
(وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم). .
بل الدواب أحسن حالا . فهي تحمل أوزارا من الأثقال . ولكن هؤلاء يحملون أوزارا من الآثام ! والدواب تحط عنها أوزارها فتذهب لتستريح . وهؤلاء يذهبون بأوزارهم إلى الجحيم . مشيعين بالتأثيم:
(ألا ساء ما يزرون !). .
وفي ظلال هذا المشهد الناطق بالخسارة والضياع , بعد ذلك المشهد الناطق بالهول والرهبة . . يجيء الإيقاع الأخير في هذا القطع ; بحقيقة وزن الدنيا ووزن الآخرة في ميزان الله ; وقيمة هذه الدنيا وقيمة الآخرة في هذا الميزان الصحيح:
(وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو , وللدار الآخرة خير للذين يتقون . أفلا تعقلون ?). .
هذه هي القيمة المطلقة الأخيرة في ميزان الله للحياة الدنيا وللدار الآخرة . . وما يمكن أن يكون وزن ساعة من نهار , على هذا الكوكب الصغير , إلا على هذا النحو , حين توازن بذلك الأبد الأبيد في ذلك الملك العريض . وما يمكن أن تكون قيمة نشاط ساعة في هذه العبادة إلا لعبا ولهوا حين تقاس إلى الجد الرزين في ذلك العالم الآخر العظيم . .
هذا تقييم مطلق . . ولكنه في التصور الإسلامي لا ينشى ء - كما قلنا - إهمالا للحياة الدنيا ولا سلبية فيها ولا انعزالا عنها . . وليس ما وقع من هذا الإهمال والسلبية والانعزال وبخاصة في بعض حركات "التصوف" "والزهد" بنابع من التصور الإسلامي أصلا . إنما هو عدوى من التصورات الكنسية الرهبانية ; ومن التصورات الفارسية . ومن بعض التصورات الإشراقية الإغريقية المعروفة بعد انتقالها للمجتمع الإسلامي !
والنماذج الكبيرة التي تمثل التصور الإسلامي في أكمل صورة , لم تكن سلبية ولا انعزالية . . فهذا جيل الصحابة كله ; الذين قهروا الشيطان في نفوسهم , كما قهروه في الأنظمة الجاهلية السائدة من حولهم في الأرض ; حيث كانت الحاكمية للعباد في الإمبراطوريات . . هذا الجيل الذي كان يدرك قيمة الحياة الدنيا كما هي في ميزان الله , هو الذي عمل للآخرة بتلك الآثار الإيجابية الضخمة في واقع الحياة , وهو الذي زاول الحياة بحيوية ضخمة , وطاقة فائضة , في كل جانب من جوانبها الحية الكثيرة .
إنما أفادهم هذا التقييم الرباني للحياة الدنيا وللدار الآخرة , أنهم لم يصبحوا عبيدا للدنيا . لقد ركبوها ولم تركبهم ! وعبدوها فذللوها لله ولسلطانه ولم تستعبدهم ! ولقد قاموا بالخلافة عن الله فيها بكل ما تقتضيه الخلافة عن الله من تعمير وإصلاح , ولكنهم كانوا يبتغون في هذه الخلافة وجه الله , ويرجون الدار الآخرة فسبقوا أهل الدنيا في الدنيا , ثم سبقوهم كذلك في الآخرة !


وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (32)
والآخرة غيب . فالأيمان بها سعة في التصور . وارتقاء في العقل . والعمل لها خير للمتقين يعرفه الذين يعقلون:
(وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون). .
والذين ينكرون الآخرة اليوم لأنها "غيب" إنما هم الجهال الذين يدعون العلم . . فالعلم علم الناس - [ كما سنذكر فيما بعد ] لم يعد لديه اليوم حقيقة واحدة مستيقنة له إلا حقيقة الغيب وحقيقة المجهول !!!
الوحدة الخامسة:33 - 39 الموضوع:مواساة الرسول وبيان طريق الدعوة مقدمة الوحدة من سورة الأنعام
في هذه الموجة من موجات السياق المتدفق في السورة ; يتجه الحديث إلى رسول الله [ ص ] يطيب الله - سبحانه - خاطره في أوله , مما يلاقيه من تكذيب قومه له , وهو الصادق الأمين , فإنهم لا يظنون به الكذب , إنما هم مصرون على الجحود بآيات الله وعدم الاعتراف بها وعدم الإيمان , لأمر آخر غير ظنهم به الكذب ! كما يواسيه بما وقع لإخوانه الرسل قبله من التكذيب والأذى , وما وقع منهم من الصبر والاحتمال , ثم ما انتهى إليه أمرهم من نصر الله لهم . وفق سنته التي لا تتبدل . . حتى إذا انتهى من المواساة والتسرية والتطمين , التفت إلى النبي [ ص ] يقرر له الحقيقية الكبرى في شأن هذه الدعوة . . إنها تجري بقدر الله وفق سنته , وليس للداعية فيها إلا التبليغ والبيان . . إن الله هو الذي يتصرف في الأمر كله , فليس على الداعية إلا أن يمضي وفق هذا الأمر , لا يستعجل خطوة ولا يقترح على الله شيئا . حتى ولو كان هو
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)
النبي الرسول ! ولا يستمع إلى مقترحات المكذبين - ولا الناس عامة - في منهج الدعوة , ولا في اقتراح براهين وآيات معينة عليه . . والأحياء الذين يسمعون سيستجيبون , أما موتى القلوب فهم موتى لا يستجيبون , والأمر إلى الله إن شاء أحياهم وإن شاء أبقاهم موتى حتى يرجعوا إليه يوم القيامة .
وهم يطلبون آية خارقة على نحو ما كان يقع للأقوام من قبلهم , والله قادر على أن ينزل آية . ولكنه سبحانه لا يريد - لحكمة يراها - فإذا كبر على الرسول إعراضهم فليحاول هو إذن بجهده البشري أن يأتيهم بآية ! . . إن الله - سبحانه - هو خالق الخلائق جميعا , وعنده أسرار خلقهم , وحكمة اختلاف خصائصهم وطباعهم . وهو يترك المكذبين من البشر صما وبكما في الظلمات , ويضل من يشاء ويهدي من يشاء وفق ما يعلمه من حكمة الخلق والتنويع . .
الدرس الأول:33 - 36 مواساة الرسول على ما يلاقيه من قومه وبيان طريق الدعوة
(قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون . فإنهم لا يكذبونك . ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). .
إن مشركي العرب في جاهليتهم - وخاصة تلك الطبقة التي كانت تتصدى للدعوة من قريش - لم يكونوا يشكون في صدق محمد [ ص ] فلقد عرفوه صادقا أمينا , ولم يعلموا عنه كذبة واحدة في حياته الطويلة بينهم قبل الرسالة , كذلك لم تكن تلك الطبقة التي تتزعم المعارضة لدعوته تشك في صدق رسالته , وفي أن هذا القرآن ليس من كلام البشر , ولا يملك البشر أن يأتوا بمثله . .
ولكنهم - على الرغم من ذلك - كانوا يرفضون إظهار التصديق , ويرفضون الدخول في الدين الجديد ! إنهم لم يرفضوا لأنهم يكذبون النبي [ ص ] ولكن لأن في دعوته خطرا على نفوذهم ومكانتهم . . وهذا هو السبب الذي من أجله قرروا الجحود بآيات الله , والبقاء على الشرك الذي كانوا فيه . .
والأخبار التي تقرر الأسباب الحقيقية لموقف قريش هذا وحقيقة ظنهم بهذا القرآن كثيرة:
قال ابن اسحاق:حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري:أنه حدث , أن أبا سفيان بن حرب , وأبا جهل بن هشام , والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي , حليف بني زهرة , خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله [ ص ] وهو يصلي من الليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه . وكل لا يعلم بمكان صاحبة . فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الصبح تفرقوا , فجمعهم الطريق , فتلاوموا , وقال بعضهم لبعض:لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائهم لأوقعتم في نفسه شيئا . ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة . ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه , فباتوا يستمعون له . حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض:لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود . فتعاهدوا على ذلك . . ثم تفرقوا . . فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه , ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته , فقال:أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ? قال:يا أبا ثعلبة , والله لقد سمعت أشياء أعرفها , وأعرف ما يراد بها , وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها . قال الأخنس:وأنا والذي حلفت به . ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل , فدخل عليه في بيته , فقال:يا أبا الحكم , ما رأيك فيما سمعت من محمد ? قال:ماذا سمعت ? قال:تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف . . أطعموا فأطعمنا , وحملوا فحملنا , وأعطوا فأعطينا , حتى إذا تجاثينا على الركب , وكنا كفرسي رهان , قالوا:منا نبي يأتيه الوحي من السماء , فمتى ندرك هذه ? والله لا نؤمن به أبدا ولانصدقه ! قال:فقام عنه الأخنس وتركه . .
وروى ابن جرير - من طريق أسباط عن السدي - في قولهSadقد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك , ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). . لما كان يوم بدر , قال الأخنس بن شريق لبني زهرة:يا بني زهرة إن محمدا ابن أختكم , فأنتم أحق من ذب عن ابن أخته , فإن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم , وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته . قفوا حتى ألقى أبا الحكم , فإن غلب محمد رجعتم سالمين , وإن غلب محمد فإن قومكم لن يصنعوا بكم شيئا - فيومئذ سمي الأخنس وكان اسمه أبي - فالتقى الأخنس بأبي جهل , فخلا به , فقال:يا أبا الحكم أخبرني عن محمد:أصادق هو أم كاذب ? فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا ! فقال أبو جهل:ويحك ! والله إن محمدا لصادق , وما كذب محمد قط , ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة , فماذا يكون لسائر قريش ? فذلك قوله: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). .
ونلاحظ:أن السورة مكية , وهذه الآية مكية لا شك في ذلك ; بينما الحادثة المذكورة كانت في المدينة يوم بدر . . ولكن إذا عرفنا أنهم كانوا يقولون أحيانا عن آية ما:"فذلك قوله:كذا . . " ويقرنون إليها حادثا ما لا للنص على أنها نزلت بسبب الحادث الذي يذكرونه ; ولكن بسبب انطباق مدلولها على الحادث , بغض النظر عما إذا كان سابقا أو لاحقا . . فإننا لا نستغرب هذه الرواية . .
وقال ابن إسحاق:حدثني يزيد بن زياد , عن محمد بن كعب القرظي , قال:حدثت أن عتبة بن ربيعة - وكان سيدا - قال يوما وهو جالس في نادي قريش , ورسول الله [ ص ] جالس في المسجد وحده:يا معشر قريش , ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل بعضها , فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ? - وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه , ورأوا أصحاب رسول الله [ ص ] يزيدون ويكثرون - فقالوا:بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله [ ص ] فقال:يا ابن أخي . . إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة , والمكان في النسب . وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم , فرقت به جماعتهم , وسفهت أحلامهم , وعبت به آلهتهم ودينهم , وكفرت به من مضى من آبائهم . فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها , لعلك تقبل منها بعضها . قال:فقال له رسول الله [ ص ]:"قل:يا أبا الوليد أسمع" قال:يا ابن أخي , إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا , وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع امرا دونك , وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا , وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء , وبذلنا فيها أموالنا حتى نبرئك منه , فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه . . أو كما قال . . حتى إذا فرغ عتبة , ورسول الله [ ص ] يستمع منه - قال:" أفرغت يا أبا الوليد ? " قال:نعم . قال:" فاستمع مني " . قال:أفعل . قال:بسم الله الرحمن الرحيم(حم . تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون . بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون . . .)ثم مضى رسول الله [ ص ] فيها وهو يقرؤها عليه . فلما سمع عتبة أنصت لها , وألقى يديه خلف ظهره , معتمدا عليهما , يستمع منه , حتى انتهى رسول الله [ ص ] إلى السجدة منها فسجد . ثم قال:" قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت , فأنت وذاك " . . فقام عتبة إلى أصحابة . فقال بعضهم لبعض:نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليدبغير الوجه الذي ذهب به ! فلما جلس إليهم قالوا:ما وراءك يا أبا الوليد ? قال:ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط . والله ما هو بالسحر , ولا بالشعر , ولا بالكهانة . يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي . . خلوا بين الرجل وما هو فيه , فاعتزلوه , فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ , فإن تصبه العرب كفيتموه بغيركم , وإن يظهر على العرب فملكه ملككم , وعزه عزكم , وكنتم أسعد الناس به . . قالوا:سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه ! قال:هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم !
وقد روى البغوي في تفسيره حديثا - بإسناده - عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - أن رسول الله [ ص ] مضى في قراءته إلى قولهSadفإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود). . فأمسك عتبة على فيه , وناشده الرحم , ورجع إلى أهله , ولم يخرج إلى قريش , واحتبس عنهم . . . إلى آخره . . . ثم لما حدثوه في هذا قال:فأمسكت بفيه , وناشدته الرحم أن يكف . وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخشيت أن ينزل بكم العذاب . .
وقال ابن اسحاق:إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش - وكان ذا سن فيهم - وقد حضر الموسم . فقال لهم:يا معشر قريش , إنه قد حضر هذا الموسم , وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه , وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا , فاجمعوا فيه رأيا واحدا , ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا , ويرد قولكم بعضه بعضا . قالوا:فأنت يا أبا عبد شمس فقل , وأقم لنا رأيا نقل به . قال:بل أنتم فقولوا:أسمع . قالوا:نقول:كاهن ! قال:لا والله ما هو بكاهن , لقد رأينا الكهان , فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه ! قالوا:فنقول:مجنون ! قال:ما هو بمجنون , لقد رأينا الجنون وعرفناه , فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته ! قالوا:فنقول:شاعر ! قال:ما هو بشاعر , لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه , فما هو بالشعر ! قالوا:فنقول:ساحر ! قال:ما هو بساحر , لقد رأينا السحار وسحرهم , فما هو بنفثهم ولا عقدهم ! قالوا:فما نقول يا أبا عبد الشمس ? قال:والله إن لقوله لحلاوة ,
وإن أصله لعذق , وإن فرعه لجناة , وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ! وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا:هو ساحر , جاء بقول هو سحر , يفرق به بين المرء وأبيه , وبين المرء وأخيه , وبين المرء وزوجته , وبين المرء وعشيرته . . فتفرقوا عنه بذلك . فجعلوا يجلسون بسبل الناس - حين قدموا الموسم - لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه , وذكروا له أمره !
وقال ابن جرير:حدثنا ابن عبد الأعلى , حدثنا محمد بن ثورة , عن معمر , عن عبادة بن منصور , عن عكرمة:أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي [ ص ] فقرأ عليه القرآن , فكأنه رق له . فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام . فأتاه فقال له:أي عم ! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ! قال:لم ? قال:يعطونكه , فإنك أتيت محمدا تتعرض لما قبله ! [ يريد الخبيث أن يثير كبرياءه من الناحية التي يعرف أنه أشد بها اعتزازا ! ] قال:قد علمت قريش أني أكثرها مالا ! قال:فقل فيه قولا يعلم قومك أنك منكر لما قال , وأنك كاره له ! قال:فماذا أقول فيه ? فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني , ولا أعلم برجزه ولا بقصيده , ولا بأشعار الجن ! والله ما يشبه الذي يقوله شيئا من هذا . والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة , وإن عليه لطلاوة , وإنه ليحطم ما تحته , وإنه ليعلو وما يعلى . قال:والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه . . قال:فدعني حتى أفكر فيه . . فلما فكر قال:إن هذا إلا سحر يؤثر . يؤثره عن غيره .فنزلتSadذرني ومن خلقت وحيدا . .)حتى بلغSadعليها تسعة عشر).
وفي رواية أخرى أن قريشا قالت:لئن صبأ الوليد لتصبون قريش كلها ! فقال أبو جهل:أنا أكفيكموه ! ثم دخل عليه . . وأنه قال - بعد التفكير الطويل - إنه سحر يؤثر . أما ترون أنه يفرق بين المرء وأهله وولده ومواليه .
فهذه الروايات كلها تبين أن هؤلاء المكذبين لم يكونوا يعتقدون أن رسول الله [ ص ] يكذبهم فيما يبلغه لهم . وإنما هم كانوا مصرين على شركهم لمثل هذه الأسباب التي وردت بها الروايات , وما وراءها من السبب الرئيسي , وهو ما يتوقعونه من وراء هذه الدعوة من سلب السلطان المغتصب , الذي يزاولونه , وهو سلطان الله وحده . كما هو مدلول شهادة أن لا إله إله إلا الله التي يقوم عليها الإسلام . وهم كانوا يعرفون جيدا مدلولات لغتهم ; وكانوا لا يريدون أن يسلموا بمدلول هذه الشهادة . وهو إنما يمثل ثورة كاملة على كل سلطان غير سلطان الله في حياة العباد . . وصدق الله العظيم:
(قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون . فإنهم لا يكذبونك , ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون). .
والظالمون في هذا الموضع هم المشركون . كما يغلب في التعبير القرآني الكريم .
ويستطرد من تطييب خاطر الرسول [ ص ] وبيان الأسباب الحقيقية لموقف المكذبين منه ومن دعوته , ومن آيات الله الناطقة بصدقه وصدق ما جاء به . . يستطرد من هذا إلى تذكيره بما وقع لإخوانه الرسل قبله - وقد جاءه من أخبارهم في هذا القرآن - ثم ما كان منهم من الصبر والمضي في الطريق , حتى جاءهم نصر الله . ليقرر أن هذه هي سنة الدعوات التي لا تتبدل , ولا يغير منها اقتراحات المقترحين , كما أنها لا تستعجل مهما ينزل بالدعاة من الأذى والتكذيب والضيق:
(ولقد كذبت رسل من قبلك , فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا , ولا مبدل لكلمات الله , ولقد جاءك من نبأ المرسلين). .
إن موكب الدعوة إلى الله موغل في القدم , ضارب في شعاب الزمن , ماض في الطريق اللاحب , ماض في الخط الواصب . . مستقيم الخطي , ثابت الأقدام . يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل , ويقاومه التابعون من الضالين والمتبوعون , ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة , وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء . . والموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد . . والعاقبة هي العاقبة , مهما طال الزمن ومهما طال الطريق . . إن نصر الله دائما في نهاية الطريق:
(ولقد كذبت رسل من قبلك , فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا , ولا مبدل لكلمات الله , ولقد جاءك من نبأ المرسلين). .
كلمات يقولها الله - سبحانه - لرسوله [ ص ] . . كلمات للذكرى , وللتسرية وللمواساة , والتأسية . . وهي ترسم للدعاة إلى الله من بعد رسول الله [ ص ] طريقهم واضحا , ودورهم محددا , كما ترسم لهم متاعب الطريق وعقباته , ثم ما ينتظرهم بعد ذلك كله في نهاية الطريق . . .
إنها تعلمهم أن سنة الله في الدعوات واحدة . كما انها كذلك وحدة . وحدة لا تتجزأ . . دعوة تتلقاها الكثرة بالتكذيب , وتتلقى أصحابها بالأذى . . وصبر من الدعاة على التكذيب وصبر كذلك على الأذى . . وسنة تجري بالنصر في النهاية . . ولكنها تجيء في موعدها . لا يعجلها عن هذا الموعد أن الدعاة الأبرياء الطيبين المخلصين يتلقون الأذى والتكذيب , ولا أن المجرمين الضالين والمضلين يقدرون على أذى المخلصين


وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)
الأبرياء الطيبين ! ولا يعجلها كذلك عن موعدها أن صاحب الدعوة المخلص المتجرد من ذاته ومن شهواته إنما يرغب في هداية قومه حبا في هدايتهم , ويأسى على ما هم فيه من ضلال وشقوة , وعلى ما ينتظرهم من دمار وعذاب في الدنيا والأخرة . . لا يعجلها عن موعدها شيء من ذلك كله . فإن الله لا يعجل لعجلة أحد من خلقه . ولا مبدل لكلماته . سواء تعلقت هذه الكلمات بالنصر المحتوم , أم تعلقت بالأجل المرسوم .
إنه الجد الصارم , والحسم الجازم , إلى جانب التطمين والتسرية والمواساة والتسلية . .
ثم يبلغ الجد الصارم مداه , في مواجهة ما عساه يعتمل في نفس رسول الله [ ص ] من الرغبة البشرية , المشتاقة إلى هداية قومه , المتطلعة إلى الاستجابة لما يطلبونه من آية لعلهم يهتدون . وهي الرغبة التي كانت تجيش في صدور بعض المسلمين في ذلك الحين , والتي تشير إليها آيات أخرى في السورة آتية في السياق . وهي رغبة بشرية طبيعية . ولكن في صدد الحسم في طبيعة هذه الدعوة ومنهجها ودور الرسل فيها , ودور الناس أجمعين , تجيء تلك المواجهة الشديدة في القرآن الكريم:
(وإن كان كبر عليك إعراضهم , فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض , أو سلما في السماء , فتأتيهم بآية ! ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين . إنما يستجيب الذين يسمعون . والموتى يبعثهم الله , ثم إليه يرجعون). .
وإنه للهول الهائل ينسكب من خلال الكلمات الجليلة . . وما يملك الإنسان إن يدرك حقيقة هذا الأمر , إلا حين يستحضر في كيانه كله:أن هذه الكلمات موجهة من رب العالمين إلى نبيه الكريم . . النبي الصابر من أولي العزم من الرسل . . الذي لقي ما لقي من قومه صابرا محتسبا , لم يدع عليهم دعوة نوح - عليه السلام - وقد لقي منهم سنوات طويلة , ما يذهب بحلم الحليم !
. . . تلك سنتنا - يا محمد - فإن كان قد كبر عليك إعراضهم , وشق عليك تكذيبهم , وكنت ترغب في إتيانهم بآية . . إذن . . فإن استطعت فابتغ لك نفقا في الأرض أو سلما في السماء , فأتهم بآية !
. . . إن هداهم لا يتوقف على أن تأتيهم بآية . فليس الذي ينقص هو الآية التي تدلهم على الحق فيما تقول . . ولو شاء الله لجمعهم على الهدى:إما بتكوين فطرتهم من الأصل على أن لا تعرف سوى الهدى - كالملائكة - وإما بتوجيه قلوبهم وجعلها قادرة على استقبال هذا الهدى والاستجابة إليه . وإما بإظهار خارقة تلوي أعناقهم جميعا . وإما بغير هذه من الوسائل وكلها يقدر الله عليها .
ولكنه سبحانه - لحكمته العليا الشاملة في الوجود كله - خلق هذا الخلق المسمى بالإنسان , لوظيفة معينة , تقتضي - في تدبيره العلوي الشامل - أن تكون له استعدادات معينة غير استعدادات الملائكة . من بينها التنوع في الاستعدادات , والتنوع في استقبال دلائل الهدى وموحيات الإيمان , والتنوع في الاستجابة لهذه الدلائل والموحيات . في حدود من القدرة على الاتجاه , بالقدر الذي يكون عدلا معه تنوع الجزاء على الهدى والضلال . .
لذلك لم يجمعهم الله على الهدى بأمر تكويني من عنده , ولكنه أمرهم بالهدى وترك لهم اختيار الطاعة أو المعصية , وتلقي الجزاء العادل في نهاية المطاف . . فأعلم ذلك ولا تكن مما يجهلونه .
(ولو شاء الله لجمعهم على الهدى . فلا تكونن من الجاهلين).
يا لهول الكلمة ! ويا لحسم التوجيه ! ولكنه المقام الذي يقتضي هول الكلمة وحسم التوجيه . .
وبعد ذلك بيان للفطرة التي فطر الله الناس عليها , ولمواقفهم المختلفة في مواجهة الهدى , الذي لا تنقصه البينة ولا ينقصه الدليل:


إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)
(إنما يستجيب الذين يسمعون . والموتى يبعثهم الله . ثم إليه يرجعون). .
إن الناس يواجهون هذا الحق الذي جاءهم به الرسول من عند الله وهم فريقان:
فريق حي , أجهزة الاستقبال الفطرية فيه حية , عاملة , مفتوحة . . وهؤلاء يستجيبون للهدى . فهو من القوة والوضوح والاصطلاح مع الفطرة والتلاقي معها إلى الحد الذي يكفي أن تسمعه , فتستجيب له:
(إنما يستجيب الذين يسمعون). .
وفريق ميت , معطل الفطرة , لا يسمع ولا يستقبل , ومن ثم لا يتأثر ولا يستجيب . . ليس الذي ينقصه أن هذا الحق لا يحمل دليله - فدليله كامن فيه , ومتى بلغ إلى الفطرة وجدت فيها مصداقه , فاستجابت إليه حتما - إنما الذي ينقص هذا الفريق من الناس هو حياة الفطرة , وقيام أجهزة الاستقبال فيها بمجرد التلقي ! وهؤلاء لا حيلة فيهم للرسول , ولا مجال معهم للبرهان . إنما يتعلق أمرهم بمشيئة الله . إن شاء بعثهم إن علم منهم ما يستحق أن يحييهم , وإن شاء لم يبعثهم في هذه الحياة الدنيا , وبقوا أمواتا بالحياة حتى يرجعوا إليه في الآخرة .
(والموتى يبعثهم الله . ثم إليه يرجعون). .
هذه هي قصة الاستجابة وعدم الاستجابة ! تكشف حقيقة الموقف كله , وتحدد واجب الرسول وعمله , وتترك الأمر كله لصاحب الأمر يقضي فيه بما يريد .
الدرس الثاني:37 الرد على طلب الكفار آيات والإشارة إلى الآيات في المخلوقات
ومن خطاب رسول الله [ ص ] بهذه الحقيقة , ينتقل السياق إلى حكاية ما يطلبه المشركون من إنزال خارقة , وإلى بيان ما في هذا الطلب من الجهالة بسنة الله , ومن سوء إدراك لرحمته بهم ألا يستجيب لهذا الإقتراج الذي في أعقابه التدمير لهم لو أجيبوا إليه ! ويعرض جانبا من دقة التدبير الإلهي وإحاطته بالأحياء جميعا , يوحي بحكمة السنة الشاملة للأحياء جميعا . وينتهي بتقرير ما وراء الهدى والضلال من أسرار وسنن تجري بها مشيئة الله طليقة .
وقالوا:لولا نزل عليه آية من ربه ! قل:إن الله قادر على أن ينزل آية , ولكن أكثرهم لا يعلمون . وما من دابة في الأرض , ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء , ثم إلى ربهم يحشرون . والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات . من يشأ الله يضلله , ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم . .
لقد كانوا يطلبون آية خارقة كالخوارق المادية التي صاحبت الرسالات السابقة , ولا يقنعون بآية القرآن الباقية , التي تخاطب الإدراك البشري الراشد , وتعلن عهد الرشد الإنساني , وتحترم هذا الرشد فتخاطبه هذا الخطاب الراقي ; والتي لا تنتهي بانتهاء الجيل الذي يرى الخارقة المادية ; بل تظل باقية تواجه الإدراك البشري بإعجازها إلى يوم القيامة . .
وكانوا يطلبون خارقة , ولا يفطنون إلى سنة الله في أخذ المكذبين بالدعوة بعد مجيء الخارقة , وإهلاكهم في الدنيا . ولا يدركون حكمة الله في عدم مجيئهم بهذه الخارقة , وهو يعلم أنهم سيجحدون بها بعد وقوعها - كما وقع في الأقوام قبلهم - فيحق عليهم الهلاك , بينما يريد الله أن يمهلهم ليؤمن منهم من يؤمن . فمن لم يؤمن استخرج الله من ظهره ذرية مؤمنة . ولا يشكرون نعمة الله عليهم في إمهالهم , وذلك بعدم الاستجابة لاقتراحهم , الذي لا يعلمون جرائره !


وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)
والقرآن يذكر اقتراحهم هذا , ويعقب عليه بأن أكثرهم لا يعلمون ما وراءه ولا يعلمون حكمه الله في عدم الاستجابة , ويقرر قدرة الله على تنزيل الآية , ولكن حكمته هي التي تقتضي , ورحمته التي كتبها على نفسه هي التي تمنع البلاء:7 (وقالوا:لولا نزل عليه آية من ربه ! قل:إن الله قادر على أن ينزل أية . ولكن أكثرهم لا يعلمون).
ويأخذ السياق القرآني طريقه إلى قلوبهم من مدخل آخر لطيف . ويوقظ فيها قوى الملاحظة والتدبر لما في الوجود حولهم من دلائل الهدى وموحيات الإيمان , لو تدبروه وعقلوه:
(وما من دابة في الأرض , ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم , ما فرطنا في الكتاب من شيء , ثم إلى ربهم يحشرون). .
إن الناس ليسوا وحدهم في هذا الكون , حتى يكون وجودهم مصادفة , وحتى تكون حياتهم سدى ! إن حولهم أحياء أخرى , كلها ذات أمر منتظم , يوحي بالقصد والتدبير والحكمة , ويوحي كذلك بوحدة الخالق , ووحدة التدبير الذي يأخذ به خلقه كله . .
إنه ما من دابة تدب على الأرض - وهذا يشمل كل الأحياء من حشرات وهوام وزواحف وفقاريات - وما من طائر يطير بجناحية في الهواء - وهذا يشمل كل طائر من طير أو حشرة غير ذلك من الكائنات الطائرة . . ما من خلق حي في هذه الأرض كلها إلا وهو ينتظم في أمة , ذات خصائص واحدة , وذات طريقة في الحياة واحدة كذلك . . شأنها في هذا شأن أمة الناس . . ما ترك الله شيئا من خلقه بدون تدبير يشمله , وعلم يحصيه . . وفي النهاية تحشر الخلائق إلى ربها . . فيقضي في أمرها بما يشاء . .
إن هذه الآية القصيرة - فوق تقريرها الحاسم في حقيقة الحياة والأحياء - لتهز القلب بما ترسم من آفاق الإشراف الشامل , والتدبير الواسع , والعلم المحيط , والقدرة القادرة , لله ذي الجلال . . وكل جانب من هذه الجوانب لا نملك التوسع في الحديث عنه حتى لا نخرج عن منهج الظلال , فنجاوزه إذن لنتمشى مع السياق . . إذ المقصود الأول هنا هو توجيه القلوب والعقول , إلى أن وجود هذه الخلائق بهذا النظام , وشمولها بهذا التدبير , وإحصاءها في علم الله , ثم حشرها إلى ربها في نهاية المطاف . . توجيه القلوب والعقول إلى ما في هذه الحقيقة الهائلة الدائمة من دلائل وأمارات , أكبر من الآيات والخوارق التي يراها جيل واحد من الناس !
وتختم هذه الجولة - أو هذه الموجة - بتقرير ما وراء الهدى والضلال من مشيئة الله وسنته , وما يدلان عليه من فطرة الناس في حالات الهدى وحالات الضلال:
(والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات . من يشأ الله يضلله , ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم). .
وهو إعادة لتقرير الحقيقة التي مضت في هذه الجولة عن استجابة الذين يسمعون , وموت الذين لا يستجيبون . ولكن في صورة أخرى ومشهد آخر . . إن الذين كذبوا بآيات الله هذه المبثوثة في صفحات الوجود , وآياته الأخرى المسجلة في صفحات هذا القرآن , إنما كذبوا لأن أجهزة الاستقبال فيهم معطلة . . إنهم صم لا يسمعون , بكلم لا يتكلمون , غارقون في الظلمات لا يبصرون ! إنهم كذلك لا من ناحية التكوين الجثماني المادي . فإنلهم عيونا وآذانا وأفواها . . ولكن إدراكهم معطل , فكأنما هذه الحواس لا تستقبل ولا تنقل ! . . وإنه لكذلك فهذه الآيات تحمل في ذاتها فاعليتها وإيقاعها وتأثيرها , لو أنها استقبلت وتلقاها الإدراك ! وما يعرض عنها معرض إلا وقد فسدت فطرته , فلم يعد صالحا لحياة الهدى , ولم يعد أهلا لذلك المستوى الراقي من الحياة .
ووراء ذلك كله مشيئة الله . . المشيئة الطليقة التي قضت أن يكون هذا الخلق المسمى بالإنسان على هذا الاستعداد المزدوج للهدى والضلال , عن اختيار وحكمة , لا عن اقتضاء أو إلزام . . وكذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم . بمشيئته تلك , التي تعين من يجاهد , وتضل من يعاند . ولا تظلم أحدا من العباد .
إن اتجاه الإنسان إلى طلب الهدى , أو اتجاهه إلى الضلال , كلاهما ينشأ من خلقته التي فطره الله عليها بمشيئته . فهذا الاتجاه وذاك مخلوق ابتداء بمشيئة الله . والنتائج التي تترتب على هذا الاتجاه وذاك من الاهتداء والضلال إنما ينشئها الله بمشيئته كذلك . فالمشيئة فاعلة ومطلقة . والحساب والجزاء إنما يقومان على اتجاه الإنسان . الذي يملكه , وإن كان الاستعداد للاتجاه المزدوج هو في الأصل من مشيئة الله . .
تعقيب على الوحدة:طريق الدعوة إلى الله شاق لكن الدعوة تسير بقدر الله
والآن بعد الانتهاء من استعراض هذه الموجة من السياق , نقف وقفة قصيرة لاستخلاص عبرة التوجيه فيها لكافة أصحاب الدعوة إلى هذا الدين في كل جيل , فإن مدى التوجيه فيها يتجاوز المناسبة التاريخية الخاصة , وينسحب على جميع الأجيال , وجميع الدعاة , ويرسم منهجا للدعوة إلى هذا الدين , لا يتقيد بالزمان والمكان . ونحن لا نملك هنا أن نفصل كل جوانب هذا المنهج , فنقف منه إذن عند معالم الطريق:
إن طريق الدعوة إلى الله شاق , محفوف بالمكاره , ومع أن نصر الله للحق آت لا ريب فيه , إلا أن هذا النصر إنما يأتي في موعده الذي يقدره الله , وفق علمه وحكمته , وهو غيب لا يعلم موعده أحد - حتى ولا الرسول - والمشقة في هذا الطريق تنشأ من عاملين أساسيين:من التكذيب والإعراض اللذين تقابل بهما الدعوة في أول الأمر , والحرب والأذى اللذين يعلنان على الدعاة . . ثم من الرغبة البشرية في نفس الداعية في هداية الناس إلى الحق الذي تذوقه , وعرف طعمه , والحماسة للحق والرغبة في استعلانه ! وهذه الرغبة لا تقل مشقة عن التكذيب والإعراض والحرب والأذى . فكلها من دواعي مشقة الطريق !
والتوجيه القرآني في هذه الموجه من السياق يعالج هذه المشقة من جانبيها . . ذلك حين يقرر أن الذين يكذبون بهذا الدين أو يحاربون دعوته , يعلمون علم اليقين أن ما يدعون إليه هو الحق , وأن الرسول الذي جاء به من عندالله صادق . ولكنهم مع هذا العلم لا يستجيبون , ويستمرون في جحودهم عنادا وإصرارا , لأن لهم هوى في الإعراض والتكذيب ! وأن هذا الحق يحمل معه دليل صدقه , وهو يخاطب الفطرة فتستجيب له , متى كانت هذه الفطرة حية , وأجهزة الاستقبال فيها صالحة: (إنما يستجيب الذين يسمعون). . فأما الذين يجحدون فإن قلوبهم ميتة وهم موتى وهو صم وبكم في الظلمات . والرسول لا يسمع الموتى ولا يسمع الصم الدعاء . والداعية ليس عليه أن يبعث الموتى . فذلك من شأن الله . . هذا كله من جانب , ومن الجانب الآخر , فإن نصر الله آت لا ريب فيه . . كل ما هنالك أنه يجري وفق سنة الله وبقدر الله , وكما أن سنة الله لا تستعجل , وكلماته لا تتبدل , من ناحية مجيء النصر في النهاية , فكذلك هي لا تتبدل ولا تستعجل من ناحية


وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (39)
الموعد المرسوم . . والله لا يعجل لأن الأذى والتكذيب يلحق بالدعاة - ولو كانوا هم الرسل - فإن استسلام صاحب الدعوة نفسه لقدر الله بلا عجلة , وصبره على الأذى بلا تململ , ويقينه في العاقبة بلا شك . . كلها مطلوبة من وراء تأجيل النصر إلى موعده المرسوم .
ويحدد هذا التوجيه القرآني دور الرسول في هذا الدين - ودور الدعاة بعده في كل جيل - إنه التبليغ , والمضي في الطريق , والصبر على مشاق الطريق . . أما هدى الناس أو ضلالهم فهو خارج عن حدود واجبه وطاقته . . والهدى والضلال إنما يتبعان سنة إلهية لا تتبدل , ولا يغير منها رغبة الرسول في هداية من يحب , كما لا يغير منها ضيقه ببعض من يعاند ويحارب . . إن شخصه لا اعتبار له في هذه القضية , وحسابه ليس على عدد المهتدين , إنما حسابه على ما أدى وما صبر وما التزم , وما استقام كما أمر . . وأمر الناس بعد ذلك إلى رب الناس . . (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم). . (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى). .
(إنما يستجيب الذين يسمعون)وقد بينا من قبل علاقة مشيئة الله الطليقة في الهدى والضلال باتجاه الناس وجهادهم . بما فيه الكفاية .
من هنا لا ينبغي لصاحب الدعوة إلى هذا الدين , أن يستجيب لاقتراحات المقترحين ممن يوجه إليهم الدعوة , في تحوير منهج دعوته عن طبيعته الربانية ; ولا أن يحاول تزيين هذا الدين لهم وفق رغباتهم وأهوائهم وشهواتهم . . ولقد كان المشركون يطلبون الخوارق - وفق مألوف زمانهم ومستوى مداركهم كما حكى عنهم القرآن في مواضع منه شتى , منها في هذه السورة (وقالوا:لولا أنزل عليه ملك !). . (وقالوا:لولا نزل عليه آية من ربه). . (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها). . وفي السور الأخرى ما هو أشد إثارة للعجب من هذه الاقتراحات . ذلك كالذي حكاه عنهم في سورة الإسراء: (وقالوا:لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا . أو تسقط السماء - كما زعمت - علينا كسفا , أو تأتي بالله والملائكة قبيلا . أو يكون لك بيت من زخرف , أو ترقى في السماء . ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه !). . وكالذي حكاه عنهم في سورة الفرقان: وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق , لولا أنزل إليه ملك , فيكون معه نذيرا . أو يلقى إليه كنز , أو تكون له جنة يأكل منها ! . .
والتوجيه القرآني المباشر في هذه الموجه من السورة نهى رسول الله [ ص ] والمؤمنين أن يرغبوا في إتيانهم بآية - أية آية - مما يطلبون . وقيل للرسول [ ص ]Sadوإن كان كبر عليك إعراضهم , فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية , ولو شاء الله لجمعهم على الهدى , فلا تكونن من الجاهلين . إنما يستجيب الذين يسمعون , والموتى يبعثهم الله , ثم إليه يرجعون). . وقيل للمؤمنين الذين رغبت نفوسهم في الاستجابة للمشركين في طلبهم آية عندما أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ! قيل لهم: قل:إنما الآيات عند الله , وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون . ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة , ونذرهم في طغيانهم يعمهون . . ليعلموا أولاأن الذي ينقص المكذبين ليس هو الآية والدليل على الحق , ولكن الذي ينقصهم أنهم لا يسمعون , وأنهم موتى , وأن الله لم يقسم لهم الهدى - وفق سنة الله في الهدى والضلال كما اسلفنا - ثم ليعلموا كذلك أن هذا الدين يجري وفق سنة لاتتبدل , وأنه أعز من أن يصبح تحت رغبات المقترحين وأهوائهم !
وهذا يقودنا إلى المجال الأشمل لهذا التوجيه القرآني . . إنه ليس خاصا بزمن , ولا محصورا في حادث , ولا مقيدا باقتراح معين . فالزمن يتغير , وأهواء الناس تتمثل في اقتراحات أخرى . وأصحاب الدعوة إلى دين الله ينبغي ألا تستخفهم أهواء البشر . . إن الرغبة في الاستجابة لمقترحات المقترحين هي التي تقود بعض أصحاب الدعوة الإسلامية اليوم إلى محاولة بلورة العقيدة الإسلامية في صورة "نظرية مذهبية " على الورق كالذي يجدونه في النظريات المذهبية الأرضية الصغيرة , التي يصوغها البشر لفترة من الفترات ; ثم يمضي الزمن فإذا كلها عورات وشطحات ومتناقضات ! . . وهي التي تقود بعض أصحاب هذه الدعوة إلى محاولة بلورة النظام الإسلامي في صورة مشروع نظام - على الورق - أو صورة تشريعات مفصلة - على الورق أيضا - تواجه ما عليه أهل الجاهلية الحاضرة من أوضاع لا علاقة لها بإلاسلام [ لأن أهل هذه الجاهلية يقولون:إن الإسلام عقيدة ولا علاقة له بالنظام العام الواقعي للحياة ! ] وتنظم لهم هذه الأوضاع ; بينما هم باقون على جاهليتهم يتحاكمون إلى الطاغوت , ولا يحكمون أو يتحاكمون إلى شريعة الله . . وكلها محاولات ذليلة , لا يجوز للمسلم أن يحاولها استجابة لأزياء التفكير البشري المتقلبة , التي لا تثبت على حال . باسم تطور وسائل الدعوة إلى الله !

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية: 20
عدد المساهمات: 7431
المهارة: 41704
تاريخ التسجيل: 16/04/2010
الكفاءة: 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 9:19 pm

وأذل من هذه المحاولة محاولة من يضعون على الإسلام أقنعة أخرى , ويصفونه بصفات من التي تروج عند الناس في فترة من الفترات . . كالاشتراكية . . والديمقراطية . . وما إليها . . ظانين أنهم إنما يخدمون الإسلام بهذه التقدمة الذليلة ! . . إن "الاشتراكية " مذهب اجتماعي اقتصادي من صنع البشر ; قابل للصواب والخطأ . وإن "الديمقراطية " نظام للحياة أو للحكم من صنع البشر كذلك , يحمل صنع البشر من القابلية للصواب والخطأ أيضا . . والإسلام منهج حياة يشمل التصور الاعتقادي , والنظام الاجتماعي الاقتصادي , والنظام التنفيذي والتشكيلي . . وهو من صنع الله المبرأ من النقص والعيب . . فأين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لمنهج الله - سبحانه - عند البشر بوصفه بصفة من أعمال البشر ? بل أين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لله - سبحانه - عند العبيد بقول من أقوال هؤلاء العبيد ?! . .
لقد كان كل شرك المشركين في الجاهلية العربية أنهم يستشفعون عند الله ببعض خلقه . . يتخذونهم أولياء:
(والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . .)فهذا هو الشرك ! فما الوصف الذي يطلق إذن على الذين لا يستشفعون لأنفسهم عند الله بأولياء من عبيده , ولكنهم - ويا للنكر والبشاعة ! - يستشفعون لله - سبحانه - عند العبيد بمذهب أو منهج من مذاهب العبيد ومناهجهم ?!
إن الإسلام هو الإسلام . والاشتراكية هي الاشتراكية . والديمقراطية هي الديمقراطية . . ذلك منهج الله ولا عنوان له ولا صفة إلا العنوان الذي جعله الله له , والصفة التي وصفه بها . . وهذه وتلك من مناهج البشر . ومن تجارب البشر . . وإذا اختاروها فليختاروها على هذا الأساس . . ولا ينبغي لصاحب الدعوة إلى دين الله , أن يستجيب لإغراء الزي الرائج من أزياء الهوى البشري المتقلب . وهو يحسب أنه يحسن إلى دين الله !
على أننا نسأل هؤلاء الذين هان عليهم دينهم , ولم يقدروا الله حق قدره . . إذا كنتم تقدمون الإسلام اليوم للناس باسم الاشتراكية , وباسم الديمقراطية , لأن هذين زيان من أزياء الاتجاهات المعاصرة . فلقد كانت الرأسمالية في فترة من الفترات هي الزي المحبوب عند الناس وهم يخرجون بها من النظام الإقطاعي ! كما كانالحكم المطلق في فترة من الفترات هو الزي المطلوب في فترة التجميع القومي للولايات المتناثرة كما في ألمانيا وإيطاليا أيام بسمرك وماتزيني مثلا ! وغدا من يدري ماذا يكون الزي الشائع من الأنظمة الاجتماعية الأرضية وأنظمة الحكم التي يضعها العبيد للعبيد , فكيف يا ترى ستقولون غدا عن الإسلام ? لتقدموه للناس في الثوب الذي يحبه الناس ?!
إن التوجيه القرآني في هذه الموجة التي نحن بصددها - وفي غيرها كذلك - يشمل هذا كله . . إنه يريد أن يستعلي صاحب الدعوة بدينه ; فلا يستجيب لاقتراحات المقترحين ; ولا يحاول تزيين هذا الدين بغير اسمه وعنوانه ; ولا مخاطبة الناس به بغير منهجه ووسيلته . . إن الله غني عن العالمين . ومن لم يستجب لدينه عبودية له , وانسلاخا من العبودية لسواه , فلا حاجة لهذا الدين به , كما أنه لا حاجة لله - سبحانه - بأحد من الطائعين أو العصاة .
ثم إنه إذا كان لهذا الدين أصالته من ناحية مقوماته وخصائصه , التي يريد الله أن تسود البشرية . فإن له كذلك أصالته في منهجه في العمل , وفي أسلوبه في خطاب الفطرة البشرية . . إن الذي نزل هذا الدين بمقوماته وخصائصه , وبمنهجه الحركي وأسلوبه , هو - سبحانه - الذي خلق الإنسان , ويعلم ما توسوس به نفسه . .
وفي هذه الموجة من السورة نموذج من مخاطبته للفطرة الإنسانية . . نموذج من نماذج متنوعة شتى . . فهو يربط الفطرة البشرية بالوجود الكوني , ويدع الإيقاعات الكونية تواجه الفطرة البشرية , ويثير انتباه الكينونة البشرية لتلقي هذه الإيقاعات . . وهو يعلم أنها تستجيب لها متى بلغتها بعمقها وقوتها: (إنما يستجيب الذين يسمعون). .
والنموذج الذي يواجهنا في هذه الموجة هو:
(وقالوا:لولا نزل عليه آية من ربه ! قل:إن الله قادر على أن ينزل آية . ولكن أكثرهم لا يعلمون). .
وفي هذه الآية يحكي قول الذين يكذبون ويعارضون ويطلبون خارقة يراها جيلهم وتنتهي . . ثم يلمس قلوبهم بما يكمن وراء هذا الاقتراح لو أجيب ! إنه الأخذ والتدمير ! والله قادر على أن ينزل الآية . . ولكن رحمته هي التي اقتضت ألا ينزلها , وحكمته هي التي اقتضت ألا يستجيب لهم فيها . .
وفجأة ينقلهم من هذا الركن الضيق في التصور والتفكير , إلى الكون الواسع . إلى الآيات الكبرى من حولهم . الآيات التي تتضاءل دونها تلك الآية التي يطلبونها . الآيات الباقية في صلب الكون للأجيال كلها من قبلهم ومن بعدهم تراها:
(وما من دابة في الأرض , ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم . ما فرطنا في الكتاب من شيء . ثم إلى ربهم يحشرون). .
وهي حقيقة هائلة . . هي حقيقة تستطيع ملاحظتهم وحدها حينذاك - حيث لم يكن لهم علم منظم - أن تشهد بها . . حقيقة تجمع الحيوان والطير والحشرات من حولهم في أمم . . لها سماتها وخصائصها وتنظيماتها كذلك . . وهي الحقيقة التي تتسع مساحة رؤيتها كلما تقدم علم البشر , ولكن علمهم لا يزيد شيئا على أصلها ! وإلى جانبها الحقيقة الغيبية الموصولة بها , وهي إحاطة علم الله اللدني بكل شيء , وتدبير الله لكل شيء . . وهي الحقيقة التي تشهد بها تلك الحقيقة المشهودة . .
فأين تذهب الخارقة المادية التي كانوا يطلبون , أمام الخارقة الكبرى التي يرونها حيثما امتدت أبصارهم وملاحظتهم وقلوبهم فيما كان وفيما سيكون ?
إن المنهج القرآني - في هذا النموذج - لا يزيد على أن يربط الفطرة بالوجود , وأن يفتح النوافذ بين الوجود والفطرة , وأن يدع هذا الوجود الهائل العجيب يوقع إيقاعاته الهائلة العميقة في الكيان الإنساني . .
إنه لا يقدم للفطرة جدلا لاهوتيا ذهنيا نظريا . ولا يقدم لها جدلا كلاميا [ كعلم التوحيد ] الغريب على المنهج الإسلامي . ولا يقدم لها فلسفة عقلية أو حسية , إنما يقدم لها هذا الوجود الواقعي - بعالميه عالم الغيب وعالم الشهادة - ويدعها تتفاعل معه وتتجاوب , وتتلقى عنه وتستجيب , ولكن في ظل منهج ضابط لا يدعها - وهي تتلقى من الوجود - تضل في المتاهات والدروب .
ثم يختم الفقرة بالتعقيب على موقف المكذبين بهذه الآيات الكبرى:
(والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات . من يشأ الله يضلله , ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم). .
فيقرر حقيقة حالة المكذبين وطبيعتهم . . إنهم صم وبكم في الظلمات . . ويقرر سنة الله في الهدى والضلال . . إنها تعلق مشيئة الله بهذا أو ذاك , وفق الفطرة التي فطر الله عليها العباد .
بذلك تلتئم جوانب التصور الإسلامي للأمر كله . إلى جانب وضوح المنهج في الدعوة , وتقرير موقف صاحب الدعوة , وهو يتحرك بهذه العقيدة , ويواجه النفوس البشرية في كل حال وفي كل جيل . .
ولعل هذه اللمسات - إلى جانب ما تقدم في مقدمة السورة - عن المنهج يكون فيها ما ينير الطريق . وبالله التوفيق . .
الوحدة السادسة:40 - 49 الموضوع:لجوء الناس إلى الله عند الشدة والإبتلاء مقدمة الوحدة مواجهة المشركين بفطرتهم
هنا - في هذه الموجه - يواجه السياق القرآني فطرة المشركين ببأس الله . بل يواجههم بفطرتهم ذاتها حين تواجه بأس الله . . حين تتعرى من الركام في مواجهة الهول , وحين يهزها الهول فيتساقط عنها ذلك الركام ! وتنسى حكاية الآلهة الزائفة ; وتتجه من فورها إلى ربها الذي تعرفه في قرارتها تسأله وحده الخلاص والنجاة !
ثم يأخذ بأيديهم ليوقفهم على مصارع الغابرين من أسلافهم , وفي الطريق يريهم كيف تجري سنة الله , وكيف يعمل قدر الله . ويكشف لأبصارهم وبصائرهم عن استدراج الله لهم , بعد تكذيبهم برسل الله , وكيف قدم لهم الابتلاء بعد الابتلاء - الابتلاء بالبأساء والضراء , ثم الابتلاء بالرخاء والنعماء - وأتاح لهم الفرصة بعد الفرصة , لينتبهوا من الغفلة , حتى إذا استنفدوا الفرص كلها , وغرتهم النعمة بعد أن لم توقظهم الشدة . جرى قدر الله , وفق سنته الجارية وجاءهم العذاب بغتهSadفقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين).
وما يكاد هذا المشهد الذي يهز القلوب هزا يتوارى , حتى يجيء في أعقابه مشهد آخر وهم يتعرضون لبأس الله أيضا , فيأخذ سمعهم وأبصارهم , ويختم على قلوبهم , ثم لا يجدون إلها غير الله يرد عليهم سمعهم وأبصارهم وإدراكهم .
وفي مواجهة هذين المشهدين الرائعين الهائلين يتحدث إليهم عن وظيفة الرسل . . إنها البشارة والنذارة . . ليس وراء ذلك شيء . . ليس لهم أن يأتوا بالخوارق , ولا أن يستجيبوا لمقترحات المقترحين ! إنما هم يبلغون . يبشرون وينذرون . ثم يؤمن فريق من الناس ويعمل صالحا فيأمن الخوف وينجو من الحزن . ويكذب فريق ويعرض فيمسه العذاب بهذا الإعراض والتكذيب . فمن شاء فليؤمن , ومن شاء فليكفر . . فهذا هو المصير . .
الدرس الأول:40 - 41 لجوء الناس إلى الله عند الشدة
(قل:أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة , أغير الله تدعون - إن كنتم صادقين - بل إياه تدعون , فيكشف ما تدعون إليه - إن شاء - وتنسون ما تشركون). .
هذا طرف من وسائل المنهج الرباني في خطاب الفطرة الإنسانية بهذه العقيدة يضم إلى ذلك الطرف الذي سبق بيانه في الفقرة السابقة وفيما قبلها وما بعدها كذلك في سياق السورة .
لقد خاطبها هناك بما في عوالم الأحياء من آثار التدبير الإلهي والتنظيم ; وبما في علم الله من إحاطة وشمول . وهو هنا يخاطبها ببأس الله ; وبموقف الفطرة إزاءه حين يواجهها في صورة من صورة الهائلة , التي تهز القلوب , فيتساقط عنها ركام الشرك ; وتتعرى فطرتها من هذا الركام الذي يحجب عنها ما هو مستقر في أعماقها من معرفتها بربها , ومن توحيدها له أيضا:
(قل:أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة . . أغير الله تدعون . . إن كنتم صادقين). .
إنها مواجهة الفطرة بتصور الهول . . عذاب الله في الدنيا عذاب الهلاك والدمار ; أو مجيء الساعة على غير انتظار . . والفطرة حين تلمس هذه اللمسة ; وتتصور هذا الهول ; تدرك - ويعلم الله سبحانه أنها تدرك -


قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)
حقيقة هذا التصور , وتهتز له ; لأنه يمثل حقيقة كامنة فيها , يعلم بارئها سبحانه أنها كامنة فيها ويخاطبها بها على سبيل التصور ; فتهتز لها وترتجف وتتعرى !
وهو يسألهم ويطلب إليهم الجواب بالصدق من ألسنتهم ; ليكون تعبيرا عن الصدق في فطرتهم:
(أغير الله تدعون . . إن كنتم صادقين).
ثم يبادر فيقرر الجواب الصادق , المطابق لما في فطرتهم بالفعل , ولو لم تنطق به ألسنتهم:
(بل إياه تدعون . . فيكشف ما تدعون إليه إن شاء . . وتنسون ما تشركون).
بل تدعونه وحده ; وتنسون شرككم كله ! . . إن الهول يعري فطرتكم - حينئذ - فتتجه بطلب النجاة إلى الله وحده . وتنسى أنها أشركت به أحدا . بل تنسى هذا الشرك ذاته . . إن معرفتها بربها هي الحقيقة المستقرة فيها ; فأما هذا الشرك فهو قشرة سطحية طارئة عليها , بفعل عوامل أخرى . قشرة سطحية في الركام الذي ران عليها . فإذا هزها الهول تساقط هذا الركام , وتطايرت هذه القشرة , وتكشفت الحقيقة الأصيلة , وتحركت الفطرة حركتها الفطرية نحو بارئها , ترجوه أن يكشف عنها الهول الذي لا يد لها به , ولا حيلة لها فيه . .
هذا شأن الفطرة في مواجهة الهول ; يواجه السياق القرآني به المشركين . . فأما شأن الله - سبحانه - فيقرره في ثنايا المواجهة . فهو يكشف ما يدعونه إليه - إن شاء - فمشيئته طليقة , لا يرد عليها قيد . فإذا شاء استجاب لهم فكشف عنهم ما يدعون كله أو بعضه ; وإن شاء لم يستجب , وفق تقديره وحكمته وعلمه .
هذا هو موقف الفطرة من الشرك الذي تزاوله أحيانا , بسبب ما يطرأ عليها من الانحراف , نتيجة عوامل شتى , تغطي على نصاعة الحقيقة الكامنة فيها . . حقيقة اتجاهها إلى ربها ومعرفتها بوحدانيته . . فما هو موقفها من الإلحاد وإنكار وجود الله أصلا ?
نحن نشك شكا عميقا - كما قلنا من قبل - في أن أولئك الذين يمارسون الإلحاد في صورته هذه صادقون فيما يزعمون أنهم يعتقدونه . نحن نشك في أن هناك خلقا أنشأته يد الله , ثم يبلغ به الأمر حقيقة أن ينطمس فيه تماما طابع اليد التي أنشأته ; وفي صميم كينونته هذا الطابع , مختلطا بتكوينه متمثلا في كل خلية وفي كل ذرة !
إنما هو التاريخ الطويل من العذاب البشع , ومن الصراع الوحشي مع الكنيسة , ومن الكبت والقمع , ومن أنكار الكنيسة للدوافع الفطرية للناس مع استغراقها هي في اللذائذ المنحرفة . . إلى آخر هذا التاريخ النكد الذي عاشته أوربا قرونا طويلة . . هو الذي دفع الأوربيين في هذه الموجة من الإلحاد في النهاية . . فرارا في التية , من الغول الكريه .
ذلك إلى استغلال اليهود لهذا الواقع التاريخي ; ودفع النصارى بعيدا عن دينهم ; ليسلس لهم قيادهم , ويسهل عليهم إشاعة الانحلال والشقاء فيهم , وليتيسر لهم استخدامهم - كالحمير - على حد تعبير "التلمود" و"بروتوكولات" حكماء صهيون " . . وما كان اليهود ليبلغوا من هذا كله شيئا إلا باستغلال ذلك التاريخ الأوربي النكد , لدفع الناس إلى الإلحاد هربا من الكنيسة .
ومع كل هذا الجهد الناصب , المتمثل في محاولة "الشيوعية " - وهي إحدى المنظمات اليهودية - لنشر الإلحاد , خلال أكثر من نصف قرن , بمعرفة كل أجهزة الدولة الساحقة , فإن الشعب الروسي نفسه لم يزل


وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)
في أعماق فطرته الحنين إلى عقيدة في الله . . ولقد اضطر "ستالين" الوحشي - كما يصوره خلفه خروشوف ! - أن يهادن الكنسية , في أثناء الحرب العالمية الثانية , وأن يفرج عن كبير الأساقفة , لأن ضغط الحرب كان يلوي عنقه للاعتراف للعقيدة في الله بأصالتها في فطرة الناس . . مهما يكن رأيه ورأي القليلين من الملحدين من ذوي السلطان حوله .
ولقد حاول اليهود - بمساعدة "الحمير" الذين يستخدمونهم من الصليبيين - أن ينشروا موجة من الإلحاد في نفوس الأمم التي تعلن الإسلام عقيدة لها ودينا . ومع أن الإسلام كان قد بهت وذبل في هذه النفوس . . فإن الموجة التي أطلقوها عن طريق "البطل" أتاتورك في تركيا . . انحسرت على الرغم من كل ما بذلوه لها - وللبطل - من التمجيد والمساعدة . وعلى كل ما ألفوه من الكتب عن البطل والتجربة الرائدة التي قام بها . . ومن ثم استداروا في التجارب الجديدة يستفيدون من تجربة أتاتورك , ألا يرفعوا على التجارب الرائدة راية الإلحاد . إنما يرفعون عليها راية الإسلام . كي لا تصدم الفطرة , كما صدمتها تجرية أتاتورك . ثم يجعلون تحت هذه الراية ما يريدون من المستنقعات والقاذورات والانحلال الخلقي , ومن أجهزة التدمير للخامة البشرية بجملتها في الرقعة الإسلامية .
غير إن العبرة التي تبقى من وراء ذلك كله , هي أن الفطرة تعرف ربها جيدا , وتدين له بالوحدانية , فإذا غشي عليها الركام فترة , فإنها إذا هزها الهول تساقط عنها ذلك الركام كله وتعرت منه جملة , وعادت إلى بارئها كما خلقها أول مرة . . مؤمنة طائعة خاشعة . . أما ذلك الكيد كله فحسبه صيحة حق تزلزل قوائمه , وترد الفطرة إلى بارئها سبحانه . ولن يذهب الباطل ناجيا , وفي الأرض من يطلق هذه الصيحة . ولن يخلوا وجه الأرض مهما جهدوا ممن يطلق هذه الصيحة .
الدرس الثاني:42 - 45 حكمة الإبتلاء بالبأساء والضراء
(ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك , فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون . فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا , ولكن قست قلوبهم , وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون . فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء , حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين).
إنها المواجهة بنموذج من بأس الله سبحانه . نموذج من الواقع التاريخي . نموذج يعرض ويفسر كيف يتعرض الناس لبأس الله , وكيف تكون عاقبة تعرضهم له , وكيف يمنحهم الله الفرصة بعد الفرصة , ويسوق إليهم التنبيه بعد التنبيه ; فإذا نسوا ما ذكروا به , ولم توجههم الشدة إلى التوجه إلى الله والتضرع له , ولم توجههم النعمة إلى الشكر والحذر من الفتنة , كانت فطرتهم قد فسدت الفساد الذي لا يرجى معه صلاح , وكانت حياتهم قد فسدت الفساد الذي لا تصلح معه للبقاء . فحقت عليهم كلمة الله . ونزل بساحتهم الدمار الذي لا تنجو منه ديار . .
(ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك , فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون . فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم , وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون). .
ولقد عرف الواقع البشري كثيرا من هذه الأمم , التي قص القرآن الكريم على الإنسانية خبر الكثير منها , قبل أن يولد "التاريخ" الذي صنعه الإنسان ! فالتاريخ الذي سجله بنو الإنسان حديث المولد , صغير السن , لا يكاد يعي إلا القليل من التاريخ الحقيقي للبشر على ظهر هذه الأرض ! وهذا التاريخ الذي صنعه البشر حافل -


فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (43)
على قصره - بالأكاذيب والأغاليط ; وبالعجز والقصور عن الإحاطة بجميع العوامل المنشئة والمحركة للتاريخ البشري ; والتي يكمن بعضها في أغوار النفس , ويتوارى بعضها وراء ستر الغيب , ولا يبدو منها إلا بعضها , وهذا البعض يخطى ء البشر في جمعه , ويخطئون في تفسيره , ويخطئون أيضا في تمييز صحيحه من زائفة - إلا قليلا - ودعوى أي بشر أنه أحاط بالتاريخ البشري علما , وأنه يملك تفسيره تفسيرا "علميًا" وأنه يجزم بحتمياته المقبلة أيضا . . هي أكبر أكذوبة يمكن أن يدعيها بشر ! ومن عجب أن بعضهم يدعيها ! والأشد إثارة للعجب أن بعضهم يصدقها ! ولو قال ذلك المدعي:إنه يتحدث عن [ توقعات ] لا عن [ حتميات ] لكان ذلك مستساغا . . ولكن إذا وجد المفتري من المغفلين من يصدقه فلماذا لا يفتري ?!
والله يقول الحق ; ويعلم ماذا كان , ولماذا كان . ويقص على عبيده - رحمة منه وفضلا - جانبا من أسرار سنته وقدره ; ليأخذوا حذرهم ويتعظوا ; وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة ; يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيرا كاملا صحيحا . ومن وراء هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون , استنادا إلى سنة الله التي لا تتبدل . . هذه السنة التي يكشف الله لهم عنها . .
وفي هذه الآيات تصوير وعرض لنموذج متكرر في أمم شتى . . أمم جاءتهم رسلهم . فكذبوا . فأخذهم الله بالبأساء والضراء . في أموالهم وفي أنفسهم . في أحوالهم وأوضاعهم . . البأساء والضراء التي لا تبلغ أن تكون "عذاب الله" الذي تحدثت عنه الآية السابقة , وهو عذاب التدمير والاستئصال . .
وقد ذكر القرآن نموذجا محددا من هذه الأمم , ومن البأساء والضراء التي أخذها بها . . في قصة فرعون وملئهSadولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون . فإذا جاءتهم الحسنة قالوا:لنا هذه , وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه . ألا إنما طائرهم عند الله , ولكن أكثرهم لا يعلمون . وقالوا:مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين . فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم , آيات مفصلات , فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين). .
وهو نموذج من نماذج كثيرة تشير إليها الآية . .
لقد أخذهم الله بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم ; وينقبوا في ضمائرهم وفي واقعهم , لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله , ويتذللون له , وينزلون عن عنادهم واستكبارهم , ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة , فيرفع الله عنهم البلاء , ويفتح لهم أبواب الرحمة . . ولكنهم لم يفعلوا ما كان حريا أن يفعلوا . لم يلجأوا إلى الله , ولم يرجعوا عن عنادهم , ولم ترد إليهم الشدة وعيهم , ولم تفتح بصيرتهم , ولم تلين قلوبهم . وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من الضلال والعناد:
(ولكن قست قلوبهم , وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون). .
والقلب الذي لا ترده الشدة إلى الله قلب تحجر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة ! ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس ! وتعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية فيه , فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة , التي تنبه القلوب الحية للتلقي والاستجابة . والشدة ابتلاء من الله للعبد ; فمن كان حيا أيقظته , وفتحت مغاليق قلبه , وردته إلى ربه ; وكانت رحمه له من الرحمة التي كتبها الله على نفسه . . ومن كان ميتا حسبت عليه , ولم تفده شيئا , وإنما أسقطت عذرة وحجته , وكانت عليه شقوة , وكانت موظئة للعذاب !
وهذه الأمم التي يقص الله - سبحانه - من أنبائها على رسوله [ ص ] ومن وراءه من أمته . . لم تفد من الشدة شيئا . لم تتضرع إلى الله , ولم ترجع عما زينه لها الشيطان من الإعراض والعناد . . وهنا يملي


فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)
لها الله - سبحانه - ويستدرجها بالرخاء:
(فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء . حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة , فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا , والحمد لله رب العالمين). .
إن الرخاء ابتلاء آخر كابتلاء الشدة . وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة ! والله يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة . يبتلي الطائعين والعصاة سواء . بهذه وبذاك سواء . . والمؤمن يبتلى بالشدة فيصبر , ويبتلى بالرخاء فيشكر . ويكون أمره كله خيرا . . وفي الحديث:" عجبًا للمؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن , إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له , وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " [ رواه مسلم ] .
فأما هذه الأمم التي كذبت بالرسل , والتي يقص الله من أنبائها هنا . فإنهم لما نسوا ما ذكروا به , وعلم الله - سبحانه - أنهم مهلكون , وابتلاهم بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا . . فأما هؤلاء فقد فتح عليهم أبواب كل شيء للاستدراج بعد الابتلاء . .
والتعبير القرآني: (فتحنا عليهم أبواب كل شيء). . يصور الأرزاق والخيرات , والمتاع , والسلطان . . متدفقة كالسيول ; بلا حواجز ولا قيود ! وهي مقبلة عليهم بلا عناء ولا كد ولا حتى محاولة !
إنه مشهد عجيب ; يرسم حالة في حركة ; على طريقة التصوير القرآني العجيب .
(حتى إذا فرحوا بما أوتوًا). .
وغمرتهم الخيرات والأرزاق المتدفقة ; واستغرقوا في المتاع بها والفرح لها - بلا شكر ولا ذكر - وخلت قلوبهم من الاختلاج بذكر المنعم ومن خشيته وتقواه ; وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع واستسلموا للشهوات , وخلت حياتهم من الاهتمامات الكبيرة كما هي عادة المستغرقين في اللهو والمتاع . وتبع ذلك فساد النظم والأوضاع , بعد فساد القلوب والأخلاق ; وجر هذا وذلك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها . . عندئذ جاء موعد السنة التي لا تتبدل:
(أخذناهم بغتة , فإذا هم مبلسون). .
فكان أخذهم على غرة ; وهم في سهوة وسكرة . فإذا هم حائرون منقطعو الرجاء في النجاة عاجزون عن التفكير في أي اتجاه . واذا هم مهلكون بجملتهم حتى آخر واحد منهم .
(فقطع دابر القوم الذين ظلموًا). .
ودابر القوم هو آخر واحد منهم يدبرهم أي يجيء على أدبارهم فإذا قطع هذا فأوائلهم أولى ! . . و (الذين ظلموا)تعني هنا الذين أشركوا . . كما هو التعبير القرآني في أغلب المواضع عن الشرك بالظلم وعن المشركين بالظالمين . .
(والحمد لله رب العالمين). .
تعقيب على استئصال الظالمين [ المشركين ] بعد هذا الاستدراج الإلهي والكيد المتين . . وهل يحمد الله على نعمة , أجل من نعمة تطهير الأرض من الظالمين , أو على رحمة أجل من رحمته لعباده بهذا التطهير ?
لقد أخذ الله قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط , كما أخذ الفراعنة والإغريق والرومان وغيرهم بهذه السنة ; ووراء ازدهار حضارتهم ثم تدميرها , ذلك السر المغيب من قدر الله ; وهذا القدر الظاهر من سنته ; وهذا التفسير الرباني لهذا الواقع التاريخي المعروف .
ولقد كان لهذه الأمم من الحضارة ; وكان لها من التمكين في الأرض ; وكان لها من الرخاء والمتاع ; ما لا يقل - إن لم يزد في بعض نواحيه - عما تتمتع به اليوم أمم ; مستغرقة في السلطان والرخاء والمتاع ; مخدوعة بما هي فيه ; خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله في الشدة والرخاء . .
هذه الأمم لا تدرك أن هناك سنة , ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السنة . والذين يدورون في فلكها يبهرهم اللألاء الخاطف , ويتعاظمهم الرخاء والسلطان , ويخدعهم إملاء الله لهذه الأمم , وهي لا تعبد الله أو لا تعرفه , وهي تتمرد على سلطانه , وهي تدعي لأنفسها خصائص ألوهيته , وهي تعيث في الأرض فسادا , وهي تظلم الناس بعد اعتدائها على سلطان الله . .
ولقد كنت - في أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية - أرى رأي العين مصداق قول الله سبحانه: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء). . فإن المشهد الذي ترسمه هذه الآية . . مشهد تدفق كل شيء من الخيرات والأرزاق بلا حساب ! . . لا يكاد يتمثل في الأرض كلها كما يتمثل هناك !
وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه , وشعورهم بأنه وقف على "الرجل الأبيض" وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة , وفي وحشية كذلك بشعة ! وفي صلف على أهل الارض كلهم لا يقاس إليه صلف النازية الذي شهر به اليهود في الأرض كلها حتى صار علما على الصلف العنصري . بينما الأمريكي الأبيض يزاوله تجاه الملونين في صورة أشد وأقسى ! وبخاصة إذا كان هؤلاء الملونون من المسلمين . .
كنت أرى هذا كله فأذكر هذه الآية , وأتوقع سنة الله , وأكاد أرى خطواتها وهي تدب إلى الغافلين:
(حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين). .
وإذا كان الله قد رفع عذاب الاستئصال بعد بعثة رسول الله [ ص ] فهناك ألوان من العذاب باقية . والبشرية - وبخاصة الأمم التي فتحت عليها أبواب كل شيء - تذوق منها الكثير . على الرغم من هذا النتاج الوفير , ومن هذا الرزق الغزير !
إن العذاب النفسي , والشقاء الروحي , والشذوذ الجنسي , والانحلال الخلقي . . الذي تقاسي منه هذه الأمم اليوم , ليكاد يغطي على الإنتاج والرخاء والمتاع ; وليكاد يصبغ الحياة كلها بالنكد والقلق والشقاء ! ذلك إلى جانب الطلائع التي تشير إليها القضايا الأخلاقية السياسية , التي تباع فيها أسرار الدولة , وتقع فيها الخيانة للأمة , في مقابل شهوة أو شذوذ . . وهي طلائع لا تخطى ء على نهاية المطاف !
وليس هذا كله إلا بداية الطريق . . وصدق رسول الله [ ص ] قال:" إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا - على معاصيه - ما يحب . فإنما هو استدراج " . . ثم تلاSadفلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء . حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون). . [ رواه ابن جرير , وابن أبى حاتم ] .
غير أنه ينبغي , مع ذلك , التنبية إلى أن سنة الله في تدمير [ الباطل ] أن يقوم في الأرض [ حق ] يتمثل في [ أمة ] . . ثم يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغة فإذاهو زاهق . . فلا يقعدن أهل الحق كسالى يرتقبون


قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)
أن تجري سنة الله بلا عمل منهم ولا كد . فإنهم حينئذ لا يمثلون الحق , ولا يكونون أهله . . وهم كسالى قاعدون . . . والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم لتقر حاكمية الله في الأرض , وتدفع المغتصبين لها من الذين يدعون خصائص الألوهية . . هذا هو الحق الأول , والحق الأصيل . . (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض). .
الدرس الثالث 46 - 47 عجز الناس عن دفع عذاب الله
بعد ذلك يقف السياق القرآني المشركين بالله , أمام بأس الله , في ذوات أنفسهم , في أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم , وهم عاجزون عن رده , وهم لا يجدون كذلك إلها غير الله , يرد عليهم أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم إن أخذها الله منهم:
(قل:أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم , من إله غير الله يأتيكم به ? انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون !). .
وهو مشهد تصويري يجسم لهم عجزهم أمام بأس الله من جانب , كما يصور لهم حقيقة ما يشركون به من دون الله في موقف الجد من جانب . . ولكن هذا المشهد يهزهم من الأعماق . . إن خالق الفطرة البشرية يعلم أنها تدرك ما في هذا المشهد التصويري من جد , وما وراءه من حق . . أنها تدرك أن الله قادر على أن يفعل بها هذا . قادر على أن يأخذ الأسماع والأبصار , وأن يختم على القلوب , فلا تعود هذه الأجهزة تؤدي وظائفها . وأنه - إن فعل ذلك - فليس هناك من إله غيره يرد بأسه . .
وفي ظلال هذا المشهد , الذي يبعث بالرجفة في القلوب والأوصال , ويقرر في الوقت ذاته تفاهة عقيدة الشرك , وضلال اتخاذ الأولياء من دون الله . . في ظلال هذا المشهد يعجب من أمر هؤلاء الذين يصرف لهم الآيات , وينوعها , ثم هم يميلون عنها كالبعير الذي يصدف أي يميل بخفة إلى الجانب الوحشي الخارجي من مرض يصيبه !
(انظر كيف نصرف الآيات , ثم هم يصدفون !). .
وهو تعجيب مصحوب بمشهد الصدوف ! المعروف عند العرب , والذي يذكرهم بمشهد البعير المؤوف ! فيثير في النفس السخرية والاستخفاف والعزوف !
وقبل أن يفيقوا من تأثير ذلك المشهد المتوقع يتلقاهم بتوقع جديد , ليس على الله ببعيد , يريهم فيه مصارعهم - وهم الظالمون:أي المشركون - وهو يرسم مصارع الظالمين حين يباغتهم عذاب الله أو يواجههم ; وحين يأتيهم على غرة أو وهم مستيقظون:
(قل:أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة , هل يهلك إلا القوم الظالمون ?). .
إن عذاب الله يأتي في أية صورة وفي أية حالة . وسواء جاءهم العذاب بغتة وهم غارون لا يتوقعونه , أو جاءهم جهرة وهم صاحون متأهبون . فإن الهلاك سيحل بالقوم الظالمين - أي المشركين كغالبية التعبير في القرآن الكريم - وسينالهم هم دون سواهم . ولن يدفعوه عن أنفسهم سواء جاءهم بغتة أو جهرة . فهم أضعف من أن يدفعوه ولو واجهوه ! ولن يدفعه عنهم أحد ممن يتولونهم من الشركاء . فكلهم من عبيدالله الضعفاء !


وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (49)
وهو توقع يعرضه السياق عليهم ليتقوه , ويتقوا أسبابه قبل أن يجيء . والله - سبحانه - يعلم أن عرض هذا التوقع في هذا المشهد يخاطب الكينونة البشرية خطابا تعرفه في قرارتها , وتعرف ما وراءه من حقيقة ترجف لها القلوب !
الدرس الرابع:48 - 49 وظيفة الرسل البلاغ
وحين تبلغ الموجة أقصى مدها , بعرض هذه المشاهد المتوالية , والتعقيبات الموحية , والإيقاعات التي تحمل الإنذار إلى أعماق السرائر . . تختم ببيان وظيفة الرسل , الذين تطالبهم أقوامهم بالخوارق , وإن هم إلا مبلغين , مبشرين ومنذرين , ثم يكون بعد ذلك من أمر الناس ما يكون , وفق ما يتخذونه لأنفسهم من مواقف يترتب عليها الجزاء الأخير:
(وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين . فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون). .
لقد كان هذا الدين يعد البشرية للرشد العقلي , ويؤهلها لاستخدام هذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان استخداما كاملا في إدراك الحق الذي تنبث آياته في صفحات الوجود , وفي أطوار الحياة , وفي أسرار الخلق ; والذي جاء هذا القرآن لكشفه وتجليته وتوجيه الإدراك البشري أليه . .
وكان هذا كله يقتضي الانتقال بالبشرية من عهد الخوارق الحسية ; التي تلوي الأعناق وتجبر المنكرين على الإذعان , أمام القهر بالخارقة المادية البادية للعيان ! إلى توجيه الإدراك البشري لملاحظة بدائع الصنعة الإلهية في الوجود كله . وهي في ذاتها خوارق معجزة . . ولكنها خوارق دائمة يقوم عليها كيان الوجود , ويتألف منها قوامه . وإلى مخاطبة هذا الإدراك بكتاب من عند الله باهر , معجز في تعبيره ومعجز في منهجه , ومعجز في الكيان الاجتماعي العضوي الحركي الذي يرمي إلى إنشائه على غير مثال . والذي لم يلحق به من بعده أي مثال !
وقد اقتضى هذا الأمر تربية طويلة , وتوجيها طويلا , حتى يألف الإدراك البشري هذا اللون من النقلة , وهذا المدى من الرقي ; وحتى يتجه الإنسان إلى قراءة سفر الوجود بإدراكه البشري , في ظل التوجيه الرباني , والضبط القرآني , والتربية النبوية . . قراءة هذا السفر قراءة غيبية واقعية إيجابية في آن واحد , بعيدة عن منهج التصورات الذهنية التجريدية التي كانت سائدة في قسم من الفلسفة الإغريقية واللاهوت المسيحي , وعن منهج التصورات الحسية المادية التي كانت سائدة في قسم من تلك الفلسفة وفي بعض الفلسفة الهندية والمصرية والبوذية والمجوسية كذلك , مع الخروج من الحسية الساذجة التي كانت سائدة في العقائد الجاهلية العربية !
وجانب من تلك التربية وهذا التوجيه يتمثل في بيان وظيفة الرسول , وحقيقة دوره في الرسالة على النحو الذي تعرضه هاتان الآيتان - كما ستعرضه الموجة التالية في سياق السورة - فالرسول بشر , يرسله الله ليبشر وينذر , وهنا تنتهي وظيفته , وتبدأ استجابة البشر , ويمضي قدر الله ومشيئته من خلال هذه الاستجابة , وينتهي الأمر بالجزاء الإلهي وفق هذه الاستجابة . . فمن آمن وعمل صالحا يتمثل فيه الإيمان , فلا خوف عليه مما سيأتي ولا هو يحزن على ما أسلف . فهناك المغفرة على ما أسلف , والثواب على ما أصلح . . ومن كذب بآيات الله التي جاءه بها الرسول , والتي لفته إليها في صفحات هذا الوجود . يمسهم العذاب بسبب كفرهم , الذي يعبر عنه هنا بقوله: (بما كانوا يفسقون)حيث يعبر القرآن غالبا عن الشرك والكفر بالظلم والفسق في معظم المواضع . .
تصور واضح بسيط لا تعقيد فيه ولا غموض . وبيان محكم عن الرسول ووظيفته وحدود عمله في هذا الدين . . تصور يفرد الله سبحانه بالألوهية وخصائصها ; ويرد إلى مشيئة الله وقدره الأمر كله , ويجعل للإنسان - منخلال ذلك - حرية اتجاهه وتبعة هذا الاتجاه , ويبين مصائر الطائعين لله والعصاة بيانا حاسما ; وينفي كل الأساطير والتصورات الغامضة عن طبيعة الرسول وعمله , مما كان سائدا في الجاهليات . . وبذلك ينقل البشرية إلى عهد الرشد العقلي ; دون أن يضرب بها في تيه الفلسفات الذهنية , والجدل اللاهوتي , الذي استنفذ طاقة الإدراك البشري أجيالا بعد أجيال !!!
الوحدة السابعة:50 - 55 الموضوع:طبيعة الرسول والرسالة وفتنة الكافرين بالمؤمنين مقدمة الوحدة تقديم العقيدة مجردة
هذه الموجة بقية في مواجهة المشركين بحقيقة الرسالة , وطبيعة الرسول ; بمناسبة طلبهم للخوارق - التي ذكرنا نماذج منها في الفقرة السابقة في هذا السياق - وبقية في تصحيح التصورات الجاهلية - والبشرية بصفة عامة - عن الرسالات والرسل ; بعدما عبثت بهذه التصورات جاهليات العرب وغيرهم من الأمم حولهم ; فابتعدت بها عن حقيقة الرسالة وحقيقة النبوة , وحقيقة الوحي , وحقيقة الرسول ; ودخلت بها في خرافات وأساطير وأوهام وأضاليل ; حتى اختلطت النبوة بالسحر والكهانة , واختلط الوحي بالجن والجنون أيضا ! وأصبح يطلب من النبي أن يتنبأ بالغيب , وأن يأتي بالخوارق ; وأن يصنع ما عهد الناس أن يصنعه صاحب الجن والساحر ! . . ثم جاءت العقيدة الإسلامية لتقذف بالحق على الباطل فتدمغة فإذا هو زاهق , ولترد إلى التصور الإيماني وضوحه وبساطته وصدقه وواقعيته , ولتخلص صورة النبوة وصورة النبي من تلك الخرافات والأساطير والأوهام والأضاليل , التي شاعت في الجاهليات كلها . وكان أقربها إلى مشركي العرب جاهليات أهل الكتاب من اليهود والنصارى على اختلاف الملل والنحل بينهم , وكلها تشترك في تشويه صورة النبوة وصورة النبي أقبح تشويه !
وبعد بيان حقيقة الرسالة وحقيقة الرسول , وتقديمها للناس مبرأة من كل ما علق بصورة النبوة وصورة النبي من أوهام وأضاليل . يقدم القرآن عقيدته للناس مجردة من كل إغراء خارج عن طبيعتها , ومن كل زينة زائدة عن حقيقتها . . فالرسول الذي يقدمها للناس بشر , لا يملك خزائن الله , ولا يعلم الغيب , ولا يقول لهم:إني ملك . . وهو لا يتلقى إلا من ربه , ولا يتبع إلا ما يوحى إليه منه . والذين يقبلون دعوته هم أكرم البشر عند الله , وعليه أن يلزمهم , وأن يهش لهم , وأن يبلغهم ما كتبه الله لهم على نفسه من الرحمة والمغفرة . كما أن عليه إنذار الذين تتحرك ضمائرهمم من خشية الآخرة ; ليصلوا إلى مرتبة التقوى , وفي هذا وذلك تنحصر وظيفته , كما أنه في "البشرية " وفي "تلقي الوحي" تنحصر حقيقته . فتصح في التصورات حقيقته ووظيفته جميعا . . ثم إنه بهذا التصحيح , وبهذا الإنذار , تستبين سبيل المجرمين , عند مفرق الطريق , ويتضح الحق والباطل , وينكشف الغموض والوهم حول طبيعة الرسول وحول حقيقة الرسالة , كما ينكشف الغموض حول حقيقة الهدى وحقيقة الضلال , وتتم المفاصلة بين المؤمنين وغير المؤمنين في نور وفي يقين .
وفي ثنايا الإفصاح عن هذه الحقائق يعرض السياق حوانب من حقيقة الألوهية , وعلاقة الرسول بها , وعلاقة الناس جميعا - الطائعين منهم والعصاة - ويتحدث عن طبيعة الهدى وطبيعة الضلال عن هذه الحقيقة . فالهدى إليها بصر والضلال عنها عمى . والله كتب على نفسه الرحمة متمثلة في التوبة على عباده والمغفرة لما يرتكبونه من المعاصي في جهالة متى تأبوا منها وأصلحوا بعدها . وهو يريد أن تستبين سبيل المجرمين , فيؤمن من يؤمن عن بينة , ويضل من يضل عن بينة , ويتخذ الناس مواقفهم في وضوح لا تغشيه الأوهام والظنون . .
الدرس الأول:50 طبيعة الرسول وحدود وصلاحيته
(قل:لا أقول لكم:عندي خزائن الله , ولا أعلم الغيب , ولا أقول لكم:إني ملك . إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل:هل يستوي الأعمى والبصير ? أفلا تتفكرون). .
لقد كان المعاندون من قريش يطلبون أن يأتيهم رسول الله [ ص ] بآية من الخوارق يصدقونه بها - وهم كانوا كما أسلفنا يعلمون صدقه ولا يشكون فيه - وتارة كانوا يطلبون أن تكون هذه الآية تحويل الصفا والمروة ذهبا ! وتارة تكون إبعادهما عن مكة ليصبح مكانهما خصبا مخضرا بالزروع والثمار ! وتارة تكون إنباءهم بما سيقع لهم من أحداث مغيبة ! وتارة تكون طلب إنزال ملك عليه ! وتارة تكون طلب كتاب مكتوب في قرطاس يرونه يتنزل عليه من السماء . . إلى آخر هذه المطالب التي يوارون وراءها تعنتهم وعنادهم !
ولكن هذه المطالب كلها إنما كانوا يصوغون فكرتها من تلك الأوهام والأساطير التي أحاطت بصورة النبوة وصورة النبي في الجاهليات من حولهم , وأقربها إليهم أوهام أهل الكتاب وأساطيرهم حول النبوة , بعدما انحرفوا عما جاءتهم به رسلهم من الحق الواضح في هذه الأمور . .

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية: 20
عدد المساهمات: 7431
المهارة: 41704
تاريخ التسجيل: 16/04/2010
الكفاءة: 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 9:20 pm

ولقد شاعت في الجاهليات المتنوعة صور من "النبوءات" الزائفة , يدعيها "متنبئون" ويصدقها مخدوعون . . ومن بينها نبوءات السحر والكهانة والتنجيم والجنون ! حيث يدعي المتنبئون قدرتهم على العلم بالغيب , والاتصال بالجن والأرواح , وتسخير نواميس الطبيعة بالرقى والتعاويذ , أو بالدعوات والصلوات , أو بغيرها من الوسائل والأساليب . وتتفق كلها في الوهم والضلالة , وتختلف بعد ذلك في النوع والشكل والمراسم والأساليب .
"فنبوءة السحر يغلب عليها أنها موكلة بالأرواح الخبيثة تسخرها للاطلاع على المجهول أو السيطرة على الحوادث والأشياء . ونبوءة الكهانة يغلب عليها أنها موكلة "بالأرباب ! " لا تطيع الكاهن , ولكنها تلبي دعواته وصلواته وتفتح لها مغالق المجهول في يقظته أو منامه , وترشده بالعلامات والأحلام , ولا تلبي سائرالدعوات والصلوات ! ولكنهما - نبوءة السحر ونبوءة الكهانة - تخالفان نبوة الجذب والجنون المقدس . لأن الساحر والكاهن يدريان بما يطلبان , ويريدان قصدا ما يطلبانه بالعزائم والصلوات , ولكن المصاب بالجذب أو الجنون المقدس مغلوب على أمره , ينطلق لسانه بالعبارات المبهمة وهو لا يعنيها , ولعله لايعيها . ويكثر بين الأمم التي تشيع فيها نبوة الجذب أن يكون مع المجذوب مفسر يدعي العلم بمغزى كلامه , ولحن رموزه وإشاراته . وقد كانوا في اليونان يسمون المجذوب "مانتي" "" ويسمون المفسر:"بروفيت" "" أى المتكلم بالنيابة عن غيره . ومن هذه الكلمة نقل الأوربيون كلمة النبوة بجميع معانيها . وقلما يتفق الكهنة والمجذوبون , إلا أن يكون الكاهن متوليا للتفسير والتعبير عن مقاصد المجذوب , ومضامين رموزه وإشاراته . ويحدث في أكثر الأحيان أن يختلفا ويتنازعا لأنهما مختلفان بوظيفتهما الاجتماعية مختلفان بطبيعة النشأة والبيئة . فالمجذوب ثائر لا يتقيد بالمراسم والأوضاع المصطلح عليها , والكاهن محافظ يتلقى علمه الموروث في أكثر الأحيان من آبائه وأجداده . وتتوقف الكهانة على البيئة التي تنشأ فيها الهياكل والصوامع المقصودة في الأرجاء القريبة والبعيدة ; ولا يتوقف الجذب على هذه البيئة , لأنه قد يعتري صاحبه في البرية , كما يعتريه في الحاضر المقصود من أطراف البلاد" .
"وقد كثر عدد الأنبياء في قبائل بني إسرائيل كثرة يفهم منها أنهم كانوا في أزمنتهم المتعاقبة يشبهون في العصور الحديثة أصحاب الأذكار , ودراويش الطرق الصوفية , لأنهم جاوزوا المئات في بعض العهود , واصطنعوا من الرياضة في جماعاتهم ما يصطنعه هؤلاء الدراويش من التوسل إلى حالة الجذب تارة بتعذيب الجسد , وتارة بالاستماع إلى آلات الطرب .
"جاء في كتاب صموئيل الأول:
أن شاول أرسل لأخذ داود رسلا . . "فرأوا جماعة الأنبياء يتنبأون , وشاول واقف بينهم رئيسا عليهم . فهبط روح الله على رسل شاول , فتنبأوا هم أيضا . وأرسل غيرهم فتنبأ هؤلاء . . . فخلع هو أيضا ثيابه , وتنبأ هو أيضا أمام صموئيل , وانتزع عاريا ذلك النهار كله وكل الليل" . .
"وجاء في كتاب صموئيل كذلك:
" . . أنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من الأكمة , وأمامهم رباب ودف وناي وعود , وهم يتنبأون , فيحل عليهم روح الرب , فتتنبأ معهم , وتتحول إلى رجل آخر .
"وكانت النبوة صناعة وراثية يتلقاها الأبناء من الآباء كما جاء في سفر الملوك الثاني:"إذ قال بنو الأنبياء يا ليشع:هو ذا الموضع الذي نحن مقيمون فيه أمامك قد ضاق علينا , فلنذهب إلى الأردن" .
"وكانت لهم خدمة تلحق بالجيش في بعض المواضع , كما جاء في سفر الأيام الأول . حيث قيل:إن داود ورؤساء الجيش أفرزوا للخدمة بني أساف وغيرهم من المتنبئين بالعيدان والرباب والصنوج" . . .
وهكذا حفلت الجاهليات - ومنها الجاهليات التي انحرفت عن التصور الصحيح الذي جاءت به الرسالات السماوية - بمثل هذه التصورات الباطلة عن طبيعة النبوة وطبيعة النبي . وكان الناس ينتظرون ممن يدعي النبوة مثل هذه الأمور ; ويطالبونه بالتنبؤ بالغيب تارة ; وبالتأثير في النواميس الكونية عن طريق الكهانة أو طريق السحر تارة . . ومن هذا المعين كانت اقتراحات المشركين على رسول الله [ ص ] ولتصحيح هذه الأوهام كلها جاءت التقريرات المكررة في القرآن الكريم عن طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول . . ومنها هذا التقرير:
(قل:لا أقول لكم عندي خزائن الله , ولا أعلم الغيب , ولا أقول لكم:إني ملك . إن أتبع إلا ما يوحى إلي . قل:هل يستوي الأعمى والبصير ? أفلا تتفكرون ?). .
إنه [ ص ] يؤمر من ربه أن يقدم لهم نفسه بشرا مجردا من كل الأوهام التي سادت الجاهليات عن طبيعة النبي والنبوة . وأن يقدم لهم كذلك هذه العقيدة بذاتها مجردة من كل إغراء . . لا ثراء . ولا ادعاء . . إنها عقيدة يحملها رسول , لا يملك إلا هداية الله , تنير له الطريق !
ولا يتبع إلا وحي الله يعلمه ما لم يكن يعلم . . إنه لا يقعد على خزائن الله , ليغدق منها على من يتبعه , ولا يملك مفاتح الغيب ليدل أتباعه على ما هو كائن ; ولا هو ملك كما يطلبون أن ينزل الله ملكا . . إنما هو بشر رسول ; وإنما هي هذه العقيدة وحدها , في صورتها الناصعة الواضحة البسيطة . .
إنها العقيدة هتاف هذه الفطرة , وقوام هذه الحياة ودليل الطريق إلى الآخرة , وإلى الله . فهي مستغنية بذاتها عن كل زخرف . . من أرادها لذاتها فهو بها حقيق , وهي عنده قيمة أكبر من كل قيمة . ومن أرادها سلعة في سوق المنافع , فهو لا يدرك طبيعتها , ولا يعرف قيمتها , وهي لا تمنحه زادا , ولا غناء . .
لذلك كله يؤمر رسول الله [ ص ] أن يقدمها للناس هكذا , عاطلة من كل زخرف , لأنها غنية عن كل زخرف ; وليعرف من يفيئون إلى ظلها أنهم لا يفيئون إلى خزائن مال , ولا إلى وجاهة دنيا , ولا إلى تميز على الناس بغير التقوى . إنما يفيئون إلى هداية الله وهي أكرم وأغنى .
قل:لا أقول لكم عندي خزائن الله , ولا أعلم الغيب , ولا أقول لكم:إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي . .
ثم ليعلموا أنهم حينئذ إنما يفيئون إلى النور والبصيرة , ويخرجون من الظلام والعماء:
(قل:هل يستوي الأعمى والبصير ? أفلا تتفكرون ?). .
ثم . . إن اتباع الوحي وحده هداية وبصر , والمتروك بغير هذا الهادي متروك أعمى . . هذا ما تقرره هذه الآية في وضوح وصرامة . . فما شأن العقل البشري في هذا المجال ?
سؤال جوابه في التصور الإسلامي واضح بسيط . . إن هذا العقل الذي وهبه الله للإنسان قادر على تلقي ذلك الوحي , وإدراك مدلولاته . . وهذه وظيفته . . ثم هذه هي فرصته في النور والهداية ; وفي الانضباط بهذا الضابط الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
فأما حين يستقل هذا العقل البشري بنفسه بعيدا عن الوحي , فإنه يتعرض حينئذ للضلال والانحراف , وسوء الرؤية , ونقص الرؤية , وسوء التقدير , وسوء التدبير .
يتعرض لهذا كله بسبب طبيعة تركيبه ذاتها في رؤية الوجود أجزاء لا كلا واحدا . تجربة بعد تجربة , وحادثةبعد حادثة , وصورة بعد صورة . . حيث يتعذر عليه أن يرى الوجود جملة , ليقيم على أساس هذه الرؤية الكاملة أحكاما , ويضع على أساسها نظاما , ملحوظا فيه الشمول والتوازن . . ومن ثم يظل - حين ينعزل عن منهج الله وهداه - يرتاد التجارب , ويغير الأحكام , ويبدل النظام , ويضطرب بين الفعل وردود الفعل , ويتخبط من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال . . وهو في ذلك كله يحطم كائنات بشرية عزيزة , وأجهزة إنسانية كريمة . . ولو اتبع الوحي لكفى البشر هذا الشر كله ; وجعل التجارب والتقلبات في "الأشياء" وفي "المادة " وفي "الأجهزة " وفي "الآلات" . . وهي مجاله الطبيعي الذي يمكن أن يستقل فيه . والخسارة في النهاية مواد وأشياء . لا أنفس وأرواح !
ويتعرض لهذا كله - بعد طبيعة تركيبه - بسبب ما ركب في الكيان البشري من شهوات وأهواء ونزعات , لا بد لها من ضابط , يضمن أن تؤدي وظائفها في استمرار حياة البشرية وارتقائها , ولا تتعدى هذا الحد المأمون فتؤدي إلى تدمير الحياة أو انتكاسها ! وهذا الضابط لا يمكن أن يكون هو العقل البشري وحده ; فلا بد لهذا العقل الذي يضطرب تحت ضغط الأهواء والشهوات والنزعات - وهي شتى - من ضابط آخر يضبطه هو ذاته ; ويحرسه بعد أن يضبطه من الخلل أيضا , ويرجع إليه هذا العقل بكل تجربة , وكل حكم - في مجال الحياة البشرية - ليقوم به تجربته وحكمه , وليضبط به اتجاهه وحركته .
والذين يزعمون للعقل البشري درجة من الأصالة في الصواب كدرجة الوحي , باعتبار أن كليهما - العقل والوحي - من صنع الله فلا بد أن يتطابقا . . هؤلاء إنما يستندون إلى تقريرات عن قيمة العقل قال بها بعض الفلاسفة من البشر , ولم يقل بها الله سبحانه !
والذين يرون أن هذا العقل يغني عن الوحي - حتى عند فرد واحد من البشر مهما بلغ عقله من الكبر - إنما يقولون في هذه القضية غير ما يقول الله . . فالله قد جعل حجته على الناس هي الوحي والرسالة , ولم يجعل هذه الحجة هي عقلهم البشري , ولا حتى فطرتهم التي فطرهم الله عليها من معرفة ربها الواحد والإيمان به . لأن الله سبحانه يعلم أن العقل وحده يضل , وأن الفطرة وحدها تنحرف . وأنه لا عاصم لعقل ولا لفطرة , إلا أن يكون الوحي هو الرائد الهادي , وهو النور والبصيرة .
والذي يزعمون أن الفلسفة تغني العقل عن الدين ; أو أن العلم - وهو من منتجات العقل - يغني البشرية عن هدى الله ; إنما يقولون قولا لا سند له من الحقيقة ولا من الواقع كذلك . . فالواقع يشهد أن الحياة البشرية التي قامت أنظمتها على المذاهب الفلسفية أو على العلم , هي أبأس حياة يشقى فيها "الإنسان" مهما فتحت عليه أبواب كل شيء ; ومهما تضاعف الإنتاج والإيراد ; ومهما تيسرت أسباب الحياة ووسائل الراحة فيها على أوسع نطاق . . وليس مقابل هذا أن تقوم الحياة على الجهل والتلقائية ! فالذين يضعون المسألة هكذا مغرضون ! فإن الإسلام منهج حياة يكفل للعقل البشري الضمانات التي تقيه عيوب تركيبه الذاتي , وعيوب الضغوط التي تقع عليه من الأهواء والشهوات والنزعات . ثم يقيم له الأسس , ويضع له القواعد , التي تكفل استقامته في انطلاقه للعلم والمعرفة والتجربة ; كما تكفل له استقامة الحياة الواقعية التي يعيش في ظلها - وفق شريعة الله - فلا يضغط عليه الواقع لينحرف بتصوراته ومناهجه كذلك !


قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ (50) وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)
والعقل بمصاحبة وحي الله وهداه بصير , وبترك وحي الله وهداه أعمى , واقتران الحديث عن تلقي الرسول [ ص ] من الوحي وحده , بالإشارة إلى العمى والبصر , بالسؤال التحضيضي على التفكير: إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل:هل يستوي الأعمى والبصير:أفلا تتفكرون ? . .
اقتران الإشارات وتتابعها على هذا النحو في السياق , أمر ذو دلالة في التعبير القرآني . . فالتفكر مطلوب , والحض عليه منهج قرآني ; ولكنه التفكر المضبوط بضابط الوحي , الذي يمضي معه مبصرا في النور ; لا مطلق التفكر الذي يخبط في الظلام أعمى , بلا دليل ولا هدى ولا كتاب منير . .
والعقل البشري حين يتحرك في إطار الوحي لا يتحرك في مجال ضيق , إنما يتحرك في مجال واسع جدا . . يتحرك في مجال هو هذا الوجود كله , الذي يحتوي عالم الشهادة وعالم الغيب أيضا ; كما يحتوي أغوار النفس ومجالي الأحداث , ومجالات الحياة جميعا . . فالوحي لا يكف العقل عن شيء إلا عن انحراف المنهج , وسوء الرؤية والتواء الأهواء والشهوات ! وبعد ذلك يدفعه إلى الحركة والنشاط دفعا . فهذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان . . العقل . . إنما وهبها له لتعمل وتنشط في حراسة الوحي والهدى الرباني . . فلا تضل إذن ولا تطغى . .
الدرس الثاني:51 - 54 حقوق الإنسان في الإسلام
(وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون . ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه , ما عليك من حسابهم من شيء , وما من حسابك عليهم من شيء . فتطردهم فتكون من الظالمين . وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا:أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ? أليس الله بأعلم بالشاكرين ? وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل:سلام عليكم , كتب ربكم على نفسه الرحمة:أنه من عمل منكم سوءا بجهالة , ثم تاب من بعده وأصلح , فأنه غفور رحيم). .
إنها عزة هذه العقيدة , واستعلاؤها على قيم الأرض الزائفة , وتخلصها من الاعتبارات البشرية الصغيرة . .
لقد أمر رسول الله [ ص ] أن يقدمها للناس دون زخرف ولا طلاء ; ودون إطماع في شيء من قيم الأرض ولا إغراء . . كذلك أمر أن يوجه عنايته إلى من يرجى منهم الانتفاع بالدعوة , وأن يؤوي إليه الذين يتلقونها مخلصين ; ويتجهون بقلوبهم إلى الله وحده يريدون وجهه ; وألا يقيم وزنا بعد ذلك لشيء من قيم المجتمع الجاهلي الزائفة ; ولا لشيء من اعتبارات البشر الصغيرة:
(وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع , لعلهم يتقون). .
أنذر به هؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم , حالة أن ليس من دونه ولي ينصرهم ولا شفيع يخلصهم . ذلك أنه ما من شفيع يشفع عند الله إلا بإذنه , وهو لا يشفع يومئذ - بعد الإذن - إلا لمن ارتضى الله أن يتشفع عند الله فيهم . . فهؤلاء الذين تستشعر قلوبهم خوف ذلك اليوم الذي ليس فيه - من دون الله - ولي ولا شفيع , أحق بالإنذار , وأسمع له , وأكثر انتفاعا به . . لعلهم أن يتوقوا في حياتهم الدنيا وما يعرضهم لعذاب الله في الآخرة . فالإنذار بيان كاشف كما أنه مؤثر موح . بيان يكشف لهم ما يتقونه ويحذرونه , ومؤثر يدفع قلوبهم للتوقي والحذر ; فلا يقعون فيما نهوا عنه بعدما تبين لهم:
(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه). .
لا تطرد هؤلاء الذين أخلصوا نفوسهم لله ; فاتجهوا لعبادته ودعائه في الصباح والمساء ; يريدون وجهه


وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)
سبحانه ! ولا يبتغون إلا وجهه ورضاه . . وهي صورة للتجرد , والحب , والأدب . . فإن الواحد منهم لا يتوجه إلا إلى الله وحده بالعبادة والدعاء . وهو لا يبغي وجه الله , إلا إذا تجرد . وهو لا يبغي وجه الله وحده حتى يكون قلبه قد أحب . وهو لا يفرد الله - سبحانه - بالدعاء والعبادة ابتغاء وجهه إلا ويكون قد تعلم الأدب , وصار ربانيا يعيش لله وبالله . .
ولقد كان أصل القصة أن جماعة من "أشراف" العرب , أنفوا أن يستجيبوا إلى دعوة الإسلام ; لأن محمدا [ ص ] يؤوي إليه الفقراء الضعاف , من أمثال صهيب وبلال وعمار وخباب وسلمان وابن مسعود . . ومن إليهم . . وعليهم جباب تفوح منها رائحة العرق لفقرهم ; ومكانتهم الاجتماعية لا تؤهلهم لأن يجلس معهم سادات قريش في مجلس واحد ! فطلب هؤلاء الكبراء إلى رسول الله [ ص ] أن يطردهم عنه . . فأبى . . فاقترحوا أن يخصص لهم مجلسا ويخصص للأشراف مجلسا آخر , لا يكون فيه هؤلاء الفقراء الضعاف , كي يظل للسادة امتيازهم واختصاصهم ومهابتهم في المجتمع الجاهلي ! فهم [ ص ] رغبة في إسلامهم أن يستجيب لهم في هذه . فجاءه أمر ربه:
(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه). .
روى مسلم عن سعد بن أبى وقاص , قال:كنا مع النبي [ ص ] ستة نفر . فقال المشركون للنبي [ ص ]:اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا ! قال:وكنت أنا وابن مسعود , ورجل من هذيل , وبلال , ورجلان لست أسميهما . . فوقع في نفس رسول الله [ ص ] ما شاء الله أن يقع . فحدث نفسه . فأنزل الله عز وجل: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه). .
ولقد تقول أولئك الكبراء على هؤلاء الضعاف , الذين يخصهم رسول الله [ ص ] بمجلسه وبعنايته ; وطعنوا فيهم وعابوا ما هم فيه من فقر وضعف وما يسببه وجودهم في مجلس رسول الله [ ص ] من نفور السادة وعدم إقبالهم على الإسلام . . فقضى الله سبحانه في هذه الدعوى بقضائه الفصل ; ورد دعواهم من أساسها ودحضها دحضا:
(ما عليك من حسابهم من شيء , وما من حسابك عليهم من شيء , فتطردهم فتكون من الظالمين). .
فإن حسابهم على أنفسهم , وحسابك على نفسك . وكونهم فقراء مقدر عليهم في الرزق هذا حسابهم عند الله , لا شأن لك به . كذلك غناك وفقرك هو حسابك عند الله لا شأن لهم به . ولا دخل لهذه القيم في قضية الإيمان والمنزلة فيه . فإن أنت طردتهم من مجلسك بحساب الفقر والغنى كنت لا تزن بميزان الله , ولا تقوم بقيمة . . فكنت من الظالمين . . وحاشا لرسول الله [ ص ] أن يكون من الظالمين !
وبقي فقراء الجيوب أغنياء القلوب في مجلس رسول الله [ ص ] وبقي ضعاف الجاه الأقوياء بالله في مكانهم الذي يؤهلهم له إيمانهم ; والذي يستحقونه بدعائهم لله لا يبتغون إلا وجهه . واستقرت موازين الإسلام وقيمه على المنهج الذي قرره الله . .
عندئذ نفر المستكبرون المستنكفون يقولون:كيف يمكن أن يختص الله من بيننا بالخير هؤلاء الضعاف الفقراء ? إنه لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقونا إليه ; ولهدانا الله به قبل أن يهديهم ! فليس من المعقول أن يكون هؤلاء الضعاف الفقراء هم الذين يمن الله عليهم من بيننا ويتركنا ونحن أصحاب المقام والجاه !
وكانت هذه هي الفتنة التي قدرها الله لهؤلاء المتعالين بالمال والنسب ; والذين لم يدركوا طبيعة هذا الدين ; وطبيعة الدنيا الجديدة التي يطلع بها على البشرية , مشرقة الآفاق , مصعدة بهذه البشرية إلى تلك القمة السامقة ;


وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (54) وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)
التي كانت يومذاك غريبة على العرب وعلى الدنيا كلها ; وما تزال غريبة في ما يسمونه الديمقراطيات على اختلاف أشكالها وأسمائها !
(وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا:أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ?). .
ويرد السياق القرآني على هذا الاستفهام الاستنكاري الذي يطلقه الكبراء:
(أليس الله بأعلم بالشاكرين)?
هذا الرد الحافل بالإيحاءات والإيماءات:
إذ يقرر ابتداء أن الهدى جزاء يجزي به الله من يعلم من أمرهم أنهم إذا هدوا سيشكرون هذه النعمة , التي لا كفاء لها من شكر العبد , ولكن الله يقبل منه جهده ويجزيه عليه هذا الجزاء الهائل الذي لا يعدله جزاء .
وإذ يقرر أن نعمة الإيمان لا تتعلق بقيمة من قيم الأرض الصغيرة التي تسود في الجاهليات البشرية . إنما يختص الله بها من يعلم أنهم شاكرون عليها . لا يهم أن يكونوا من الموالي والضعاف والفقراء . فميزان الله لا مكان فيه لقيم الأرض الصغيرة التي تتعاظم الناس في الجاهليات !
وإذ يقرر أن اعتراض المعترضين على فضل الله إنما ينشأ من الجهالة بحقائق الأشياء . وأن توزيع هذا الفضل على العباد قائم على علم الله الكامل بمن يستحقه من هؤلاء العباد . وما اعتراض المعترضين إلا جهل وسوء أدب في حق الله . .
ويمضي السياق يأمر رسول الله [ ص ] وهو رسول الله أن يبدأ أولئك الذين أسبغ عليهم فضل السبق بالاسلام ; والذين يسخر منهم أولئك الكبراء الأشراف ! . . أن يبدأهم بالسلام . . وأن يبشرهم بما كتبه الله على نفسه من الرحمة ; متمثلا في معفرته لمن عمل منهم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح:
(وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل:سلام عليكم , كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة , ثم تاب من بعده وأصلح , فأنه غفور رحيم). .
وهو التكريم - بعد نعمة الإيمان واليسر في الحساب , والرحمة في الجزاء , حتى ليجعل الله - سبحانه - الرحمة كتابا على نفسه للذين آمنوا بآياته ; ويأمر رسوله [ ص ] أن يبلغهم ما كتبه ربهم عل نفسه . وحتى لتبلغ الرحمة أن يشمل العفو والمغفرة الذنب كله , متى تابوا من بعده وأصلحوا - إذ يفسر بعضهم الجهالة بأنها ملازمة لارتكاب الذنب ; فما يذنب الإنسان إلا من جهالة ; وعلى ذلك يكون النص شاملا لكل سوء يعمله صاحبه ; متى تاب من بعده وأصلح . ويؤيد هذا الفهم النصوص الأخرى التي تجعل التوبة من الذنب - أيا كان - والإصلاح بعده , مستوجبة للمغفرة بما كتب الله على نفسه من الرحمة . .
ونعود - قبل الانتهاء من استعراض هذه الفقرة من السورة - إلى بعض الآثار التي وردت عن ملابسات نزول هذه الآيات ; وعن دلالة هذه الآثار مع النصوص القرآنية على حقيقة النقلة الهائلة التي كان هذا الدين ينقل إليها البشرية يومذاك ; والتي ما تزال البشرية حتى اليوم دون القمة التي بلغتها يومها ثم تراجعت عنها جدا . .
قال أبو جعفر الطبري:حدثنا هناد بن السري , حدثنا أبو زبيد , عن أشعث , عن كردوس الثعلبي , عن ابن مسعود , قال:مر الملأ من قريش بالنبي [ ص ] وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب , ونحوهم من ضعفاء المسلمين . فقالوا:يا محمد , رضيت بهؤلاء من قومك ? أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا ? أنحن نكون تبعا لهؤلاء ? اطردهم عنك ! فلعلك إن طردتهم أن نتبعك ! فنزلت هذه الآية: (ولا تطردالذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه). . (وكذلك فتنا بعضهم ببعض)إلى آخر الآية .
وقال:حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي , قال:حدثنا أبي , حدثنا أسباط , عن السدي , عن أبى سعيد الأزدي - وكان قارى ء الأزد - عن أبى الكنود , عن خباب في قول الله تعالى ذكره: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه). . إلى قوله: فتكون من الظالمين . . قال:جاء الأقرع ابن حابس التميمي , وعيينة بن حصن الفزاري , فوجد النبي [ ص ] قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب , في أناس من الضعفاء من المؤمنين . فلما رأوهم حقروهم . فأتوه فقالوا:إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا , فإن وفود العرب تأتيك , فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد ; فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ; فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت ! قال:نعم ! قالوا:فاكتب لنا عليك بذلك كتابا . قال:فدعا بالصحيفة , ودعا عليا ليكتب . قال:ونحن قعود في ناحية , إذ نزل جبريل بهذه الآية:
(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء , وما من حسابك عليهم من شيء , فتطردهم , فتكون من الظالمين). . ثم قال(وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا:أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ? أليس الله بأعلم بالشاكرين ?). . ثم قال: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل:سلام عليكم , كتب ربكم على نفسه الرحمة). . فألقى رسول الله [ ص ] الصحيفة من يده ; ثم دعانا فأتيناه وهو يقول:" سلام عليكم , كتب ربكم على نفسه الرحمة " . . فكنا نقعد معه , فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا . فأنزل الله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه , ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا). . [ سورة الكهف:28 ] قال:فكان رسول الله [ ص ] يقعد معنا بعد , فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم !
وكان [ ص ] بعدها إذا رآهم بدأهم بالسلام , وقال:" الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني ربي أن أبدأهم بالسلام " .
وفي صحيح مسلم:عن عائذ بن عمرو , أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال , ونفر . فقالوا:والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها ! قال:فقال أبو بكر:أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ? فأتى النبي [ ص ] فأخبره . فقال:" يا أبا بكر , لعلك أغضبتهم . لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك " . فأتاهم أبو بكر فقال:يا إخوتاه , أغضبتكم ? قالوا:لا يغفر الله لك يا أخي . .
نحن في حاجة إلى وقفة طويلة أمام هذه النصوص . . والبشرية بجملتها في حاجة إلى هذه الوقفة كذلك . . إن هذه النصوص لا تمثل مجرد مبادى ء وقيم ونظريات في "حقوق الإنسان ! " . . إنها أكبر من ذلك بكثير . . إنها تمثل شيئا هائلا تحقق في حياة البشرية فعلا . . تمثل نقلة واسعة نقلها هذا الدين للبشرية بجملتها . . تمثل خطا وضيئا على الأفق بلغته هذه البشرية ذات يوم في حياتها الحقيقة . . ومهما يكن من تراجع البشرية عن هذا الخط الوضيء الذي صعدت إليه في خطو ثابت على حداء هذا الدين , فإن هذا لا يقلل من عظمة تلك النقلة ; ومن ضخامة هذا الشيء الذي تحقق يوما ; ومن أهمية هذا الخط الذي ارتسم بالفعل في حياة البشرالواقعية . . إن قيمة ارتسام هذا الخط وبلوغه ذات يوم . أن تحاول البشرية مرة ومرة ومرة الارتفاع إليه ; ما دام أنها قد بلغته ; فهو في طوقها إذن وفي وسعها . . والخط هناك على الأفق , والبشرية هي البشرية ; وهذا الدين هو هذا الدين . . فلا يبقى إلا العزم والثقة واليقين . .
وقيمة هذه النصوص أنها ترسم للبشرية اليوم ذلك الخط الصاعد بكل نقطه ومراحله . . من سفح الجاهلية الذي التقط الإسلام منه العرب , إلى القمة السامقة التي بلغ بهم إليها , وأطلعتهم في الأرض يأخذون بيد البشرية من ذلك السفح نفسه إلى تلك القمة التي بلغوها !
فأما ذلك السفح الهابط الذي كان فيه العرب في جاهليتهم - وكانت في البشرية كلها - فهو يتمثل واضحا في قوله:"الملأ" من قريش:"يا محمد , رضيت بهؤلاء من قومك ? أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا ? أنحن نكون تبعًا لهؤلاء ? اطردهم عنك ! فلعلك إن طردتهم أن نتبعك ! " . . أو في احتقار الأقرع بن حابس التميمي , وعيينة بن حصن الفزاري , للسابقين من أصحاب رسول الله [ ص ] بلال , وصهيب , وعمار , وخباب , وأمثالهم من الضعفاء ; وقولهما للنبي [ ص ]:إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا ; فإن وفود العرب تأتيك , فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد ! " . .
. . هنا تتبدى الجاهلية بوجهها الكالح ! وقيمها الهزيلة , واعتباراتها الصغيرة . . عصبية النسب والجنس واعتبارات المال والطبقة . . وما إلى ذلك من اعتبارات . هؤلاء بعضهم ليسوا من العرب ! وبعضهم ليسوا من طبقة الأشراف ! وبعضهم ليسوا من ذوي الثراء ! . . ذات القيم التي تروج في كل جاهلية ! والتي لا ترتفع عليها جاهليات الأرض اليوم في نعراتها القومية والجنسية والطبقية !
هذا هو سفح الجاهلية . . وعلى القمة السامقة الإسلام ! الذي لا يقيم وزنا لهذه القيم الهزيلة ولهذه الاعتبارات الصغيرة , ولهذه النعرات السخيفة ! . . الإسلام الذي نزل من السماء ولم ينبت من الأرض . فالأرض كانت هي هذا السفح . . هذا السفح الذي لا يمكن أن ينبت هذه النبتة الغريبة الجديدة الكريمة . . الإسلام الذي يأتمر به - أول من يأتمر - محمد [ ص ] محمد رسول الله الذي يأتيه الوحي من السماء ; والذي هو من قبل في الذؤابة من بني هاشم في الذروة من قريش . . والذي يأتمر به أبو بكر صاحب رسول الله [ ص ] ; في شأن "هؤلاء الأعبد" . . نعم هؤلاء الأعبد الذين خلعوا عبودية كل أحد ; وصاروا أعبدا لله وحده ; فكان من أمرهم ما كان !
وكما أن سفح الجاهلية الهابط يرتسم في كلمات الملأ من قريش , وفي مشاعر الأقرع وعيينة . . فإن قمة الإسلام السامقة ترتسم في أمر الله العلي الكبير , لرسوله [ ص ] -:
(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه . ما عليك من حسابهم من شيء , وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين . وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا:أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ? أليس الله بأعلم بالشاكرين ? وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل:سلام عليكم , كتب ربكم على نفسه الرحمة:أنه من عمل منكم سوءا بجهالة , ثم تاب من بعده وأصلح , فأنه غفور رحيم). .
ويتمثل في سلوك رسول الله [ ص ] مع "هؤلاء الأعبد" . . الذين أمره ربهم أن يبدأهم بالسلام وأن يصبر معهم فلا يقوم حتى يقوموا وهو محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم - وهو بعد ذلك - رسول الله وخير خلق الله , وأعظم من شرفت بهم الحياة !
ثم يتمثل في نظرة "هؤلاء الأعبد" لمكانهم عند الله ; ونظرتهم لسيوفهم واعتبارها "سيوف الله" ونظرتهملأبي سفيان "شيخ قريش وسيدهم" بعد أن أخره في الصف المسلم كونه من الطلقاء الذين أسلموا عام الفتح وذهبوا طلقاء عفو رسول الله [ ص ] وقدمهم هم في الصف كونهم من السابقين إلى الإسلام وهو في شدة الابتلاء . . فلما أن عاتبهم أبو بكر - رضي الله عنه - في أمر أبى سفيان , حذره صاحبه رسول الله [ ص ] أن يكون قد أغضب "هؤلاء الأعبد" ! فيكون قد أغضب الله - يا الله ! فما يملك أي تعليق أن يبلغ هذا المدى وما نملك إلا أن نتملاه ! ويذهب أبو بكر - رضي الله عنه - يترضى "الأعبد" ليرضى الله:"يا إخوتاه . أغضبتكم" ? فيقولون:"لا يا أخي . يغفر الله لك" !
أي شيء هائل هذا الذي تحقق في حياة البشرية ? أية نقلة واسعة هذه التي قد تمت في واقع الناس ? أي تبدل في القيم والأوضاع , وفي المشاعر والتصورات , في آن ? والأرض هي الأرض والبيئة هي البيئة , والناس هم الناس , والاقتصاد هو الاقتصاد . . وكل شيء على ما كان , إلا أن وحيا نزل من السماء , على رجل من البشر , فيه من الله سلطان . . يخاطب فطرة البشر من وراء الركام , ويحدو للهابطين هنالك عند السفح , فيستجيشهم الحداء - على طول الطريق - إلى القمة السامقة . . فوق . . فوق . . هنالك عند الإسلام !
ثم تتراجع البشرية عن القمة السامقة ; وتنحدر مرة أخرى إلى السفح . وتقوم - مرة أخرى - في نيويورك , وواشنطن , وشيكاغو . . وفي جوهانسبرج . . وفي غيرها من أرض "الحضارة ! " تلك العصبيات النتنة . عصبيات الجنس واللون , وتقوم هنا وهناك عصبيات "وطنية " و"قومية " و"طبقية " لا تقل نتنا عن تلك العصبيات . .
ويبقى الإسلام هناك على القمة . . حيث ارتسم الخط الوضيء الذي بلغته البشرية . . يبقى الإسلام هناك - رحمة من الله بالبشرية - لعلها أن ترفع أقدامها من الوحل , وترفع عينيها عن الحمأة . . وتتطلع مرة أخرى إلى الخط الوضيء ; وتسمع مرة أخرى حداء هذا الدين ; وتعرج مرة أخرى إلى القمة السامقة على حداء الإسلام . .
ونحن لا نملك - في حدود منهجنا في هذه الظلال - أن نستطرد إلى أبعد من هذه الإشارة . . لا نملك أن نقف هنا تلك "الوقفة الطويلة " التي ندعو البشرية كلها أن تقفها أمام هذه النصوص ودلالتها . لتحاول أن تستشرف المدى الهائل الذي يرتسم من خلالها في تاريخ البشرية ; وهي تصعد على حداء الإسلام من سفح الجاهلية الهابط , إلى تلك القمة السامقة البعيدة . . ثم تهبط مرة أخرى على عواء "الحضارة المادية " الخاوية من الروح والعقيدة ! . . ولتحاول كذلك أن تدرك إلى أين يملك الإسلام اليوم أن يقود خطاها مرة أخرى ; بعد أن فشلت جميع التجارب , وجميع المذاهب , وجميع الأوضاع , وجميع الأنظمة , وجميع الأفكار ; وجميع التصورات , التي ابتدعها البشر لأنفسهم بعيدا عن منهج الله وهداه . . فشلت في أن ترتفع بالبشرية مرة أخرى إلى تلك القمة ; وأن تضمن للإنسان حقوقه الكريمة في هذه الصورة الوضيئة ; وأن تفيض على القلوب الطمأنينة - مع هذه النقلة الهائلة - وهي تنقل البشرية إليها بلا مذابح ; وبلا اضطهادات ; وبلا إجراءات استثنائية تقضي على الحريات الأساسية ; وبلا رعب , وبلا فزع , وبلا تعذيب , وبلا جوع , وبلا فقر , وبلا عرض واحد من أعراض النقلات التي يحاولها البشر في ظل الأنظمة البائسة التي يضعها البشر ; ويتعبد فيها بعضهم بعضا من دون الله . .
فحسبنا هذا القدر هنا . . وحسبنا الإيحاءات القوية العميقة التي تفيض بها النصوص ذاتها , وتسكبها في القلوب المستنيرة .
(وكذلك نفصل الآيات , ولتستبين سبيل المجرمين). .
ختام هذه الفقرة التي قدمت طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول في هذه النصاعة الواضحة . كما قدمت هذه العقيدة عارية من كل زخرف ; وفصلت الاعتبارات والقيم التي جاءت هذه العقيدة لتلغيها من حياة البشرية ; والاعتبارات والقيم التي جاءت لتقررها . .
(وكذلك نفصل الآيات). .
بمثل هذا المنهج , وبمثل هذه الطريقة , وبمثل هذا البيان والتفصيل . . تفصل الآيات , التي لا تدع في هذا الحق ريبة ; ولا تدع في هذا الأمر غموضا ; ولا تبقى معها حاجة لطلب الخوارق ; فالحق واضح , والأمر بين , بمثل ذلك المنهج الذي عرض السياق القرآني منه ذلك النموذج . .
على أن كل ما سبق في السورة من تفصيل لدلائل الهدى وموحيات الإيمان ; ومن بيان للحقائق وتقرير للوقائع , يعتبر داخلا في مدلول قوله تعالى:
(وكذلك نفصل الآيات). .
الدرس الثالث:استبانة سبيل المجرمين
أما ختام هذه الآية القصيرة:
(ولتستبين سبيل المجرمين). .
فهو شأن عجيب ! . . إنه يكشف عن خطة المنهج القرآني في العقيدة والحركة بهذه العقيدة ! إن هذا المنهج لا يعني ببيان الحق وإظهاره حتى تستبين سبيل المؤمنين الصالحين فحسب . إنما يعني كذلك ببيان الباطل وكشفه حتى تستبين سبيل الضالين المجرمين أيضا . . إن استبانة سبيل المجرمين ضرورية لاستبانة سبيل المؤمنين . وذلك كالخط الفاصل يرسم عند مفرق الطريق !
إن هذا المنهج هو المنهج الذي قرره الله - سبحانه - ليتعامل مع النفوس البشرية . . ذلك أن الله سبحانه يعلم أن إنشاء اليقين الاعتقادي بالحق والخير يقتضي رؤية الجانب المضاد من الباطل والشر ; والتأكيد من أن هذا باطل محض وشر خالص ; وأن ذلك حق ممحض وخير خالص . . كما أن قوة الاندفاع بالحق لا تنشأ فقط من شعور صاحب الحق أنه على الحق ; ولكن كذلك من شعوره بأن الذي يحاده ويحاربه إنما هو على الباطل . . وأنه يسلك سبيل المجرمين ; الذين يذكر الله في آية أخرى أنه جعل لكل نبي عدوا منهم (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين). . ليستقر في نفس النبي ونفوس المؤمنين , أن الذين يعادونهم إنها هم المجرمون ; عن ثقة , وفي وضوح , وعن يقين .
إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح . واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات . ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتدغبشا وشبهة في موقف المؤمنين وفي سبيلهم . فهما صفحتان متقابلتان , وطريقان مفترقتان . . ولا بد من وضوح الألوان والخطوط . .
ومن هنا يجب أن تبدأ كل حركة إسلامية بتحديد سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين . يجب إن تبدأ من تعريف سبيل المؤمنين وتعريف سبيل المجرمين ; ووضع العنوان المميز للمؤمنين . والعنوان المميز للمجرمين , في عالم الواقع لا في عالم النظريات . فيعرف أصحاب الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية من هم المؤمنون ممن حولهم ومن هم المجرمون . بعد تحديد سبيل المؤمنين ومنهجهم وعلامتهم , وتحديد سبيل المجرمين ومنهجهم وعلامتهم . بحيث لا يختلط السبيلان ولا يتشابه العنوانان , ولا تلتبس الملامح والسمات بين المؤمنين والمجرمين . .
وهذا التحديد كان قائما , وهذا الوضوح كان كاملا , يوم كان الإسلام يواجه المشركين في الجزيرة العربية . فكانت سبيل المسلمين الصالحين هي سبيل الرسول [ ص ] ومن معه . وكانت سبيل المشركين المجرمين هي سبيل من لم يدخل معهم في هذا الدين . . ومع هذا التحديد وهذا الوضوح كان القرآن يتنزل وكان الله - سبحانه - يفصل الآيات على ذلك النحو الذي سبقت منه نماذج في السورة - ومنها ذلك النموذج الأخير - لتستبين سبيل المجرمين !
وحيثما واجه الإسلام الشرك والوثنية والإلحاد والديانات المنحرفة المتخلفة من الديانات ذات الأصل السماوي بعد ما بدلتها وأفسدتها التحريفات البشرية . . حيثما واجه الإسلام هذه الطوائف والملل كانت سبيل المؤمنين الصالحين واضحة , وسبيل المشركين الكافرين المجرمين واضحة كذلك . . لا يجدي معها التلبيس !
ولكن المشقة الكبرى التي تواجه حركات الإسلام الحقيقية اليوم ليست في شيء من هذا . . إنها تتمثل في وجود أقوام من الناس من سلالات المسلمين , في أوطان كانت في يوم من الأيام دارا للاسلام , يسيطر عليها دين الله , وتحكم بشريعته . . ثم اذا هذه الارض , واذا هذه الاقوام , تهجر الاسلام حقيقة , وتعلنه اسما . وإذا هي تتنكر لمقومات الإسلام اعتقادا وواقعا . وإن ظنت أنها تدين بالإسلام اعتقادا ! فالإسلام شهادة أن لا إله إلا الله . . وشهادة أن لا إله إلا الله تتمثل في الاعتقاد بأن الله - وحده - هو خالق هذا الكون المتصرف فيه . وأن الله - وحده - هو الذي يتقدم إليه العباد بالشعائر التعبدية ونشاط الحياة كله . وأن الله - وحده - هو الذي يتلقى منه العباد الشرائع ويخضعون لحكمه في شأن حياتهم كله . . وأيما فرد لم يشهد أن لا إله إلا الله - بهذا المدلول - فإنه لم يشهد ولم يدخل في الإسلام بعد . كائنا ما كان اسمه ولقبه ونسبه . وأيما أرض لم تتحقق فيها شهادة أن لا إله إلا الله - بهذا المدلول - - فهي أرض لم تدن بدين الله , ولم تدخل في الإسلام بعد . .
وفي الأرض اليوم أقوام من الناس أسماؤهم أسماء المسلمين ; وهم من سلالات المسلمين . وفيها أوطان كانت في يوم من الأيام دارا للإسلام . . ولكن لا الأقوام اليوم تشهد أن لا إله إلا الله - بذلك المدلول - ولا الأوطان اليوم تدين لله بمقتضى هذا المدلول . .
وهذا أشق ما تواجهه حركات الإسلام الحقيقية في هذه الأوطان مع هؤلاء الأقوام !

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية: 20
عدد المساهمات: 7431
المهارة: 41704
تاريخ التسجيل: 16/04/2010
الكفاءة: 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 9:20 pm

أشق ما تعانيه هذه الحركات هو الغبش والغموض واللبس الذي أحاط بمدلول لا إله إلا الله , ومدلول الإسلام في جانب ; وبمدلول الشرك وبمدلول الجاهلية في الجانب الآخر . .
أشق ما تعانيه هذه الحركات هو عدم استبانة طريق المسلمين الصالحين , وطريق المشركين المجرمين ; واختلاط الشارات والعناوين ; والتباس الأسماء والصفات ; والتيه الذي لا تتحدد فيه مفارق الطريق !
ويعرف أعداء الحركات الإسلامية هذه الثغرة . فيعكفون عليها توسيعا وتمييعا وتلبيسا وتخليطا . حتى يصبحالجهر بكلمة الفصل تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام ! . . تهمة تكفير "المسلمين" !!! ويصبح الحكم في أمر الإسلام والكفر مسألة المرجع فيها لعرف الناس واصطلاحهم , لا إلى قول الله ولا إلى قول رسول الله !
هذه هي المشقة الكبرى . . وهذه كذلك هي العقبة الأولى التي لا بد أن يجتازها أصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل !
يجب أن تبدأ الدعوة إلى الله باستبانة سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين . . ويجب ألا تأخذ أصحاب الدعوة إلى الله في كلمة الحق والفصل هوادة ولا مداهنة . وألا تأخذهم فيها خشية ولا خوف ; وألا تقعدهم عنها لومة لائم , ولا صيحة صائح:انظروا ! إنهم يكفرون المسلمين !
إن الإسلام ليس بهذا التميع الذي يظنه المخدوعون ! إن الإسلام بين والكفر بين . . الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله - بذلك المدلول - فمن لم يشهدها على هذا النحو ; ومن لم يقمها في الحياة على هذا النحو , فحكم الله ورسوله فيه أنه من الكافرين الظالمين الفاسقين . . المجرمين . .
(وكذلك نفصل الآيات , ولتستبين سبيل المجرمين). .
أجل يجب أن يجتاز أصحاب الدعوة إلى الله هذه العقبة ; وأن تتم في نفوسهم هذه الاستبانة ; كي تنطلق طاقاتهم كلها في سبيل الله لا تصدها شبهة , ولا يعوقها غبش , ولا يميعها لبس . فإن طاقاتهم لا تنطلق إلا إذا اعتقدوا في يقين أنهم هم "المسلمون" وأن الذين يقفون في طريقهم ويصدونهم ويصدون الناس عن سبيل الله هم "المجرمون" . . كذلك فإنهم لن يحتملوا متاعب الطريق إلا إذا استيقنوا أنها قضية كفر وإيمان . وأنهم وقومهم على مفرق الطريق , وأنهم على ملة وقومهم على ملة . وأنهم في دين وقومهم في دين:
(وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين). .
. . وصدق الله العظيم . .
الوحدة الثامنة:56 - 65 الموضوع:مجالات وميادين دالة على حقيقة الألوهية والوحدانية


قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)
مقدمة الوحدة مجالات حقيقة الألوهية
هذه الموجه عودة إلى "حقيقة الألوهية " بعد بيان "حقيقية الرسالة وحقيقة الرسول" في الموجة السابقة لها في السياق المتلاحم ; وبعد استبانة سبيل المجرمين واستبانة سبيل المؤمنين - كما ذكرنا ذلك في نهاية الفقرة السابقة .
وحقيقة الألوهية في هذه الموجة تتجلى في مجالات شتى ; نجملها هنا - قبل تفصيلها في استعراض النصوص القرآنية:
تتجلى في قلب رسول الله [ ص ] وهو يجد في نفسه بينة من ربه , هو منها على يقين , لا يزعزعه تكذيب المكذبين . ومن ثم يخلص نفسه لربه , ويفاصل قومه مفاصلة المستيقن من ضلالهم يقينه من هداه (قل:إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله . قل:لا أتبع أهواءكم , قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين . قل:إني على بينة من ربي وكذبتم به . ما عندي ما تستعجلون به , إن الحكم إلا الله , يقص الحق وهو خير الفاصلين). .
وتتجلى في حلم الله على المكذبين , وعدم استجابته لاقتراحاتهم أن ينزل عليهم خارقة مادية حتى لا يعجل لهم بالعذاب عند تكذيبهم بها - كما جرت سنته تعالى - وهو قادر عليه . ولو كان رسول الله [ ص ] يملك هذا الذي يستعجلون به , ما أمسكه عنهم , ولضاقت بشريته بهم وبتكذيبهم . فإمهالهم هذا الإمهال هو مظهر من مظاهر حلم الله ورحمته , كما أنها مجال تتجلى فيه ألوهيتهSadقل:لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم , والله أعلم بالظالمين). .
وتتجلى في علم الله بالغيب ; وإحاطة هذاالعلم بكل ما يقع في هذا الوجود ; في صورة لا تكون إلا لله ; ولا يصورها هكذا إلا اللهSadوعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو , ويعلم ما في البر والبحر , وما تسقط من ورقة إلا يعلمها . ولا حبة في ظلمات الأرض , ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين). .
وتتجلى في هيمنة الله على الناس وقهره للعباد في كل حالة من حالاتهم , في النوم والصحو , في الموت والحياة , في الدنيا والآخرة: (وهو الذي يتوفاكم بالليل , ويعلم ما جرحتم بالنهار , ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى , ثم إليه مرجعكم , ثم ينبئكم بما كنتم تعملون . وهو القاهر فوق عباده , ويرسل عليكم حفظة ,حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا , وهم لا يفرطون . ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق . ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين).
وتتجلى في فطرة المكذبين أنفسهم , حين يواجهون الهول ; فلا يدعون إلا الله لرفعه عنهم . . ثم هم مع ذلك يشركون , وينسون أن الله , الذي يدعونه لكشف الضر , قادر على أن يذيقهم ألوان العذاب فلا يدفعه عنهم أحدSadقل:من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية:لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين ? قل:الله ينجيكم منها ومن كل كرب , ثم أنتم تشركون . قل:هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم , أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض . انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون).
الدرس الأول:56 - 58 الأمر والحكم لله وحدوده صلاحيات الرسول
(قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله . قل لا أتبع أهواءكم . قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين . . قل إني على بينة من ربي - وكذبتم به - ما عندي ما تستعجلون به . إن الحكم إلا لله يقص الحق , وهو خير الفاصلين . قل:لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم , والله أعلم بالظالمين). .
تحتشد هذه الموجة بالمؤثرات الموحية , التي تتمثل في شتى الإيقاعات التي تواجه القلب البشري بحقيقة الألوهية في شتى مجاليها . . ومن بين هذه المؤثرات العميقة , ذلك الإيقاع المتكرر:"قل . . قل . . قل . . " خطابا لرسول الله [ ص ] ليبلغ عن ربه , ما يوحيه إليه ; وما لا يملك غيره ; ولا يتبع غيره ; ولا يستوحي غيره:
(قل:إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله . قل:لا أتبع أهواءكم . قد ضللت إذا , وما أنا من المهتدين). .
يأمر الله - سبحانه - رسوله [ ص ] , أن يواجه المشركين بأنه منهي من ربه عن عبادة الذين يدعونهم من دون الله ويتخذونهم أندادا لله . . ذلك أنه منهي عن اتباع أهوائهم - وهم إنما يدعون الذين يدعون من دون الله عن هوى لا عن علم , ولا عن حق - وأنه إن يتبع أهواءهم هذه يضل ولا يهتدي . فما تقوده أهواؤهم وما تقودهم إلا إلى الضلال .
يأمر الله - سبحانه - نبيه [ ص ] أن يواجه المشركين هذه المواجهة , وأن يفاصلهم هذه المفاصلة , كما أمره من قبل في السورة بمثل هذا وهو يق 1 (أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أِشهد . قل:إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون . .
ولقد كان المشركون يدعون رسول الله [ ص ] أن يوافقهم على دينهم , فيوافقوه على دينه ! وأن يسجد لآلهتم فيسجدوا لإلهه ! كأن ذلك يمكن أن يكون ! وكأن الشرك والإسلام يجتمعان في قلب ! وكأن العبودية لله يمكن أن تقوم مع العبودية لسواه ! وهو أمر لا يكون أبدا . فالله أغنى الشركاء عن الشرك وهو يطلب من عباده أن يخلصوا له العبودية ; ولا يقبل منهم عبوديتهم له إذا شابوها بشيء من العبودية لغيرة . . في قليل أو كثير . .
ومع أن المقصود في الآية أن يواجههم رسول الله [ ص ] بأنه منهي عن عبادة أي مما يدعون ويسمون من دون الله , فإن التعبير ب(الذين)في قوله تعالى:
(قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله). .


قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)
يستوقف النظر . فكلمة الذين تطلق على العقلاء . ولو كان المقصود هي الأوثان , والأصنام , وما إليها لعبر ب"ما" بدل(الذين). . فلا بد أن يكون المقصود بالذين نوعا آخر - مع الأصنام والأوثان وما إليها - نوعا من العقلاء الذين يعبر عنهم بالاسم الموصولSadالذين)فغلب العقلاء , ووصف الجميع بوصف العقلاء . . وهذا الفهم يتفق مع الواقع من جهة ; ومع المصطلحات الإسلامية في هذا المقام من جهة:
فمن جهة الواقع نجد أن المشركين ما كانوا يشركون بالله الأصنام والأوثان وحدها . ولكن كانوا يشركون معه الجن والملائكة والناس . . وهم ما كانوا يشركون الناس إلا في أن يجعلوا لهم حق التشريع للمجتمع وللأفراد . حيث يسنون لهم السنن , ويضعون لهم التقاليد ; ويحكمون بينهم في منازعاتهم وفق العرف والرأي . .
وهنا نصل إلى جهة المصطلحات الإسلامية . . فالإسلام يعتبر هذا شركا ; ويعتبر أن تحكيم الناس في أمور الناس تأليه لهم ; وجعلهم أندادا من دون الله . . وينهى الله عنه نهيه عن السجود للأصنام والأوثان ; فكلاهما في عرف الإسلام سواء . . شرك بالله , ودعوة أنداد من دون الله !
ثم يجيء الإيقاع الثاني موصولا بالإيقاع الأول ومتمما له: (قل:إني على بينة من ربي ; وكذبتم به , ما عندي ما تستعجلون به . إن الحكم إلا لله , يقص الحق , وهو خير الفاصلين). .
وهو أمر من الله - سبحانه - لنبيه [ ص ] أن يجهر في مواجهة المشركين المكذبين بربهم - بما يجده في نفسه من اليقين الواضح الراسخ , والدليل الداخلي البين , والإحساس الوجداني العميق , بربه . . ووجوده , ووحدانيته , ووحيه إليه . وهو الشعور الذي وجده الرسل من ربهم , وعبروا عنه مثل هذا التعبير أو قريبا منه:
قالها نوح - عليه السلام -Sadقال:يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي , وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ? أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ?). .
وقالها صالح - عليه السلام -: قال:يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة , فمن ينصرني من الله إن عصيته ? فما تزيدونني غير تخسير . .
وقالها إبراهيم - عليه السلام -: (وحاجه قومه . قال:أتحاجوني في الله وقد هدان ?). .
وقالها يعقوب - عليه السلام - لبنيه(فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا . قال ألم أقل لكم:إني أعلم من الله ما لا تعلمون ?). .
فهي حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب أوليائه ; ممن يتجلى الله لهم في قلوبهم ; فيجدونه - سبحانه - حاضرا فيها ; ويجدون هذه الحقيقة بينة هنالك في أعماقهم تسكب في قلوبهم اليقين بها . وهي الحقيقة التي يأمر الله نبيه أن يجهر بها في مواجهة المشركين المكذبين ; الذين يطلبون منه الخوارق لتصديق ما جاءهم به من حقيقة ربه , الحقيقة التي يجدها هو كاملة واضحة عميقة في قلبه:
(قل إني على بينة من ربي , وكذبتم به). .
كذلك كانوا يطلبون أن ينزل عليهم خارقة أو ينزل بهم العذاب , ليصدقوا أنه جاءهم من عند الله . . وكان يؤمر أن يعلن لهم حقيقة الرسالة وحقيقة الرسول ; وأن يفرق فرقانا كاملا بينها وبين حقيقة الألوهية ; وإن يجهر بأنه لا يملك هذا الذي يستعجلونه ; فالذي يملكه هو الله وحده ; وهو ليس إلها , إنما هو رسول:


قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)
(ما عندي ما تستعجلون به , إن الحكم إلا لله , يقص الحق وهو خير الفاصلين). .
إن إيقاع العذاب بهم بعد مجيء الخارقة وتكذيبهم بها حكم وقضاء ; ولله وحده الحكم والقضاء . فهو وحده الذي يقص الحق ويخبر به ; وهو وحده الذي يفصل في الأمر بين الداعي إلى الحق والمكذبين به . وليس هذا أو ذلك لأحد من خلقه .
وبذلك يجرد الرسول [ ص ] نفسه من أن تكون له قدرة , أو تدخل في شأن القضاء الذي ينزله الله بعباده . فهذا من شأن الألوهية وحدها وخصائصها , وهو بشر يوحي إليه , ليبلغ وينذر ; لا لينزل قضاء ويفصل . وكما أن الله سبحانه هو الذي يقص الحق ويخبر به ; فهو كذلك الذي يقضي في الأمر ويفصل فيه . . وليس بعد هذا تنزيه وتجريد لذات الله - سبحانه - وخصائصه , عن ذوات العبيد . .
ثم يؤمر أن يلمس قلوبهم وعقولهم ويلفتها إلى دلالة قوية على أن هذا الأمر من عند الله , ومتروك لمشيئة الله . فلو أن أمر الخوارق - بما فيها إنزال العذاب - في مقدوره - وهو بشر - ما استطاع أن يمسك نفسه عن الاستجابة لهم , وهم يلحفون هذا الإلحاف . ولكن لأن الأمر بيد الله وحده , فهو يحلم عليهم ; فلا يجيئهم بخارقة يتبعها العذاب المدمر , إن هم كذبوا بها كما فعل بمن قبلهمSadقل:لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم , والله أعلم بالظالمين). .
إن للطاقة البشرية حدودا في الصبر والحلم والإمهال . وما يحلم على البشر ويمهلهم - على عصيانهم وتمردهم وتبجحهم - إلا الله الحليم القوي العظيم . .
وصدق الله العظيم . . فإن الإنسان ليرى من بعض الخلق ما يضيق به الصدر , وتبلغ منه الروح الحلقوم . . ثم ينظر فيجد الله - سبحانه - يسعهم في ملكه , ويطعمهم , ويسقيهم , ويغدق أحيانا علهيم , ويفتح عليهم أبواب كل شيء . . وما يجد الإنسان إلا أن يقول قوله أبي بكر - رضي الله عنه - والمشركون يضربونه الضرب المبرح الغليظ , حتى ما يعرف له أنف من عين:"رب ما أحلمك ! رب ما أحلمك ! " . . فإنما هو حلم الله وحده . . وهو يستدرجهم من حيث لا يعلمون ! (والله أعلم بالظالمين). .
فهو يمهلهم عن علم , ويملي لهم عن حكمة , ويحلم عليهم وهو قادر على أن يجيبهم إلى ما يقترحون , ثم ينزل بهم العذاب الأليم . .
الدرس الثاني:59 مفاتح الغيب ومجالات علم الله
وبمناسبة علم الله - سبحانه - بالظالمين ; واستطرادا في بيان حقيقة الألوهية ; يجلي هذه الحقيقة في مجال ضخم عميق من مجالاتها الفريدة . . مجال الغيب المكنون , وعلم الله المحيط بهذا الغيب إحاطته بكل شيء , ويرسم صورة فريدة لهذا العلم ; ويرسل سهاما بعيدة المدى تشير إلى آماده وآفاقه من بعيدSadوعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو , ويعلم ما في البر والبحر , وما تسقط من ورقة إلا يعلمها , ولا حبة في ظلمات الأرض , ولا رطب ولا يابس , إلا في كتاب مبين). .
إنها صورة لعلم الله الشامل المحيط ; الذي لا يند عنه شيء في الزمان ولا في المكان , في الأرض ولا في السماء , في البر ولا في البحر , في جوف الأرض ولا في طباق الجو , من حي وميت ويابس ورطب . . .
ولكن أين هذا الذي نقوله نحن - بأسلوبنا البشري المعهود - من ذلك النسق القرآني العجيب ? وأين


وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (59)
هذا التعبير الإحصائي المجرد , من ذلك التصوير العميق الموحي ?
إن الخيال البشري لينطلق وراء النص القصير يرتاد آفاق المعلوم والمجهول , وعالم الغيب وعالم الشهود , وهو يتبع ظلال علم الله في أرجاء الكون الفسيح , ووراء حدود هذا الكون المشهود . . وإن الوجدان ليرتعش وهو يستقبل الصور والمشاهد من كل فج وواد . وهو يرتاد - أو يحاول أن يرتاد - أستار الغيوب المختومة في الماضي والحاضر والمستقبل ; البعيدة الآماد والآفاق والأغوار . . مفاتحها كلها عند الله ; لا يعلمها إلا هو . . ويجول في مجاهل البر وفي غيابات البحر , المكشوفة كلها لعلم الله . ويتبع الأوراق الساقطة من أشجار الأرض , لا يحصيها عد , وعين الله على كل ورقة تسقط , هنا وهنا وهناك . ويلحظ كل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض لا تغيب عن عين الله . ويرقب كل رطب وكل يابس في هذا الكون العريض , لا يند منه شيء عن علم الله المحيط . .
إنها جولة تدير الرؤوس , وتذهل العقول . جولة في آماد من الزمان , وآفاق من المكان , وأغوار من المنظور والمحجوب , والمعلوم والمجهول . . جولة بعيدة موغلة مترامية الأطراف , يعيا بتصور آمادها الخيال . . وهي ترسم هكذا دقيقة كاملة شاملة في بضع كلمات . .
ألا إنه الإعجاز !
وننظر إلى هذه الآية القصيرة من أي جانب فنرى هذا الإعجاز , الناطق بمصدر هذا القرآن .
ننظر إليها من ناحية موضوعها , فنجزم للوهلة الأولى بأن هذا كلام لا يقوله بشر ; فليس عليه طابع البشر . . إن الفكر البشري - حين يتحدث عن مثل هذا الموضوع:موضوع شمول العلم وإحاطته - لا يرتاد هذه الآفاق . . إن مطارح الفكر البشري وانطلاقاته في هذا المجال لها طابع آخر ولها حدود . إنه ينتزع تصوراته التي يعبر عنها من اهتماماته . . فما اهتمام الفكر البشري بتقصي وإحصاء الورق الساقط من الشجر , في كل أنحاء الأرض ? إن المسألة لا تخطر على بال الفكر البشري ابتداء . لا يخطر على باله أن يتتبع ويحصي ذلك الورق الساقط في أنحاء الأرض . ومن ثم لا يخطر له أن يتجه هذا الاتجاه ولا أن يعبر هذا التعبير عن العلم الشامل ! إنما الورق الساقط شأن يحصيه الخالق ; ويعبر عنه الخالق !
وما اهتمام الفكر البشري بكل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض ? إن أقصى ما يحفل به بنو البشر هو الحب الذي يخبأونه هم في جوف الأرض ويرتقبون إنباته . . فأما تتبع كل حبة مخبوءة في ظلمات الأرض ; فمما لا يخطر للبشر على بال أن يهتموا به , ولا أن يلحظوا وجوده , ولا أن يعبروا به عن العلم الشامل ! إنما الحب المخبوء في ظلمات الأرض شان يحصيه الخالق , ويعبر عنه الخالق !
وما اهتمام الفكر البشري بهذا الإطلاق: (ولا رطب ولا يابس). . إن أقصى ما يتجه إليه تفكير البشر هو الانتفاع بالرطب واليابس مما بين أيديهم . . فأما التحدث عنه كدليل للعلم الشامل . فهذا ليس من المعهود في اتجاه البشر وتعبيراتهم كذلك ! إنما كل رطب وكل يابس شأن يحصيه الخالق , ويعبر عنه الخالق !
ولا يفكر البشر أن تكون كل ورقة ساقطة , وكل حبة مخبوءة , وكل رطب وكل يابس في كتاب مبين . وفي سجل محفوظ . . فما شأنهم بهذا , وما فائدته لهم ? وما احتفالهم بتسجيله ? إنما الذي يحصيه ويسجله هو صاحب الملك , الذي لا يند عنه شيء في ملكه . . الصغير كالكبير ; والحقير كالجليل ; والمخبوء كالظاهر ; والمجهول كالمعلوم ; والبعيد كالقريب . .
إن هذا المشهد الشامل الواسع العميق الرائع . . مشهد الورق الساقط من شجر الأرض جميعا , والحب المخبوءفي أطواء الأرض جميعا , والرطب واليابس في أرجاء الأرض جميعا . . إن هذا المشهد كما أنه لا يتجه إليه الفكر البشري والاهتمام البشري ; وكذلك لا تلحظه العين البشرية ; ولا تلم به النظرة البشرية . . إنه المشهد الذي يتكشف هكذا بجملته لعلم الله وحده ; المشرف على كل شيء , المحيط بكل شيء . . الحافظ لكل شيء , الذي تتعلق مشيئته وقدره بكل شيء . . الصغير كالكبير , والحقير كالجليل , والمخبوء كالظاهر , والمجهول كالمعلوم , والبعيد كالقريب . .
والذين يزاولون الشعور ويزاولون التعبير من بني البشر يدركون جيدا حدود التصور البشري , وحدود التعبير البشري أيضا . ويعلمون - من تجربتهم البشرية - أن مثل هذا المشهد , لا يخطر على القلب البشري ; كما أن مثل هذا التعبير لا يتأتى له أيضا . . والذين يمارون في هذا عليهم أن يراجعوا قول البشر كله , ليروا إن كانوا قد اتجهوا مثل هذا الاتجاه أصلا !
وهذه الآية وأمثالها في القرآن الكريم تكفي وحدها لمعرفة مصدر هذا الكتاب الكريم . .
كذلك ننظر إليها من ناحية الإبداع الفني في التعبير ذاته , فنرى آفاقا من الجمال والتناسق لا تعرفها أعمال البشر , على هذا المستوى السامق:
(وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو). . آماد وآفاق وأغوار في "المجهول" المطلق . في الزمان والمكان , وفي الماضي والحاضر والمستقبل , وفي أحداث الحياة وتصورات الوجدان . .
(ويعلم ما في البر والبحر). . آماد وآفاق وآغوار في "المنظور" , على استواء وسعة وشمول . . تناسب في عالم الشهود المشهود تلك الآماد والآفاق والأغوار في عالم الغيب المحجوب .
(وما تسقط من ورقة إلا يعلمها). . حركة الموت والفناء ; وحركة السقوط والانحدار , من علو إلى سفل , ومن حياة إلى اندثار .
(ولا حبة في ظلمات الأرض). . حركة البزوغ والنماء , المنبثقة من الغور إلى السطح , ومن كمون وسكون إلى اندفاع وانطلاق .
(ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين). . التعميم الشامل , الذي يشمل الحياة والموت , والأزدهار والذبول ; في كل حي على الإطلاق . .
فمن ذا الذي يبدع ذلك الاتجاه والانطلاق ? ومن ذا الذي يبدع هذا التناسق والجمال ? . . من ذا الذي يبدع هذا كله وذلك كله , في مثل هذا النص القصير . . من ? إلا الله !
ثم نقف أمام قوله تعالى:
(وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو). .
نقف لنقول كلمة عن(الغيب)و(مفاتحه)واختصاص الله - سبحانه - "بالعلم" بها . . ذلك أن حقيقة الغيب من "مقومات التصور الإسلامي" الأساسية ; لأنها من مقومات العقيدة الإسلامية الأساسية ; ومن قواعد "الإيمان" الرئيسية . . وذلك أن كلمات(الغيب)و"الغيبية " تلاك في هذه الأيام كثيرا - بعد ظهور المذهب المادي - وتوضع في مقابل "العلم" و"العلمية " . . والقرآن الكريم يقرر أن هناك "غيبا لا يعلم مفاتحه" إلا الله . ويقرر أن ما أوتيه الإنسان من العلم قليل . . وهذا القليل إنما آتاه الله له بقدر ما يعلم هو - سبحانه -من طاقته ومن حاجته . وأن الناس لا يعلمون - فيما وراء العلم الذي أعطاهم الله إياه - إلا ظنا , وأن الظن لا يغني من الحق شيئا . . كما يقرر - سبحانه - أن الله قد خلق هذا الكون , وجعل له سننا لا تتبدل ; وأنه علم الإنسان أن يبحث عن هذه السنن ويدرك بعضها ; ويتعامل معها - في حدود طاقته وحاجته - وأنه سيكشف له من هذه السنن في الأنفس والآفاق ما يزيده يقينا وتأكدا أن الذي جاءه من عند ربه هو الحق . . دون أن يخل هذا الكشف عن سنن الله التي لا تبديل لها , بحقيقة "الغيب" المجهول للإنسان , والذي سيظل كذلك مجهولا , ولا بحقيقة طلاقة مشيئة الله وحدوث كل شيء بقدر غيبي خاص من الله , ينشى ء هذا الحدث ويبرزه للوجود . . في تناسق تام في العقيدة الإسلامية , وفي تصور المسلم الناشى ء من حقائق العقيدة . .
فهذه الحقائق بجملتها - على هذا النحو المتعدد الجوانب المتناسق المتكامل - تحتاج منا هنا - في الظلال - إلى كلمة نحاول بقدر الإمكان أن تكون مجملة , وألا تخرج عن حدود المنهج الذي اتبعناه في الظلال أيضا .
إن الله سبحانه يصف المؤمنين في مواضع كثيرة من القرآن بأنهم الذين يؤمنون بالغيب ; فيجعل هذه الصفة قاعدة من قواعد الإيمان الأساسية:
الم . ذلك الكتاب لا ريب فيه , هدى للمتقين:الذين يؤمنون بالغيب , ويقيمون الصلاة , ومما رزقناهم ينفقون , والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون . أولئك على هدى من ربهم , وأولئك هم المفلحون . . [ البقرة:5 - 1 ] .
والإيمان بالله - سبحانه - هو إيمان بالغيب . فذات الله - سبحانه - غيب بالقياس إلى البشر ; فإذا آمنوا به فإنما يؤمنون بغيب , يجدون آثار فعله , ولا يدركون ذاته , ولا كيفيات أفعاله .
والإيمان بالآخرة كذلك , هو إيمان بالغيب . فالساعة بالقياس إلى البشر غيب , وما يكون فيها من بعث وحساب وثواب وعقاب كله غيب يؤمن به المؤمن , تصديقا لخبر الله سبحانه .
والغيب الذي يتحقق الإيمان بالتصديق به يشمل حقائق أخرى يذكرها القرآن الكريم في وصف واقع المؤمنين وعقيدتهم الشاملة:
(آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون . كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله . لا نفرق بين أحد من رسله . وقالوا:سمعنا وأطعنا . غفرانك ربنا , وإليك المصير). . [ البقرة:285 ] .
فنجد في هذا النص أن رسول الله [ ص ] والمؤمنين كذلك , كل آمن بالله - وهو غيب - وآمن بما أنزل الله على رسوله - وما أنزل الله على رسوله فيه جانب من إطلاعه [ ص ] على جانب من الغيب بالقدر الذي قدره الله - سبحانه - كما قال في الآية الأخرى: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول . . [ الجن:27 - 26 ] .
وآمن بالملائكة - وهي غيب - لا يعرف عنه البشر إلا ما يخبرهم به الله , على قدر طاقتهم وحاجتهم .
ويبقى من الغيب الذي لا يقوم الإيمان إلا بالتصديق به:قدر الله - وهو غيب لا يعلمه الإنسان حتى يقع - كما جاء في حديث الإيمان:" . . . والقدر خيره وشره " . . . [ اخرجه الشيخان ] " . .
على أن الغيب في هذا الوجود يحيط بالإنسان من كل جانب . . غيب في الماضي وغيب في الحاضر , وغيبفي المستقبل . . غيب في نفسه وفي كيانه , وغيب في الكون كله من حوله . . غيب في نشأة هذا الكون وخط سيره , وغيب في طبيعته وحركته . . غيب في نشأة الحياة وخط سيرها , وغيب في طبيعتها وحركتها . . غيب فيما يجهله الإنسان , وغيب فيما يعرفه كذلك !
ويسبح الإنسان في بحر من المجهول . . حتى ليجهل اللحظة ما يجري في كيانة هو ذاته فضلا على ما يجري حوله في كيان الكون كله ; وفضلا عما يجري بعد اللحظة الحاضرة له وللكون كله من حوله:ولكل ذره , وكل كهرب من ذرة ; وكل خلية وكل جزئي من خلية !
إنه الغيب . . إنه المجهول . . والعقل البشري - تلك الذبالة القريبة المدى - إنما يسبح في بحر المجهول . فلا يقف إلا على جزر طافية هنا وهنالك يتخذ منها معالم في الخضم . ولولا عون الله له , وتسخير هذا الكون , وتعليمه هو بعض نواميسه , ما استطاع شيئا . . ولكنه لا يشكر . . (وقليل من عبادي الشكور). . بل إنه في هذه الأيام ليتبجح بما كشف الله له من السنن , وبما آتاه من العلم القليل . . يتبجح فيزعم أحيانا أن "الإنسان يقوم وحده" ولم يعد في حاجة إلى إله يعينه ! ويتبجح أحيانا فيزعم أن "العلم" يقابل "الغيب" وأن "العلمية " في التفكير والتنظيم تقابل "الغيبية " وأنه لا لقاء بين العلم والغيب ; كما أنه لا لقاء بين العقلية العلمية والعقلية الغيبية !
فلنلق نظرة على وقفة "العلم" أمام "الغيب" . . في بحوث وأقوال "العلماء" من بني البشر أنفسهم - بعد أن نقف أمام كلمة الفصل التي قالها العليم الخبير عن علم الإنسان القليل - (وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا). . . [ الإسراء:85 ] (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى). . [ النجم:29 ] وأن الغيب كله لله: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو). . . [ الأنعام:59 ] وأن الذي يعلم الغيب هو الذي يرىSadأعنده علم الغيب فهو يرى ?). . [ النجم:35 ] . . . وهي ناطقة بذاتها عن مدلولاتها . .
فلنلق نظرة على وقفة "العلم" أمام "الغيب" في بحوث وأقوال العلماء من بني الإنسان لا لنصدق بها كلمة الفصل من الله سبحانه - فحاشا للمؤمن أن يصدق قول الله بقول البشر - ولكننا نقف هذه الوقفة لنحاكم الذين يلوكون كلمات العلم والغيب , والعلمية والغيبية , إلى ما يؤمنون هم به من قول البشر ! ليعلموا أن عليهم هم أن يحاولوا "الثقافة " و"المعرفة " ليعيشوا في زمانهم ; ولا يكونوا متخلفين عن عقليته ومقررات تجاربه !
وليستيقنوا أن "الغيب" هو الحقيقة "العلمية " الوحيدة المستيقنة من وراء كل التجارب والبحوث والعلم الإنساني ذاته ! وأن "العلمية " في ضوء التجارب والنتائج الأخيرة مرادفة تماما "للغيبية " . . أما الذي يقابل الغيبية حقا فهو "الجهلية " !!! الجهلية التي تعيش في القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر - ربما - ولكنها لا تعيش في القرن العشرين !!!
عالم معاصر - من أمريكا - يقول عن "الحقائق" التي يصل إليها "العلم" بجملتها:
"إن العلوم حقائق مختبرة ; ولكنها مع ذلك تتأثر بخيال الإنسان وأوهامه ومدى بعده عن الدقة في ملاحظاته وأوصافه واستنتاجاته . ونتائج العلوم مقبولة داخل هذه الحدود . فهي بذلك مقصورة على الميادين الكمية في الوصف والتنبؤ . وهي تبدأ بالاحتمالات , وتنتهي بالاحتمالات كذلك . . وليس باليقين . . ونتائج العلوم بذلك تقريبية , وعرضة للأخطاء المحتملة في القياس والمقارنات ; ونتائجها اجتهادية , وقابلة للتعديل بالإضافةوالحذف , وليست نهائية . وإننا لنرى أن العالم عندما يصل إلى قانون أو نظرية يقول:إن هذا هو ما وصلنا إليه حتى الآن , ويترك الباب مفتوحا لما قد يستجد من التعديلات" .
وهذه الكلمة تلخص حقيقة جميع النتائج التي وصل إليها العلم , والتي يمكن أن يصل إليها كذلك . فطالما أن "الإنسان" بوسائله المحدودة , بل بوجوده المحدود بالقياس إلى الأزل والأبد هو الذي يحاول الوصول إلى هذه النتائج ; فإنه من الحتم أن تكون مطبوعة بطابع هذا الإنسان , ولها مثل خصائصه من كونها محدودة المدى ; وقابلة للخطأ والصواب , والتعديل والتبديل . .
على أن الوسيلة التي يصل بها الإنسان إلى أية نتيجة هي التجربة والقياس . فهو يجرب , ثم يعمم النتيجة التي يصل إليها عن طريق القياس ; والقياس - باعتراف العلم وأهله - وسيلة تؤدي إلى نتيجة ظنية ; ولا يمكن أبدا أن تكون قطعية ولا نهائية . والوسيلة الأخرى - وهي التجربة والاستقصاء بمعنى تعميم التجربة على كل ما هو من جنس ما وقعت عليه التجارب في جميع الأزمنة وفي جميع الظروف - وسيلة غير مهيأة للإنسان . وهي إحدى الوسائل الموصلة إلى نتائج قطعية . ولا سبيل إلى نتيجة قطعية وحقيقة يقينية إلا عن طريق هدى الله الذي يبينه للناس . ومن ثم يبقى علم الإنسان فيما وراء ما قرره الله له , علما ظنيا لا يصل إلى مرتبة اليقين بحال !
على أن "الغيب" ضارب حول الإنسان فيما وراء ما يصل إليه علمه الظني ذاك . . .
هذا الكون من حوله . . إنه ما يزال يضرب في الفروض والنظريات حول مصدره ونشأته وطبيعته وحول حركته , وحول "الزمان" ما هو وحول "المكان" وارتباطه بالزمان وارتباط ما يجري في الكون بالزمان والمكان .
والحياة . ومصدرها . ونشأتها . وطبيعتها . وخط سيرها . والمؤثرات فيها . وارتباطها بهذا الوجود "المادي" ! إن كان هناك في الكون مادة على الإطلاق ذات طبيعة غير طبيعة "الفكر" وغير طبيعة الطاقة على العموم !
"والإنسان" ما هو ? ما الذي يميزه من المادة ? وما الذي يميزه عن بقية الأحياء ? وكيف جاء إلى هذه الأرض وكيف يتصرف ? وما "العقل" الذي يتميز به ويتصرف ? وما مصيره بعد الموت والإنحلال ? . .
بل هذا الكيان الإنساني ذاته , ما الذي يجري في داخله من تحليل وتركيب في كل لحظة ? وكيف يجري ? . .
إنها كلها ميادين للغيب , يقف العلم على حافاتها , ولا يكاد يقتحهما , حتى على سبيل الظن والترجيح . وإن هي إلا فروض واحتمالات !
ولندع ما لا يشغل العلم به نفسه - إلا قليلا في هذا القرن - من حقيقة الألوهية , وحقيقة العوالم الأخرى من ملائكة وجن وخلق لا يعلمه إلا الله . ومن حقيقة الموت , وحقيقة الآخرة . وحقيقة الحساب والجزاء . . لندع هذا كله لحظة ففي "الغيب" القريب , الكفاية , ومن هذا الغيب يقف العلم وقفة التسليم , الذي لا يخرج عنه إلا من يؤثرون المراء على "العلم" والتبجح على الإخلاص !
ونضرب بعض الأمثال . .
1 - في قاعدة بناء الكون وسلوكه:
الذرة - فيما يقول العلم الحديث - قاعدة بناء الكون . وليست هي أصغر وحدة في بناء هذا العالم . فهي مؤلفة من بروتونات [ طاقة كهربية موجبة ] والكترونات [ طاقة كهربية سالبة ] ونيوترونات [ طاقة محايدة مكونه من طاقة كهربائية موجبة وطاقة كهربائية سالبة متعادلتين ساكنتين ] وحين تحطم الذرة تتحرر الكهارب [ الإلكترونات ] ولكنها لا تسلك في المعمل سلوكا حتميا موحدا . فهي تسلك مرة كأنها أمواج ضوئية ومرة كأنها قذائف . ولا يمكن تحديد سلوكها المقبل مقدما . وإنما هي تخضع لقانون آخر - غير الحتمية - هو قانون الاحتمالات . وكذلك تسلك الذرة نفسها , والمجموعة المحدودة من الذرات [ في صورة جزيئات ] هذا السلوك . يقول سير جيمس جيننر - الإنجليزي - الأستاذ في الطبيعيات والرياضيات:
"لقد كان العلم القديم يقرر تقرير الواثق , أن الطبيعة لا تستطيع أن تسلك إلا طريقا واحدا:وهو الطريق الذي رسم من قبل , لتسير فيه من بداية الزمن إلى نهايته , وفي تسلسل مستمر بين علة ومعلول , وألا مناص من أن الحالة [ أ ] تتبعها الحالة [ ب ] أما العلم الحديث فكل ما يستطيع أن يقوله حتى الآن هو:أن الحالة [ أ ] يحتمل أن تتبعها [ ب ] أو [ ج ] أو [ د ] أو غيرها من الحالات الأخرى التي يخطئها الحصر . نعم إن في استطاعته أن يقول:إن حدوث الحالة [ ب ] أكثر أحتمالا من حدوث الحالة [ ج ] وإن الحالة [ ج ] أكثر احتمالا من الحالة [ د ] . . وهكذا بل إن في مقدوره أن يحدد درجة احتمال كل حالة من الحالات [ ب ] و [ ج ] و [ د ] بعضها بالنسبة إلى بعض . ولكنه لا يستطيع أن يتنبأ عن يقين:أي الحالات تتبع الأخرى . لأنه يتحدث دائما عما يحتمل . أما ما يجب أن يحدث فأمره موكول إلى الأقدار - مهما تكن حقيقة هذه الأقدار ! " .
فمإذا يكون "الغيب" وماذا يكون قدر الله المغيب عن علم الإنسان , إن لم يكن هو هذا الذي تنتهي إليه تجارب العلم الإنساني , وتقف على عتباته في صلب الكون وذراته ?
ويضرب مثلا لذلك إشعاع ذرات الراديوم , وتحولها إلى رصاص وهليوم . . وهي خاضعة تماما لقدر مجهول , وغيب مستور , يقف دونه علم الإنسان:
"ولنضرب لذلك مثلا ماديا يريده وضوحا:من المعروف أن ذرات الراديوم وغيره من المواد ذات النشاط الإشعاعي , تتفكك بمجرد مرور الزمن عليها , وتخلف وراءها ذرات من الرصاص والهليوم . ولهذا فإن كتلة من الراديوم ينقص حجمها باستمرار , ويحل مكانها رصاص وهليوم . والقانون العام الذي يتحكم في معدل التناقص غريب غاية الغرابة . ذلك أن كمية من الراديوم تنقص بنفس الطريقة التي ينقص بها عدد من السكان , إذا لم تجد عليهم مواليد , وكانت نسبة تعرض كل منهم للوفاة واحدة بغض النظر عن السن ; أو أنها تنقص كما ينقص عدد أفراد كتيبة من الجند معرضين لنيران ترسل عليهم اعتباطا , ومن غير أن يكون أحدهم مقصودا لذاته . ومجمل القول إنه ليس لكبر السن أثر ما في ذرة الراديوم الواحدة . فإنها لا تموت لأنها قد استوفت حظها من الحياة , بل لأن المنية قد أصابتها خبط عشواء .

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية: 20
عدد المساهمات: 7431
المهارة: 41704
تاريخ التسجيل: 16/04/2010
الكفاءة: 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 9:21 pm

ولنوضح هذه الحقيقة بمثل مادي فنقول:إذا فرض أن بحجرتنا ألفين من ذرات الراديوم . فإن العلم لا يستطيع أن يقول:كم منها يبقى حيا بعد عام . بل كل ما يستطيعه هو أن يذكر فقط الاحتمالات التي ترجح بقاء 2000 أو 1999 أو 1998 , وهكذا . وأكثر الأمور احتمالا في الواقع هو أن يكون العدد 1999 , أي أن أرجح الاحتمالات هو أن ذرة واحدة لا أكثر من الألفي ذرة , هي التي تتحلل في العام التالي .
"ولسنا ندري بأية طريقة تختار تلك الذرة المعينة من بين هذه الألفي ذرة . وقد نشعر في بادى ء الأمر بميل إلى افتراض أن هذه الذرة ستكون هي التي تتعرض للاصطدام أكثر من غيرها , أو التي تقع في أشد الأمكنة حرارة , أو التي يصادفها غير هذا أو ذاك من الأسباب في العام التالي . ولكن هذا كله غير صحيح , لأنه إذا كان في استطاعة الصدمات أو الحرارة أن تفكك ذرة واحدة , فإن في استطاعتها أيضا أن تفكك ال 1999 ذرة الباقية , ويكون في استطاعتنا أن نعجل بتفكيك الراديوم بمجرد ضغطه أو تسخينه ; ولكن كل عالم من علماء الطبيعة يقرر أن ذلك مستحيل ; بل هو يعتقد على الأرجح أن الموت يصيب في كل عام ذرة واحدة من كل 2000 من ذرات الراديوم , ويضطرها إلى أن تتفكك . وهذه هي نظرية "التفكك التلقائي" التي وضعها "رذرفورد" و"سدي" في عام 1903
فكيف إذن يكون القدر الغيبي إن لم يكن هو هذا الذي تتشعع به الذرات على غير اختيار منها ولا من أحد . وعلى غير علم منها ولا من أحد ?!
إن الرجل الذي يقول هذا الكلام , لا يريد أن يثبت به القدر الإلهي المغيب عن الناس . بل إنه ليحاول جاهدا أن يهرب من ضغط النتائج التي ينتهي إليها العلم البشري ذاته . ولكن حقيقة الغيب تفرض نفسها عليه فرضا على النحو الذي نراه !
2 - وكما تفرض حقيقة "الغيب" نفسها على قاعدة بناء الكون وحركته , فهي كذلك تفرض نفسها على قاعدة انبثاق الحياة وحركتها بنفس القوة في النتائج التي ينتهي إليها العلم البشري .
يقول عالم الأحياء والنبات "رسل تشارلز إرنست" الأستاذ بجامعة فرانكفورت بألمانيا:
"لقد وضعت نظريات عديدة لكي تفسر نشأة الحياة من عالم الجمادات ; فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين , أو من الفيروس , أو من تجمع بعض الجزئيات البروتينية الكبيرة . وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات . ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية , قد باءت بفشل وخذلان ذريعين . ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع الذرات والجزيئات عن طريق المصادفة , يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية . وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة , فهذا شأنه وحده ! ولكنه إذ يفعل ذلك , فإنما يسلم بأمر أشد إعجازا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله , الذين خلق الأشياء ودبرها .
"إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها . وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شهادة تقوم على الفكر والمنطق . ولذلك فإننيأؤمن بوجود الله إيمانا راسخًا" .
والذي يهمنا هنا من هذه الشهادة هو أن سر الحياة ونشأتها غيب من غيب الله , كنشأة الكون وحركته ; وأن ليس لدى البشر عن ذلك إلا الاحتمالات . وصدق الله العظيم: (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم). . .
3 - ونخطو خطوة واسعة لنصل إلى الإنسان . . إن الدفقة الواحدة من ماء الرجل تحتوي على نحو ستين مليونا من الحيوانات المنوية . . كلها تدخل في سباق لتلحق بالبويضة في رحم المرآة . . ولا يعلم أحد من الذي يسبق ! فهو غيب , أو هو قدر غيبي لا علم للبشر به - بما فيهم الرجل والمرأة صاحبا الدور في هذا الأمر ! - ثم يصل السابق من بين ستين مليونا ! ويلتحم مع البويضة ليكونا معا خلية واحدة ملقحة هي التي ينتج منها الجنين . ولما كانت كل كروموسومات البويضة مؤنثة , بينما كروموسومات الحيوان المنوي بعضها مذكر وبعضها مؤنث ; فإن غلبة عدد كروموسومات التذكير أو كروموسومات التأنيث في الحيوان المنوي الذي يلتحم بالبويضة , هو الذي يقرر مصير الجنين - ذكرا أو أنثى - وهذا خاضع لقدر الله الغيبي لا علم به ولا دخل للبشر - بما فيهم أبوا الجنين أنفسهماSadالله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد . وكل شيء عنده بمقدار . عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال). . [ الرعد:9 - 8 ](لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور . أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما , إنه عليم قدير). . [ الشورى:50 - 49 ] (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك , لا إله إلا هو فأني تصرفون ?). . . [ الزمر:6 ] .
هذا هو "الغيب" الذي يقف أمامه "العلم" البشري ; ويواجهه في القرن العشرين . . بينما الذين يعيشون على فتات القرون الماضية يزعمون أن "الغيبية " تنافي "العلمية " . وأن المجتمع الذي يريد أن يعيش بعقلية علمية ينبغي له أن يتخلص من العقلية الغيبية ! ذلك بينما العلم البشري ذاته . . علم القرن العشرين . . يقول:إن كل ما يصل إليه من النتائج هو "الاحتمالات" ! وإن الحقيقة المستيقنة الوحيدة هي أن هنالك "غيبًا" لا شك فيه !
على أننا قبل أن نغادر هذه الوقفة المجملة أمام حقيقة الغيب , ينبغي أن نقول كلمة عن طبيعة "الغيب" في العقيدة الإسلامية , وفي التصور الإسلامي , وفي العقلية الإسلامية .
إن القرآن الكريم - وهو المصدر الأساسي للعقيدة الإسلامية التي تنشى ء التصور الإسلامي والعقلية الإسلامية - يقرر أن هناك عالما للغيب وعالما للشهادة . فليس كل ما يحيط بالإنسان غيبا , وليس كل ما يتعامل معه من قوى الكون مجهولا . .
إن هنالك سننا ثابته لهذا الكون ; يملك "الإنسان" أن يعرف منها القدر اللازم له , حسب طاقته وحسب حاجته , للقيام بالخلافة في هذه الأرض . وقد أودعه الله القدرة على معرفة هذا القدر من السنن الكونية ; وعلى تسخير قوى الكون وفق هذه السنن للنهوض بالخلافة , وتعمير الأرض , وترقية الحياة , والانتفاع بأقواتها وأرزاقها وطاقاتها . .
وإلى جانب هذه السنن الثابته - في عمومها - مشيئة الله الطليقة ; لا تقيدها هذه السنن وإن كانت من عملها . وهناك قدر الله الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها . فهي ليست آلية بحتة , فالقدر هو المسيطر على كل حركة فيها ; وإن جرت وفق السنة التي أودعها الله إياها . وهذا القدر الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها "غيب" لا يعلمه أحد علم يقين ; وأقصى ما يصل إليه الناس هو الظنون و"الاحتمالات" . . وهذا ما يعترف به العلم البشري أيضًا . .
وإن ملايين الملايين من العمليات لتتم في كيان الإنسان في اللحظة الواحدة ; وكلها "غيب" بالقياس إليه , وهي تجري في كيانه ! ومثلها ملايين ملايين العمليات التي تتم في الكون من حوله ; وهو لا يعلمها !
وإن الغيب ليحيط بماضيه وماضي الكون . وحاضره وحاضر الكون . ومستقبله ومستقبل الكون . . وذلك مع وجود السنن الثابتة , التي يعرف بعضها , وينتفع بها انتفاعا علميا منظما في النهوض بعبء الخلافة .
وإن "الإنسان" ليجيء إلى هذا العالم على غير رغبة منه ولا علم بموعد قدومه ! وإنه ليذهب عن هذا العالم على غير رغبة منه ولا علم بموعد رحيله ! . . وكذلك كل شيء حي . . ومهما تعلم ومهما عرف , فإن هذا لن يغير من هذا الواقع شيئا !
إن العقلية الإسلامية عقلية "غيبية علمية " لأن "الغيبية " هي "العلمية " بشهادة "العلم" والواقع . . أما التنكر للغيب فهو "الجهلية " التي يتعالم أصحابها وهم بهذه الجهالة !
وإن العقلية الإسلامية لتجمع بين الاعتقاد بالغيب المكنون الذي لا يعلم مفاتحه إلا الله ; وبين الاعتقاد بالسنن التي لا تتبدل , والتي تمكن معرفة الجوانب اللازمة منها لحياة الإنسان في الأرض , والتعامل معها على قواعد ثابته . . فلا يفوت المسلم "العلم" البشري في مجاله , ولا يفوته كذلك إدراك الحقيقة الواقعية ; وهي أن هنالك غيبا لا يطلع الله عليه أحدا , إلا من شاء , بالقدر الذي يشاء . .
والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها "الفرد" فيتجاوز مرتبة "الحيوان" الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه , إلى مرتبة "الإنسان" الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدود الذي تدركه الحواس - أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس - وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله , ولحقيقة وجوده الذاتي , ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود ; وفي إحساسه بالكون , وما وراء الكون من قدرة وتدبير . كما أنها بعيدة الآثر في حياته على الأرض . فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته ; ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه ; ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود ; وأن وراء الكون . . ظاهرة وخافية . . حقيقة أكبر من الكون , هي التي صدر عنها , واستمد من وجودها وجوده . . حقيقة الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار , ولا تحيط بها العقول . .
. . . "لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة . ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان - كجماعة الماديين في كل زمان - يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى . . إلى عالم البهيمة , الذي لا وجود فيه لغير المحسوس ! ويسمون هذا "تقدمية " ! وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها . فجعل صفتهم المميزة هي صفة: (الذين يؤمنون بالغيب). . . والحمد لله على نعمائه ; والنكسة للمنتكسين والمرتكسين" .
والذين يتحدثون عن "الغيبية " و"العلمية " يتحدثون كذلك عن "الحتمية التاريخية " كأن كل المستقبل مستيقن ! و"العلم" في هذا الزمان يقول:إن هناك "احتمالات" وليست هنالك "حتميات" !
ولقد كان ماركس من المتنبئين "بالحتميات" ! ولكن أين نبوءات ماركس اليوم ?
لقد تنبأ بحتمية قيام الشيوعية في انجلترا , نتيجة بلوغها قمة الرقي الصناعي ومن ثم قمة الرأسمالية في جانب والفقر العمالي في جانب آخر . . فإذا الشيوعية تقوم في أكثر الشعوب تخلفا صناعيا . . في روسيا والصين وما إليها . . ولا تقوم قط في البلاد الصناعية الراقية !
ولقد تنبأ لينين وبعده ستالين بحتمية الحرب بين العالم الرأسمالي والعالم الشيوعي . وها هو ذا خليفتهما "خروشوف" يحمل راية "التعايش السلمي" !
ولا نمضي طويلا مع هذه "الحتميات" التنبؤية ! فهي لا تستحق جدية المناقشة !
إن هنالك حقيقة واحدة مستيقنة هي حقيقة الغيب , وكل ما عداها احتمالات . وإن هنالك حتمية واحدة هي وقوع ما يقضي به الله ويجري به قدره . وقدر الله غيب لا يعلمه إلا هو . وإن هنالك - مع هذا وذلك - سننا للكون ثابته , يملك الإنسان أن يتعرف إليها , ويستعين بها في خلافة الأرض , مع ترك الباب مفتوحا لقدر الله النافذ ; وغيب الله المجهول . . وهذا قوام الأمر كله . . (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم).
الدرس الثالث:60 خضوع الإنسان لقدر الله في دنياه وآخرته
ومن علم الله الشامل بمفاتح الغيب , وبما يجري في جنبات الكون , ينتقل السياق إلى مجال من مجالات هذا العلم الشامل , في ذوات البشر , ومجال كذلك من مجالات الهيمنة الإلهية , بعد العلم المحيط:
(وهو الذي يتوفاكم بالليل , ويعلم ما جرحتم بالنهار , ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى , ثم إليه مرجعكم , ثم ينبئكم بما كنتم تعملون). .
بضع كلمات أخرى , كالتي رسمت آفاق الغيب وآماده وأغواره , وأشارات إلى مدى العلم الإلهي وشموله في الآية السابقة . . بضع كلمات أخرى تضم حياة البشرية كلها في قبضة الله - سبحانه - وفي علمه وقدره وتدبيره . . صحوهم ومنامهم . . موتهم وبعثهم . حشرهم وحسابهم . . ولكن على "طريقة القرآن" المعجزة في الإحياء والتشخيص , وفي لمس المشاعر واستجاشتها , مع كل صورة وكل مشهد وكل حركة يرسمها تعبيره العجيب .
(وهو الذي يتوفاكم بالليل). .
فهي الوفاة إذن حين يأخذهم النعاس ; هي الوفاة في صورة من صورها بما يعتري الحاس من غفلة , وما يعتري الحس من سهوة , وما يعتري العقل من سكون , وما يعتري الوعي من سبات - أي انقطاع - وهو السر الذي لا يعلم البشر كيف يحدث ; وإن عرفوا ظواهره وآثاره ; وهو "الغيب" في صورة من صوره الكثيرة المحيطة بالإنسان . . وهؤلاء هم البشر مجردين من كل حول وطول - حتى من الوعي - ها هم أولاء في سبات وانقطاع عن الحياة . ها هم أولاء في قبضه الله - كما هم دائما في الحقيقة - لا يردهم إلى الصحو والحياة الكاملة إلا إرادة الله . . فما أضعف البشر في قبضة الله ! (ويعلم ما جرحتم بالنهار). .


وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ (61)
فما تتحرك جوارحهم لأخذ أو ترك , إلا وعند الله علم بما كسبت من خير أو شر . . وهؤلاء هم البشر مراقبين في الحركات والسكنات ; لا يند عن علم الله منهم شيء , مما تكسبه جوارحهم بعد الصحو بالنهار !
(ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى). .
أي يوقظكم في النهار من سباتكم وانقطاعكم ; لتتم آجالكم التي قضاها الله . . وهؤلاء هم البشر داخل المجال الذي قدره الله . لا مهرب لهم منه , ولا منتهى لهم سواه !
(ثم إليه مرجعكم). .
فهي الأوبة إلى الراعي بعد انقضاء المراح !
(ثم ينبئكم بما كنتم تعملون). .
فهو عرض السجل الذي وعى ما كان , وهو العدل الدقيق الذي لا يظلم في الجزاء .
وهكذا تشمل الأية الواحدة , ذات الكلمات المعدودة , ذلك الشريط الحافل بالصور والمشاهد , والمقررات والحقائق , والإيحاءات والظلال . . فمن ذا الذي يملك أن يصنع ذلك ? وكيف تكون الآيات الخوارق , إن لم تكن هي هذه ? التي يغفل عنها المكذبون , ويطلبون الخوارق المادية وما يتبعها من العذاب الأليم !
الدرس الرابع:61 - 62 قهر الله لعباده ورقابته عليهم وحسابهم يوم البعث
ولمسة أخرى من حقيقة الألوهية . . لمسة القوة القاهرة فوق العباد . والرقابة الدائمة التي لا تغفل . والقدر الجاري الذي لا يتقدم ولا يتأخر , والمصير المحتوم الذي لا مفر منه ولا مهرب . والحساب الأخير الذي لا يني ولا يمهل . . وكله من الغيب الذي يلف البشر ويحيط بالناس:
(وهو القاهر فوق عباده , ويرسل عليكم حفظة , حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون . ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق , ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين). .
(وهو القاهر فوق عباده). .
فهو صاحب السلطان القاهر ; وهم تحت سيطرته وقهره . هم ضعاف في قبضة هذا السلطان ; لا قوة لهم ولا ناصر . هم عباد . والقهر فوقهم . وهم خاضعون له مقهورون . .
وهذه هي العبودية المطلقة للألوهية القاهرة . . وهذه هي الحقيقة التي ينطق بها واقع الناس - مهما ترك لهم من الحرية ليتصرفوا , ومن العلم ليعرفوا , ومن القدرة ليقوموا بالخلافة - إن كل نفس من أنفاسهم بقدر ; وكل حركة في كيانهم خاضعة لسلطان الله بما أودعه في كيانهم من ناموس لا يملكون أن يخالفوه . وإن كان هذا الناموس يجري في كل مرة بقدر خاص حتى في النفس والحركة !
(ويرسل عليكم حفظة). .
لا يذكر النص هنا ما نوعهم . . وفي مواضع أخرى أنهم ملائكة يحصون على كل إنسان كل ما يصدر عنه . . أما هنا فالمقصود الظاهر هو إلقاء ظل الرقابة المباشرة على كل نفس . ظل الشعور بأن النفس غير منفردة لحظة واحدة , وغير متروكة لذاتها لحظة واحدة . فهناك حفيظ عليها رقيب يحصي كل حركة وكل نأمة ; ويحفظ ما يصدر عنها لا يند عنه شيء . . وهذا التصور كفيل بأن ينتفض له الكيان البشري ; وتستيقظ فيه كل خالجة وكل جارحة .


ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)
(حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون). .
الظل نفسه , في صورة أخرى . . فكل نفس معدودة الأنفاس , متروكة لأجل لا تعلمه - فهو بالنسبة لها غيب لا سبيل إلى كشفه - بينما هو مرسوم محدد في علم الله , لا يتقدم ولا يتأخر . وكل نفس موكل بأنفاسها وأجلها حفيظ قريب مباشر حاضر , لا يغفو ولا يغفل ولا يهمل - فهو حفيظ من الحفظة - وهو رسول من الملائكة - فإذا جاءت اللحظة المرسومة الموعودة - والنفس غافلة مشغولة - أدى الحفيظ مهمته , وقام الرسول برسالته . . وهذا التصور كفيل كذلك بأن يرتعش له الكيان البشري ; وهو يحس بالقدر الغيبي يحيط به ; ويعرف أنه في كل لحظة قد يقبض , وفي كل نفس قد يحين الأجل المحتوم .
(ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق). .
مولاهم الحق من دون الآلهة المدعاة . . مولاهم الذي أنشأهم , والذي أطلقهم للحياة ما شاء . . في رقابته التي لا تغفل ولا تفرط . . ثم ردهم إليه عندما شاء ; ليقضي فيهم بحكمه بلا معقب:
(ألا له الحكم , وهو أسرع الحاسبين). .
فهو وحده يحكم , وهو وحده يحاسب . وهو لا يبطى ء في الحكم , ولا يمهل في الجزاء . . ولذكر السرعة هنا وقعه في القلب البشري . فهو ليس متروكا ولو إلى مهلة في الحساب !

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية: 20
عدد المساهمات: 7431
المهارة: 41704
تاريخ التسجيل: 16/04/2010
الكفاءة: 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 9:21 pm

وتصور المسلم للأمر على هذا النحو الذي توحي به أصول عقيدته في الحياة والموت والبعث والحساب , كفيل بأن ينزع كل تردد في إفراد الله سبحانه بالحكم - في هذه الأرض - في أمر العباد . .
إن الحساب والجزاء والحكم في الآخرة , إنما يقوم على عمل الناس في الدنيا ; ولا يحاسب الناس على ما اجترحوا في الدنيا إلا أن تكون هناك شريعة من الله تعين لهم ما يحل وما يحرم , مما يحاسبون يوم القيامة على أساسه ; وتوحد الحاكمية في الدنيا والآخرة على هذا الأساس . .
فأما حين يحكم الناس في الأرض بشريعة غير شريعة الله ; فعلام يحاسبون في الآخرة ? أيحاسبون وفق شريعة الأرض البشرية التي كانوا يحكمون بها ; ويتحاكمون إليها ? أم يحاسبون وفق شريعة الله السماوية التي لم يكونوا يحكمون بها ; ولا يتحاكمون إليها ?
إنه لا بد أن يستيقن الناس أن الله محاسبهم على أساس شريعته هو لا شريعة العباد . وأنهم إن لم ينظموا حياتهم , ويقيموا معاملاتهم - كما يقيمون شعائرهم وعباداتهم - وفق شريعة الله في الدنيا , فإن هذا سيكون أول ما يحاسبون عليه بين يدي الله . وأنهم يومئذ سيحاسبون على أنهم لم يتخذوا الله - سبحانه - إلها في الأرض ; ولكنهم اتخذوا من دونه أربابا متفرقة . وأنهم محاسبون إذن على الكفر بألوهية الله - أو الشرك به باتباعهم شريعته في جانب العبادات والشعائر , واتباعهم شريعة غيره في النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي , وفي المعاملات والارتباطات - والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن شاء . .
الدرس الخامس:63 - 64 عودة الإنسان عند الشدة إلى الله وتضرعه إليه
ثم يحاكمهم إلى فطرتهم التي تعرف حقيقة الألوهية ; وتلتجى ء إلى إلهها الحق في ساعة الشدة ; ويرسم لهم هذه الفطرة أمام الهول والكرب ; وكيف يخالفون عنها في اليسر والرخاء . . في مشهد قصير سريع , ولكنه واضح حاسم , وموح مؤثر .
إن الهول والكرب الذي ترتعد له الفرائض ليس مؤجلا دائما إلى يوم الحشر والحساب . فهم يصادفون


قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (64)
الهول في ظلمات البر والبحر . فلا يتوجهون عند الكرب إلا لله ; ولا ينجيهم من الكرب إلا الله . . ولكنهم يعودون إلى ما كانوا فيه من الشرك عند اليسر والرخاء:
(قل:من ينجيكم من ظلمات البر والبحر , تدعونه تضرعا وخفية:لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين . قل:الله ينجيكم منها ومن كل كرب , ثم أنتم تشركون). .
إن تصور الخطر , وتذكر الهول , قد يردان النفوس الجامحة , ويرققان القلوب الغليظة , ويذكران النفس لحظات الضعف والإنابة ; كما يذكرانها رحمة الفرج ونعمة النجاة:
(قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية:لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين). .
إنها تجربة يعرفها كل من وقع في ضيقة , أو رأى المكروبين في لحظة الضيق . . وظلمات البر والبحر كثيرة . وليس من الضروري أن يكون الليل لتتحقق الظلمات . فالمتاهة ظلام , والخطر ظلام , والغيب الذي ينتظر الخلق في البر والبحر حجاب . . وحيثما وقع الناس في ظلمة من ظلمات البر والبحر لم يجدوا في أنفسهم إلا الله يدعونه متضرعين أو يناجونه صامتين . . إن الفطرة تتعرى حينئذ من الركام ; فتواجه الحقيقة الكامنة في أعماقها . . حقيقة الألوهية الواحدة . . وتتجه إلى الله الحق بلا شريك ; لأنها تدرك حينئذ سخافة فكرة الشرك , وتدرك انعدام الشريك ! ويبذل المكروبون الوعود .
(لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين). .
والله - سبحانه - يقول لرسوله [ ص ] ليذكرهم بحقيقة الأمر:
(قل:الله ينجيكم منها ومن كل كرب). فليس هنالك غيره يستجيب , ويقدر على دفع الكروب . .
ثم ليذكرهم بتصرفهم المنكر العجيب:
(ثم أنتم تشركون). .
الدرس السادس:65 عجز الناس عن دفع عذاب الله وبأسه عنهم
وهنا يواجههم ببأس الله الذي قد يأخذهم بعد النجاة ! فما هي مرة وتنتهي , ثم يفلتون من القبضة كما يتصورون:
(قل:هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم , أو من تحت أرجلكم , أو يلبسكم شيعا , ويذيق بعضكم بأس بعض . انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون). .
وتصور العذاب الغامر من فوق , أو النابع من تحت , أشد وقعا في النفس من تصوره آتيا عن يمين أو شمال . فالوهم قد يخيل للإنسان أنه قد يقدر على دفع العذاب من يمين أو شمال ! أما العذاب الذي يصب عليه من فوق , أو يأخذه من تحت , فهو عذاب غامر قاهر مزلزل , لا مقاومة له ولا ثبات معه ! والتعبير الموحي يتضمن هذا المؤثر القوي في حس الإنسان ووهمه , وهو يقرر حقيقة قدرة الله على أخذ العباد بالعذاب من حيث شاء وكيف شاء .
ويضيف إلى ألوان العذاب الداخلة في قدرة الله ; والتي قد يأخذ العباد بها متى شاء ; لونا آخر بطيئا طويلا ; لا ينهي أمرهم كله في لحظة ولكنه يصاحبهم ويساكنهم ويعايشهم بالليل والنهار:
(أو يلبسكم شيعا , ويذيق بعضكم بأس بعض). .
وهي صورة من العذاب المقيم الطويل المديد ; الذي يذوقونه بأيديهم , ويجرعونه لأنفسهم ; إذ يجعلهم


قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)
شيعا وأحزابا , متداخلة لا يتميز بعضها عن بعض , ولا يفاصل بعضها بعضا , فهي أبدا في جدال وصراع , وفي خصومة ونزاع , وفي بلاء يصبه هذا الفريق على ذاك . .
ولقد عرفت البشرية في فترات كثيرة من تاريخها ذلك اللون من العذاب , كلما انحرفت عن منهج الله وتركت لأهواء البشر ونزواتهم وشهواتهم وجهالتهم وضعفهم وقصورهم . . تصريف الحياة وفق تلك الأهواء والنزوات والشهوات والجهالة والضعف والقصور . وكلما تخبط الناس وهم يضعون أنظمة للحياة وأوضاعا وشرائع وقوانين وقيما وموازين من عند أنفسهم ; يتعبد بها الناس بعضعهم بعضا ; ويريد بعضهم أن يخضع لأنظمته وأوضاعه وشرائعه وقوانينه البعض الآخر , والبعض الآخر يأبى ويعارض , وأولئك يبطشون بمن يأبى ويعارض . وتتصارع رغباتهم وشهواتهم وأطماعهم وتصوراتهم . فيذوق بعضهم بأس بعض , ويحقد بعضهم على بعض , وينكر بعضهم بعضا , لأنهم لا يفيئون جميعا إلى ميزان واحد ; يضعه لهم المعبود الذي يعنوا له كل العبيد , حيث لا يجد أحدهم في نفسه استكبارا عن الخضوع له , ولا يحس في نفسه صغارا حين يخضع له .
إن الفتنة الكبرى في الأرض هي أن يقوم من بين العباد من يدعي حق الألوهية عليهم , ثم يزاول هذا الحق فعلا ! إنها الفتنة التي تجعل الناس شيعا ملتبسة ; لأنهم من ناحية المظهر يبدون أمة واحدة أو مجتمعا واحدا , ولكن من ناحية الحقيقة يكون بعضهم عبيدا لبعض ; ويكون بعضهم في يده السلطة التي يبطش بها - لأنها غير مقيدة بشريعة من الله - ويكون بعضهم في نفسه الحقد والتربص . . ويذوق الذين يتربصون والذين يبطشون بعضهم بأس بعض ! وهم شيع ; ولكنها ليست متميزة ولا منفصله ولا مفاصلة ! والأرض كلها تعيش اليوم في هذا العذاب البطيء المديد !
وهذا يقودنا إلى موقف العصبة المسلمة في الأرض . وضرورة مسارعتها بالتميز من الجاهلية المحيطة بها - والجاهلية كل وضع وكل حكم وكل مجتمع لا تحكمه شريعة الله وحدها , ولا يفرد الله سبحانه بالألوهية والحاكمية - وضرورة مفاصلتها للجاهلية من حولها ; باعتبار نفسها أمة متميزة من قومها الذي يؤثرون البقاء في الجاهلية , والتقيد بأوضاعها وشرائعها وأحكامها وموازينها وقيمها .
إنه لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها هذا العذاب: (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض). . إلا بأن تنفصل هذه العصبة عقيديا وشعوريا ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها - حتى يأذن الله لها بقيام "دار إسلام" تعتصم بها - وإلا أن تشعر شعورا كاملا بأنها هي "الأمة المسلمة " وأن ما حولها ومن حولها , ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه , جاهلية وأهل جاهلية . وأن تفاصل قومها على العقيدة والمنهج ; وأن تطلب بعد ذلك من الله أن يفتح بينها وبين قومها بالحق وهو خير الفاتحين .
فإذا لم تفاصل هذه المفاصلة , ولم تتميز هذا التميز , حق عليها وعيد الله هذا . وهو أن تظل شيعة من الشيع في المجتمع , شيعة تتلبس بغيرها من الشيع , ولا تتبين نفسها , ولا يتبينها الناس مما حولها . وعندئذ يصيبها ذلك العذاب المقيم المديد ; دون أن يدركها فتح الله الموعود !
إن موقف التميز والمفاصلة قد يكلف العصبة المسلمة تضحيات ومشقات . . غير أن هذه التضحيات والمشقات لن تكون أشد ولا أكبر من الآلام والعذاب الذي يصيبها نتيجة التباس موقفها وعدم تميزه , ونتيجة اندغامها وتميعها في قومها والمجتمع الجاهلي من حولها . .
ومراجعة تاريخ الدعوة إلى الله على أيدي جميع رسل الله , يعطينا اليقين الجازم بأن فتح الله ونصره , وتحقيق وعده بغلبة رسله والذين آمنوا معهم . . لم يقع في مرة واحدة , قبل تميز العصبة المسلمة ومفاصلتهالقومها على العقيدة وعلى منهج الحياة - أي الدين - وانفصالها بعقيدتها ودينها عن عقيدة الجاهلية ودينها - أي نظام حياتها - وأن هذه كانت هي نقطة الفصل ومفرق الطريق في الدعوات جميعا .
وطريق هذه الدعوة واحد . ولن يكون في شأنها إلا ما كان على عهود رسل الله جميعا , صلوات الله عليهم وسلامه:
(انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون). .
والله نسأل أن يجعلنا ممن يصرف الله لهم الآيات فيفقهون . .
الوحدة التاسعة:67 - 70 الموضوع:مفاصلة الكفار ومفارقتهم مقدمة الوحدة وجوب ومفاصلة الكفار
إنها جولة لتقرير المفاصلة التي انتهت بها الموجة السابقة ; فقوم النبي [ ص ] هم الذين كذبوا بما جاءهم به - وهو الحق - ومن ثم انفصل ما بينه وبين قومه وانبت ; وأمر أن يفاصلهم فيعلن إليهم أنه ليس عليهم بوكيل , وأنه يتركهم لمصيرهم الذي لا بد آت , وأمر أن يعرض عنهم فلا يجالسهم متى رآهم يخوضون في الدين , ويتخذونه لعبا ولهو , ولا يوقرونه التوقير الواجب للدين , وأمر - مع ذلك - أن يذكرهم ويحذرهم ويبلغهم وينذرهم , ولكن على أنه وإياهم - وهم قومه - فريقان مختلفان , وأمتان متميزتان . . فلا قوم ولا جنس ولا عشيرة ولا أهل في الإسلام . . إنما هو الدين الذي يربط ما بين الناس أو يفصم . . وإنما هي العقيدة التي تجمع بين الناس أو تفرق . وحين يوجد أساس الدين توجد تلك الروابط الأخرى . وحين تنفصم هذه العروة تفصم الروابط والصلات .
وهذه هي الخلاصة المجملة لهذه الموجة من السياق .


وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (66) لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)
الدرس الأول:66 - 67 مفاصلة الكفار وتهديدهم بالمستقبل (وكذب به قومك - وهو الحق - قل:لست عليكم بوكيل . لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون). .
والخطاب لرسول الله [ ص ] يعطيه , ويعطي المؤمنين من ورائه , الثقة التي تملأ القلب بالطمأنينة . الثقة بالحق - ولو كذب به قومه وأصروا على التكذيب - فما هم بالحكم في هذا الأمر , إنما كلمة الفصل فيه لله سبحانه . وهو يقرر أنه الحق . وأن لا قيمة ولا وزن لتكذيب القوم !
ثم يأمر الله تعالى نبيه [ ص ] أن يبرأ من قومه , وينفض منهم يده , وأن يعلنهم بهذه المفاصلة , ويعلمهم أنه لا يملك لهم شيئا ; وأنه ليس حارسا عليهم ولا موكلا بهم بعد البلاغ , ولا مكلفا أن يهدي قلوبهم - فليس هذا من شأن الرسول - ومتى أبلغهم ما معه من الحق , فقد انتهى بينه وبينهم الأمر ; وأنه يخلي بينهم وبين المصير الذي لا بد أن ينتهي إليه أمرهم . فإن لكل نبأ مستقرا ينتهي إليه ويستقر عنده . وعندئذ يعلمون ما سيكون !
(لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون). .
وفي هذا الإجمال من التهديد ما يزلزل القلوب . .
إنها الطمأنينة الواثقة بالحق ; الواثقة بنهاية الباطل مهما تبجح , الواثقة بأخذ الله للمكذبين في الأجل المرسوم , الواثقة من أن كل نبأ إلى مستقر ; وكل حاضر إلى مصير .
وما أحوج أصحاب الدعوة إلى الله - في مواجهة التكذيب من قومهم , والجفوة من عشيرتهم , والغربة في أهلهم , والأذى والشدة والتعب والأواء . . ما أحوجهم إلى هذه الطمأنينة الواثقة التي يسكبها القرآن الكريم في القلوب !
الدرس الثاني:68 - 70 الأمر بمقاطعة الخائضين في آيات الله
فإذا أنهى إليهم هذا البلاغ , وإذا واجه تكذيبهم بهذه المفاصلة . . فإنه [ ص ] مأمور بعد ذلك ألا يجالسهم - حتى للبلاغ والتذكير - إذا رآهم يخوضون في آيات الله بغير توقير ; ويتحدثون عن الدين بغير ما ينبغي للدين من الجد والمهابة ; ويجعلون الدين موضعا للعب واللهو ; بالقول أو بالفعل ; حتى لا تكون مجالسته لهم - وهم على مثل هذه الحال - موافقة ضمنية على ما هم فيه ; أو قلة غيرة على الدين الذي لا يغار المسلم على حرمة كما يغار عليه . فإذا أنساه الشيطان فجلس معهم , ثم تذكر , قام من فوره وفارق مجلسهم:
(وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره . وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين). .
ولقد كان هذا الأمر للرسول [ ص ] ويمكن في حدود النص أن يكون أمرا لمن وراءه من المسلمين . . كان هذا الأمر في مكة . حيث كان عمل الرسول [ ص ] يقف عند حدود الدعوة . وحيث كان غير مأمور بقتال للحكمة التي أرادها الله في هذه الفترة . وحيث كان الاتجاه واضحا لعدم الاصطدام بالمشركين ما أمكن . . فكان هذا الأمر بألا يجلس النبي [ ص ] في مجالس المشركين ; متى رآهم يخوضون في آيات الله ويذكرون دينه بغير توقير , والمسارعة إلى ترك هذه المجالس - لو أنساه الشيطان - بمجرد أن يتذكر أمر الله ونهيه . وكان المسلمون كذلك مأمورين بهذا الأمر كما تقول بعض الروايات . . والقوم الظالمون , المقصود بهم هنا القوم المشركون . كما هو التعبير الغالب في القرآن الكريم . .


وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)
فأما بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة , فكان للنبي [ ص ] شأن آخر مع المشركين . وكان الجهاد والقتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله . حيث لا يجترى ء أحد على الخوض في آيات الله !
ثم يكرر السياق المفاصلة بين المؤمنين والمشركين , كما قررها من قبل بين الرسول [ ص ] وبين المشركين . ويقرر اختلاف التبعة واختلاف المصير:
(وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء , ولكن ذكرى لعلهم يتقون). .
فليست هنالك تبعة مشتركة بين المتقين والمشركين . فهما أمتان مختلفتان - وإن اتحدتا في الجنس والقوم فهذه لا وزن لها في ميزان الله , ولا في اعتبار الإسلام . . إنما المتقون أمة , والظالمون [ أي المشركون ] أمة , وليس على المتقين شيء من تبعة الظالمين وحسابهم . ولكنهم إنما يقومون بتذكيرهم رجاء أن يتقوا مثلهم , وينضموا إليهم . . وإلا فلا مشاركة في شيء , إذا لم تكن مشاركة في عقيدة !
هذا دين الله وقوله . . ولمن شاء أن يقول غيره . ولكن ليعلم أنه يخرج من دين الله كله إذ يقول ما يقول ! ويستمر السياق في تقرير هذه المفاصلة ; وفي بيان الحدود التي تكون فيها المعاملة:
(وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا , وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع , وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها . أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا , لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون). .
ونقف من الآية أمام عدة أمور:
أولها:أن الرسول [ ص ] وينسحب الأمر على كل مسلم - مأمور أن يهمل شأن الذين يتخذون دينهم لعبا ولهوا . . وهذا يتم بالقول كما يتم بالفعل . . فالذي لا يجعل لدينه وقاره واحترامه باتخاذه قاعدة حياته اعتقادا وعبادة , وخلقا وسلوكا , وشريعة وقانونا , إنما يتخذ دينه لعبا ولهوا . . والذي يتحدث عن مبادى ء هذا الدين وشرائعه فيصفها أوصافا تدعو إلى اللعب واللهو . كالذين يتحدثون عن "الغيب" - وهو أصل من أصول العقيدة - حديث الاستهزاء . والذين يتحدثون عن "الزكاة " وهي ركن من أركان الدين حديث الاستصغار . والذين يتحدثون عن الحياء والخلق والعفة - وهي من مبادى ء هذا الدين - بوصفها من أخلاق المجتمعات الزراعية , أو الإقطاعية , أو "البرجوازية " الزائلة ! والذين يتحدثون عن قواعد الحياة الزوجية المقررة في الإسلام حديث إنكار أو استنكار . والذين يصفون الضمانات التي جعلها الله للمرأة لتحفظ عفتها بأنها "أغلال ! " . . وقبل كل شيء وبعد كل شيء . . الذين ينكرون حاكمية الله المطلقة في حياة الناس الواقعية . . السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية . . ويقولون:إن للبشر أن يزاولوا هذا الاختصاص دون التقيد بشريعة الله . . . أولئك جميعا من المعنيين في هذه الآيات بأنهم يتخذون دينهم لعبا ولهوا . وبأن المسلم مأمور بمفاصلتهم ومقاطعتهم إلا للذكرى . وبأنهم الظالمون - أي المشركون - والكافرون الذين أبسلوا بما كسبوا , فلهم شراب من حميم وعذاب أليم لما كانوا يكفرون . .
وثانيها:أن الرسول [ ص ] وينسحب الامر على كل مسلم - مأمور بعد إهمال شأن هؤلاء الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا - أن يقوم بتذكيرهم وتخويفهم من أن ترتهن نفوسهم بما كسبوا , وأن يلاقوا الله ليس لهم من دونه ولي ينصرهم , ولا شفيع يشفع لهم ; كما أنه لا يقبل منهم فدية لتطلق نفوسهم بعد ارتهانها بما كسبت .
وللتعبير القرآني جماله وعمقه وهو يقول:


وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (70)
(وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع , وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها). .
فكل نفس على حدة تبسل [ أي ترتهن وتؤخذ ] بما كسبت , حالة أن ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع ولا يقبل منها عدل تفتدى به وتفك الربقة !
فأما أولئك الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا فهؤلاء قد ارتهنوا بما كسبوا ; وحق عليهم ما سبق في الآية ; وكتب عليهم هذا المصير:
(أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا , لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون). .
لقد أخذوا بما فعلوا ; وهذا جزاؤهم:شراب ساخن يشوي الحلوق والبطون ; وعذاب أليم بسبب كفرهم , الذي دل عليه استهزاؤهم بدينهم . .
وثالثها:قول الله تعالى في المشركين: (الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوًا). .
فهل هو دينهم ? . .
إن النص ينطبق على من دخل في الإسلام , ثم اتخذ دينه هذا لعبا ولهوا . . وقد وجد هذا الصنف من الناس وعرف باسم المنافقين . . ولكن هذا كان في المدينة . .
فهل هو ينطبق على المشركين الذين لم يدخلوا في الإسلام ? إن الإسلام هو الدين . . هو دين البشرية جميعا . . سواء من آمن به ومن لم يؤمن . . فالذي رفضه إنما رفض دينه . . باعتبار أنه الدين الوحيد الذي يعده الله دينا ويقبله من الناس بعد بعثة خاتم النبيين .
ولهذه الأضافة دلالتها في قوله:
(وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوًا). .
فهي - والله أعلم - إشارة إلى هذا المعنى الذي أسلفناه , من اعتبار الإسلام دينا للبشرية كافة . فمن اتخذه لعبا ولهوا , , فإنما يتخذ دينه كذلك . . ولو كان من المشركين . .
ولا نزال نجدنا في حاجة إلى تقرير من هم المشركون ? إنهم الذين يشركون بالله أحدا في خصائص الألوهية . سواء في الاعتقاد بألوهية أحد مع الله . أو بتقديم الشعائر التعبدية لأحد مع الله . أو بقبول الحاكمية والشريعة من احد مع الله . ومن باب أولى من يدعون لأنفسهم واحدة من هذه , مهما تسموا بأسماء المسلمين ! فلنكن من أمر ديننا على يقين !
ورابعها:حدود مجالسة الظالمين - أي المشركين - والذين يتخذون دينهم لعبا ولهوا . . وقد سبق القول بأنها لمجرد التذكير والتحذير . فليست لشيء وراء ذلك - متى سمع الخوض في آيات الله ; أو ظهر اتخاذها لعبا ولهوا بالعمل بأية صورة مما ذكرنا أو مثلها . .
وقد جاء في قول القرطبي في كتابه:الجامع لأحكام القرآن بصدد هذه الآية:
"في هذه الآية رد من كتاب الله عز وجل , على من زعم أن الأئمة الذين هم حجج وأتباعهم , لهم أن يخالطوا الفاسقين , ويصوبوا آراءهم تقية . . "
ونحن نقول:إن المخالطة بقصد الموعظة والتذكير وتصحيح الفاسد والمنحرف من آراء الفاسقين تبيحها الآية في الحدود التي بينتها . أما مخالطة الفاسقين والسكوت عما يبدونه من فاسد القول والفعل من باب التقيةفهو المحظور . لأنه - في ظاهرة - إقرار للباطل , وشهادة ضد الحق . وفيه تلبيس على الناس , ومهانة لدين الله وللقائمين على دين الله . وفي هذه الحالة يكون النهي والمفارقة .
كذلك روى القرطبي في كتابه هذه الأقوال:
"قال ابن خويز منداد:من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر - مؤمنا كان أو كافرا - قال:وكذلك منع أصحابنا الدخول إلى أرض العدو , ودخول كنائسهم والبيع , ومجالسة الكفار وأهل البدع ; وألا تعتقد مودتهم , ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم . وقد قال بعض أهل البدع لأبي عمران النخعي:اسمع مني كلمة , فأعرض عنه , وقال:ولا نصف كلمة ! . ومثله عن أيوب السختياني . وقال الفضيل بن عياض:من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله , وأخرج الإسلام من قلبه , ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها ; ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة , وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له . وروى أبو عبدالله الحاكم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت:قال رسول الله [ ص ] " من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام " . .
فهذا كله في صاحب البدعة وهو على دين الله . . وكله لا يبلغ مدى من يدعي خصائص الألوهية بمزاولته للحاكمية ; ومن يقره على هذا الادعاء . . فليس هذا بدعة مبتدع ; ولكنه كفر كافر , أو شرك مشرك . مما لم يتعرض له السلف لأنه لم يكن في زمانهم . فمنذ أن قام الإسلام في الأرض لم يبلغ من أحد أن يدعي هذه الدعوى - وهو يزعم الإسلام . ولم يقع شيء من ذلك إلا بعد الحملة الفرنسية التي خرج بعدها الناس من إطار الإسلام - إلا من عصم الله - وكذلك لم يعد في قول هؤلاء السلف ما ينطبق على هذا الذي كان ! فقد تجاوز كل ما تحدثوا عنه بمثل هذه الأحكام . .
الوحدة العاشرة:71 - 73 حيرة متبع الشياطين ومن حقائق العقيدة هذه الوحدة بآياتها الثلاثة درس واحد
هذا الإيقاع القوي بحقيقة الألوهية وخصائصها ; وباستنكار الشرك والعودة إليه بعد الهدى ; وبمشهد الذي يرجع القهقري مرتدا عن دين الله ; وحيرته في التيه بلا اتجاه ; وبتقرير أن هدى الله وحده هو الهدى . . هذا الإيقاع يختم برنة عالية عميقة مدوية . عن سلطان الله المطلق , في الأمر والخلق ; وعن انكشاف هذا السلطان وتفرده بالظهور - حتى للمنكرين المطموسين - (يوم ينفخ في الصور)ويبعث من في القبور ; ويستيقن من لم يكن يستيقن أن الملك لله وحده , وأن إليه المصير:
قل:أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا , ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله , كالذي استهوته الشياطين في الأرض , حيران , له أصحاب يدعونه إلى الهدى . ائتنا . قل:إن هدى الله هو الهدى , وأمرنا لنسلم لرب العالمين . وأن أقيموا الصلاة واتقوه . .
(قل). . الإيقاع القوي المتكرر في السورة ; الذي يوحي بأن هذا الأمر لله وحده , وأن الرسول [ ص ] إنما هو منذر ومبلغ ; والذي يوحي بجلال هذا الأمر وعلويته ورهبته ; وأن الرسول [ ص ] إنما هو مأمور به من ربه .
(قل:أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ? . .
قل لهم يا محمد ما هم عليه من دعوة غير الله والاستعانة به وإسلام مقادهم لهؤلاء الذين يدعونهم من دونه , وهم لا يملكون نفعا ولا ضرا . سواء كان ما يدعونه وثنا أو صنما , حجرا أو شجرا , روحا أم ملكا , شيطانا أم إنسانا . . فكلهم سواء في أنهم لا ينفعون شيئا ولا يضرون . فهم أعجز من النفع والضر . وكل حركة إنما تجري بقدر من الله . فما لم يأذن به الله لا يكون , ولا يكون إلا قدره وما جرى به قضاؤه من الأمور . .
قل لهم مستنكرا دعوة غير الله , وعبادة غير الله , والاستعانة بغير الله , والخضوع لغير الله . وسخف هذا التصرف وهذا الاتجاه . . وسواء كان ذلك ردا على ما كان يقترحه المشركون على النبي [ ص ] من مشاركتهم عبادة آلهتهم ليشاركوه عبادة ربه ! أو كان ذلك استنكارا مبتدأ لما عليه المشركون , وإعلانا للمفارقة والمفاصلة فيه من جانب النبي [ ص ] والمؤمنين . . فإن المؤدى في النهاية واحد ; وهو استنكار هذا السخف الذي يرفضه العقل البشري ذاته متى عرض له في النور ; بعيدا عن الموروثات الراسبة , وبعيدا كذلك عن العرف السائد في البيئة !
ولتجسيم السخف وتضخيم الاستنكار يعرض هذه المعتقدات في ضوء ما هدى الله المسلمين إليه من عبادته وحده , واتخاذه وحده إلها , والدينونه له وحده بلا شريك: 1 (قل:أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا ? . .
فهو ارتداد على الأعقاب ; ورجوع إلى الوراء ; بعد التقدم والارتقاء . .
ثم هذا المشهد الشاخص المتحرك الموحي المثير:
(كالذي استهوته الشياطين في الأرض) (. . حيران . . له أصحاب يدعونه إلى الهدى:ائتنًا). .
إنه مشهد حي شاخص متحرك للضلالة والحيرة التي تنتاب من يشرك بعد التوحيد , ومن يتوزع قلبه بين الإله الواحد , والآلهة المتعددة من العبيد ! ويتفرق إحساسه بين الهدى والضلال , فيذهب في التيه . . إنه مشهد ذلك المخلوق التعيس: (الذي استهوته الشياطين في الأرض)- ولفظ الاستهواء لفظ مصور بذاته لمدلوله - ويا ليته يتبع هذا الاستهواء في اتجاهه , فيكون له اتجاه صاحب القصد الموحد - ولو في طريق الضلال ! -
قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72)
ولكن هناك , من الجانب الآخر , أصحاب له مهتدون , يدعونه إلى الهدى , وينادونه(ائتنا)- وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء(حيران)لا يدري أين يتجه , ولا أي الفريقين يجيب !
إنه العذاب النفسي يرتسم ويتحرك , حتى ليكاد يحس ويلمس من خلال التعبير !
ولقد كنت أتصور هذا المشهد وما يفيض به من عذاب الحيرة والتأرجح والقلقلة كلما قرآت هذا النص . . ولكن مجرد تصور . . حتى رأيت حالات حقيقية , يتمثل فيها هذا الموقف , ويفيض منها هذا العذاب . . حالات ناس عرفوا دين الله وذاقوه - أيا كانت درجة هذه المعرفة وهذا التذوق - ثم ارتدوا عنه إلى عبادة الآلهة الزائفة , تحت قهر الخوف والطمع . . ثم إذا هم في مثل هذا البؤس المرير . . وعندئذ عرفت ماذا تعني هذه الحالة , وماذا يعني هذا التعبير !
وبينما ظل المشهد الحي الشاخص المتحرك الموحي , يغمر النفس بالوجل من هذا المصير التعيس . . يأتي التقرير الحاسم بالاتجاه الثابت المستقيم:
(قل:إن هدى الله هو الهدى , وأمرنا لنسلم لرب العالمين , وأن أقيموا الصلاة واتقوه). .
إنه التقرير الحاسم في الظرف النفسي المناسب , فالنفس التي ترتسم لها صورة الحيرة الطاغية , والعذاب المرير من هذه الحيرة التي لا تستقر على قرار , تكون أقرب ما تكون إلى استقبال القرار الحاسم بالراحة والتسليم . .
ثم إنه الحق في ذلك التقرير الحاسم:
(قل:إن هدى الله هو الهدى). .
هو وحدة الهدى - كما يفيد التركيب البياني للجملة - وإنه لكذلك عن يقين . .
وإن البشرية لتخبط في التيه , كلما تركت هذا الهدى , أو انحرفت عن شيء منه واستبدلت به شيئا من تصوراتها هي ومقولاتها , وأنظمتها وأوضاعها , وشرائعها وقوانينها , وقيمها وموازينها , بغير(علم)ولا(هدى)ولا (كتاب منير). .
إن "الإنسان" موهوب من الله القدرة على تعرف بعض نواميس الكون وبعض طاقاته وقواه , للانتفاع بها في الخلافة في الأرض , وترقية هذه الحياة . . ولكن هذا الإنسان ذاته غير موهوب من الله القدرة على استكناه الحقائق المطلقة في هذا الكون , ولا على الإحاطة بأسرار الغيوب التي تلفه من كل جانب , ومنها غيب عقله هو وروحه , بل غيب وظائف جسمه والأسباب الكامنة وراء هذه الوظائف , والتي تدفعها للعمل هكذا , وبهذا الانتظام , وفي هذا الاتجاه .
ومن ثم يحتاج هذا "الإنسان" إلى هدى الله في كل ما يختص بكينونته وحياته من عقيدة وخلق , وموازين وقيم , وأنظمة وأوضاع , وشرائع وقوانين تحكم هذه الكينونة وتنظم لها واقع الحياة . .
وكلما فاء هذا "الإنسان" إلى هدى الله اهتدى . لأن هدى الله هو الهدى . وكلما بعد كلية عنه , أو انحرف بعض الانحراف واستبدل به شيئا من عنده ضل . لأن ما ليس من هدى الله فهو ضلال . . إذ ليس هنالك نوع ثالث (فماذا بعد الحق إلا الضلال ?).
ولقد ذاقت البشرية من ويلات هذا الضلال - وما تزال كلها تذوق - ما هو "حتمي" في تاريخ البشرية حين تنحرف عن هدى الله . . فهذه هي "الحتمية التاريخية " الوحيدة المستيقنة لأنها من أمر الله , ومن خبر الله ,لا تلك الحتميات المدعاة ! والذي يريد أن يتملى شقاء البشرية في انحرافها عن هدى الله , لا يحتاج أن ينقب , فهو حوله في كل أرض تراه الأعين وتلمسه الأيدي , ويصرخ منه العقلاء في كل مكان .
ومن ثم يستطرد السياق في الآية ليقرر ضرورة الاستسلام لله وحده , وعبادته وحده , ومخافته وتقواه: (وأمرنا لنسلم لرب العالمين , وأن أقيموا الصلاة واتقوه). .
قل يا محمد وأعلن أن هدى الله هو الهدى ; وأننا - من ثم - أمرنا أن نسلم لرب العالمين . فهو وحده الذي يستسلم له العالمون . فالعوالم كلها مستسلمة له , فماذا الذي يجعل الإنسان وحده - من بين العالمين - يشذ عن الاستسلام لهذه الربوبية الشاملة التي تستسلم لها العوالم في السماوات والأرضين ?
إن ذكر الربوبية للعالمين هنا له موضعه . . إنه يقرر الحقيقة التي لا مناص من الاعتراف بها وهي استسلام الوجود كله , وما فيه من عوالم مشهودة ومغيبة , للنواميس التي وضعها الله لها ; وهي لا تملك الخروج عليها , والإنسان - من ناحية تركيبه العضوي - يستسلم كذلك لهذه النواميس كرها , ولا يملك الخروج عليها . . فلا يبقى إلاأن يستسلم في الجانب الذي ترك له الخيار فيه ليبتلى فيه , وهو جانب الاختيار . . اختيار الهدى أو الضلال . . ولو استسلم فيه استسلام كيانه العضوي , لاستقام أمره , وتناسق تكوينه وسلوكه , وجسمه وروحه , ودنياه وآخرته . .
وفي إعلان الرسول [ ص ] والمسلمين معه , أنهم أمروا بالاستسلام فاستسلموا , إيحاء مؤثر لمن يفتح الله قلبه للتلقي والاستجابة على مدى الزمان .
وبعد إعلان الاستسلام لرب العالمين تجيء التكاليف التعبدية والشعورية:
(وأن أقيموا الصلاة واتقوه).
فالأصل هو الاستسلام لربوبية رب العالمين , وسلطانه وتربيته وتقويمه . ثم تجيء العبادات الشعائرية ; وتجيء الرياضات النفسية . . لتقوم على قاعدة الاستسلام . . فإنها لا تقوم إلا إذا رسخت هذه القاعدة ليقوم عليها البناء .

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية: 20
عدد المساهمات: 7431
المهارة: 41704
تاريخ التسجيل: 16/04/2010
الكفاءة: 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 9:22 pm

وفي الإيقاع الأخير في الفقرة يحشد السياق المؤثرات من الحقائق الأساسية في العقيدة:حقيقة الحشر . وحقيقة الخلق . وحقيقة السلطان . وحقيقة العلم بالغيب والشهادة . وحقيقة الحكمة والخبرة . . من خصائص الألوهية , التي هي الموضوع الرئيسي في هذه السورة:
(وهو الذي إليه تحشرون . وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق . ويوم يقول:كن فيكون . قوله الحق , وله الملك يوم ينفخ في الصور , عالم الغيب والشهادة , وهو الحكيم الخبير). .
(وهو الذي إليه تحشرون). .
إن الاستسلام لرب العالمين ضرورة وواجب . . فهو الذي إليه تحشر الخلائق . . فأولى لهم أن يقدموا بين يدي الحشر - الحتمي - ما ينجيهم ; وأولى لهم أن يستسلموا اليوم له استسلام العالمين ; قبل أن يقفوا أمامه


وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)
مسؤولين . . وكذلك يصبح تصور هذه الحقيقة - حقيقة الحشر - موحيا بالاستسلام في المبدأ , ما دام أنه لا مفر من الاستسلام في المصير !
(وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق). .
وهذه حقيقة أخرى تحشد كمؤثر آخر . . فالله الذي يؤمرون بالاستسلام له هو الذي خلق السماوات والأرض - والذي يخلق يملك ويحكم ويقضي ويتصرف - ولقد خلق السماوات والأرض(بالحق). فالحق قوام هذا الخلق . . وفضلا عما يقرره هذا النص من نفي الأوهام التي عرفتها الفلسفة عن هذا الكون - وبخاصة الأفلاطونية والمثالية - من أن هذا العالم المحسوس وهم لا وجود له على الحقيقة ! - فضلا على تصحيح مثل هذه التصورات , فإن النص يوحي بأن الحق أصيل في بنية هذا الكون , وفي مآلاته كذلك . فالحق الذي يلوذ به الناس يستند إلى الحق الكامن في فطرة الوجود وطبيعته , فيؤلف قوة هائلة , لا يقف لها الباطل , الذي لا جذور له في بنية الكون , وإنما هو كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار . وكالزبد يذهب جفاء , إذ لا أصالة له في بناء الكون . . كالحق . . وهذه حقيقة ضخمة , ومؤثر كذلك عميق . .
إن المؤمن الذي يشعر أن الحق الذي معه - هو شخصيا وفي حدود ذاته - إنما يتصل بالحق الكبير في كيان هذا الوجود . [ وفي الآية الأخرى: (ذلك بأن الله هو الحق)] فيتصل الحق الكبير الذي في الوجود بالحق المطلق في الله سبحانه . . إن المؤمن الذي يشعر بهذه الحقيقة على هذا النحو الهائل , لا يرى في الباطل - مهما تضخم وانتفخ وطغى وتجبر وقدر على الأذى المقدر - إلا فقاعة طارئة على هذا الوجود ; لا جذور لها ولا مدد ; تنفثى ء من قريب , وتذهب كأن لم تكن في هذا الوجود .
كما أن غير المؤمن يرتجف حسه أمام تصور هذه الحقيقة . وقد يستسلم ويثوب ! (ويوم يقول:كن فيكون). .
فهو السلطان القادر , وهي المشيئة الطليقة , في الخلق والإبداع والتغيير والتبديل . . وعرض هذه الحقيقة - فضلا على أنه من عمليات البناء للعقيدة في قلوب المؤمنين - هو كذلك مؤثر موح في نفوس الذين يدعون إلى الاستسلام لله رب العالمين الخالق بالحق . . الذي يقول:كن فيكون . (قوله الحق). .
سواء في القول الذي يكون به الخلق: (كن فيكون). أو في القول الذي يأمر به بالاستسلام له وحده . أو في القول الذي يشرع به للناس حين يستسلمون . أو في القول الذي يخبر به عن الماضي والحاضر والمستقبل . وعن الخلق والنشأة والحشر والجزاء .
قوله الحق في هذا كله . . فأولى أن يستسلم له وحده من يشركون به ما لا ينفع ولا يضر من خلقه . ومن يتبعون قول غيره كذلك وتفسيره للوجود وتشريعه للحياة . في أي اتجاه .
(وله الملك يوم ينفخ في الصور). .
ففي هذا اليوم يوم الحشر . . يوم ينفخ في الصور [ هو القرن المجوف كالبوق ] وهو اليوم الذي يكون فيه البعث والنشر ; بكيفية غيبية لا يعلمها البشر , فهي من غيب الله الذي احتفظ به . والصور كذلك غيب من ناحية ماهيته وحقيقته , ومن ناحية كيفية استجابة الموتى له , والروايات المأثورة ; تقول:هو بوق من نور ينفخ فيه ملك , فيسمع من في القبور , حيث يهبون للنشور - وهذه هي النفخة الثانية - أما الأولى فيصعق لهامن في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله كما جاء في آية الزمرSadونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض - إلا من شاء الله - ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون). . وهذه الأوصاف للصور ولآثار النفخة فيه تعطينا - عن يقين - أنه على غير ما يمكن أن يكون البشر قد عهدوه في هذه الأرض أو تصوروه . . وهو من ثم غيب من غيب الله . . نعلمه بقدر ما أعطانا الله من وصفه وأثره , ولا نتجاوز هذا القدر الذي لا أمان في تجاوزه , ولا يقين . إنما هي الظنون !
في هذا اليوم الذي ينفخ فيه في الصور يبرز - حتى للمنكرين - ويظهر - حتى للمطموسين - أن الملك لله وحده , وأنه لا سلطان إلا سلطانه , ولا إرادة إلا إرادته . . فأولى لمن يأبون الاستسلام له في الدنيا طائعين أن يستسلموا قبل أن يستسلموا لسلطانه المطلق يوم ينفخ في الصور .
(عالم الغيب والشهادة). .
الذي يعلم ذلك الغيب المحجوب , كما يعلم هذا الكون المشهود . والذي لا تخفي عليه خافية من أمر العباد , ولا يند عنه شأن من شؤونهم . . فأولى لهم أن يسلموا له ويعبدوه ويتقوه . وهكذا تذكر هذه الحقيقة لذاتها , وتتخذ مؤثرا موحيا في مواجهة المكذبين والمعارضين .
(وهو الحكيم الخبير):-
يصرف أمور الكون الذي خلقه , وأمور العباد الذين يملكهم في الدنيا والآخرة بالحكمة والخبرة . . فأولى أن يستسلموا لتوجيهه وشرعه , ويسعدوا بآثار حكمته وخبرته . ويفيئوا إلى هداه وحده . ويخرجوا من التيه , ومن الحيرة , إلى ظلال الحكمة والخبرة , وإلى كنف الهدى والبصيرة . .
وهكذا تتخذ هذه الحقيقة مؤثرا موحيا للعقول والقلوب . .
الوحدة الحاديه عشرة:74 - 94 الموضوع:عرض حقائق العقيدة من خلال القصص والحياة هذا الدرس بطوله لحمة واحدة ; يتناول موضوعا متصل الفقرات . . إنه يعالج الموضوع الأساسي في السورة - وهو بناء العقيدة على قاعدة من التعريف الشامل بحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية , وما بينهما من ارتباطات - ولكنه يعالجه في أسلوب آخر غير ما جرى به السياق منذ أول السورة . . يعالجه في أسلوب القصص والتعقيب عليه . . مع استصحاب المؤثرات الموحية التي تزخر بها السورة ; ومنها مشهد الاحتضار الكامل السمات ; وذلك كله في نفس طويل رتيب يتوسط الموجات المتلاحقة التي تحدثنا عنها في تقديم السورة . .
والدرس - في جملته - يعرض موكب الإيمان الموصول منذ نوح - عليه السلام , إلى محمد [ ص ] وفي مطلع هذا الموكب يستعرض حقيقة الألوهية - كما تتجلى في فطرة عبد من عباد الله الصالحين - إبراهيم عليه السلام - ويرسم مشهدا رائعا حقا للفطرة السليمة , وهي تبحث عن إلهها الحق , الذي تجده في أعماقها , بينما هي تصطدم في الخارج بانحرافات الجاهلية وتصوراتها . إلى أن يخلص لها تصور حق , يطابق ما ارتسم في أعماقها عن إلهها الحق . ويقوم على ما تحده في أطوائها من برهان داخلي هو أقوى وأثبت من المشهود المحسوس ! ذلك حين يحكي السياق عن إبراهيم عليه السلام بعد اهتدائه إلى ربه الحق , واطمئنانه إلى ما وجده في قلبه منهSadوحاجه قومه . قال:أتحاجوني في الله وقد هدان ? ولا أخاف ما تشركون به , إلا أن يشاء ربي شيئا , وسع ربي كل شيء علما , أفلا تتذكرون ? وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ? فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ?).
ثم يمضي السياق مع موكب الإيمان الموصول ; يقوده الرهط الكريم من رسل الله على توالي العصور ; حيث يبدو شرك المشركين وتكذيب المكذبين لغوا لا وزن له , يتناثر على جانبي الموكب الجليل , الماضي في طريقه الموصول . وحيث يلتحم آخره مع أوله ; فيؤلف الأمة الواحدة , يقتدي آخرها بالهدى الذي اهتدى به أولها , دون اعتبار لزمان أو مكان ; ودون اعتبار لجنس أو قوم , ودون اعتبار لنسب أو لون . . فالحبل الموصول بين الجميع هو هذا الدين الواحد الذي يحمله ذلك الرهط الكريم .
إنه مشهد رائع كذلك ; يبدو من خلال قول الله تعالى لرسوله الكريم بعد استعراض الموكب العظيمSadذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده , ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون . أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة . فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين . أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده . قل:لا أسألكم عليه أجرا , إن هو إلا ذكرى للعالمين). .
وبعد استعراض هذا الموكب الجليل يجيء التنديد بمن يزعمون أن الله لم يرسل رسلا , ولم ينزل على بشر كتابا . . إنهم لم يقدروا الله حق قدره . فما قدر الله حق قدره من يقول:إنه - سبحانه - تارك الناس لأنفسهم وعقولهم وما يتعاورها من الأهواء والشهوات والضعف والقصور . فما يليق هذا بألوهية الله وربوبيته , وعلمه وحكمته وعدله ورحمته . . إنما اقتضت رحمة الله وعلمه ورحمته وعدله أن يرسل إلى عباده رسلا , وأن ينزل على بعض الرسل كتبا , ليحاولوا جميعا هداية البشرية إلى بارئها , واستنقاد فطرتها من الركام الذي يرين عليها , ويغلق منافذها , ويعطل أجهزة الالتقاط والاستجابة فيها . . ويضرب مثلا الكتاب الذي أنزل على موسى . وهذا الكتاب الذي يصدق ما بين يديه من الكتب جميعا . .
وينتهي الدرس الطويل المتلاحم الفقرات باستنكار الافتراء ممن يفتري على الله , وادعاء من يزعم أنه يوحى إليه من الله , وادعاء القدرة على تنزيل مثل ما أنزل الله . . وهي الدعاوى التي كان يدعيها بعض من يواجهون الدعوة الإسلامية , وفيهم من ادعى الوحي وفيهم من ادعى النبوة .
وفي الختام يجيء مشهد الاحتضار المكروب للمشركين: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت , والملائكة باسطوا أيديهم:أخرجوا أنفسكم , اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون . ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة , وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم , وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ! لقد تقطع بينكم , وضل عنكم ما كنتم تزعمون ! . .
وهو مشهد كئيب مكروب رعيب ; يجلله الهوان ويصاحبه التنديد والتأنيب . جزاء الاستكبار والإعراض والافتراء والتكذيب . .
الدرس الأول:74 - 79 إبراهيم يقيم الحجة على قومه حول الوحدانية وينقض ألوهية غير الله (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر:أتتخذ أصناما آلهة ? إني أراك وقومك في ضلال مبين . . وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض , وليكون من الموقنين . . فلما جن عليه الليل رأى كوكبا . قال:هذا ربي , فلما أفل قال:لا أحب الآفلين . فلما رأى القمر بازغا قال:هذا ربي , فلما أفل قال:لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . فلما رأى الشمس بازغة قال:هذا ربي , هذا أكبر , فلما أفلت قال:يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا , وما أنا من المشركين . .
إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يرسمه السياق القرآني في هذه الآيات . . مشهد الفطرة وهي - للوهلة الأولى - تنكر تصورات الجاهلية في الأصنام وتستنكرها . وهي تنطلق بعد إذ نفضت عنها هذه الخرافة في شوق عميق دافق تبحث عن إلهها الحق , الذي تجده في ضميرها , ولكنها لا تتبينه في وعيها وإدراكها . وهي تتعلق في لهفتها المكنونة بكل ما يلوح أنه يمكن أن يكون هو هذا الإله ! حتى إذا اختبرته وجدته زائفا , ولم تجد فيه المطابقة لما هو مكنون فيها من حقيقة الإله وصفته . . ثم وهي تجد الحقيقة تشرق فيها وتتجلى لها . وهي تنطلق بالفرحة الكبرى , والامتلاء الجياش , بهذه الحقيقة , وهي تعلن في جيشان اللقيا عن يقينها الذي وجدته من مطابقة الحقيقة التي انتهت إليها بوعيها للحقيقة التي كانت كامنة من قبل فيها ! . . إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يتجلى في قلب إبراهيم - عليه السلام - والسياق يعرض التجربة الكبرى التي اجتازها في هذه الآيات القصار . . إنها قصة الفطرة مع الحق والباطل . وقصة العقيدة كذلك يصدع بها المؤمن ولا يخشى فيها لومة لائم ; ولا يجامل على حسابها أبا ولا أسرة ولا عشيرة ولا قوما . . كما وقف إبراهيم من أبيه وقومه هذه الوقفه الصلبة الحاسمة الصريحة:
(وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر:أتتخذ أصناما آلهة ? إني أراك وقومك في ضلال مبين). .
إنها الفطرة تنطق على لسان إبراهيم . إنه لم يهتد بعد بوعيه وإدراكه - إلى إلهة - ولكن فطرته السليمة تنكر ابتداء أن تكون هذه الأصنام التي يعبدها قومه آلهة - وقوم إبراهيم من الكلدانيين بالعراق كانوا يعبدون الأصنام كما كانوا يعبدون الكواكب والنجوم - فالإله الذي يعبد , والذي يتوجه إليه العباد في السراء والضراء , والذي خلق الناس والأحياء . . هذا الإله في فطرة إبراهيم لا يمكن أن يكون صنما من حجر , أو وثنا من خشب . . وإذا لم تكن هذه الاصنام هي التي تخلق وترزق وتسمع وتستجيب - وهذا ظاهر من حالها للعيان - فما هي بالتي تستحق أن تعبد ; وما هي بالتي تتخذ آلهة حتى على سبيل أن تتخذ واسطة بين الإله الحق والعباد !
وإذن فهو الضلال البين تحسه فطرة إبراهيم - عليه السلام - للوهلة الأولى . وهي النموذج الكامل للفطرة التي فطر الله الناس عليها . . ثم هي النموذج الكامل للفطرة وهي تواجه الضلال البين , فتنكره وتستنكره ,



وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)
وتجهر بكلمة الحق وتصدع , حينما يكون الأمر هو أمر العقيدة:
(أتتخذ أصناما آلهة ? إني أراك وقومك في ضلال مبين). .
كلمة يقولها إبراهيم - عليه السلام - لأبيه . وهو الأواه الحليم الرضي الخلق السمح اللين , كما ترد أوصافه في القرآن الكريم . ولكنها العقيدة هنا . والعقيدة فوق روابط الأبوة والبنوة , وفوق مشاعر الحلم والسماحة . وإبراهيم هو القدوة التي أمر الله المسلمين من بنيه أن يتأسوا بها . والقصة تعرض لتكون أسوة ومثالا . .
وكذلك استحق إبراهيم - عليه السلام - بصفاء فطرته وخلوصها للحق أن يكشف الله لبصيرته عن الأسرار الكامنة في الكون , والدلائل الموحية بالهدى في الوجود:
(وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض , وليكون من الموقنين). .
بمثل هذه الفطرة السليمة , وهذه البصيرة المفتوحة ; وعلى هذا النحو من الخلوص للحق , ومن إنكار الباطل في قوة . . نري إبراهيم حقيقة هذا الملك . . ملك السماوات والأرض . . ونطلعه على الأسرار المكنونة في صميم الكون , ونكشف له عن الآيات المبثوثة في صحائف الوجود , ونصل بين قلبه وفطرته وموحيات الإيمان ودلائل الهدى في هذا الكون العجيب . لينتقل من درجة الإنكار على عبادة الآلهة الزائفة , إلى درجة اليقين الواعي بالإله الحق . .
وهذا هو طريق الفطرة البديهي العميق . . وعي لا يطمسه الركام . وبصر يلحظ ما في الكون من عجائب صنع الله . وتدبر يتبع المشاهد حتى تنطق له بسرها المكنون . . وهداية من الله جزاء على الجهاد فيه . .
وكذلك سار إبراهيم - عليه السلام - وفي هذا الطريق وجد الله . . وجده في إدراكه ووعيه , بعد أن كان يجده فحسب في فطرته وضميره . . ووجد حقيقة الألوهية في الوعي والإدراك مطابقة لما استكن منها في الفطرة والضمير .
فلنتابع الرحلة الشائقة مع فطرة إبراهيم الصادقة . . إنها رحلة هائلة وإن كانت تبدو هينة ميسرة ! رحلة من نقطة الإيمان الفطري إلى نقطة الإيمان الوعي ! الإيمان الذي يقوم عليه التكليف بالفرائض والشرائع ; والذي لا يكل الله - سبحانه - جمهرة الناس فيه إلى عقولهم وحدها , فيبينه لهم في رسالات الرسل , ويجعل الرسالة - لا الفطرة ولا العقل البشري - هي حجته عليهم , وهي مناط الحساب والجزاء , عدلا منه ورحمة , وخبرة بحقيقة الإنسان وعلما . .
فأما إبراهيم - عليه السلام - فهو إبراهيم ! خليل الرحمن وأبو المسلمين . .
(فلما جن عليه الليل رأى كوكبا . قال:هذا ربي , فلما أفل قال:لا أحب الآفلين). .
إنها صورة لنفس إبراهيم , وقد ساورها الشك - بل الإنكار الجازم - لما يعبد أبوه وقومه من الأصنام . وقد باتت قضية العقيدة هي التي تشغل باله , وتزحم عالمه . . صورة يزيدها التعبير شخوصا بقوله: (فلما جن عليه الليل). . كأنما الليل يحتويه وحده , وكأنما يعزله عن الناس حوله , ليعيش مع نفسه وخواطره وتأملاته , ومع همه الجديد الذي يشغل باله ويزحم خاطره:
(فلما جن عليه الليل رأى كوكبا , قال:هذا ربي). .
وكان قومه يعبدون الكواكب والنجوم - كما أسلفنا - فلما أن يئس من أن يكون إلهة الحق - الذي يجده


فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)
في فطرته في صورة غير مدركة ولا واعية - صنما من تلك الأصنام , فلعله رجا أن يجده في شيء مما يتوجه إليه قومه بالعبادة !
وما كانت هذه أول مرة يعرف فيها إبراهيم أن قومه يتجهون بالعبادة إلى الكواكب والنجوم . وما كانت هذه أول مرة يرى فيها إبراهيم كوكبا . . ولكن الكوكب - الليلة - ينطق له بما لم ينطق من قبل , ويوحي إلى خاطره بما يتفق مع الهم الذي يشغل باله , ويزحم عليه عالمه:
(قال:هذا ربي). .
فهو بنوره وبزوغه وارتفاعه أقرب - من الأصنام - إلى أن يكون ربا ! . . ولكن لا ! إنه يكذب ظنه: (فلما أفل قال:لا أحب الآفلين). .
إنه يغيب . . يغيب عن هذه الخلائق . فمن ذا يرعاها إذن ومن ذا يدبر أمرها . . إذا كان الرب يغيب ?!
لا , إنه ليس ربا , فالرب لا يغيب !
إنه منطق الفطرة البديهي القريب . . لا يستشير القضايا المنطقية والفروض الجدلية , إنما ينطلق مباشرة في يسر وجزم . لأن الكينونة البشرية كلها تنطق به في يقين عميق . .
(لا أحب الآفلين). .
فالصلة بين الفطرة وإلهها هي صلة الحب ; والآصرة هي آصرة القلب . . وفطرة إبراهيم "لا تحب" الآفلين , ولا تتخذ منهم إلها . إن الإله الذي تحبه الفطرة . . لا يغيب . . !
(فلما رأى القمر بازغا قال:هذا ربي . فلما أفل قال:لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين). .
إن التجربة تتكرر . وكأن إبراهيم لم ير القمر قط ; ولم يعرف أن أهله وقومه يعبدونه ! فهو الليلة في نظره جديد:
(قال:هذا ربي). .
بنوره الذي ينسكب في الوجود ; وتفرده في السماء بنوره الحبيب . . ولكنه يغيب ! . . والرب - كما يعرفة إبراهيم بفطرته وقلبه - لا يغيب !
هنا يحس إبراهيم أنه في حاجة إلى العون من ربه الحق الذي يجده في ضميره وفطرته . ربه الذي يحبه , ولكنه بعد لم يجده في إدراكه ووعيه . . ويحس أنه ضال مضيع إن لم يدركه ربه بهدايته . إن لم يمد إليه يده . ويكشف له عن طريقه:
(قال:لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين). .
(فلما رأى الشمس بازغة قال:هذا ربي . هذا أكبر . فلما أفلت قال:يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا , وما أنا من المشركين).
إنها التجربة الثالثة مع أضخم الأجرام المنظورة وأشدها ضوءا وحرارة . . الشمس . . والشمس تطلع كل يوم وتغيب . ولكنها اليوم تبدو لعيني إبراهيم كأنها خلق جديد . إنه اليوم يرى الأشياء بكيانه المتطلع إلى إله يطمئن به ويطمئن إليه ; ويستقر على قرار ثابت بعد الحيرة المقلقة والجهد الطويل:
(قال:هذا ربي . هذا أكبر).
ولكنها كذلك تغيب . .


فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)
هنا يقع التماس , وتنطلق الشرارة , ويتم الاتصال بين الفطرة الصادقة والله الحق , ويغمر النور القلب ويفيض على الكون الظاهر وعلى العقل والوعي . . هنا يجد إبراهيم إلهه . . يجده في وعيه وإدراكه كما هو في فطرته وضميره . . هنا يقع التطابق بين الإحساس الفطري المكنون والتصور العقلي الواضح . .
وهنا يجد إبراهيم إلهه . ولكنه لا يجده في كوكب يلمع , ولا في قمر يطلع , ولا في شمس تسطع . . ولا يجده فيما تبصر العين , ولا فيما يحسه الحس . . إنه يجده في قلبه وفطرته , وفي عقله ووعيه , وفي الوجود كله من حوله . . إنه يجده خالقا لكل ما تراه العين , ويحسه الحس , وتدركه العقول .
وعندئذ يجد في نفسه المفاصلة الكاملة بينه وبين قومه في كل ما يعبدون من آلهة زائفة ; ويبرأ في حسم لا مواربة فيه من وجهتهم ومنهجهم وما هم عليه من الشرك - وهم لم يكونوا يجحدون الله البتة , ولكنهم كانوا يشركون هذه الأرباب الزائفة - وإبراهيم يتجه إلى الله وحده بلا شريك:
(قال:يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين). .
فهو الاتجاه إلى فاطر السماوات والأرض . الاتجاه الحنيف الذي لا ينحرف إلى الشرك . وهي الكلمة الفاصلة , واليقين الجازم , والاتجاه الأخير . . فلا تردد بعد ذلك ولا حيرة فيما تجلى للعقل من تصور مطابق للحقيقة التي في الضمير . .
الدرس الثاني:80 - 83 ثبات إبراهيم على الحق وأمنه وثناء الله عليه
ومرة أخرى نشهد ذلك المشهد الرائع الباهر . . مشهد العقيدة وقد استعلنت في النفس , واستولت على القلب , بعدما وضحت وضوحها الكامل وانجلى عنها الغبش . . نشهدها وقد ملأت الكيان الإنساني , فلم يعد وراءها شيء . وقد سكبت فيه الطمأنينة الواثقة بربه الذي وجده في قلبه وعقله وفي الوجود من حوله . . وهو مشهد يتجلى بكل روعته وبهائه في الفقرة التالية في السياق .
لقد انتهى إبراهيم إلى رؤية الله - سبحانه - في ضميره وعقله وفي الوجود من حوله . وقد اطمأن قلبه واستراح باله . وقد احس بيد الله تأخذ بيده وتقود خطاه في الطريق . . والآن يجيء قومه ليجادلوه فيما انتهى إليه من يقين ; وفيما انشرح له صدره من توحيد ; وليخوفوه آلهتهم التي تنكر لها أن تنزل به سوءا . . وهو يواجههم في يقينه الجازم ; وفي إيمانه الراسخ ; وفي رؤيته الباطنة والظاهرة لربه الحق الذي هداه:
(وحاجه قومه , قال:أتحاجوني في الله وقد هدان ? ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا , وسع ربي كل شيء علما . أفلا تتذكرون ? وكيف أخاف ما أشركتم , ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ? فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ?). .
إن الفطرة حين تنحرف تضل ; ثم تتمادى في ضلالها , وتتسع الزاوية ويبعد الخط عن نقطة الابتداء , حتى ليصعب عليها أن تثوب . . وهؤلاء قوم إبراهيم - عليه السلام - يعبدون أصناما وكواكب ونجوما . فلا يتفكرون ولا يتدبرون هذه الرحلة الهائلة التي تمت في نفس إبراهيم . ولم يكن هذا داعيا لهم لمجرد التفكر والتدبر .
بل جاءوا يجادلونه ويحاجونه . وهم على هذا الوهن الظاهر في تصوراتهم وفي ضلال مبين .
ولكن إبراهيم المؤمن الذي وجد الله في قلبه وعقله وفي الوجود كله من حوله , يواجههم مستنكرا في طمأنينة ويقين:

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية: 20
عدد المساهمات: 7431
المهارة: 41704
تاريخ التسجيل: 16/04/2010
الكفاءة: 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 4 الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى