فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:26 pm

وفي هذا يقول ابن كثير:
"وقوله تعالى: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون). . أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه , إلى قول غيره , فقدمتم عليه غيره . . فهذا هو الشرك . . كقوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله). . الآية . وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال:يا رسول الله ما عبدوهم . فقال:" بلى ! إنهم أحلوا لهم الحرام , وحرموا عليهم الحلال . فاتبعوهم , فذلك عبادتهم إياهم " .
كذلك روى ابن كثير عن السدي في قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله . . .)
الآية قوله:[ استنصحوا الرجال , ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم . ولهذا قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا


وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (122)
إلهاً واحداً)أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام , وما حلله فهو الحلال , وما شرعه اتبع , وما حكم به نفذ ] . .
فهذا قول السدي وذاك قول ابن كثير . . وكلاهما يقرر في حسم وصرامة ووضوح - مستمدة من حسم النص القرآني وصرامته ووضوحه , ومن حسم التفسير النبوي للقرآن وصرامته ووضوحه كذلك - أن من اطاع بشراً في شريعة من عند نفسه , ولو في جزئية صغيرة , فإنما هو مشرك . وإن كان في الأصل مسلماً ثم فعلها فإنما خرج بها من الإسلام الى الشرك أيضاً . . مهما بقي بعد ذلك يقول:أشهد أن لا إله إلا الله بلسانه . بينما هو يتلقى من غير الله , ويطيع غير الله .
وحين ننظر إلى وجه الأرض اليوم - في ضوء هذه التقريرات الحاسمة - فإننا نرى الجاهلية والشرك - ولا شيء غير الجاهلية والشرك - إلا من عصم الله , فأنكر على الأرباب الأرضية ما تدعيه من خصائص الألوهية ; ولم يقبل منها شرعاً ولا حكماً . . . إلا في حدود الإكراه . .
فأما الحكم الفقهي المستفاد من قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق . .)فيما يتعلق بحل الذبائح وحرمتها عند التسمية وعدم التسمية فقد لخصها ابن كثير في التفسير في هذه الفقرات قال:
"استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها , وإن كان الذابح مسلماً" . .
"وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة على ثلاثة اقوال:
"فمنهم من قال:لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة . وسواء متروك التسمية عمداً أو سهواً . وهو مروي عن ابن عمر , ونافع مولاه , وعامر الشعبي , ومحمد بن سيرين . وهو رواية عن الإمام مالك , ورواية عن أحمد بن حنبل , نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين . وهو اختيار أبي ثور , وداود الظاهري . واختار ذلك ابو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه الأربعين , واحتجوا لمذهبهم بهذه الآية , وبقوله في آية الصيد: (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه). . ثم قد أكد ذلك بقوله: (وإنه لفسق)والضمير قيل:عائد على الأكل , وقيل:عائد على الذبح لغير الله . وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد , كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة:إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك . وهما في الصحيحين . وحديث رافع بن خديج:ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه . وهو في الصحيحين أيضاً . . .
"والمذهب الثاني في المسألة:أنه لا يشترط التسمية , بل هي مستحبة , فإن تركها عمداً أو نسياناً لا يضر . وهذا مذهب الإمام الشافعي , رحمه الله , وجميع أصحابه . ورواية عن الإمام أحمد نقلها عنه حنبل . وهو رواية عن الإمام مالك , ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه . وحكي عن ابن عباس , وأبي هريرة , وعطاء بن أبي رباح . والله أعلم . وحمل الشافعي الآية الكريمة: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق على ما ذبح لغير الله كقوله تعالى: (أو فسقا أهل لغير الله به). وقال ابن جريج عن عطاء: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه). . قال:ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان , وينهى عن ذبائح المجوس . . وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي . . .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي , حدثنا يحيى بن المغيرة , أنبأنا جرير , عن عطاء , عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)قال:هي الميتة . وقد استدل لهذا المذهب بما رواهأبو داود في المراسيل من حديث ثور بن يزيد عن الصلت السدوسي مولى سويد بن ميمون أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات . قال:قال رسول الله [ ص ]:" ذبيحة المسلم حلال , ذكر اسم الله أو لم يذكر . إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله " . . وهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال:" إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل . فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله " .
"المذهب الثالث:إن ترك البسملة على الذبيحة نسياناً لم يضر , وإن تركها عمدا لم تحل . . هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل , وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه . وإسحاق بن راهويه . وهو محكي عن علي , وابن عباس , وسعيد بن المسيب , وعطاء , وطاووس , والحسن البصري , وأبي مالك , وعبد الرحمن بن أبي ليلى , وجعفر بن محمد , وربيعة بن ابي عبد الرحمن . . . "
"قال ابن جرير:وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية:هل نسخ من حكمها شيء أم لا ? فقال بعضهم:لم ينسخ منها شيء , وهي محكمة فيما عينت به . وعلى هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم . وروي عن الحسن البصري وعكرمة ما حدثنا به ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح , عن الحسين بن واقد , عن عكرمة والحسن البصري , قالا:قال اللهSadفكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين)وقال: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق)فنسخ , واستثنى من ذلك فقال: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم)وقال ابن أبي حاتم:قرأ علي العباس بن الوليد بن يزيد , حدثنا محمد بن شعيب , أخبرني النعمان - يعني ابن المنذر - عن مكحول قال:أنزل الله في القرآن: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه). ثم نسخها الرب ورحم المسلمين فقال: (اليوم أحل لكم الطيبات , وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم)فنسخها بذلك , وأحل طعام أهل الكتاب . ثم قال ابن جرير:والصواب:أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب وبين تحريم مالم يذكر اسم الله عليه . . وهذا الذي قاله صحيح . ومن أطلق من السلف النسخ هنا , فإنما أراد التخصيص , والله سبحانه وتعالى أعلم" . . . انتهى .
الدرس الثالث:122 - 125 طبيعة الإسلام وطبيعة الكفر
بعد ذلك يجيء شوط كامل عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان . وعن قدر الله في أن يجعل في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها . وعن الكبر الذي يحيك في نفوس هؤلاء المجرمين الأكابر . ويمنعهم من الإسلام . ويختم الشوط بالتصوير الرائع الصادق لحالة الإيمان التي يشرح الله لها الصدر , وحالة الكفر التي يجعل الصدر فيها ضيقاً حرجاً مكروب الأنفاس ! . . فيتصل هذا الشوط كله بموضوع التحريم والتحليل في الذبائح اتصال الأصل القاعدي بالفرع التطبيقي ; ويدل على عمق هذا الفرع وشدة علاقته بالأصل الكبير:
أو من كان ميتاً فأحييناه , وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ? كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون . وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها , وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون . وإذا جاءتهم آية قالوا:لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله . الله أعلم حيث يجعل رسالته . سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون . فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام , ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجاً كأنما يصعد في السماء , كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون .
إن هذه الآيات في تصوير طبيعة الهدى وطبيعة الإيمان إنما تعبر تعبيراً حقيقياً واقعياً عن حقيقة واقعية كذلك .إن ما يبدو فيها من تشبيه ومجاز إنما هو لتجسيم هذه الحقيقة في الصورة الموحية المؤثرة ; ولكن العبارة في ذاتها حقيقية .
إن نوع الحقيقة التي تعبر هذه الآيات عنها هو الذي يقتضي هذه الايقاعات التصويرية . فهي حقيقة , نعم . ولكنها حقيقة روحية وفكرية . حقيقة تذاق بالتجربة . ولا تملك العبارة إلا أن تستحضر مذاق التجربة ولكن لمن ذاقها فعلا !
إن هذه العقيدة تنشئ في القلب حياة بعد الموت ; وتطلق فيه نوراً بعد الظلمات . حياة يعيد بها تذوق كل شيء , وتصور كل شيء , وتقدير كل شيء بحس آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة . ونوراً يبدو كل شيء تحت أشعته وفي مجاله جديداً كما لم يبد من قبل قط لذلك القلب الذي نوره الإيمان .
هذه التجربة لا تنقلها الألفاظ . يعرفها فقط من ذاقها . . والعبارة القرآنية هي أقوى عبارة تحمل حقيقة هذه التجربة . لأنها تصورها بألوان من جنسها ومن طبيعتها .
إن الكفر انقطاع عن الحياة الحقيقية الأزلية الأبدية , التي لا تفنى ولا تغيض ولا تغيب . فهو موت . . وانعزال عن القوة الفاعلة المؤثرة في الوجود كله . . فهو موت . . وانطماس في أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية . . فهو موت . .
والإيمان اتصال , واستمداد , واستجابة . . فهو حياة . .
إن الكفر حجاب للروح عن الاستشراق الاستشراف والاطلاع . . فهو ظلمة . . وختم على الجوارح والمشاعر . . فهو ظلمة . . وتيه في التيه وضلال . . فهو ظلمة . .
وإن الإيمان تفتح ورؤية , وإدراك واستقامة . . فهو نور بكل مقومات النور . .
إن الكفر انكماش وتحجر . . فهو ضيق . . وشرود عن الطريق الفطري الميسر . . فهو عسر . . وحرمان من الاطمئنان إلى الكنف الآمن . . فهو قلق . .
وإن الإيمان انشراح ويسر وطمأنينة وظل ممدود . .
وما الكافر ? إن هو إلا نبتة ضالة لا وشائج لها في تربة هذا الوجود ولا جذور . . إن هو إلا فرد منقطع الصلة بخالق الوجود , فهو منقطع الصلة بالوجود . لا تربطه به إلا روابط هزيلة من وجوده الفردي المحدود . في أضيق الحدود . في الحدود التي تعيش فيها البهيمة . حدود الحس وما يدركه الحس من ظاهر هذا الوجود !
إن الصلة بالله , والصلة في الله , لتصل الفرد الفاني بالأزل القديم والأبد الخالد . ثم تصله بالكون الحادث والحياة الظاهرة . . ثم تصله بموكب الإيمان والأمة الواحدة الضاربة في جذور الزمان . الموصولة على مدار الزمان . . فهو في ثراء من الوشائج , وفي ثراء من الروابط . وفي ثراء من "الوجود" الزاخر الممتد اللاحب , الذي لا يقف عند عمره الفردي المحدود .
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور , فتتكشف له حقائق هذا الدين , ومنهجه في العمل والحركة , تكشفا عجيبا . . إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يجده الإنسان في قلبه حين يجد هذا النور . . مشهد التناسق الشامل العجيب في طبيعة هذا الدين وحقائقه . ومشهد التكامل الجميل الدقيق في منهجه للعمل وطريقته . إن هذا الدين لا يعود مجموعة معتقدات وعبادات وشرائع وتوجيهات . . إنما يبدو "تصميما" واحدا متداخلا متراكبا متناسقا . . متعاشقا يبدو حيا يتجاوب مع الفطرة وتتجاوب معه في ألفة عميقة وفي صداقة وثيقة , وفي حب ودود !
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور ; فتتكشف له حقائق الوجود , وحقائق الحياة , وحقائق الناس , وحقائق الأحداث التي تجري في هذا الكون وتجري في عالم الناس . . تتكشف له في مشهد كذلك رائع باهر . . مشهد السنة الدقيقة التي تتوالى مقدماتها ونتائجها في نظام محكم ولكنه فطري ميسر . . ومشهد المشيئة القادرة من وراء السنة الجارية تدفع بالسنة لتعمل وهي من ورائها محيطة طليقة . . ومشهد الناس والأحداث وهم في نطاق النواميس وهي في هذا النطاق أيضاً .
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور فيجد الوضوح في كل شأن وفي كل أمر وفي كل حدث . . يجد الوضوح في نفسه وفي نواياه وخواطره وخطته وحركته . ويجد الوضوح فيما يجري حوله سواء من سنة الله النافذة , أو من أعمال الناس ونواياهم وخططهم المستترة والظاهرة ! ويجد تفسير الأحداث والتاريخ في نفسه وعقله وفي الواقع من حوله , كأنه يقرأ من كتاب !
ويجد الإنسان في قلبه هذا النور , فيجد الوضاءة في خواطره ومشاعره وملامحه ! ويجد الراحة في باله وحاله ومآله ! ويجد الرفق واليسر في إيراد الأمور وإصدارها , وفي استقبال الأحداث واستدبارها ! ويجد الطمأنينة والثقة واليقين في كل حالة وفي كل حين !
وهكذا يصور التعبير القرآني الفريد تلك الحقيقة بإيقاعاته الموحية:
(أو من كان ميتا فأحييناه , وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس , كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ?).
كذلك كان المسلمون قبل هذا الدين . قبل أن ينفخ الإيمان في أرواحهم فيحييها , ويطلق فيها هذه الطاقة الضخمة من الحيوية والحركة والتطلع والاستشراف . . كانت قلوبهم مواتا . وكانت أرواحهم ظلاما . . ثم إذا قلوبهم ينضح عليها الإيمان فتهتز , وإذا أرواحهم يشرق فيها النور فتضيء , ويفيض منها النور فتمشي به في الناس تهدي الضال , وتلتقط الشارد , وتطمئن الخائف , وتحرر المستعبد , وتكشف معالم الطريق للبشر وتعلن في الأرض ميلاد الإنسان الجديد . الإنسان المتحرر المستنير ; الذي خرج بعبوديته لله وحده من عبودية العبيد !
أفمن نفخ الله في روحه الحياة , وأفاض على قلبه النور . . كمن حاله أنه في الظلمات , لا مخرج له منها ? إنهما عالمان مختلفان شتان بينهما شتان ! فما الذي يمسك بمن في الظلمات والنور حوله يفيض ?
(كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون). .
هذا هو السر . . إن هناك تزيينا للكفر والظلمة والموت ! والذي ينشئ هذا التزيين ابتداء هو مشيئة الله التي أودعت فطرة هذا الكائن الإنساني الاستعداد المزدوج لحب النور وحب الظلمة , تبتليه بالاختيار للظلمة أو النور . فإذا اختار الظلمة زينت له ; ولج في الضلال حتى لا يخرج من الظلمة ولا يعود , ثم إن هناك شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً , ويزينون للكافرين ما يعملون . . والقلب الذي ينقطع عن الحياة والإيمان والنور , يسمع في الظلمة للوسوسة ; ولا يرى ولا يحس ولا يميز الهدى من الضلال في ذلك الظلام العميق ! . . وكذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون . .
وبنفس الطريقة , ولنفس الأسباب , وعلى هذه القاعدة جعل الله في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها . . ليتم الابتلاء ; وينفذ القدر ; وتتحقق الحكمة ; ويمضي كل فيما هو ميسر له , وينال كل جزاءه في نهاية المطاف:
(وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها , وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون).


وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)
إنها سنة جارية أن ينتدب في كل قرية - وهي المدينة الكبيرة والعاصمة - نفر من أكابر المجرمين فيها , يقفون موقف العداء من دين الله . ذلك أن دين الله يبدأ من نقطة تجريد هؤلاء الأكابر من السلطان الذي يستطيلون به على الناس , ومن الربوبية التي يتعبدون بها الناس , ومن الحاكمية التي يستذلون بها الرقاب , ويرد هذا كله إلى الله وحده . . رب الناس . . ملك الناس . . إله الناس . .
إنها سنة من أصل الفطرة . . أن يرسل الله رسله بالحق . . بهذا الحق الذي يجرد مدعي الألوهية من الألوهية والربوبية والحاكمية . فيجهر هؤلاء بالعداوة لدين الله ورسل الله . ثم يمكرون مكرهم في القرى , ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً . ويتعاونون مع شياطين الجن في المعركة مع الحق والهدى , وفي نشر الباطل والضلال , واستخفاف الناس بهذا الكيد الظاهر والخافي . .
إنها سنة جارية . ومعركة محتومة . لأنها تقوم على أساس التناقض الكامل بين القاعدة الأولى في دين الله - وهي رد الحاكمية كلها لله - وبين أطماع المجرمين في القرى . بل بين وجودهم أصلاً . .
معركة لا مفر للنبي أن يخوضها , فهو لا يملك أن يتقيها , ولا مفر للمؤمنين بالنبي أن يخوضوها وأن يمضوا إلى النهاية فيها . . والله سبحانه يطمئن أولياءه . . إن كيد أكابر المجرمين - مهما ضخم واستطال - لا يحيق إلا بهم في نهاية المطاف . إن المؤمنين لا يخوضون المعركة وحدهم فالله وليهم فيها , وهو حسبهم , وهو يرد على الكائدين كيدهم:
(وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون).
فليطمئن المؤمنون !
ثم يكشف السياق القرآني عن طبيعة الكبر في نفوس أعداء رسل الله ودينه . . الكبر الذي يمنعهم من الإسلام ; خيفة أن يرجعوا عباداً لله كسائر العباد , فهم يطلبون امتيازاً ذاتياً يحفظ لهم خصوصيتهم بين الأتباع . ويكبر عليهم أن يؤمنوا للنبي فيسلموا له , وقد تعودوا أن يكونوا في مقام الربوبية للأتباع , وأن يشرعوا لهم فيقبلوا منهم التشريع , وأن يأمروهم فيجدوا منهم الطاعة والخضوع . . من أجل ذلك يقولون قولتهم المنكرة الغبية كذلك:لن نؤمن حتى نؤتي مثلما أوتي رسل الله:
وإذا جاءتهم آية قالوا:لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله .
وقد قال الوليد بن المغيرة:لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك , لأني أكبر منك سنا , وأكثر منك مالا ! وقال أبو جهل:والله لا نرضى به ولا نتبعه أبداً , إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه !
وواضح أن الكبر النفسي , وما اعتاده الأكابر من الخصوصية بين الأتباع , ومظهر هذه الخصوصية الأول هو الأمر منهم والطاعة والاتباع من الأتباع ! . . واضح أن هذا من أسباب تزيين الكفر في نفوسهم , ووقوفهم من الرسل والدين موقف العداء .
ويرد الله على قولتهم المنكرة الغبية . . أولا بتقرير أن أمر اختيار الرسل للرسالة موكول إلى علمه المحيط بمن يليق بهذا الأمر الكوني الخطير . . ويرد عليهم ثانيا بالتهديد والتحقير وسوء المصير:
(الله أعلم حيث يجعل رسالته . سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون). .
إن الرسالة أمر هائل خطير . أمر كوني تتصل فيه الإرادة الأزلية الأبدية بحركة عبد من العبيد . ويتصل فيه الملأ الأعلى بعالم الإنسان المحدود . وتتصل فيه السماء بالأرض , والدنيا بالآخرة , ويتمثل فيه الحق الكلي ,
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42713
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:28 pm

وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ (124)
في قلب بشر , وفي واقع ناس , وفي حركة تاريخ . وتتجرد فيها كينونة بشرية من حفظ ذاتها لتخلص لله كاملة , لا خلوص النية والعمل وحده , ولكن كذلك خلوص المحل الذي يملؤه هذا الأمر الخطير . فذات الرسول [ ص ] تصبح موصولة بهذا الحق ومصدره صلة مباشرة كاملة . وهي لا تتصل هذه الصلة إلا أن تكون من ناحية عنصرها الذاتي صالحة للتلقي المباشر الكامل بلا عوائق ولا سدود . .
والله وحده - سبحانه - هو الذي يعلم أين يضع رسالته , ويختار لها الذات التي تنتدب من بين ألوف الملايين , ويقال لصاحبها:أنت منتدب لهذا الأمر الهائل الخطير .
والذين يتطلعون إلى مقام الرسالة ; أو يطلبون أن يؤتوا مثل ما أوتي الرسول . . هم أولا من طبيعة لا تصلح أساساً لهذا الأمر . فهم يتخذون من ذواتهم محوراً للوجود الكوني ! والرسل من طبيعة أخرى , طبيعة من يتلقى الرسالة مستسلماً , ويهب لها نفسه , وينسى فيها ذاته , ويؤتاها من غير تطلع ولا ارتقاب: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب , إلا رحمة من ربك). . ثم هم بعد ذلك جهال لا يدركون خطورة هذا الأمر الهائل , ولا يعلمون أن الله وحده هو الذي يقدر بعلمه على اختيار الرجل الصالح . .
لذلك يجيبهم الرد الحاسم:
(الله أعلم حيث يجعل رسالته). .
وقد جعلها سبحانه حيث علم , واختار لها أكرم خلقه وأخلصهم , وجعل الرسل هم ذلك الرهط الكريم , حتى انتهت إلى محمد خير خلق الله وخاتم النبيين .
ثم التهديد بالصغار والهوان على الله , وبالعذاب الشديد المهين:
(سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون). .
والصغار عند الله يقابل الاستعلاء عند الأتباع , والاستكبار عن الحق , والتطاول إلى مقام رسل الله ! . .
والعذاب الشديد يقابل المكر الشديد , والعداء للرسل , والأذى للمؤمنين .
ثم تختم الجولة بتصوير حالة الهدى وحالة الايمان في داخل القلوب والنفوس:
(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام . ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء . . كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون). .
من يقدر الله له الهداية - وفق سنته الجارية من هداية من يرغب في الهدى ويتجه إليه بالقدر المعطى له من الاختيار بقصد الابتلاء - (يشرح صدره للإسلام); فيتسع له ; ويستقبله في يسر ورغبة , ويتفاعل معه , ويطمئن إليه ; ويستروح به ويستريح له .
ومن يقدر له الضلال - وفق سنته الجارية من إضلال من يرغب عن الهدى ويغلق فطرته عنه - (يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء). . فهو مغلق مطموس يجد العسر والمشقة في قبوله , (كأنما يصعد في السماء). . وهي حالة نفسية تجسم في حالة حسية , من ضيق النفس , وكربة الصدر , والرهق المضني في التصعد إلى السماء ! وبناء اللفظ ذاته(يصعد)- كما هو في قراءة حفص - فيه هذا العسر والقبض والجهد . وجرسه يخيل هذا كله , فيتناسق المشهد الشاخص , مع الحالة الواقعة , مع التعبير اللفظي في إيقاع واحد .
وينتهي المشهد بهذا التعقيب المناسب:


فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (125)
(كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون). .
. . كذلك . . بمثل هذا الذي يجري به قدر الله من شرح صدر الذي يريد الله به الهدى , ومن العسر والجهد والمشقة لمن يريد به الضلال . . كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون .
ومن معاني الرجس:العذاب . ومن معانيه كذلك:الارتكاس - وكلاهما يلون هذا العذاب بمشهد الذي يرتكس في العذاب ويعود إليه ولا يفارقه ! وهو الظل المقصود !
على أنه تبقى في النفس بقية من الحديث عن قوله تعالىSadفمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام . ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء . كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون). .
إن تصور الحقيقة التي يقررها هذا النص وأمثاله في القرآن الكريم من النصوص التي تتعلق بالتعامل والارتباط بين مشيئة الله - سبحانه - واتجاهات البشر ; وما يصيبهم من الهدى والضلال , وما ينالهم بعد ذلك من جزاء وثواب وعقاب . . إن هذا كله يحتاج إلى استخدام منطقة أخرى من مناطق الإدراك البشري وراء منطقة المنطق الذهني ! وكل ما ثار من الجدل بشأن هذه القضية سواء في تاريخ الفكر الإسلامي , وبخاصة بين المعتزلة وأهل السنة والمرجئة - أو في تاريخ اللاهوت والفلسفة - وكل القضايا والتعبيرات عنها , موسومة بطابع المنطق الذهني .
إن تصور هذه الحقيقة يحتاج إلى استخدام منطقة أخرى من مناطق الإدراك البشري وراء منطقة المنطق الذهني . وكذلك يقتضي التعامل مع "الواقع الفعلي" لا مع "القضايا الذهنية " . فالقرآن يصور الحقيقة الفعلية في الكينونة البشرية وفي الوجود الواقع ; وهذه الحقيقة يتراءى فيها التشابك بين مشيئة الله وقدره وبين إرادة الإنسان وعمله . في محيط لا يدركه المنطق الذهني كله .
فإذا قيل:إن إرادة الله تدفع الإنسان دفعا إلى الهدى أو الضلال . . لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية . وإذا قيل:إن إرادة الإنسان هي التي تقرر مصيره كله . . لم تكن هذه هي الحقيقة الفعلية كذلك ! إن الحقيقة الفعلية تتألف من نسب دقيقة - وغيبية كذلك - بين طلاقة المشيئة الإلهية وسلطانها الفاعل , وبين اختيار العبد واتجاهه الإرادي . بلا تعارض بين هذه وتلك ولا تصادم . .
ولكن تصور الحقيقة "الفعلية " كما هي في واقعها هذا لا يمكن أن يتم في حدود المنطق الذهني . وفي شكل القضايا الذهنية والعبارة البشرية عنها . . إن نوع الحقيقة هو الذي يحدد منهج تناولها وأسلوب التعبير عنها . . وهذه الحقيقة لا يصلح لها منهج المنطق الذهني ولا القضايا الجدلية .
كذلك يحتاج تصور هذه الحقيقة كما هي في واقعها الفعلي إلى تذوق كامل في تجربة روحية وعقلية . . إن الذي تتجه فطرته إلى الإسلام يجد في صدره انشراحاً له . . هو من صنع الله قطعاً . . فالانشراح حدث لا يقع إلا بقدر من الله يخلقه ويبرزه . والذي تتجه فطرته إلى الضلال يجد في صدره ضيقا وتقبضا وعسراً . . هو من صنع الله قطعا . . لأنه حدث لا يتم وقوعه الفعلي إلا بقدر من الله يخلقه ويجري به كذلك . . وكلاهما من إرادة الله بالعبد . . ولكنها ليست إرادة القهر . إنما هي الإرادة التي انشأت السنة الجارية النافذة من أن يبتلي هذا الخلق المسمى بالإنسان بهذا القدر من الإرادة . وأن يجري قدر الله بإنشاء ما يترتب على استخدامه لهذا القدر من الإرادة في الاتجاه للهدى أو للضلال .


وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (127)
وحين توضع قضية ذهنية في مواجهة قضية ذهنية . وحين يتم التعامل مع هذه القضايا , بدون استصحاب الملامسة الباطنية للحقيقة , والتجربة الواقعية في التعامل معها , فإنه لا يمكن أبداً أن يتم تصور كامل وصحيح لهذه الحقيقة . . وهذا ما وقع في الجدل الإسلامي . . وفي غيره كذلك !
إنه لا بد من منهج آخر ومن تذوق مباشر للتعامل مع هذه الحقيقة الكبيرة . .
الدرس الرابع:126-127 صراط الله المستقيم الموصل إلى دار السلام
ثم نعود إلى السياق القرآني:
إن هذه الموجة بجملتها تجيء كالتعقيب على قضية الذبائح التي سبق بيانها ; فترتبط هذه بتلك , حزمة واحدة في السياق , وحزمة واحدة في الشعور , وحزمة واحدة في بناء هذا الدين . فقضية الذبائح هي قضية التشريع . وقضية التشريع هي قضية الحاكمية . وقضية الحاكمية هي قضية الإيمان . . ومن هنا يكون الحديث عن الإيمان على هذا النحو في موضعه المطلوب .
ثم يجيء التعقيب الأخير في هذا المقطع يربط هذه وتلك الرباط الأخير . . فهذه وتلك صراط الله المستقيم . والخروج في واحدة منهما هو الخروج عن هذا الصراط المستقيم . والاستقامة عليهما معاً . . العقيدة والشريعة . . هي الاستقامة على الصراط المؤدي إلى دار السلام , وولاية الله لعباده الذاكرين:
(وهذا صراط ربك مستقيما . قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون . لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون). .
هذا هو الصراط . . صراط ربك . . بهذه الإضافة المطمئنة الموحية بالثقة ; المبشرة بالنهاية . . هذه هي سنته في الهدى والضلال ; وتلك هي شريعته في الحل والحرمة . كلاهما سواء في ميزان الله , وكلاهما لحمة في سياق قرآنه .
وقد فصل الله آياته وبينها . ولكن الذين يتذكرون ولا ينسون ولا يغفلون هم الذين ينتفعون بهذا البيان وهذا التفصيل . فالقلب المؤمن قلب ذاكر لا يغفل . وقلب منشرح مبسوط مفتوح . وقلب حي يستقبل ويستجيب .
والذين يتذكرون , لهم دار السلام عند ربهم . . دار الطمأنينة والأمان . . مضمونة عند ربهم لا تضيع . . وهو وليهم وناصرهم وراعيهم وكافلهم . . ذلك بما كانوا يعملون . . فهو الجزاء على النجاح في الابتلاء .
ومرة أخرى نجدنا أمام حقيقة ضخمة من حقائق هذه العقيدة . حيث يتمثل صراط الله المستقيم في الحاكمية والشريعة . ومن ورائهما يتمثل الإيمان والعقيدة . . إنها طبيعة هذا الدين كما يقررها رب العالمين . .
الوحدة الخامسة:128 - 135 الموضوع:مصير شياطين الإنس والجن وتهديدهم بعذاب الله


وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ (128)
هذا المقطع بجملته ليس منفصلاً عن الدرس السابق . إنما هو امتداد له . من جنس الموجات المتعاقبة التي يتضمنها . . فهو من ناحية استطراد في بيان مصائر شياطين الإنس والجن - بعد ما بين مصير الذين يستقيمون على صراط الله - وهو من ناحية استطراد في قضية الإيمان والكفر التي تذكر في هذا الموضع من السورة بمناسبة قضية الحاكمية والتشريع . وربط لهذه القضية الأخيرة بالحقائق الأساسية في العقيدة الإسلامية ; ومنها حقيقة الجزاء في الآخرة على الكسب في الدنيا - بعد النذارة والبشارة - وحقيقة سلطان الله القادر على الذهاب بالشياطين وأوليائهم وبالناس جميعا واستبدال غيرهم بهم , وحقيقة ضعف البشر جملة أمام بأس الله . وكلها حقائق عقيدية تذكر في معرض الحديث عن التحليل والتحريم في الذبائح - قبلها - ثم يجيء بعدها الحديث في الحلقة التالية عن النذور من الثمار والأنعام والأولاد ; وعن تقاليد الجاهلية وتصوراتها في هذه الشؤون ; فيلتحم الحديث عن هذه القضايا جميعا ; وتبدو في وضعها الطبيعي الذي يضعها فيه هذا الدين . وهي أنها كلها مسائل اعتقادية على السواء . لا فرق بينها في ميزان الله , كما يقيمه في كتابه الكريم .
الدرس الأول:128 - 130 خزي شياطين الإنس والجن يوم القيامة
لقد مضى في الحلقة السابقة حديث عن الذين يشرح الله صدورهم للإسلام ; فتبقى قلوبهم ذاكرة لاتغفل ; وأنهم ماضون إلى دار السلام , منتهون إلى ولاية ربهم وكفالته . . فالآن يعرض الصفحة المقابلة في المشهد - على طريقة القرآن الغالبة في عرض "مشاهد القيامة " - يعرض شياطين الإنس والجن , الذين قضوا الحياة يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً وخداعاً وإضلالاً ; ويقف بعضهم بمساندة بعض عدوا لكل نبي ; ويوحي بعضهم إلى بعض ليجادلوا المؤمنين في ما شرعه الله لهم من الحلال والحرام . . يعرضهم في مشهد شاخص حي , حافل بالحوار والاعتراف والتأنيب والحكم والتعقيب , فائض بالحياة التي تزخر بها مشاهد القيامة في القرآن .
(ويوم يحشرهم جميعا:يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ! وقال أولياؤهم من الإنس:ربنا استمتع بعضنا ببعض , وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ! قال:النار مثواكم خالدين فيها - إلا ما شاء الله - إن ربك حكيمعليم . . وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون . . يا معشر الجن والإنس , ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي , وينذرونكم لقاء يومكم هذا ? قالوا:شهدنا على أنفسنا ! وغرتهم الحياة الدنيا , وشهدوا على انفسهم أنهم كانوا كافرين). .
إن المشهد يبدأ معروضاً في المستقبل , يوم يحشرهم جميعا . . ولكنه يستحيل واقعا للسامع يتراءى له مواجهة . وذلك بحذف لفظة واحدة في العبارة . فتقدير الكلام , (ويوم يحشرهم جميعا)- فيقول - (يا معشر الجن والإنس . . .)ولكن حذف كلمة - يقول - ينتقل بالتعبير المصور نقلة بعيدة ; ويحيل السياق من مستقبل ينتظر , إلى واقع ينظر ! وذلك من خصائص التصوير القرآني العجيب . . .
فلنتابع المشهد الشاخص المعروض:
(يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس !). .
استكثرتم من التابعين لكم من الإنس , المستمعين لإيحائكم , المطيعين لوسوستكم , المتبعين لخطواتكم . . وهو إخبار لا يقصد به الإخبار فالجن يعلمون أنهم قد استكثروا من الإنس ! إنما يقصد به تسجيل الجريمة - جريمة إغواء هذا الحشد الكبير الذي نكاد نلمحه في المشهد المعروض ! - ويقصد به التأنيب على هذه الجريمة التي تتجمع قرائنها الحية في هذا الحشد المحشود ! لذلك لا يجيب الجن على هذا القول بشيء . . ولكن الأغرار الأغمار من الإنس المستخفين بوسوسة الشياطين يجيبون:
(وقال أولياؤهم من الإنس:ربنا استمتع بعضنا ببعض , وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا !). .
وهو جواب يكشف عن طبيعة الغفلة والخفة في هؤلاء الأتباع ; كما يكشف عن مدخل الشيطان إلى نفوسهم في دار الخداع . . لقد كانوا يستمتعون بإغواء الجن لهم وتزيينه ما كان يزين لهم من التصورات والأفكار , ومن المكابرة والاستهتار , ومن الإثم ظاهره وباطنه ! فمن منفذ الاستمتاع دخل إليهم الشيطان ! وكانت الشياطين تستمتع بهؤلاء الأغرار الأغفال . . كانت تستهويهم وتعبث بهم ; وتسخرهم لتحقيق هدف إبليس في عالم الإنس ! وهؤلاء الأغرار المستخفون يحسبون أنه كان استمتاعا متبادلا , وأنهم كانوا يمتعون فيه ويتمتعون ! ومن ثم يقولون:
(ربنا استمتع بعضنا ببعض !). .
ودام هذا المتاع طوال فترة الحياة , حتى حان الأجل , الذي يعلمون اليوم فقط أن الله هو الذي أمهلهم إليه ; وأنهم كانوا في قبضته في أثناء ذلك المتاع:
(وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا)!
عند ذلك يجيء الحكم الفاصل , بالجزاء العادل:
(قال:النار مثواكم خالدين فيها - إلا ما شاء الله -)
فالنار مثابة ومأوى . والمثوى للإقامة . وهي إقامة الدوام . . (إلا ما شاء الله)لتبقى صورة المشيئة الطليقة هي المسيطرة على التصور الاعتقادي . فطلاقة المشيئة الإلهية قاعدة من قواعد هذا التصور . والمشيئة لا تنحبس ولا تتقيد . ولا في مقرراتها هي .
(إن ربك حكيم عليم).


وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (129)
يمضي قدره بالناس عن حكمة وعن علم ; ينفرد بهما الحكيم العليم . .
وقبل استئناف الحوار لإتمام المشهد , يتحول السياق للتعقيب على شطر المشهد المنتهي:
(وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون). .
بمثل هذا الذي قام بين الجن والإنس من ولاء ; وبمثل ما انتهى إليه هذا الولاء من مصير . . بمثل ذلك , وعلى قاعدته , نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون . نجعل بعضهم أولياء بعض ; بحكم ما بينهم من تشابه في الطبع والحقيقة ; وبحكم ما بينهم من اتفاق في الوجهة والهدف , وبحكم ما ينتظرهم من وحدة في المصير . .
وهو تقرير عام أبعد مدى من حدود المناسبة التي كانت حاضرة , إنه يتناول طبيعة الولاء بين الشياطين من الإنس والجن عامة . فإن الظالمين - وهم الذين يشركون بالله في صورة من الصور - يتجمع بعضهم إلى بعض في مواجهة الحق والهدى ; ويعين بعضهم بعضا في عداء كل نبي والمؤمنين به . إنهم فضلا على أنهم من طينة واحدة - مهما اختلفت الأشكال - هم كذلك أصحاب مصلحة واحدة , تقوم على اغتصاب حق الربوبية على الناس , كما تقوم على الانطلاق مع الهوى بلا قيد من حاكمية الله . .
ونحن نراهم في كل زمان كتلة واحدة يساند بعضهم بعضا - على ما بينهم من خلافات وصراع على المصالح - إذا كانت المعركة مع دين الله ومع أولياء الله . . فبحكم ما بينهم من اتفاق في الطينة , واتفاق في الهدف يقوم ذلك الولاء . . وبحكم ما يكسبون من الشر والإثم تتفق مصائرهم في الآخرة على نحو ما رأينا في المشهد المعروض !
وإننا لنشهد في هذه الفترة - ومنذ قرون كثيرة - تجمعا ضخما لشياطين الإنس من الصليبين والصهيونيين والوثنيين والشيوعيين - على اختلاف هذه المعسكرات فيما بينها - ولكنه تجمع موجه إلى الإسلام , وإلى سحق طلائع حركات البعث الإسلامي في الأرض كلها .
وهو تجمع رهيب فعلا , تجتمع له خبرة عشرات القرون في حرب الإسلام , مع القوى المادية والثقافية , مع الأجهزة المسخرة في المنطقة ذاتها للعمل وفق أهداف ذلك التجمع وخططه الشيطانية الماكرة . . وهو تجمع يتجلى فيه قول الله سبحانهSadوكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون). . كما ينطبق عليه تطمين الله لنبيه - [ ص ]: (ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون). . ولكن هذا التطمين يقتضي أن تكون هناك العصبة المؤمنة التي تسير على قدم رسول الله [ ص ] وتعلم أنها تقوم مقامه في هذه المعركة المشبوبة على هذا الدين , وعلى المؤمنين . .
ثم نعود مع السياق إلى شطر المشهد الأخير:
(يا معشر الجن والإنس , ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي , وينذرونكم لقاء يومكم هذا ? قالوا شهدنا على أنفسنا , وغرتهم الحياة الدنيا , وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين). .
وهو سؤال للتقرير والتسجيل . فالله - سبحانه - يعلم ما كان من أمرهم في الحياة الدنيا . والجواب عليه إقرار منهم باستحقاقهم هذا الجزاء في الآخرة . .
والخطاب موجه إلى الجن كما هو موجه إلى الإنس . . فهل أرسل الله إلى الجن رسلا منهم كما أرسل إلى الإنس ? الله وحده يعلم شأن هذا الخلق المغيب عن البشر . ولكن النص يمكن تأويله بأن الجن كانوا يسمعون


يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (31)
ما أنزل على الرسل , وينطلقون إلى قومهم منذرين به . كالذي رواه القرآن الكريم من أمر الجن في سورة الأحقاف: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن . فلما حضروه قالوا:أنصتوا . فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين . قالوا:يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه , يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم . يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به , يغفر لكم من ذنوبكم , ويجركم من عذاب أليم . ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض , وليس له من دونه أولياء . أولئك في ضلال مبين . . فجائز أن يكون السؤال والجواب للجن مع الإنس قائمين على هذه القاعدة . . والأمر كله مما اختص الله سبحانه بعلمه والبحث فيما وراء هذا القدر لا طائل وراءه !
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42713
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:28 pm

وعلى أية حال فقد أدرك المسؤولون من الجن والإنس , أن السؤال ليس على وجهه . إنما هو سؤال للتقرير والتسجيل ; كما أنه للتأنيب والتوبيخ ; فأخذوا في الاعتراف الكامل ; وسجلوا على أنفسهم استحقاقهم لما هم فيه:
(قالوا:شهدنا على أنفسنا):
وهنا يتدخل المعقب على المشهد ليقول:
(وغرتهم الحياة الدنيا ; وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين);
وهو تعقيب لتقرير حقيقة حالهم في الدنيا . فقد غرتهم هذه الحياة ; وقادهم الغرور إلى الكفر . ثم ها هم أولاء يشهدون على أنفسهم به ; حيث لا تجدي المكابرة والإنكار . . فأي مصير أبأس من أن يجد الإنسان نفسه في هذا المأزق , الذي لا يملك أن يدفع عن نفسه فيه , ولا بكلمة الإنكار ! ولا بكلمة الدفاع !
ونقف لحظة أمام الأسلوب القرآني العجيب في رسم المشاهد حاضرة ; ورد المستقبل المنظور واقعاً مشهوداً ; وجعل الحاضر القائم ماضياً بعيداً !
إن هذ القرآن يتلى على الناس في هذه الدنيا الحاضرة ; وفي هذه الأرض المعهودة . ولكنه يعرض مشهد الآخرة كأنه حاضر قريب ; ومشهد الدنيا كأنها ماض بعيد ! فننسى أن ذلك مشهد سيكون يوم القيامة ; ونستشعر أنه أمامنا اللحظة ماثل ! وأنه يتحدث عن الدنيا التي كانت كما يتحدث عن التاريخ البعيد !
(وغرتهم الحياة الدنيا , وشهدوا على أنفسهم أنهم - كانوا - كافرين). .
وذلك من عجائب التخييل !
الدرس الثاني:131 - 132 سنة الله في الثواب والعقاب
وعلى ختام المشهد يلتفت السياق بالخطاب إلى رسول الله [ ص ] ومن وراءه من المؤمنين ; وإلى الناس أجمعين ; ليعقب على هذا الحكم الصادر بجزاء الشياطين من الإنس والجن ; وبإحالة هذا الحشد الحاشد إلى النار ; وعلى إقرارهم بأن الرسل قد جاءت إليهم , تقص عليهم آيات الله , وتنذرهم لقاء يومهم هذا . . ليعقب على هذا المشهد وما كان فيه , بأن عذاب الله لا ينال أحدا إلا بعد الإنذار ; وأن الله لا يأخذ العباد بظلمهم [ أي بشركهم ] إلا بعد أن ينبهوا من غفلتهم ; وتقص عليهم الآيات , وينذرهم المنذرون:
(ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى - بظلم - وأهلها غافلون). .
لقد اقتضت رحمة الله بالناس ألا يؤاخذهم على الشرك والكفر حتى يرسل إليهم الرسل , على الرغم مما أودعه فطرتهم من الاتجاه إلى ربها - فقد تضل هذه الفطر - وعلى الرغم مما أعطاهم من قوة العقل والإدراك -


وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (134)
فالعقل قد يضل تحت ضغط الشهوات - وعلى الرغم مما في كتاب الكون المفتوح من آيات - فقد تتعطل أجهزة الاستقبال كلها في الكيان البشري .
لقد ناط بالرسل والرسالات مهمة استنقاذ الفطرة من الركام لا واستنقاذ العقل من الانحراف , واستنقاذ البصائر والحواس من الانطماس . وجعل العذاب مرهونا بالتكذيب والكفر بعد البلاغ والإنذار .
وهذه الحقيقة كما أنها تصور رحمة الله بهذا الإنسان وفضله , كذلك تصور قيمة المدارك البشرية من فطرة وعقل ; وتقرر أنها - وحدها - لا تعصم من الضلال , ولا تهدي إلى يقين , ولا تصبر على ضغط الشهوات . .
ما لم تساندها العقيدة وما لم يضبطها الدين . .
ثم يقرر السياق حقيقة أخرى في شأن الجزاء . . للمؤمنين وللشياطين سواء:
(ولكل درجات مما عملوا . وما ربك بغافل عما يعملون). .
فللمؤمنين درجات:درجة فوق درجة . وللشياطين درجات:درجة تحت درجة ! وفق الأعمال . والأعمال مرصودة لا يغيب منها شيء: (وما ربك بغافل عما يعملون).
الدرس الثالث:133 - 135 غنى الله عن المخلوقين وقدرته النافذة فيهم
على أن الله - سبحانه - إنما يرسل رسله رحمة بالعباد ; فهو غني عنهم ; وعن إيمانهم به وعبادتهم له . وإذا أحسنوا فإنما يحسنون لأنفسهم في الدنيا والآخرة . كذلك تتجلى رحمته في الإبقاء على الجيل العاصي الظالم المشرك , وهو القادر على أن يهلكه , وينشئ جيلا آخر يستخلفه:
(وربك الغني ذو الرحمة . إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء . كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين).
فلا ينس الناس أنهم باقون برحمة الله ; وأن بقاءهم معلق بمشيئة الله ; وأن ما في أيديهم من سلطان إنما خولهم الله إياه . فليس هو سلطاناً أصيلاً , ولا وجودا مختارا . فما لأحد في نشأته ووجوده من يد ; وما لأحد فيما أعطيه من السلطان من قدرة . وذهابهم واستخلاف غيرهم هين على الله . كما أنه أنشأهم من ذرية جيل غبر . واستخلفوا هم من بعده بقدر من الله .
إنها طرقات قوية وإيقاعات عنيفة على قلوب الظالمين من شياطين الإنس والجن الذين يمكرون ويتطاولون , ويحرمون ويحللون , ويجادلون في شرع الله بما يشرعون . . وهم هكذا في قبضة الله يبقيهم كيف شاء , ويذهب بهم أنى شاء , ويستخلف من بعدهم ما يشاء . . كما أنها ايقاعات من التثبيت والطمأنينة والثقة في قلوب العصبة المسلمة , التي تلقى العنت من كيد الشياطين ومكرهم ; ومن أذى المجرمين وعدائهم . . فهؤلاء هم في قبضة الله ضعافا حتى وهم يتجبرون في الأرض ويمكرون !
ثم إيقاع تهديدي آخر:
(إن ما توعدون لآت , وما أنتم بمعجزين)
إنكم في يد الله وقبضته , ورهن مشيئته وقدره . فلستم بمفلتين أو مستعصين . . ويوم الحشر الذي شاهدتم


قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135)
منه مشهدا منذ لحظة ينتظركم ; وإنه لآت لا ريب فيه , ولن تفلتوا يومها , ولن تعجزوا الله القوي المتين . وتنتهي التعقيبات بتهديد آخر ملفوف , عميق الإيحاء والتأثير في القلوب:
(قل:يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل , فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار , إنه لا يفلح الظالمون). إنه تهديد الواثق من الحق الذي معه , والحق الذي وراءه ; ومن القوة التي في الحق , والقوة التي وراء الحق . . التهديد من الرسول [ ص ] بأنه نافض يديه من أمرهم , واثق مما هو عليه من الحق , واثق من منهجه وطريقه , واثق كذلك مما هم عليه من الضلال , وواثق من مصيرهم الذي هم إليه منتهون:
(إنه لا يفلح الظالمون). .
فهذه هي القاعدة التي لا تتخلف . . إنه لا يفلح المشركون , الذين يتخذون من دون الله أولياء . وليس من دون الله ولي ولا نصير . والذين لا يتبعون هدى الله . وليس وراءه إلا الضلال البعيد وإلا الخسران المبين . .
وقبل أن نمضي مع سياق السورة حلقة جديدة , نقف وقفة سريعة مع هذه الحلقة الوسيطة بين حديث عن تشريع الذبائح - ما ذكر اسم الله عليه وما لم يذكر اسم الله عليه - وحديث عن النذور من الثمار والأنعام والأولاد . . هذه الحلقة التي تضمنت تلك الحقائق الأساسية من حقائق العقيدة البحتة ; كما تضمنت مشاهد وصوراً وتقريرات عن طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر ; وعن المعركة بين الشياطين من الإنس والجن وبين أنبياء الله والمؤمنين بهم , كما تضمنت ذلك الحشد من المؤثرات الموحية التي سبقت نظائرها في سياق السورة وهو يواجه ويعرض حقائق العقيدة الكبرى في محيطها الشامل . .
نقف هذه الوقفة السريعة مع هذه الحلقة الوسيطة ; لنرى كم يحفل المنهج القرآني بهذه الواقعيات العملية , وهذه الجزئيات التطبيقية في الحياة البشرية ; وكم يحفل بانطباقها على شريعة الله ; وعلى تقرير الأصل الذي يجب أن تستند إليه ; وهو حاكمية الله . . أو بتعبير آخر ربوبية الله . .
فلماذا يحفل المنهج القرآني هكذا بهذه القضية ?
يحفل بها لأنها من ناحية المبدأ تلخص قضية "العقيدة في الإسلام ; كما تلخص قضية "الدين" . فالعقيدة في الإسلام تقوم على أساس شهادة:أن لا إله إلا الله . وبهذه الشهادة يخلع المسلم من قلبه ألوهية كل أحد من العباد ويجعل الألوهية لله . ومن ثم يخلع الحاكمية عن كل أحد ويجعل الحاكمية كلها لله . . والتشريع للصغيرة هو مزاولة لحق الحاكمية كالتشريع للكبيرة . فهو من ثم مزاولة لحق الألوهية , يأباه المسلم إلا الله . . والدين في الإسلام هو دينونة العباد في واقعهم العملي - كما هو الأمر في العقيدة القلبية - لألوهية واحدة هي ألوهية الله , ونفض كل دينونة في هذا الواقع لغير الله من العباد المتألهين ! والتشريع هو مزاولة للألوهية , والخضوع للتشريع هو الدينونة لهذه الألوهية . . ومن ثم يجعل المسلم دينونته في هذا لله وحده ; ويخلع ويرفض الدينونة لغير الله من العباد المتألهين !
من هنا ذلك الاحتفال كله في القرآن كله بتقرير هذه الأصول الاعتقادية , والاتكاء عليها على هذا النحو الذي نرى صورة منه في سياق هذه السورة المكية . . والقرآن المكي - كما أسلفنا في التقديم لهذه السورة في الجزء السابع - لم يكن يواجه قضية النظام والشرائع في حياة الجماعة المسلمة ; ولكنه كان يواجه قضية العقيدةوالتصور . ومع هذا فإن السورة تحفل هذا الاحتفال بتقرير هذا الأصل الاعتقادي في موضوع الحاكمية . . ولهذا دلالته العميقة الكبيرة . .
الوحدة السادسة عشرة:136 - 153 الموضوع:ربط الحاكمية بالعقيدة وإنكار حاكمية الجاهلية مقدمة الوحدة هذا الشوط الطويل كله - بالإضافة إلى الشوط الذي سبقه والتعقيبات عليه - في سياق سورة مكية , من القرآن المكي الذي كان موضوعه هو العقيدة ; والذي لم يتعرض لشيء من الشريعة - إلا ما يختص بتأصيل أصلها الاعتقادي - حيث لم تكن للإسلام دولة تنفذ شريعته ; فصان الله هذه الشريعة أن تصبح حديث ألسن , وموضوعات دراسة ; قبل أن يهيىء لها المجتمع الذي يدخل في السلم كافة , ويسلم نفسه لله جملة , ويعبد الله بالطاعة لشريعته في وقبل أن يهيىء لها الدولة ذات السلطان , التي تحكم بهذه الشريعة بين الناس فعلا ; وتجعل معرفة الحكم مقرونة بتنفيذه , كما هي طبيعة هذا الدين , وكما هو منهجه , الذي يكفل له الجدية والحرارة والوقار . .
نقول:هذا الشوط الطويل كله في سورة مكية ; يتناول قضية التشريع والحاكمية . فيدل على طبيعة هذه


وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ (136)
القضية - إنها قضية عقيدية . . ويدل على جدية هذه القضية في هذا الدين . . إنها قضيته الرئيسية . .
وقبل أن نمضي في مواجهة النصوص تفصيلا , نحب أن نعيش في ظلال السياق القرآني بجملته . . لنرى محتوياته على وجه الإجمال . ولنرى دلالته وإيحاءاته كذلك . .
إنه يبدأ بعرض مجموعة التصورات والمزاعم الجاهلية حول ما كانوا يزاولونه في شأن الثمار والأنعام والأولاد - أي في شأن المال والاجتماع - في جاهليتهم . فنجد هذه التصورات والمزاعم تتمثل في:
- 1 تقسيمهم ما رزقهم الله من رزق , وأنشأ لهم من زروع وأنعام , إلى قسمين:قسم يجعلونه لله - زاعمين أن هذا مما شرعه الله - وقسم يجعلونه لشركائهم - وهي الآلهة المدعاة التي يشركونها في أنفسهم وأموالهم وأولادهم من دون الله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا . فقالوا:هذا لله - بزعمهم - وهذا لشركائنا)!
- 2 أنهم بعد ذلك , يجورون على النصيب الذي قسموه لله . فيأخذون جانبا منه ويضمونه إلى ما قسموه لشركائنا , ولا يفعلون مثل ذلك فيما قسموه للشركاء !: (فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله , وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم)!
- 3 أنهم يقتلون أولادهم بتزيين من الشركاء - وهم في هذه الحالة إنما هم الكهان والمشترعون فيهم - ممن يصنعون التقاليد التي يخضع لها الأفراد في المجتمع , بحكم الضغط الاجتماعي من ناحية , وحكم التأثر بالأساطير الدينية من ناحية - وكان هذا القتل يتناول البنات مخافة الفقر والعار . كما قد يتناول الذكور في النذور , كالذي نذره عبد المطلب أن لو رزقه الله عشرة أبناء يحمونه ليذبحن أحدهم للآلهة ! (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم , ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم)!
- 4 أنهم كانوا يحجزون بعض الأنعام وبعض الزروع ; فيزعمون أنها لا تطعم إلا بإذن خاص من الله - هكذا يزعمون ! - كما كانوا يمنعون ظهور بعض الأنعام من الركوب , ويمنعون أن يذكر اسم الله على بعضها عند الذبح أو الركوب أولا يركبونها في الحج لأن فيه ذكر الله . مع الزعم بأن هذا كله قد أمر الله به .: (وقالوا:هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها , وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها - افتراء عليه - !).
- 5 وأنهم كانوا يسمون ما في بطون بعض الأنعام من الحمل لذكورهم , ويجعلونه محرما على إناثهم . إلا أن ينزل الحمل ميتا فعندئذ يشترك فيه الذكور والإناث ! مع نسبة هذه الشريعة المضحكة إلى اللهSadوقالوا:ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا , وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء . سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم). .
هذه هي مجموعة التصورات والمزاعم والتقاليد التي كانت تصبغ وجه المجتمع العربي في الجاهلية , والتي يتصدى هذا السياق القرآني الطويل - في سورة مكية - للقضاء عليها , وتطهير النفوس والقلوب منها , وإبطالها كذلك في الواقع الاجتماعي .
ولقد سلك السياق القرآني هذا المنهج في خطواته البطيئة الطويلة الدقيقة:
لقد قرر ابتداء خسران الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله - افتراء على الله -وأعلن ضلالهم المطلق في هذه التصورات والمزاعم التي ينسبونها إلى الله بغير علم .
ثم لفت أنظارهم إلى أن الله هو الذي أنشأ لهم هذه الأموال التي يتصرفون فيها هذه التصرفات . . هو الذي أنشأ لهم جنات معروشات وغير معروشات . وهو الذي خلق لهم هذه الأنعام . . والذي يرزق هو وحده الذي يملك , وهو وحده الذي يشرع للناس فيما رزقهم من هذه الأموال . . وفي هذه اللفتة استخدم حشدا من المؤثرات الموحية من مشاهد الزروع والثمار والجنات المعروشات وغير المعروشات , ومن نعمة الله عليهم في الأنعام التي جعل بعضها حمولة لهم يركب ويحمل وبعضها فرشاً , يؤكل لحمه ويفرش جلده وصوفه وشعره . . كما استخدم ذكرى العداء المتأصل بين بني آدم والشيطان . فكيف يتبعون خطوات الشيطان , وكيف يستمعون لوسوسته وهو العدو المبين ?!
بعد ذلك استعرض في تفصيل شديد سخافة تصوراتهم فيما يختص بالأنعام , وخلوها من كل منطق , وألقى الأضواء على ظلمات التصورات حتى لتبدو تافهة مهلهلة متهافتة . . وفي نهاية هذا الاستعراض يسأل:علام ترتكنون في هذه التشريعات الخالية من كل حجة ومنطق: (أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ?)فكان ذلك سرا تعلمونه أنتم ووصية خاصة بكم ! ويشنع بجريمة الافتراء على الله , وإضلال الناس بغير علم . ويجعل هذا التشنيع أحد المؤثرات المتنوعة التي يستخدمها . .
وهنا يقرر السلطة صاحبة الحق في التشريع . ويبين ما حرمته هذه السلطة فعلا من المطاعم . سواء ما حرم على المسلمين وما حرم على اليهود خاصة وأحله الله للمسلمين .
ثم يناقش إحالتهم هذه الجاهلية - الممثلة في الشرك بالله وتحريم ما أحل الله وكلاهما في مستوى الآخر من ناحية دلالته ووصفه الشرعي عند الله - على إرادة الله وقولهم: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء). . فيقرر أن هذه المقالة هي مقالة كل كافر مكذب من قبل , وقد قالها المكذبون حتى جاءهم بأس الله: (كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا)فالشرك كالتحريم بدون شرع الله , كلاهما سمة المكذبين بآيات الله . ويسألهم في استنكار علام تحيلون هذه المقررات التي تقررونها: (قل:هل عندكم من علم فتخرجوه لنا . إن تتبعون إلا الظن , وإن أنتم إلا تخرصون)!
ثم ينهي مناقشتهم في هذا الشأن بدعوتهم إلى موقف الإشهاد والمفاصلة - تماماً كما دعاهم إلى هذا الموقف في أول السورة في شأن أصل الاعتقاد - مع استخدام نفس العبارات والأوصاف , بل نفس الألفاظ , للدلالة على أن القضية واحدة:قضية الشرك بالله , وقضية التشريع بغير إذن من اللهSadقل:هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا , فإن شهدوا فلا تشهد معهم . ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة , وهم بربهم يعدلون). . ونرى من الآية الى جانب وحدة المشهد والعبارة واللفظ , أن الذين يزاولون هذه التشريعات هم الذين يتبعون أهواءهم . وهم الذين كذبوا بآيات الله . وهم الذين لا يؤمنون بالآخرة . فلو أنهم صدقوا بآيات الله وآمنوا بالآخرة واتبعوا هدى الله ما شرعوا لأنفسهم وللناس من دون الله . وما حرموا وحللوا بغير إذن من الله .
وفي نهاية الشوط يدعوهم ليبين لهم ما حرمه الله حقاً . . وهنا نرى جملة من المبادئ الأساسية للحياة الاجتماعية , في مقدمتها توحيد الله . وبعضها أوامر وتكاليف ولكن التحريمات أغلب , فجعلها عنواناً للكل:لقد نهى الله عن الشرك . وأمر بالإحسان للوالدين . ونهى عن قتل الأولاد من الفقر مع طمأنتهم على الرزق .ونهى عن القرب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن . ونهى عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق . ونهى عن مس مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده . وأمر بإيفاء الكيل والميزان بالقسط . وأمر بالعدل في القول - في الشهادة والحكم - ولو كان ذا قربى . وأمر بالوفاء بعهد الله كله . وجعل هذا جميعه وصية من الله كررها عقب كل جملة من الأوامر والنواهي .
هذا الحشد كله الذي يتضمن قاعدة العقيدة ومبادى الشريعة ; اللتين تتجمعان هذا التجمع في السياق , وتمتزجان هذا الامتزاج ; وتعرضان جملة واحدة , وكتلة واحدة , بصورة لا تخفى دلالتها على من يطالع هذا القرآن على النهج الذي بيناه . . هذا الحشد كله يقال عنه في نهاية الشوط الطويل:
(وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه , ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون). .
وذلك لإبراز تلك الدلالة المستفادة من السياق كله ; وصوغها في تقرير واحد واضح حاسم:
إن هذا الدين شريعته كعقيدته في تقرير صفة الشرك أو صفة الإسلام . بل إن شريعته من عقيدته في هذه الدلالة . . . بل إن شريعته هي عقيدته . . إذ هي الترجمة الواقعية لها . . . كما تتجلى هذه الحقيقة الأساسية من خلال النصوص القرآنية , وعرضها في المنهج القرآني . .
وهذه هي الحقيقة التي زحزح مفهوم "الدين" في نفوس أهل هذا الدين عنها زحزحة مطردة خلال قرون طويلة , بشتى الأساليب الجهنمية الخبيثة . . حتى انتهى الأمر بأكثر المتحمسين لهذا الدين - ودعك من أعدائه والمستهزئين والمستهترين الذين لا يحفلونه - أن تصبح قضية الحاكمية في نفوسهم قضية منفصلة عن قضية العقيدة ! لا تجيش لها نفوسهم كما تجيش للعقيدة ! ولا يعدون المروق منها مروقاً من الدين , كالذي يمرق من عقيدة أو عبادة ! وهذا الدين لا يعرف الفصل بين العقيدة والعبادة والشريعة . إنما هي الزحزحة التي زاولتها أجهزة مدربة , قروناً طويلة , حتى انتهت مسألة الحاكمية الى هذه الصورة الباهتة , حتى في حس أشد المتحمسين لهذا الدين ! وهي هي القضية التي تحتشد لها سورة مكية - موضوعها ليس هو النظام وليس هو الشريعة , إنما موضوعها هو العقيدة - وتحشد لها كل هذه المؤثرات , وكل هذه التقريرات ; بينما هي تتصدى لجزئية تطبيقية من تقاليد الحياة الاجتماعية . ذلك أنها تتعلق بالأصل الكبير . . أصل الحاكمية . . وذلك أن هذا الأصل الكبير يتعلق بقاعدة هذا الدين وبوجوده الحقيقي . .
إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك , ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك . ويتحرجون من هذه ولا يتحرجون من تلك . . إن هؤلاء لا يقرأون القرآن . ولا يعرفون طبيعة هذا الدين . . فليقرأوا القرآن كما أنزله الله , وليأخذوا قول الله بجد: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون). .
وإن بعض هؤلاء المتحمسين لهذا الدين ليشغلون بالهم وبال الناس ببيان إن كان هذا القانون , أو هذا الإجراء , أو هذا القول , منطبقاً على شريعة الله أو غير منطبق . . وتأخذهم الغيرة على بعض المخالفات هنا وهناك . . كأن الإسلام كله قائم , فلا ينقص وجوده وقيامه وكماله إلا أن تمتنع هذه المخالفات !
هؤلاء المتحمسون الغيورون على هذا الدين , يؤذون هذا الدين من حيث لا يشعرون . بل يطعنونه الطعنة النجلاء بمثل هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة . . إنهم يفرغون الطاقة العقيدية الباقية في نفوس الناس في هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة . . إنهم يؤدون شهادة ضمنية لهذه الأوضاع الجاهلية . شهادة بأن هذا الدين قائم فيها , لا ينقصه ليكمل إلا أن تصحح هذه المخالفات . بينما الدين كله متوقف عن "الوجود" أصلاً , ما داملا يتمثل في نظام وأوضاع , الحاكمية فيها لله وحده من دون العباد .
إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية الله . فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين . . وإن مشكلة هذا الدين في الأرض اليوم , لهي قيام الطواغيت التي تعتدي على ألوهية الله , وتغتصب سلطانه , وتجعل لأنفسها حق التشريع بالإباحة والمنع في الأنفس والأموال والأولاد . . وهي هي المشكلة التي كان يواجهها القرآن الكريم بهذا الحشد من المؤثرات والمقررات والبيانات , ويربطها بقضية الألوهية والعبودية , ويجعلها مناط الإيمان أو الكفر , وميزان الجاهلية أو الإسلام .
إن المعركة الحقيقية التي خاضها الإسلام ليقرر "وجوده" لم تكن هي المعركة مع الإلحاد , حتى يكون مجرد "التدين" هو ما يسعى إليه المتحمسون لهذا الدين ! ولم تكن هي المعركة مع الفساد الاجتماعي أو الفساد الأخلاقي - فهذه معارك تالية لمعركة "وجود" هذا الدين ! . . لقد كانت المعركة الأولى التي خاضها الإسلام ليقرر "وجوده" هي معركة "الحاكمية " وتقرير لمن تكون . . لذلك خاضها وهو في مكة . خاضها وهو ينشيء العقيدة , ولا يتعرض للنظام والشريعة . خاضها ليثبت في الضمير أن الحاكمية لله وحده , لا يدعيها لنفسه مسلم , ولا يقر مدعيها على دعواه مسلم . . فلما أن رسخت هذه العقيدة في نفوس العصبة المسلمة في مكة , يسر الله لهم مزاولتها الواقعية في المدينة . . فلينظر المتحمسون لهذا الدين ما هم فيه وما يجب أن يكون . بعد أن يدركوا المفهوم الحقيقي لهذا الدين !
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42713
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:34 pm

وحسبنا هذا القدر لنواجه النصوص بالتفصيل .
الدرس الأول 136 - 140 نماذج مستنكرة من التشريع الجاهلي الخاسر
(وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً . فقالوا:هذا لله - بزعمهم - وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله , وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم . ساء ما يحكمون !). .
يقرر السياق - وهو يصف تصورات الجاهلية وتقاليدها في الحرث والأنعام - أن الله هو الذي أنشأ لهم هذه الزروع والأنعام ; فما من أحد غير الله يرزق الناس من الأرض والسماء . . ثم يذكر بعد هذا التقرير ما يفعلونه بما رزقهم . إذ يجعلون له منه سبحانه جزءا , ويجعلون لأوثانهم وأصنامهم جزءا [ وطبيعي أن سدنة الأوثان هم الذين ينتهي إليهم هذا الجزء الأخير ! ] . ثم هم بعد ذلك يجورون على الجزء الذي جعلوه لله . على النحو الذي تقرره الآية !
عن ابن عباس قال:كانوا إذا أدخلوا الطعام فجعلوه حزما , جعلوا منه لله سهما وسهما لآلهتهم . وكانت إذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لآلهتهم إلى الذي جعلوه لله ردوه إلى الذي جعلوه لآلهتم . وإذا هبت الريح من نحو الذي جعلوها لله إلى الذي جعلوه لآلهتهم , أقروه ولم يردوه . فذلك قوله: (ساء ما يحكمون).
وعن مجاهد قال:يسمون لله جزءا من الحرث , ولشركائهم وأوثانهم جزءا . فما ذهبت به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم تركوه . وما ذهب من جزء أوثانهم إلى جزء الله ردوه . وقالوا:"الله عن هذا غني" ! والأنعام:السائبة والبحيرة التي سموا .
وعن قتادة قال:عمد ناس من أهل الضلالة فجزأوا من حروثهم ومواشيهم جزءاً لله وجزءاً لشركائهم وكانوا إذا خالط شيء مما جزأوا لله فيما جزأوا لشركائهم خلوه . فإذا خالط شيء مما جزأوا لشركائهم فيما جزأوا لله ردوه على شركائهم . وكانوا إذا أصابتهم السنة [ يعني الجدب ] استعانوا بما جزأوا لله , وأقروا ما جزأوا لشركائهم . قال الله , (ساء ما يحكمون).
وعن السدي قال:كانوا يقسمون من أموالهم قسما فيجعلونه لله , ويزرعون زرعا فيجعلونه لله . ويجعلون لآلهتهم مثل ذلك . . فما خرج للآلهة أنفقوه عليها , وما خرج لله تصدقوا به . فإذا هلك الذي يصنعون لشركائهم , وكثر الذي لله , قالوا:"ليس بد لآلهتنا من نفقة " ! وأخذوا الذي لله فأنفقوه على آلهتهم . وإذا أجدب الذي لله , وكثر الذي لآلهتهم , قالوا:"لو شاء أزكى الذي له" ! فلا يردون عليه شيئا مما للآلهة . قال الله . . لو كانوا صادقين فيما قسموا لبئس إذن ما حكموا:أن يأخذوا مني ولا يعطوني ! فذلك حين يقول: (ساء ما يحكمون).
وعن ابن جرير:وأما قوله: (ساء ما يحكمون)فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن فعل هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم . يقول جل ثناؤه:وقد أساءوا في حكمهم , إذ أخذوا من نصيبي لشركائهم , ولم يعطوني من نصيب شركائهم , وإنما عنى بذلك - تعالى ذكره - الخبر عن جهلهم وضلالتهم , وذهابهم عن سبيل الحق , بأنهم لم يرضوا أن عدلوا بمن خلقهم وغذاهم , وأنعم عليهم بالنعم التي لا تحصى , ما لا يضرهم ولا ينفعهم , حتى فضلوه في أقسامهم عن أنفسهم بالقسم عليه !
هذا هو ما كان شياطين الإنس والجن يوحون به إلى أوليائهم ليجادلوا به المؤمنين في الأنعام والزروع . وظاهر في هذه التصورات والتصرفات أثر المصلحة للشياطين في هذا الذي يزينونه لأوليائهم . فأما مصلحة شياطين الإنس - من الكهنة والسدنة والرؤساء - فهي متمثلة أولا في الاستيلاء على قلوب الأتباع والأولياء , وتحريكهم على هواهم وفق ما يزينونه لهم من تصورات باطلة وعقائد فاسدة ! ومتمثلة ثانيا في المصالح المادية التي تتحقق لهم من وراء هذا التزيين والاستهواء لجماهير الناس ; وهو ما يعود عليهم مما يقسمه هؤلاء الأغرار المغفلون للآلهة ! . . وأما مصلحة شياطين الجن فتتمثل في نجاح الإغواء والوسوسة لبني آدم حتى يفسدوا عليهم حياتهم , ويفسدوا عليهم دينهم , ويقودوهم ذللاً إلى الدمار في الدنيا والنار في الآخرة ! وهذه الصورة التي كانت تقع في جاهلية العرب , وكانت تقع نظائرها في الجاهليات الأخرى:للإغريق والفرس والرومان , والتي ما تزال تقع في الهند وإفريقية وآسيا . . . هذه الصور كلها ليست إلا صورا من التصرف في المال لا تقتصر عليها الجاهلية ! فالجاهلية الحاضرة تتصرف كذلك في الأموال بما لم يأذن به الله . وعندئذ تلتقي في الشرك مع تلك الجاهليات القديمة . تلتقي في الأصل والقاعدة . فالجاهلية هي كل وضع يتصرف في شؤون الناس بغير شريعة من الله . ولا عبرة بعد ذلك باختلاف الأشكال التي يتمثل فيها هذا التصرف . . فإن هي إلا اشكال . .(وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم , وليلبسوا عليهم دينهم . ولو شاء الله ما فعلوه . فذرهم وما يفترون).
يقول:وكما زين الشركاء والشياطين لهم ذلك التصرف في أموالهم كذلك زينوا لهم قتل أولادهم . . وذلك ما كانوا يفعلونه من وأد البنات خشية الإملاق - أو خشية السبي والعار - ومن قتل بعض الأبناء في النذر للآلهة كالذي روي عن عبد المطلب من نذره ذبح أحد ولده , إن رزقه الله بعشرة منهم يحمونه ويمنعونه !
وظاهر أن هذا وذاك كان يوحي به عرف الجاهلية . العرف الذي وضعه الناس للناس . والشركاء المذكورون هنا هم شياطين الإنس والجن . . من الكهنة والسدنة والرؤساء من الإنس , ومن القرناء الموسوسين من الجن , بالتعاون والموالاة فيما بينهم !
والنص يصرح بالهدف الكامن وراء التزيين:
(ليردوهم , وليلبسوا عليهم دينهم).


وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137)
ليهلكوهم وليجعلوا دينهم عليهم ملتبساً غامضاً لا يقفون منه على تصور واضح . . فأما الهلاك فيتمثل ابتداء في قتلهم لأولادهم ; ويتمثل أخيراً في فساد الحياة الاجتماعية بجملتها , وصيرورة الناس ماشية ضالة يوجهها رعاتها المفسدون حيثما شاءوا , وفق أهوائهم ومصالحهم ! حتى ليتحكمون في أنفسهم وأولادهم وأموالهم بالقتل والهلاك , فلا تجد هذه الغنم الضالة لها مفرا من الخضوع . لأن التصورات المتلبسة بالدين والعقيدة - وما هي منها -بكل ثقلها وعمقها , تتعاون مع العرف الاجتماعي المنبثق منها , وتنشى ثقلاً ساحقاً لا تقف له جماهير الناس . ما لم تعتصم منه بدين واضح ; وما لم ترجع في أمرها كله إلى ميزان ثابت .
وهذه التصورات المبهمة الغامضة ; وهذا العرف الاجتماعي الذي ينبثق منها , ويضغط على جمهرة الناس بثقله الساحق . . لا ينحصر في تلك الصور التي عرفتها الجاهليات القديمة . فنحن نشهده اليوم بصورة أوضح في الجاهليات الحديثة . . هذه العادات والتقاليد التي تكلف الناس العنت الشديد في حياتهم , ثم لا يجدون لأنفسهم منها مفراً . . هذه الأزياء والمراسم التي تفرض نفسها على الناس فرضاً , وتكلفهم أحياناً ما لا يطيقون من النفقة , وتأكل حياتهم واهتماماتهم , ثم تفسد أخلاقهم وحياتهم . ومع ذلك لا يملكون إلا الخضوع لها . . أزياء الصباح , وأزياء بعد الظهر , وأزياء المساء . . الأزياء القصيرة , والأزياء الضيقة , والأزياء المضحكة ! وأنواع الزينة والتجميل والتصفيف . . . إلى آخر هذا الاسترقاق المذلّ . . من الذي يصنعه ومن الذي يقف وراءه ? تقف وراءه بيوت الأزياء . وتقف وراءه شركات الإنتاج ! ويقف وراءه المرابون في بيوت المال والبنوك من الذين يعطون أموالهم للصناعات ليأخذوا هم حصيلة كدها ! ويقف وراءه اليهود الذين يعملون لتدمير البشرية كلها ليحكموها ! . . ولكنهم لا يقفون بالسلاح الظاهر والجند المكشوف , إنما يقفون بالتصورات والقيم التي ينشئونها , ويؤصلونها بنظريات وثقافات ; ويطلقونها تضغط على الناس في صورة [ عرف اجتماعي ] . فهم يعلمون أن النظريات وحدها لا تكفي ما لم تتمثل في أنظمة حكم , وأوضاع مجتمع , وفي عرف اجتماعي غامض لا يناقشه الناس , لأنه ملتبس عليهم متشابكة جذوره وفروعه !
إنه فعل الشياطين . . شياطين الإنس والجن . . وإنها الجاهلية تختلف أشكالها وصورها , وتتحد جذورها ومنابعها , وتتماثل قوائمها وقواعدها . .
وإننا لنبخس القرآن قدره , إذا نحن قرأناه وفهمناه على أنه حديث عن جاهليات كانت ! إنما هو حديث عن شتى الجاهليات في كل أعصار الحياة . ومواجهة للواقع المنحرف دائماً ورده إلى صراط الله المستقيم . .
ومع ضخامة الكيد , وثقل الواقع , فإن السياق القرآني يهوّن أمر الجاهلية , ويكشف عن الحقيقة الكبرى التي قد يخدع عنها هذا الجانب الظاهر . . إن هؤلاء الشياطين وأولياءهم لفي قبضة الله وسلطانه . وهم لا يفعلون ما يفعلونه بقدرة ذاتية فيهم . ولكن بترك الحبل ممدوداً لهم قليلاً ; بمشيئة الله وقدره , تحقيقاً لحكمة الله في ابتلاء عباده . ولو شاء ألا يفعلوه ما فعلوه . ولكنه شاء للابتلاء . فلا على النبي [ ص ] ولا على المؤمنين . فليمضوا في طريقهم وليدعوا له الشياطين وما يفترون على الله وما يكيدون:
(ولو شاء الله ما فعلوه . فذرهم وما يفترون). .
ولا بد أن نذكر أنهم ما كانوا يجرؤون على أن يقولوا:إن هذه التصورات والتصرفات من عند أنفسهم . إنما يفترون على الله , فيزعمون أنه هو شرعها لهم . . ينسبونها بذلك إلى شريعة إبراهيم وإسماعيل - بزعمهم ! كذلك يفعل الشياطين اليوم في الجاهليات الحديثة . . إن معظمهم لا يستطيع أن يتبجح تبجح الشيوعيين الملحدين ;


وَقَالُواْ هَـذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ (139)
فينفي وجود الله جملة ويتنكر للدين علانية . إنما يلجأ إلى نفس الأسلوب الذي كان يلجأ إليه الشياطين في جاهلية العرب ! يقولون:إنهم يحترمون الدين ! ويزعمون أن ما يشرعونه للناس له أصل من هذا الدين ! . . إنه أسلوب ألأم وأخبث من أسلوب الشيوعيين الملحدين ! إنه يخدر العاطفة الدينية الغامضة التي لا تزال تعيش في قرارات النفوس - وإن لم تكن هي الإسلام , فالإسلام منهج واضح عملي واقع وليس هذه العاطفة المبهمة الغامضة - ويفرغ الطاقة الفطرية الدينية في قوالب جاهلية لا إسلامية . وهذا أخبث الكيد وألأم الأساليب !
ثم يجيء "المتحمسون" لهذا الدين ; فيفرغون جهدهم في استنكار جزيئات هزيلة على هامش الحقيقة الإسلامية , لا تروق لهم في هذه الأوضاع الجاهلية المشركة , المغتصبة لألوهية الله وسلطانه بالجملة . وبهذه الغيرة الغبية يسبغون على هذه الأوضاع الجاهلية المشركة طابع الإسلام . ويشهدون لها شهادة ضمنية خطيرة بأنها تقوم على أصل من الدين حقاً , ولكنها تخالف عنه في هذه الجزئيات الهزيلة !
ويؤدي هؤلاء المتحمسون دورهم لتثبيت هذه الأوضاع وتطهيرها . وهو نفس الدور الذي تؤديه الأجهزة الدينية المحترفة , التي تلبس مسوح الدين ! وإن كان الإسلام بالذات لا يعرف المسوح ولا ينطق باسمه كاهن ولا سادن !
(وقالوا:هذه أنعام وحرث حجر , لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها - افتراء عليه - سيجزيهم بما كانوا يفترون). .
قال أبو جعفر بن جرير الطبري:" وهذا خبر من الله - تعالى ذكره - عن هؤلاء الجهلة من المشركين . إنهم كانوا يحرمون ويحللون من قبل أنفسهم , من غير أن يكون الله أذن لهم بشيء من ذلك " .
والحجر:الحرام . . فهؤلاء المعتدون على سلطان الله , الذين يدعون - مع ذلك - أن ما يشرعونه هو شريعة الله , قد عمدوا إلى بعض الزروع وبعض الأنعام , فعزلوها لآلهتهم - كما تقدم - وقالوا:هذه الأنعام وهذه الثمار محرمة عليهم لا يطعمونها . لا يطعمها إلا من شاء الله ! - بزعمهم ! - والذي يقرر ما يقرر في هذا الشأن هم بطبيعة الحال الكهنة والسدنة والرؤساء ! وعمدوا إلى أنعام قيل:إنها هي الأنواع المسماة في آية المائدة: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام فجعلوا ظهورها حراما على الركوب . كما عمدوا إلى أنعام فقالوا:هذه لا يذكر اسم الله عليها عند ركوبها ولا عند حلبها , ولا عند ذبحها . . إنما تذكر أسماء الآلهة وتخلص لها ! كل ذلك (افتراء على الله)!
قال أبو جعفر بن جرير:" وأما قوله (افتراء على الله )فإنه يقول:فعل هؤلاء المشركون ما فعلوا من تحريمهم ما حرموا , وقالوا ما قالوا من ذلك , كذباً على الله , وتخرصاً بالباطل عليه , لأنهم أضافوا ما كانوا يحرمون من ذلك , على ما وصفه عنهم جل ثناؤه في كتابه , إلى أن الله هو الذي حرمه , فنفى الله ذلك عن نفسه , وأكذبهم . وأخبر نبيه والمؤمنين أنهم كذبة فيما يدعون " .
وهنا كذلك تبدو لنا أساليب الجاهلية , التي تتكرر في معظم الجاهليات , وذلك قبل أن يبلغ التبجح بناس من البشر أن يقولوا بمادية الوجود ! وقبل أن يبلغ التبجح ببعض من لا ينكرون الله البتة , أن يجهروا بأن "الدين" مجرد "عقيدة " وليس نظاماً اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا , يهيمن على الحياة !
وإن كان ينبغي أن ندرك دائماً أن أسلوب الجاهلية التي تقيم نظاماً أرضياً , الحاكمية فيه للبشر لا لله , ثمتزعم أنها تحترم الدين وتستمد منه أوضاعها الجاهلية . . أن ندرك أن هذا الأسلوب هو أخبث الأساليب وأمهرها على الإطلاق ! ولقد عمدت الصليبية العالمية والصهيونية العالمية إلى هذا الأسلوب في المنطقة التي كانت يوما دار إسلام تحكم بشريعة الله . بعدما تبين لها فشل التجربة التركية التي قام بها البطل الذي صنعوه هناك ! . . لقد أدت لهم هذه التجربة دورا هاما في تحطيم الخلافة كآخر مظهر للتجمع الإسلامي في الأرض , ولكنها بعلمانيتها السافرة قد عجزت عن أن تكون نموذجاً يؤثر في بقية المنطقة . لقد انخلعت من الدين , فأصبحت أجنبية عن الجميع , الذين ما يزال الدين عاطفة غامضة في قرارات نفوسهم . . ومن ثم عمدت الصليبية العالمية والصهيونية في التجارب التالية , التي تستهدف نفس الهدف , أن تتدارك غلطة التجربة الكمالية التركية . فتضع على هذه التجارب ستارا من الدين وتقيم له أجهزة دينية تضفي عليه هذه الصفة , سواء بالدعاية المباشرة ; أو باستنكار جزئيات هزيلة يوهم استنكارها أن ما عداها سليم ! وكان هذا من أخبث الكيد الذي تكيده شياطين الإنس والجن لهذا الدين . .
على أن الأجهزة الصليبية والصهيونية التي تعمل بكل ثقلها في هذه الفترة , وبكل تضامنها وتجمعها , وبكل تجاربها وخبرتها , تحاول أن تسترد الغلطة في التجربة التركية ذاتها , بأن تزعم أن هذه التجربة ذاتها كانت حركة من حركات البعث الإسلامي ! وأننا يجب ألا نصدقها فيما أعلنته عن نفسها من أنها [ علمانية ] تنبذ الدين وتعزله عن الحياة عزلاً !
ويجهد المستشرقون [ وهم الأداة الفكرية للاستعمار الصليبي الصهيوني ] في تطهير التجربة الكمالية من تهمة الإلحاد جهداً كبيراً . . ذلك أن انكشاف إلحادها جعلها تؤدي دورا محدوداً . . وهو سحق آخر مظهر للتجمع الإسلامي في الأرض . . ولكنها عجزت بعد ذلك أن تؤدي الدور الآخر - الذي تحاول أن تؤديه التجارب التالية في المنطقة - من تفريغ المفهومات الدينية والحماسة الدينية في أوضاع وأشكال جاهلية ! ومن تبديل الدين باسم الدين ! ومن إفساد الخلق والمقومات الفطرية الأصيلة باسم الدين أيضا . ومن إلباس الجاهلية ثوب الإسلام لتؤدي به دورها في كل البقاع التي ما يزال فيها عاطفة دينية غامضة ; وقيادتها بهذا الخطام المزور الخادع إلى محاضن الصليبية والصهيونية . . الأمر الذي عجزت عنه الحملات الصليبية والصهيونية طوال ألف وثلاث مائة عام , من الكيد للإسلام !
. . (سيجزيهم بما كانوا يفترون). .
(وقالوا:ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا , وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء . سيجزيهم وصفهم , إنه حكيم عليم). .
لقد استطردوا في أوهام التصورات والتصرفات , النابعة من انحرافات الشرك والوثنية , ومن ترك أمر التحليل والتحريم للرجال ; مع الادعاء بأن ما يشرعه الرجال هو الذي شرعه الله . استطردوا في هذه الأوهام فقالوا عن الأجنة التي في بطون بعض الأنعام - ولعلها تلك المسماة البحيرة والسائبة والوصيلة - إنها خالصة للذكور منهم حين تنتج , محرمة على الإناث , إلا أن تكون ميتة فيشارك فيها الإناث الذكور . . هكذا بلا سبب ولا دليل ولا تعليل , إلا أهواء الرجال التي يصوغون منها دينا غامضاً ملتبسا في الأفهام .
ويعقب السياق القرآني تعقيب التهديد ; لمن صاغوا هذه الشرائع وكذبوا على الله فوصفوها بأنها من شرع الله:
(سيجزيهم وصفهم). .
(إنه حكيم عليم). .


قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (140)
يعلم حقائق الأحوال , ويتصرف فيها بحكمة , لا كما يتصرف هؤلاء المشركون الجهال .
وإن الإنسان ليعجب , وهو يستعرض مع السياق القرآني هذه الضلالات , وما تحمله أصحابها من أعباء وخسائر وتضحيات . . يعجب لتكاليف الانحراف عن شرع الله ونهجه , تلك التي يتحملها المنحرفون عن صراط الله المستقيم . ولأثقال الخرافة والغموض والوهم التي يتبعها الضالون . ولأغلال العقيدة الفاسدة في المجتمع والضمير . . نعم يعجب للعقيدة المنحرفة تكلف الناس حتى فلذات أكبادهم , فوق ما تكلفهم من تعقيد الحياة واضطرابها , والسير فيها بلا ضابط , سوى الوهم والهوى والتقليد . وأمامهم التوحيد البسيط الواضح ; يطلق الضمير البشري من أوهام الوهم والخرافة ; ويطلق العقل البشري من عقال التقليد الأعمى ; ويطلق المجتمع البشري من الجاهلية وتكاليفها ; ويطلق "الإنسان" من العبودية للعبيد - سواء فيما يشترعونه من قوانين , وما يصنعونه من قيم وموازين - ويحل محل هذا كله عقيدة واضحة مفهومة مضبوطة , وتصورا واضحا ميسرا مريحا , ورؤية لحقائق الوجود والحياة كاملة عميقة , وانطلاقا من العبودية للعبيد , وارتفاعا إلى مقام العبودية لله وحده . . المقام الذي لا يرتقي إلى أعلى درجاته إلا الأنبياء !
ألا إنها الخسارة الفادحة - هنا في الدنيا قبل الآخرة - حين تنحرف البشرية عن صراط الله المستقيم ; وتتردى في حمأة الجاهلية ; وترجع إلى العبودية الذليلة لأرباب من العبيد:
(قد خسر الذين قتلوا أولادهم - سفها بغير علم - وحرموا ما رزقهم الله - افتراء على الله - قد ضلوا وما كانوا مهتدين). .
خسروا الخسارة المطلقة . خسروا في الدنيا والآخرة . خسروا أنفسهم وخسروا أولادهم . خسروا عقولهم وخسروا أرواحهم . خسروا الكرامة التي جعلها الله لهم بإطلاقهم من العبودية لغيره ; وأسلموا أنفسهم لربوبية العبيد ; حين أسلموها لحاكمية العبيد ! وقبل ذلك كله خسروا الهدى بخسارة العقيدة , خسروا الخسارة المؤكدة , وضلوا الضلال الذي لا هداية فيه:
(قد ضلوا وما كانوا مهتدين).
الدرس الثاني:141 - 142 نعمة الله في الحيوانات والمزروعات
بعد ذلك يردهم السياق إلى الحقيقة الأولية التي ضلوا عنها , والتي أشار إليها إشارة في أول هذا الحديث بقوله: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا). . يردهم إلى مصدر الحرث والأنعام التي يتصرفون في شأنها هذه التصرفات ; ويتلقون في شأنها من شياطين الإنس والجن الذين لم يخلقوها لهم ولم ينشئوها . . إن الله هو الذي ذرأ الحرث والأنعام , متاعا للناس ونعمة ; ذرأها لهم ليشكروا له ; ويعبدوه - وما به سبحانه من حاجة إلى شكرهم وعبادتهم , فهو الغني ذو الرحمة ; إنما هو صلاح حالهم في دينهم ودنياهم - فما بالهم يحكمون من لم يخلق شيئاً , فيما ذرأ الله من الحرث والأنعام ? وما بالهم يجعلون لله نصيبا , ولأولئك نصيبا , ثم لا يقفون عند هذا الحد فيتلاعبون - تحت استهواء أصحاب المصلحة من الشياطين - في النصيب الذي جعلوه لله ?!
إن الخالق الرازق هو الرب المالك . الذي لا يجوز أن يُتصرف في هذا المال إلا بإذنه ممثلا في شرعه . وشرعه ممثل فيما جاء به رسوله من عنده , لا فيما يدعي الأرباب المغتصبون لسلطان الله أنه شريعة الله !
(وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات , والنخل والزرع مختلفا أكله , والزيتون والرمان , متشابها وغير متشابه . كلوا من ثمره إذا أثمر , وآتوا حقه يوم حصاده , ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين . ومن


وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (142)
الأنعام حمولة وفرشا . كلوا مما رزقكم الله , ولا تتبعوا خطوات الشيطان , إنه لكم عدو مبين).
إن الله - سبحانه - هو الذي خلق هذه الجنات ابتداء - فهو الذي أخرج الحياة من الموات - وهذه الجنات منها الإنسيات المعروشات التي يتعهدها الإنسان بالعرائش والحوائط ; ومنها البريات التي تنبت بذاتها - بقدر الله - وتنمو بلا مساعدة من الإنسان ولا تنظيم . وإن الله هو الذي أنشأ النخل والزرع مختلف الألوان والطعوم والأشكال . وإن الله هو الذي خلق الزيتون والرمان , منوع الصنوف متشابها وغير متشابه , وإنه - سبحانه - هو الذي خلق هذه الأنعام وجعل منها(حمولة)عالية القوائم بعيدة في الأرض حمالة للأثقال . وجعل منها(فرشا)صغيرة الأجسام قريبة من الأرض يتخذ من أصوافها وأشعارها الفرش . .
إنه هو - سبحانه - الذي بث الحياة في هذه الأرض ; ونوّعها هذا التنويع ; وجعلها مناسبة للوظائف التي تتطلبها حياة الناس في الأرض . . فكيف يذهب الناس - في مواجهة هذه الآيات وهذه الحقائق - إلى تحكيم غير الله في شأن الزروع والأنعام والأموال ?
إن المنهج القرآني يكثر من عرض حقيقة الرزق الذي يختص الله بمنحه للناس , ليتخذ منها برهانا على ضرورة إفراد الله سبحانه بالحاكمية في حياة الناس . فإن الخالق الرازق الكافل وحده ; هو الحقيق بأن تكون له الربوبية والحاكمية والسلطان وحده . . بلا جدال:
وهنا يحشد السياق مشاهد الزرع والإثمار , ومشاهد الأنعام وما فيها من نعم الله . . يحشد هذه المؤثرات في صدد قضية الحاكمية , كما حشدها من قبل في صدد قضية الألوهية . . فيدل على أن هذه وتلك قضية واحدة في العقيدة الإسلامية .
وعندما يذكر الزروع والثمار يقول:
(كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا , إنه لا يحب المسرفين). .
والأمر بإيتاء حقه يوم حصاده هو الذي جعل بعض الروايات تقول عن هذه الآية إنها مدنية . وقد قلنا في التقديم للسورة:إن الآية مكية , لأن السياق في الجزء المكي من السورة لا يتصور تتابعه بدون هذه الآية . فإن ما بعدها ينقطع عما قبلها لو كانت قد تأخرت حتى نزلت في المدينة . وهذا الأمر بإيتاء حق الزرع يوم حصاده , لا يتحتم أن يكون المقصود به الزكاة . وهناك روايات في الآية أن المقصود هو الصدقة غير المحددة . . أما الزكاة بأنصبتها المحددة فقد حددتها السنة بعد ذلك في السنة الثانية من الهجرة . .
وقوله تعالى:
(ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). .
ينصرف إلى العطاء , كما ينصرف إلى الأكل . فقد روي أنهم تباروا في العطاء حتى أسرفوا , فقال الله سبحانه: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين). .
وعندما يذكر الأنعام يقول:
كلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا , ولا تتبعوا خطوات الشيطان , إنه لكم عدو مبين . .
ذلك ليذكرهم أن هذا رزق الله وخلقه , والشيطان لم يخلق شيئا . فما بالهم يتبعونه في رزق الله ? ثم ليذكرهم أن الشيطان لهم عدو مبين . فما بالهم يتبعون خطواته وهو العدو المبين ?!


ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَـذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)
الدرس الثالث:143 - 144 تكذيب الجاهلين في تشريعاتهم وتحريمهم
ثم يأخذ السياق في مواجهة دقيقة يتتبع بها مكامن الأوهام الجاهلية , ليلقي عليها الضوء , ويستعرضها واحدا واحدا , وجزئية جزئية ; فيكشف فيها عن السخف الذي لا يمكن تعليله ولا الدفاع عنه ; والذي قد يخجل منه صاحبه نفسه , حين يكشف له في النور ; وحين يرى أن لا سند له فيه من علم ولا هدى ولا كتاب منير:
ثمانية أزواج:من الضأن اثنين ومن المعز اثنين . قل:آلذكرين حرم أم الأنثيين ? أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ? نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ! ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين . قل:آلذكرين حرم أم الأنثيين ?
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42713
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:35 pm

أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ? أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ? فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ? إن الله لا يهدي القوم الظالمين . .
فهذه الأنعام التي يدور حولها الجدل ; والتي ذكر في الآية السابقة أن الله خلقها لهم , هي ثمانية أزواج - وكل من الذكر والأنثى يطلق عليه لفظ زوج عندما يكون مع رفيقه - زوج من الضأن وزوج من المعز . فأي منها حرمه الله على أي من الناس ? أم إنه حرم أجنتها في البطون ?
(نبئوني بعلم إن كنتم صادقين). .
فهذه الشئون لا يفتى فيها بالظن , ولا يقضى فيها بالحدس , ولا يشرع فيها بغير سلطان معلوم .
وبقية الأزواج ذكر وأنثى من الإبل ; وذكر وأنثى من البقر . فأيها كذلك حرم ? أم أجنتها هي التي حرمها الله على الناس ? ومن أين هذا التحريم:
(أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ?). .
فحضرتم وشهدتم وصية الله لكم خاصة بهذا التحريم . فما ينبغي أن يكون هناك تحريم بغير أمر من الله مستيقن , لا يرجع فيه إلى الرجم والظنون .
وبهذا يرد أمر التشريع كله إلى مصدر واحد . . وقد كانوا يزعمون أن الله هو الذي شرع هذا الذي يشرعونه . لذلك يعاجلهم بالتحذير والتهديد:
(فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم . إن الله لا يهدي القوم الظالمين). .
إنه لا أحد أظلم ممن يفتري على الله شريعة لم يأذن بها , ثم يقول:شريعة الله ! وهو يقصد أن يضل الناس بغير علم , إنما هو يحيلهم إلى هدى أو ظن . . أولئك لن يهديهم الله ; فقد قطعوا ما بينهم وبين أسباب الهدى . وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا . . والله لا يهدي القوم الظالمين . .
الدرس الرابع:145 - 147 نماذج من التشريع الإلهي في المحرمات
والآن وقد كشف لهم عما في معتقداتهم وتصوراتهم وتصرفاتهم من وهن وسخف وهزال . وقد بين لهم أنها لا تقوم على علم ولا بينة ولا أساس . وقد ردهم إلى نشأة الحرث والأنعام التي يتصرفون فيها من عند أنفسهم , أو بوحي شياطينهم وشركائهم , بينما هؤلاء لم يخلقوها لهم , إنما الذي خلقها لهم هو الله , الذي يجب أن تكون له وحده الحاكمية فيما خلق وفيما رزق , وفيما أعطى من الأموال للعباد . .
الآن يقرر لهم ما حرمه الله عليهم من هذا كله . ما حرمه الله حقاً عن بينة ووحي , لا عن ظن ووهم . والله هو صاحب الحاكمية الشرعية , الذي إذا حرم الشيء فهو حرام , وإذا أحله فهو حلال ; بلا تدخل من البشر ولا مشاركة ولا تعقيب في سلطان الحاكمية والتشريع . . وبالمناسبة يذكر ما حرمه الله على اليهود خاصة , وأحله للمسلمين , فقد كان عقوبة خاصة لليهود على ظلمهم وبعدهم عن شرع الله !


قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (145)
(قل:لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه , إلا أن يكون ميتة , أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير - فإنه رجس - أو فسقاً أهل لغير الله به . فمن اضطر - غير باغ ولا عاد - فإن ربك غفور رحيم . وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر . ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما - إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم - ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون . فإن كذبوك فقل:ربكم ذو رحمة واسعة , ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين). .
قال أبو جعفر بن جرير الطبري:
" يقول - جل ثناؤه - لنبيه محمد [ ص ] قل , يا محمد , لهؤلاء الذين جعلوا الله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً , ولشركائهم من الآلهة والأنداد مثله . والقائلين:هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء - بزعمهم - والمحرمين من أنعام أخر ظهورها , والتاركين ذكر اسم الله على أخر منها . والمحرمين بعض ما في بطون بعض أنعامهم على إناثهم وأزواجهم , ومُحليه لذكورهم . المحرمين ما رزقهم الله افتراء على الله ; وإضافة ما يحرمون من ذلك إلى أن الله هو الذي حرمه عليهم:أجاءكم من الله رسول بتحريمه ذلك عليكم , فأنبئونا به , أم وصاكم الله بتحريمه مشاهدة منكم له , فسمعتم منه تحريمه ذلك عليكم فحرمتموه ? فإنكم كذبة إن ادعيتم ذلك , ولا يمكنكم دعواه , لأنكم إذا ادعيتموه علم الناس كذبكم . فإني لا أجد فيما أوحي إلي من كتابه وآي تنزيله شيئاً محرماً على آكل يأكله , مما تذكرون أنه حرمه من هذه الأنعام التي تصفون تحريم ما حرم عليكم منها - بزعمكم - إلا أن يكون(ميتة), قد ماتت بغير تذكية , أو (دماً مسفوحاً), وهو المنصبّ , أو إلا أن يكون لحم خنزير (فإنه رجس). . (أو فسقا)" يقول:أو إلا أن يكون فسقاً , يعني بذلك:أو إلا أن يكون مذبوحاً ذبحه ذابح من المشركين من عبدة الأوثان لصنمه وآلهته فذكر اسم وثنه . فإن ذلك الذبح فسق , نهى الله عنه وحرمه , ونهى من آمن به عن أكل ما ذبح كذلك لأنه ميتة .
"وهذا إعلام من الله - جل ثناؤه - للمشركين الذين جادلوا نبي الله وأصحابه في تحريم الميتة بما جادلوهم به , أن الذي جادلوهم فيه من ذلك هو الحرام الذي حرمه الله , وأن الذي زعموا أن الله حرمه حلال أحله الله ; وأنهم كذبة في إضافتهم تحريمه إلى الله" . .
وقال في تأويل قوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم):
. . . "أن معناه:فمن اضطر إلى أكل ما حرم الله من أكل الميتة والدم المسفوح أو لحم الخنزير , أو ما أهل لغير الله به , غير باغ في أكله إياه تلذذاً , لا لضرورة حالة من الجوع ; ولا عاد في أكله بتجاوزه ما حده الله وأباحه له من أكله , وذلك أن يأكل منه ما يدفع عنه الخوف على نفسه بترك أكله من الهلاك . . لم يتجاوز ذلك إلى أكثر منه . . فلا حرج عليه في أكله ما أكل من ذلك . (فإن الله غفور)فيما فعل من ذلك , فساتر عليه , بتركه عقوبته عليه . ولو شاء عاقبة عليه .(رحيم)بإباحته إياه أكل ذلك عند حاجته إليه . ولو شاء حرمه عليه ومنعه منه" .
أما حد الاضطرار الذي يباح فيه الأكل من هذه المحرمات ; والمقدار المباح منها فحولهما خلافات فقهية . . فرأي أنه يباح ما يحفظ الحياة فقد عند خوف الهلاك لو امتنع . . ورأي أنه يباح ما يحقق الكفاية والشبع . . ورأي أنه يباح فوق ذلك ما يدخر لأكلات أخرى إذا خيف انقطاع الطعام . . ولا ندخل في تفصيلات الفروع . . فهذا القدر منها يكفي في هذا الموضع .


وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)
فأما اليهود فقد حرم الله عليهم كل ذي ظفر من الحيوان - أي كل حيوان قدمه غير مشقوقة ; وذلك كالإبل والنعام والأوز والبط . وحرم كذلك شحم البقر والغنم - إلا شحم الظهر , أو الدهن الملتف بالأمعاء , أو ما اختلط منه بالعظم . . وكان ذلك عقوبة لهم على بغيهم بتجاوز أوامر الله وشرائعه:
(وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر . ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما - إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم - ذلك جزيناهم ببغيهم , وإنا لصادقون).
والنص يبين سبب هذا التحريم , وهو سبب خاص باليهود , ويؤكد أن هذا هو الصدق , لا ما يقولونه هم من أن إسرائيل , وهو يعقوب جدهم , هو الذي حرم هذا على نفسه فهم يتبعونه فيما حرم على نفسه . . لقد كان هذا مباحا حلالاً ليعقوب . ولكنه حرم عليهم بعد ما بغوا , فجازاهم الله بهذا الحرمان من الطيبات .
(فإن كذبوك فقل:ربكم ذو رحمة واسعة , ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين). .
فقل ربكم ذو رحمة واسعة بنا , وبمن كان مؤمنا من عباده , وبغيرهم من خلقه . فرحمته - سبحانه - تسع المحسن والمسيء ; وهو لا يعجل على من استحق العقاب ; حلما منه ورحمة . فإن بعضهم قد يثوب إلى الله . . ولكن بأسه شديد لا يرده عن المجرمين إلا حلمه , وما قدره من إمهالهم إلى أجل مرسوم .
وهذا القول فيه من الإطماع في الرحمة بقدر ما فيه من الإرهاب بالبأس . والله الذي خلق قلوب البشر ; يخاطبها بهذا وذاك ; لعلها تهتز وتتلقى وتستجيب .
الدرس الخامس:148 - 149 تكذيب المشركين في إفترائهم على الله
وعندما يصل السياق إلى هذا الحد من تضييق الخناق عليهم , وسد الذرائع في وجوههم , يواجه مهربهم الأخير الذين يحيلون عليه شركهم وضلال تصوراتهم وتصرفاتهم . . إنهم يقولون:إنهم مجبرون لا مخيرون فيما اعتسفوا من شرك وضلال . فلو كان الله لا يريد منهم الشرك والضلال لمنعهم منه بقدرته التي لا يعجزها شيء:
(سيقول الذين أشركوا:لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا , ولا حرمنا من شيء . كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا . قل:هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ? إن تتبعون إلا الظن , وإن أنتم إلا تخرصون . قل:فلله الحجة البالغة , فلو شاء لهداكم أجمعين):
وقضية الجبر والاختيار كثر فيها الجدل في تاريخ الفكر الإسلامي بين أهل السنة والمعتزلة والمجبرة والمرجئة . . . وتدخلت الفلسفة الإغريقية والمنطق الإغريقي واللاهوت المسيحي في هذا الجدل , فتعقد تعقيداً لا تعرفه العقلية الإسلامية الواضحة الواقعية . . ولو أخذ الأمر بمنهج القرآن المباشر الميسر الجاد , ما اشتد هذا الجدل , وما سار في ذلك الطريق الذي سار فيه .
ونحن نواجه قول المشركين هذا والرد القرآني عليه , فنجد قضية واضحة بسيطة محددة:
(سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء). . فهم يحيلون شركهم هم وآباؤهم , وتحريمهم ما حرموه مما لم يحرمه الله , وادعاءهم أن هذا من شرع الله بغير علم ولا دليل . . يحيلون هذا كله على مشيئة الله بهم . فلو شاء الله ما أشركوا ولا حرموا . .
فكيف واجه القرآن الكريم هذه المقولة ?
لقد واجهها بأنهم كذبوا كما كذب الذين من قبلهم , وقد ذاق المكذبون من قبلهم بأس الله . وبأس الله ينتظر المكذبين الجدد:


سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)
(كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا). .
وهذه هي الهزة التي قد تحرك المشاعر , وتوقظ من الغفلة , وتوجه إلى العبرة . .
واللمسة الثانية كانت بتصحيح منهج الفكر والنظر . . إن الله أمرهم بأوامر ونهاهم عن محظورات . . وهذا ما يملكون أن يعلموه علماً مستيقناً . . فأما مشيئة الله فهي غيب لا وسيلة لهم إليه , فكيف يعلمونه ? وإذا لم يعلموه يقيناً فكيف يحيلون عليه:
(قل:هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ? إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون). .
إن لله أوامر ونواهي معلومة علماً قطعياً , فلماذا يتركون هذه المعلومات القطعية , ليمضوا وراء الحدس والخرص في واد لا يعلمونه ?
هذا هو فصل القول في هذه القضية . . إن الله لا يكلف الناس أن يعلموا غيب مشيئته وقدره حتى يكيفوا أنفسهم على حسبه . إنما يكلفهم أن يعلموا أوامره ونواهيه , ليكيفوا أنفسهم على حسبها . . وهم حين يحاولون هذا يقرر الله سبحانه أنه يهديهم إليه , ويشرح صدورهم للإسلام . . وهذا حسبهم في القضية التي تبدو عندئذ - في واقعها العملي - يسيرة واضحة , بريئة من غموض ذلك الجدل وتحكماته !
إن الله قادر لو شاء على أن يخلق بني آدم ابتداء بطبيعة لا تعرف إلا الهدى , أو يقهرهم على الهدى . أو يقذف بالهدى في قلوبهم فيهتدوا بلا قهر . . . ولكنه - سبحانه - شاء غير هذا ! شاء أن يبتلي بني آدم بالقدرة على الاتجاه إلى الهدى أو الضلال , ليعين من يتجه منهم إلى الهدى على الهدى , وليمد من يتجه منهم إلى الضلال في غيه وفي عمايته . . وجرت سنته بما شاء . .
(قل:فلله الحجة البالغة , فلو شاء لهداكم أجمعين).
قضية واضحة , مصوغة في أيسر صورة يدركها الإدراك البشري . فأما المعاظلة فيها والمجادلة فهي غريبة على الحس الإسلامي وعلى المنهج الإسلامي . . ولم ينته الجدل فيها في أية فلسفة أو أي لاهوت إلى نتيجة مريحة . لأنه جدل يتناول القضية بأسلوب لا يناسب طبيعتها . .
إن طبيعة أي حقيقة هي التي تحدد منهج تناولها , وأسلوب التعبير عنها كذلك . الحقيقة المادية يمكن تناولها بتجارب المعمل . والحقيقة الرياضية يمكن تناولها بفروض الذهن . والحقيقة التي وراء هذا المدى , لا بد أن تتناول بمنهج آخر . . هو كما قلنا من قبل:منهج التذوق الفعلي لهذه الحقيقة في مجالها الفعلي . ومحاولة التعبير عنها بغير أسلوب القضايا الذهنية التي عولجت بها في كل ما جرى حولها من الجدل قديماً وحديثاً .
وبعد فلقد جاء هذا الدين ليحقق واقعاً عملياً ; تحدده أوامر ونواه واضحة . فالإحالة على المشيئة الغيبية دخول في متاهة , يرتادها العقل بغير دليل , ومضيعة للجهد الذي ينبغي أن ينفق في العمل الإيجابي الواقعي المشهود .
الدرس السادس:150 مطالبة الكفار لشهادة الله على أحكامهم
وأخيراً يوجه الله - سبحانه - رسوله [ ص ] إلى مواجهة المشركين في موقف الإشهاد على قضية التشريع , كما واجههم من قبل في موقف الإشهاد على قضية الألوهية في أوائل السورة:
في أوائل السورة قال له:
(قل:أي شيء أكبر شهادة ? قل الله . شهيد بيني وبينكم , وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن


قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَـذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)
بلغ . أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ? قل:لا أشهد . قل:إنما هو إله واحد , وإنني بريء مما تشركون). .
وهنا قال له:
(قل:هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا . فإن شهدوا فلا تشهد معهم . ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة , وهم بربهم يعدلون). .
إنها مواجهة هائلة , ومواجهة كذلك فاصلة . ودلالتها على طبيعة هذا الدين غير خافية . . إن هذا الدين يسوي بين الشرك العلني الواضح باتخاذ آلهة أخرى مع الله ; وبين الشرك الآخر الذي يتمثل في مزاولة حق الحاكمية والتشريع للناس بما لم يأذن به الله - دون اعتبار لما يدعونه هم من أن ما يشرعونه هو شريعة الله ! - كما أنه يصم الذين يرتكبون هذه الفعلة بأنهم يكذبون بآيات الله , ولا يؤمنون بالآخرة , وهم بربهم يعدلون . . أي يجعلون له أنداداً تعدله . . وهو ذات التعبير الذي جاء في أول آية في السورة وصفا للذين كفروا:
(الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض , وجعل الظلمات والنور , ثم الذين كفروا بربهم يعدلون). .
هذا حكم الله على الذين يغتصبون حق الحاكمية ويزاولونه بالتشريع للناس - دون اعتبار لدعواهم أن ما يشرعونه هو من شريعة الله ! - وليس بعد حكم الله رأي لأحد في هذه القضية الخطيرة .
فإذا أردنا أن نفهم لماذا يقضي الله - سبحانه - بهذا الحكم ? ولماذا يعدهم مكذبين بآياته ; غير مؤمنين بالآخرة , مشركين يعدلون بربهم غيره . . فإن لنا أن نحاول الفهم . فتدبر حكمة الله في شرعه وحكمه أمر مطلوب من المسلم . .
إن الله قد حكم على المشرعين للناس من عند أنفسهم - مهما قالوا أنه من شرع الله - بأنهم يكذبون بآياته . لأن آياته - إن كان المراد بها آياته الكونية - كلها تشهد بأنه الخالق الرازق الواحد . . والخالق الرازق هو المالك . فيجب أن يكون وحده المتصرف الحاكم . . فمن لم يفرده - سبحانه - بالحاكمية فقد كذب بآياته هذه . . وإن كان المقصود آياته القرآنية , فالنصوص فيها حاسمة وصريحة وواضحة في وجوب إفراده - سبحانه - بالحاكمية في حياة البشر الواقعية , واتخاذ شريعته وحدها قانونا , وتعبيد الناس له وحده بالشرع النافذ والحكم القاهر . .
كذلك حكم عليهم - سبحانه - بأنهم لا يؤمنون بالآخرة . . فالذي يؤمن بالآخرة , ويوقن أنه ملاق ربه يوم القيامة , لا يمكن أن يعتدي على ألوهية الله , ويدعي لنفسه حقه الذي يتفرد به . وهو حق الحاكمية المطلقة في حياة البشر . ممثلة هذه الحاكمية في قضائه وقدره , وفي شريعته وحكمه . .
ثم حكم عليهم في النهاية بأنهم بربهم يعدلون . . أي أنه حكم عليهم بالشرك الذي وصف به الكافرين . . ذلك أنهم لو كانوا موحدين ما شاركوا الله - سبحانه - في حق الحاكمية الذي تفرد به . أو ما قبلوا من عبد أن يدعيه ويزاوله وهم راضون !
هذه - فيما يبدو لنا - هي علة حكم الله على من يزاولون حق الحاكمية ويشرعون للناس ما لم يأذن به , بالتكذيب بآياته , وعدم الإيمان بالآخرة والشرك الذي يتحقق به الكفر . . أما الحكم ذاته فلا يملك "مسلم" أن يجادل فيه . فقد صدرت فيه كلمة الفصل التي لا معقب عليها . فلينظر كل "مسلم" كيف يتأدب أمام كلمة العزيز الحكيم . .


قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)
الدرس السابع:151 - 153 الوصايا العشر وصراط الله المستقيم وبعد موقف الإشهاد ورفض ما يقررونه من المحرمات , يلقي إليهم بالمقررات الإلهية التي تتضمن ما حرمه الله حقاً . . وسنجد إلى جانب ما حرمه بعض التكاليف الإيجابية التي لها مقابل محرم . وهذه المحرمات تبدأ بالمحرم الأول . . وهو الشرك بالله . . لأن هذه هي القاعدة الأولى التي يجب أن تتقرر , لتقوم عليها المحرمات والنواهي , لمن استسلم لها وأسلم:
قل:تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم:ألا تشركوا به شيئاً . وبالوالدين إحسانا , ولا تقتلوا أولادكم من إملاق , نحن نرزقكم وإياهم . ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن . ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق . . ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون . . ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن , حتى يبلغ أشده , وأوفوا الكيل والميزان بالقسط - لا نكلف نفسا إلا وسعها - وإذا قلتم فاعدلوا - ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا . . ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون . وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه , ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . . ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون . . .
وننظر في هذه الوصايا - التي ترد في السياق بمناسبة الحديث عن تشريعات الأنعام والثمار وأوهام الجاهلية وتصوراتها وتصرفاتها - فإذا هي قوام هذا الدين كله . . إنها قوام حياة الضمير بالتوحيد , وقوام حياة الأسرة بأجيالها المتتابعة , وقوام حياة المجتمع بالتكافل والطهارة فيما يجري فيه من معاملات , وقوام حياة الإنسانية وما يحوط الحقوق فيها من ضمانات , مرتبطة بعهد الله , كما أنها بدئت بتوحيد الله . .
وننظر في ختام هذه الوصايا , فإذا الله - سبحانه وتعالى - يقرر أن هذا صراطه المستقيم ; وكل ما عداه سبل تتفرق بالناس عن سبيله الواصل . . الوحيد . .
إنه أمر هائل هذا الذي تتضمنه الآيات الثلاث . . أمر هائل يجيء في أعقاب قضية تبدو كأنها لمحة جانبية من الجاهلية ; ولكنها في الحقيقة هي قضية هذا الدين الأساسية ; بدلالة ربطها بهذه الوصايا الهائلة الكلية . .
(قل:تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم). .
قل:تعالوا أقص عليكم ما حرمه عليكم ربكم - لا ما تدعون أنتم أنه حرمه بزعمكم - ! لقد حرمه عليكم(ربكم)الذي له وحده حق الربوبية - وهي القوامة والتربية والتوجيه والحاكمية - وإذن فهو اختصاصه , وموضع سلطانه . فالذي يحرم هو "الرب" والله هو وحده الذي يجب أن يكون ربا . .
(ألا تشركوا به شيئاً). .
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42713
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:36 pm

القاعدة التي يقوم عليها بناء العقيدة ; وترجع إليها التكاليف والفرائض , وتستمد منها الحقوق والواجبات . . القاعدة التي يجب أن تقوم أولاً قبل الدخول في الأوامر والنواهي ; وقبل الدخول في التكاليف والفرائض , وقبل الدخول في النظام والأوضاع ; وقبل الدخول في الشرائع والأحكام . . يجب ابتداء أن يعترف الناس بربوبية الله وحده لهم في حياتهم كما يعترفون بألوهيته وحده في عقيدتهم ; لا يشركون معه أحداً في ألوهيته , ولا يشركون معه أحداً في ربوبيته كذلك . يعترفون له وحده بأنه المتصرف في شؤون هذا الكون في عالم الأسباب والأقدار ; ويعترفون له وحده بأنه المتصرف في حسابهم وجزائهم يوم الدين ; ويعترفون له وحده بأنه هو المتصرف في شؤون العباد في عالم الحكم والشريعة كلها سواء . .
إنها تنقية الضمير من أوشاب الشرك , وتنقية العقل من أوشاب الخرافة , وتنقية المجتمع من تقاليد الجاهلية , وتنقية الحياة من عبودية العباد للعباد . .
إن الشرك - في كل صوره - هو المحرم الأول لأنه يجر إلى كل محرم . وهو المنكر الأول الذي يجب حشدالإنكار كله له ; حتى يعترف الناس أن لا إله لهم إلا الله , ولا رب لهم إلا الله , ولا حاكم لهم إلا الله , ولا مشرع لهم إلا الله . كما أنهم لا يتوجهون بالشعائر لغير الله . .
وإن التوحيد - على إطلاقه - لهو القاعدة الأولى التي لا يغني غناءها شيء آخر , من عبادة أو خلق أو عمل . .
من أجل ذلك تبدأ الوصايا كلها بهذه القاعدة:
ألا تشركوا به شيئاً . .
وينبغي أن نلتفت إلى ما قبل هذه الوصايا , لنعلم ماذا يراد بالشرك الذي ينهى عنه في مقدمة الوصايا - لقد كان السياق كله بصدد قضية معينة - قضية التشريع ومزاولة حق الحاكمية في إصداره - وقبل آية واحدة كان موقف الإشهاد الذي يحسن أن نعيد نصه:
(قل:هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا . فإن شهدوا فلا تشهد معهم . ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا , والذين لا يؤمنون بالآخرة , وهم بربهم يعدلون). .
يجب أن نذكر هذه الآية , وما قلناه عنها في الصفحات السابقة لندرك ماذا يعني السياق القرآني هنا بالشرك الذي ينهى عنه ابتداءً . . إنه الشرك في الاعتقاد , كما أنه الشرك في الحاكمية . فالسياق حاضر , والمناسبة فيه حاضرة . .
ونحن نحتاج إلى هذا التذكير المستمر , لأن جهود الشياطين في زحزحة هذا الدين عن مفهوماته الأساسية , قد آتت ثمارها - مع الأسف - فجعلت مسألة الحاكمية تتزحزح عن مكان العقيدة , وتنفصل في الحس عن أصلها الاعتقادي ! ومن ثم نجد حتى الغيورين على الإسلام , يتحدثون لتصحيح شعيرة تعبدية ; أولاستنكار انحلال أخلاقي ; أو لمخالفة من المخالفات القانونية . ولكنهم لا يتحدثون عن أصل الحاكمية , وموقعها من العقيدة الإسلامية ! يستنكرون المنكرات الجانبية الفرعية , ولا يستنكرون المنكر الأكبر ; وهو قيام الحياة في غير التوحيد ; أي على غير إفراد الله - سبحانه - بالحاكمية . .
إن الله قبل أن يوصي الناس أي وصية , أوصاهم ألا يشركوا به شيئا . في موضع من السياق القرآني يحدد المعنيّ بالشرك الذي تبدأ بالنهي عنه جميع الوصايا !
إنها القاعدة التي يرتبط على أساسها الفرد بالله على بصيرة , وترتبط بها الجماعة بالمعيار الثابت الذي ترجع إليه في كافة الروابط ; وبالقيم الأساسية التي تحكم الحياة البشرية . . فلا تظل نهباً لريح الشهوات والنزوات , واصطلاحات البشر التي تتراوح مع الشهوات والنزوات . .
(وبالوالدين إحسانا . ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم). .
إنها رابطة الأسرة بأجيالها المتلاحقة - تقوم بعد الرابطة في الله ووحدة الاتجاه - ولقد علم الله - سبحانه - أنه أرحم بالناس من الآباء والأبناء . فأوصى الأبناء بالآباء , وأوصى الآباء بالأبناء ; وربط الوصية بمعرفة ألوهيته الواحدة , والارتباط بربوبيته المتفردة . وقال لهم:إنه هو الذي يكفل لهم الرزق , فلا يضيقوا بالتبعات تجاه الوالدين في كبرتهما ; ولا تجاه الأولاد في ضعفهم , ولا يخافوا الفقر والحاجة فالله يرزقهم جميعاً . .
(ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن). .
ولما وصاهم الله بالأسرة , وصاهم بالقاعدة التي تقوم عليها - كما يقوم عليها المجتمع كله - وهي قاعدةالنظافة والطهارة والعفة . فنهاهم عن الفواحش ظاهرها وخافيها . . فهو نهي مرتبط تماماً بالوصية السابقة عليها . . وبالوصية الأولى التي تقوم عليها كافة الوصايا .
إنه لا يمكن قيام أسرة , ولا استقامة مجتمع , في وحل الفواحش ما ظهر منها وما بطن . . إنه لا بد من طهارة ونظافة وعفة لتقوم الأسرة وليقوم المجتمع . والذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم الذين يحبون أن تتزعزع قوائم الأسرة وأن ينهار المجتمع .
والفواحش:كل ما أفحش - أي تجاوز الحد - وإن كانت أحيانا تخص بنوع منها هو فاحشة الزنا . ويغلب على الظن أن يكون هذا هو المعنى المراد في هذا الموضع . لأن المجال مجال تعديد محرمات بذاتها , فتكون هذه واحدة منها بعينها . وإلا فقتل النفس فاحشة , وأكل مال اليتيم فاحشة , والشرك بالله فاحشة الفواحش . فتخصيص(الفواحش)هنا بفواحش الزنا أولى بطبيعة السياق . وصيغة الجمع , لأن هذه الجريمة ذات مقدمات وملابسات كلها فاحشة مثلها . فالتبرج , والتهتك , والاختلاط المثير , والكلمات والإشارات والحركات والضحكات الفاجرة , والإغراء والتزيين والاستثارة . . . كلها فواحش تحيط بالفاحشة الأخيرة . وكلها فواحش منها الظاهر ومنها الباطن . منها المستسر في الضمير ومنها البادي في الجوارح . منها المخبوء المستور ومنها المعلن المكشوف ! وكلها مما يحطم قوام الأسرة , وينخر في جسم الجماعة , فوق ما يلطخ ضمائر الأفراد , ويحقر من اهتماماتهم , ومن ثم جاءت بعد الحديث عن الوالدين والأولاد .
ولأن هذه الفواحش ذات إغراء وجاذبية , كان التعبير: ولا تقربوا . . للنهي عن مجرد الاقتراب , سداً للذرائع , واتقاء للجاذبية التي تضعف معها الإرادة . . لذلك حرمت النظرة الثانية - بعد الأولى غير المتعمدة - ولذلك كان الاختلاط ضرورة تتاح بقدر الضرورة . ولذلك كان التبرج - حتى بالتعطر في الطريق - حراماً , وكانت الحركات المثيرة , والضحكات المثيرة , والإشارت المثيرة , ممنوعة في الحياة الإسلامية النظيفة . . فهذا الدين لا يريد أن يعرض الناس للفتنة ثم يكلف أعصابهم عنتا في المقاومة ! فهو دين وقاية قبل أن يقيم الحدود , ويوقع العقوبات . وهو دين حماية للضمائر والمشاعر والحواس والجوارح . وربك أعلم بمن خلق , وهو اللطيف الخبير . .
وكذلك نعلم ما الذي يريده بهذا الدين , وبحياة المجتمع كله وبحياة الأسرة , من يزينون للناس الشهوات , ومن يطلقون الغرائر من عقالها بالكلمة والصورة والقصة والفيلم وبالمعسكر المختلط وبسائر أدوات التوجيه والإعلام !
(ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق). .
ويكثر في السياق القرآني مجيء النهي عن هذه المنكرات الثلاثة متتابعة:الشرك , والزنا , وقتل النفس . . ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة ! الجريمة الأولى جريمة قتل للفطرة ; والثانية جريمة قتل للجماعة , والثالثة جريمة قتل للنفس المفردة . . إن الفطرة التي لا تعيش على التوحيد فطرة ميتة . والجماعة التي تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة , منتهية حتماً إلى الدمار . والحضارة الإغريقية والحضارة الرومانية والحضارة الفارسية . شواهد من التاريخ . ومقدمات الدمار والانهيار في الحضارة الغربية تنبىء بالمصير المرتقب لأمم ينخرفيها كل هذا الفساد . والمجتمع الذي تشيع فيه المقاتل والثارات , مجتمع مهدد بالدمار . ومن ثم يجعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم هي أقسى العقوبات , لأنه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار .
ولقد سبق النهي عن قتل الأولاد من إملاق . فالآن ينهى عن قتل(النفس)عامة . فيوحي بأن كل قتل فردي إنما يقع على جنس(النفس)في عمومه . تؤيد هذا الفهم آية: (. . . أنه من قتل نفساً , بغير نفس أو فساد في الأرض , فكأنما قتل الناس جميعاً , ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً). . فالاعتداء إنما يقع على حق الحياة ذاتها , وعلى النفس البشرية في عمومها . وعلى هذه القاعدة كفل الله حرمة النفس ابتداء . وهناك طمأنينة الجماعة المسلمة في دار الإسلام وأمنها , وانطلاق كل فرد فيها ليعمل وينتج آمناً على حياته , لا يُؤذى فيها إلا بالحق . والحق الذي تؤخذ به النفس بينه الله في شريعته , ولم يتركه للتقدير والتأويل . ولكنه لم يبينه ليصبح شريعة إلا بعد أن قامت الدولة المسلمة , وأصبح لها من السلطان ما يكفل لها تنفيذ الشريعة !
وهذه اللفتة لها قيمتها في تعريفنا بطبيعة منهج هذا الدين في النشأة والحركة . فحتى هذه القواعد الأساسية في حياة المجتمع , لم يفصلها القرآن إلا في مناسبتها العملية .
وقبل أن يمضي السياق في بيان المحرمات والتكاليف , يفصل بين هذا القسم والذي يليه بإبراز وصية الله وأمره وتوجيهه:
(ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون).
وهذا التعقيب يجيء وفق المنهج القرآني في ربط كل أمر وكل نهي بالله . تقريرا لوحدة السلطة التي تأمر وتنهى في الناس , وربطاً للأوامر والنواهي بهذه السلطة التي تجعل للأمر والنهي وزنه في ضمائر الناس !
كذلك تجيء فيه الإشارة إلى التعقل . فالعقل يقتضي أن تكون هذه السلطة وحدها هي التي تعبد الناس لشرعها . وقد سبق أنها سلطة الخالق الرازق المتصرف في حياة الناس !
وهذا وذلك فوق ما في الطائفة الأولى من التجانس . وما بين الطائفة الثانية كذلك من التجانس . فجعل هذه في آية , وتلك في آية , وبينهما هذا الإيقاع .
(ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده). .
واليتيم ضعيف في الجماعة , بفقده الوالد الحامي والمربي . ومن ثم يقع ضعفه على الجماعة المسلمة - على أساس التكافل الاجتماعي الذي يجعله الإسلام قاعدة نظامه الاجتماعي - وكان اليتيم ضائعاً في المجتمع العربي في الجاهلية . وكثرة التوجيهات الواردة في القرآن وتنوعها وعنفها أحيانا تشي بما كان فاشيا في ذلك المجتمع من ضيعة اليتيم فيه ; حتى انتدب الله يتيما كريماً فيه ; فعهد إليه بأشرف مهمة في الوجود . حين عهد إليه بالرسالة إلى الناس كافة , وجعل من آداب هذا الدين الذي بعثه به رعاية اليتيم وكفالته على النحو الذي نرى منه هذا التوجيه:
(ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده).
فعلى من يتولى اليتيم ألا يقرب ماله إلا بالطريقة التي هي أحسن لليتيم . فيصونه وينميه , حتى يسلمه له كاملاً ناميا عند بلوغه أشده . أي اشتداد قوته الجسمية والعقلية . ليحمي ماله , ويحسن القيام عليه . وبذلك


وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)
تكون الجماعة قد أضافت إليها عضواً نافعاً ; وسلمته حقه كاملا .
وهناك خلاف فقهي حول سن الرشد أو بلوغ الأشد . . عند عبد الرحمن بن زيد وعند مالك , بلوغ الحلم . وعند أبي حنيفة خمسة وعشرون عاما . وعند السدي ثلاثون , وعند أهل المدينة بلوغ الحلم وظهور الرشد معاً بدون تحديد .
(وأوفوا الكيل والميزان بالقسط - لا نكلف نفسا إلا وسعها -).
وهذه في المبادلات التجارية بين الناس في حدود طاقة التحري والإنصاف . والسياق يربطها بالعقيدة ; لأن المعاملات في هذا الدين وثيقة الارتباط بالعقيدة . والذي يوصي بها ويأمر هو الله . ومن هنا ترتبط بقضية الألوهية والعبودية , وتذكر في هذا المعرض الذي يبرز فيه شأن العقيدة , وعلاقتها بكل جوانب الحياة . .
ولقد كانت الجاهليات - كما هي اليوم - تفصل بين العقيدة والعبادات , وبين الشرائع والمعاملات . . من ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن قوم شعيب: (قالوا:يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء)?!
ومن ثم يربط السياق القرآني بين قواعد التعامل في المال والتجارة والبيع والشراء , وبين هذا المعرض الخاص بالعقيدة , للدلالة على طبيعة هذا الدين , وتسويته بين العقيدة والشريعة , وبين العبادة والمعاملة , في أنها كلها من مقومات هذا الدين , المرتبطة كلها في كيانه الأصيل .
(وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى). .
وهنا يرتفع الإسلام بالضمير البشري - وقد ربطه بالله ابتداء - إلى مستوى سامق رفيع , على هدى من العقيدة في الله ومراقبته . . فهنا مزلة من مزلات الضعف البشري . الضعف الذي يجعل شعور الفرد بالقرابة هو شعور التناصر والتكامل والامتداد ; بما أنه ضعيف ناقص محدود الأجل ; وفي قوة القرابة سند لضعفه ; وفي سعة رقعتها كمال لوجوده , وفي امتدادها جيلاً بعد جيل ضمان لامتداده ! ومن ثم يجعله ضعيفاً تجاه قرابته حين يقف موقف الشهادة لهم أو عليهم , أو القضاء بينهم وبين الناس . . وهنا في هذه المزلة يأخذ الإسلام بيد الضمير البشري ليقول كلمة الحق والعدل , على هدى من الاعتصام بالله وحده , ومراقبة الله وحده , اكتفاء به من مناصرة ذوي القربى , وتقوى له من الوفاء بحق القرابة دون حقه ; وهو - سبحانه - أقرب إلى المرء من حبل الوريد . .
لذلك يعقب على هذا الأمر - وعلى الوصايا التي قبله - مذكراً بعهد الله:
(وبعهد الله أوفوا). .
ومن عهد الله قولة الحق والعدل ولو كان ذا قربى . ومن عهد الله توفية الكيل والميزان بالقسط . ومن عهد الله ألا يقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن . ومن عهد الله حرمة النفس إلا بالحق . . وقبل ذلك كله . . من عهد الله ألا يشركوا به شيئاً . فهذا هو العهد الأكبر , المأخوذ على فطرة البشر , بحكم خلقتها متصلة بمبدعها , شاعرة بوجوده في النواميس التي تحكمها من داخلها كما تحكم الكون من حولها .
ثم يجيء التعقيب القرآني في موضعه بعد التكاليف:
(ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون). .


وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)
والذكر ضد الغفلة . والقلب الذاكر غير الغافل , وهو يذكر عهد الله كله , ويذكر وصاياه المرتبطة بهذا العهد ولا ينساها .
. . . هذه القواعد الأساسية الواضحة التي تكاد تلخص العقيدة الإسلامية وشريعتها الاجتماعية مبدوءة بتوحيد الله ومختومة بعهد الله , وما سبقها من حديث الحاكمية والتشريع . . . هذه هي صراط الله المستقيم . . صراطه الذي ليس وراءه إلا السبل المتفرقة عن السبيل:
(وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه , ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . . ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون). .
وهكذا يختم القطاع الطويل من السورة الذي بدأ بقوله تعالى:
(أفغير الله أبتغي حكماً , وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً). .
وانتهى هذه النهاية , بهذا الإيقاع العريض العميق . .
وضم بين المطلع والختام قضية الحاكمية والتشريع , كما تبدو في مسألة الزروع والأنعام , والذبائح والنذور , إلى كل القضايا العقيدية الأساسية , ليدل على أنها من هذه القضايا . التي أفرد لها السياق القرآني كل هذه المساحة ; وربطها بكل محتويات السورة السابقة التي تتحدث عن العقيدة في محيطها الشامل ; وتتناول قضية الألوهية والعبودية ذلك التناول الفريد .
إنه صراط واحد - صراط الله - وسبيل واحدة تؤدي إلى الله . . أن يفرد الناس الله - سبحانه - بالربوبية , ويدينوا له وحده بالعبودية ; وأن يعلموا أن الحاكمية لله وحده ; وأن يدينوا لهذه الحاكمية في حياتهم الواقعية . .
هذا هو صراط الله ; وهذا هو سبيله . . وليس وراءه إلا السبل التي تتفرق بمن يسلكونها عن سبيله .
(ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون). .
فالتقوى هي مناط الاعتقاد والعمل . والتقوى هي التي تفيء بالقلوب إلى السبيل . .
الوحدة السابعة عشرة:154 - 165 الموضوع:تقرير حقائق إعتقادية حول الربوبية والحاكمية والرسالة والبعث
مقدمة الوحدة
لم ينقطع تدفق السياق في الموضوع الأساسي الذي يعالجه شطر السورة الأخير - وهو موضوع الحاكمية والتشريع وعلاقتهما بالدين والعقيدة - وهذا الشوط الجديد هو امتداد في العرض , وامتداد في الحشد , لتقرير هذه الحقيقة .
وهو يتحدث عن المبادىء الأساسية في العقيدة - بصدد التشريع والحاكمية - كما كان الشطر الأول من السورة يتحدث عن هذه المبادىء في صدد قضية الدين والعقيدة . ذلك ليقرر أن قضية التشريع والحاكمية هي كذلك قضية الدين والعقيدة . وعلى ذات المستوى الذي يعرض به المنهج القرآني هذه الحقيقة . ومما يلاحظ أن السياق يستخدم في شطر السورة الثاني ذات المؤثرات والموحيات والمشاهد والتعبيرات التي حشدها في الشطر الأول منها:
يتحدث عن الكتب والرسل والوحي والآيات التي يطلبونها .
ويتحدث عن الدمار والهلاك الذي يعقب وقوع الآيات والتكذيب بها .
ويتحدث عن الآخرة وقواعد الدينونة والجزاء فيها .
ويتحدث عن المفاصلة بين الرسول [ ص ] وقومه الذين يعدلون بربهم ويتخذون من دونه أربابا يشرعون لهم . ويوجه الرسول [ ص ] إلى إعلان حقيقة دينه جلية واضحة حاسمة .
ويتحدث عن الربوبية الواحدة للعالمين جميعاً , والتي لا يجوز أن يتخذ المؤمن من دونها ربوبية أخرى .


ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)
ويتحدث عن ملكية رب العالمين لكل شيء , وتصريفها لكل شيء , وعن استخلاف الله للناس كيف شاء , وقدرته على الذهاب بمن يشاء منهم عندما يشاء .
وهذه هي ذاتها القضايا والحقائق , والمؤثرات والموحيات التي حشدها في أول السورة عند عرض حقيقة العقيدة في محيطها الشامل . محيط الألوهية والعبودية وما بينهما من علائق . . ولا ريب أن لهذا دلالته التي لا تخفى على من يتعامل مع القرآن الكريم ومع المنهج القرآني .
يبدأ هذا المقطع الأخير في هذا الشطر من السورة بالحديث عن كتاب موسى . . وذلك تكملة للحديث السابق عن صراط الله المستقيم: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)للإيحاء بأن هذا الصراط ممتد من قبل في رسالات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وشرائعهم . وأقرب شريعة كانت هي شريعة موسى عليه السلام ; وقد أعطاه الله كتابا فصل فيه كل شيء , وجعله هدى ورحمة لعل قومه يؤمنون بلقاء الله في الآخرةSadثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن , وتفصيلاً لكل شيء , وهدى ورحمة , لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون).
ويستمر فيذكر الكتاب الجديد المبارك , الملتحم بالكتاب الذي أنزل على موسى , المتضمن للعقيدة وللشريعة المطلوب اتباعها والتقوى فيها , رجاء أن ينال الناس - حين يتبعونها - رحمة الله في الدنيا والآخرةSadوهذا كتاب أنزلناه مبارك , فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون). .
ولقد نزل هذا الكتاب قطعاً لحجة العرب , كي لا يقولوا:إنه لم يتنزل علينا كتاب كالذي تنزل على اليهود والنصارى ; ولو قد أوتينا الكتاب مثلما أوتوا لكنا أهدى منهم , فها هو ذا كتاب يتنزل عليهم , ويقطع هذه الحجة عليهم , فيستحق الذين يكذبون العذاب الأليمSadأن تقولوا:إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا . وإن كنا عن دراستهم لغافلين . أو تقولوا:لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم . . فقد جاءكم بينة من ربكم , وهدى ورحمة , فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ? سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون). .
لقد انقطعت المحجة بنزول هذا الكتاب ; ولكنهم ما يزالون يشركون بالله ; ويشرعون من عند أنفسهم ويزعمونه شريعة الله , بينما كتاب الله قائم وليس فيه هذا الذي يفترونه . وما يزالون يطلبون الآيات والخوارق ليصدقوا بهذا الكتاب ويتبعوه . ولو جاءتهم الآيات التي يطلبون أو بعضها لكان فيها القضاء الأخيرSadهل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك ? يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل , أو كسبت في إيمانها خيرا . قل:انتظروا إنا منتظرون).
وعند هذا الحد يفصل الله - سبحانه - بين بينه [ ص ] وسائر الملل المتفرقة التي لا تقوم على توحيد الله عقيدة وشريعة . ويقرر أن أمرهم إليه - سبحانه وتعالى - وأنه هو محاسبهم ومجازيهم وفق عدله ورحمتهSadإن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله , ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون . من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها , ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون).
وهنا يجيء الإيقاع الأخير في هذا القطاع - وهو الإيقاع الأخير في السورة - في تسبيحة ندية رخية , حازمة كذلك حاسمة , تلخص أعمق أعماق الحقائق العقيدية في هذا الدين:التوحيد المطلق , والعبودية الخالصة ,وجدية الآخرة , وفردية التبعة والابتلاء في دار الدنيا . وسلطان الله المتمثل في ربوبيته لكل شيء ; وفي استخلافه للعباد في ملكه كيف شاء بلا شريك ولا معقب . . كما ترسم تلك التسبيحة المديدة صورة باهرة لحقيقة الألوهية , وهي تتجلى في أخلص قلب , وأصفى قلب , وأطهر قلب . . قلب رسول الله [ ص ] . . وذلك في مستوى من التجلي لا يصوره إلى التعبير القرآني ذاته: قل:إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم . ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً , وما كان من المشركين . قل:إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين . قل:أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء , ولا تكسب كل نفس إلا عليها , ولا تزر وازرة وزر أخرى ; ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . وهو الذي جعلكم خلائف الأرض , ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم , إن ربك سريع العقاب , وإنه لغفور رحيم . .
ونكتفي هنا بهذا القدر من الحديث المجمل , لنأخذ في مواجهة النصوص بالتفصيل:
الدرس الأول:154 - 158 وحدة الرسالات وحكمتها ومجيء القيامة
(ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن , وتفصيلاً لكل شيء , وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون). .
هذا الكلام معطوف بثم على ما قبله . . وتأويله: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا . .) (وأن هذا صراطي مستقيماً). . معطوفة على جملة:ألا تشركوا . . (ثم آتينا موسى الكتاب . .)معطوف عليهما كذلك باعتباره من القول الذي دعاهم ليقوله لهم [ ص ] فالسياق مطرد كما أسلفنا .
وقوله (تماماً على الذي أحسن). . تأويله - كما اختار ابن جرير -: 3 آتينا موسى التوراة تماما لنعمنا عنده ,
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42713
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الجمعة يونيو 03, 2011 8:37 pm

وأيادينا قبله , تتم به كرامتنا عليه , على إحسانه وطاعته ربه , وقيامه بما كلفه من شرائع دينه , وتبيينا لكل ما بقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم . .
وقوله:وتفصيلا لكل شيء . كما قال قتادة:فيه حلاله وحرامه .
وهدى ورحمة لعل قومه يهتدون ويؤمنون بلقاء ربهم فيرحمهم من عذابه . .
. . هذا الغرض الذي من أجله آتينا موسى الكتاب , جاء من أجله كتابكم , لعلكم تنالون به الهدى والرحمة:
(وهذا كتاب أنزلناه مبارك , فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون). .
وإنه لكتاب مبارك حقاً - كما فسرنا ذلك من قبل عند ورود هذا النص في السورة أول مرة: 6 ذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه , ولتنذر أم القرى ومن حولها , والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به , وهم على صلاتهم يحافظون . . [ الآية:92 ] . . وكان ذكر هذا الكتاب هناك بمناسبة الحديث عن العقيدة في مجالها الشامل ; وهو هنا يذكر بمناسبة الحديث عن الشريعة بنص مقارب ! ويؤمرون باتباعه ; وتناط رحمتهم من الله بهذا الاتباع . والكلام هنا بجملته في معرض الشريعة , بعد ما تناولته أوائل السورة في معرض العقيدة .


أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ (157)
وقد بطلت حجتكم , وسقطت معذرتكم , بتنزيل هذا الكتاب المبارك إليكم , تفصيلاً لكل شيء . بحيث لا تحتاجون إلى مرجع آخر وراءه ; وبحيث لا يبقى جانب من جوانب الحياة لم يتناوله فتحتاجون أن تشرعوا له من عند أنفسكم:
أن تقولوا:إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا . وإن كنا عن 3دراستهم لغافلين . أو تقولوا:لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم . فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة . فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ? سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون . .
لقد شاء الله سبحانه أن يرسل كل رسول إلى قومه بلسانهم . . حتى إذا كانت الرسالة الأخيرة أرسل الله محمداً خاتم النبيين للناس كافة . فهو آخر رسول من الله للبشر , فناسب أن يكون رسولاً إليهم أجمعين .
والله - سبحانه - يقطع الحجة على العرب أن يقولوا:إن كلا من موسى وعيسى إنما أرسلا إلى قومهما . ونحن كنا غافلين عن دراستهم لكتابهم , لا علم لنا به ولا اهتمام . ولو جاء إلينا كتاب بلغتنا , يخاطبنا وينذرنا لكنا أهدى من أهل الكتاب . . فقد جاءهم هذا الكتاب وجاءهم رسول منهم - وإن كان رسولاً للناس أجمعين - وجاءهم بكتاب هو بينة في ذاته على صدقه . وهو يحمل إليهم حقائق بينة كذلك لا لبس فيها ولا غموض . وهو هدى لما هم فيه من ضلالة , ورحمة لهم في الدنيا والآخرة . .
فإذا كان ذلك كذلك , فمن أشد ظلماً ممن كذب بآيات الله وأعرض عنها وهي تدعوه إلى الهدى والصلاح والفلاح ? من أشد ظلماً لنفسه وللناس بصده لنفسه وللناس عن هذا الخير العظيم , وبإفساده في الأرض بتصورات الجاهلية وتشريعاتها . . إن الذين يعرضون عن هذا الحق في طبعهم آفة تميلهم عنه ; كالآفة التي تكون في خف البعير فتجعله يصدف - أي يميل - بجسمه ولا يستقيم ! إنهم(يصدفون)عن الحق والاستقامة , كما يصدف البعير المريض عن الاعتدال والاستقامة ! وهم مستحقون سوء العذاب بصدوفهم هذا وميلهم:
(سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون). .
إن التعبير القرآني يستخدم مثل هذا اللفظ , المنقول في اللغة من حالة حسية إلى حالة معنوية ليستصحب في الحس أصل المعنى . . فيستخدم هنا لفظ "يصدف" وقد عرفنا أنه من صدف البعير إذا مال بخفه ولم يعتدل لمرض فيه ! كذلك يستخدم لفظ (يصعر خده)وهو مأخوذ من داء الصَّعَر الذي يصيب الإبل - كما يصيب الناس - فتعرض صفحة خدها , اضطراراً , ولا تملك أن تحرك عنقها بيسر , ومثله استخدام لفظ (حبطت أعمالهم). . من حبطت الناقة إذا رعت نباتا مسموماً فانتفخ بطنها ثم ماتت ! ومثلها كثير . .
ويمضي في هذا التهديد خطوة أخرى , للرد على ما كانوا يطلبونه من الآيات والخوارق حتى يصدقوا بهذا الكتاب . . وقد مضى مثل ذلك التهديد في أوائل السورة عند ما كانت المناسبة هناك مناسبة التكذيب بحقيقة الاعتقاد . وهو يتكرر هنا , والمناسبة الحاضرة هي مناسبة الإعراض عن الاتباع والتقيد بشريعة الله:فقد جاء في أول السورةSadوقالوا:لولا أنزل عليه ملك ! ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا يُنظرون). . وجاء هنا في آخرها:
(هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك , أو يأتي بعض آيات ربك ? يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً:قل:انتظروا إنا منتظرون). .
إنه التهديد الواضح الحاسم . فقد مضت سنة الله بأن يكون عذاب الاستئصال حتماً إذا جاءت الخارقة


هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ (158)
ثم لم يؤمن بها المكذبون . . والله سبحانه يقول لهم:إن ما طلبوه من الخوارق لو جاءهم بعضه لقضي عليهم بعده . . وإنه يوم تأتي بعض آيات الله تكون الخاتمة التي لا ينفع بعدها إيمان ولا عمل . . لنفس لم تؤمن من قبل , ولم تكسب عملاً صالحاً في إيمانها . فالعمل الصالح هو دائماً قرين الإيمان وترجمته في ميزان الإسلام .
ولقد ورد في روايات متعددة أن المقصود بقوله تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك)هو أشراط الساعة وعلاماتها , التي لا ينفع بعدها إيمان ولا عمل . وعدوا من ذلك أشراطاً بعينها . . ولكن تأويل الآية على وفق السنة الجارية في هذه الحياة أولى . فقد سبق مثله في أول السورة , وهو قوله تعالىSadوقالوا لولا أنزل عليه ملك , ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون). . والملاحظ أن السياق يكرر وهو بصدد الكلام عن الشريعة والحاكمية , ما جاء مثله من قبل وهو بصدد الكلام عن الإيمان والعقيدة , وأن هذا ملحوظ ومقصود , لتقرير حقيقة بعينها . فأولى أن نحمل هذا الذي في آخر السورة على ما جاء من مثله في أولها من تقرير سنة الله الجارية . وهو كاف في التأويل , بدون الالتجاء إلى الإحالة على ذلك الغيب المجهول . .
الدرس الثاني:159 - 160 ذم أهل الفرق لتفرقهم وقاعدة الحساب
بعد ذلك يلتفت السياق إلى رسول الله [ ص ] ليفرده وحده بدينه وشريعته ومنهجه وطريقه عن كل الملل والنحل والشيع القائمة في الأرض - بما فيها ملة المشركين العرب -:
(إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء . إنما أمرهم إلى الله , ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون). .
إنه مفرق الطريق بين الرسول [ ص ] ودينه وشريعته ومنهجه كله وبين سائر الملل والنحل . . سواء من المشركين الذين كانت تمزقهم أوهام الجاهلية وتقاليدها وعاداتها وثاراتها , شيعاً وفرقاً وقبائل وعشائر وبطونا . أو من اليهود والنصارى ممن قسمتهم الخلافات المذهبية مللا ونحلا ومعسكرات ودولا . أو من غيرهم مما كان وما سيكون من مذاهب ونظريات وتصورات ومعتقدات وأوضاع وأنظمة إلى يوم الدين .
إن رسول الله [ ص ] ليس من هؤلاء كلهم في شيء . . إن دينه هو الإسلام وشريعته هي التي في كتاب الله ; ومنهجه هو منهجه المستقل المتفرد المتميز . . وما يمكن أن يختلط هذا الدين بغيره من المعتقدات والتصورات ; ولا أن تختلط شريعته ونظامه بغيره من المذاهب والأوضاع والنظريات . . وما يمكن أن يكون هناك وصفان اثنان لأي شريعة أو أي وضع أو أي نظام . . إسلامي . . وشيء آخر . . !!! إن الإسلام إسلام فحسب . والشريعة الإسلامية شريعة إسلامية فحسب . والنظام الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي الإسلامي إسلامي فحسب . . ورسول الله [ ص ] ليس في شيء على الإطلاق من هذا كله إلى آخر الزمان !
إن الوقفة الأولى للمسلم أمام أية عقيدة ليست هي الإسلام هي وقفة المفارقة والرفض منذ اللحظة الأولى . وكذلك وقفته أمام أي شرع أو نظام أو وضع ليست الحاكمية فيه لله وحده - وبالتعبير الآخر:ليست الألوهية والربوبية فيه لله وحده - إنها وقفة الرفض والتبرؤ منذ اللحظة الأولى . . قبل الدخول في أية محاولة للبحث عن مشابهات أو مخالفات بين شيء من هذا كله وبين ما في الإسلام !
إن الدين عند الله الإسلام . . ورسول الله [ ص ] ليس في شيء ممن فرقوا الدين فلم يلتقوا فيه على الإسلام .


إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (159) مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (160) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)
وإن الدين عند الله هو المنهج والشرع . . ورسول الله [ ص ] ليس في شيء ممن يتخذون غير منهج الله منهجاً , وغير شريعة الله شرعا . .
الأمر هكذا جملة . وللنظرة الأولى . بدون دخول في التفصيلات !
وأمر هؤلاء الذين فرقوا دينهم شيعا , وبرئ منهم رسول الله [ ص ] بحكم من الله تعالى . . أمرهم بعد ذلك إلى الله ; وهو محاسبهم على ما كانوا يفعلون:
(إنما أمرهم إلى الله , ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون). .
وبمناسبة الحساب والجزاء قرر الله سبحانه ما كتبه على نفسه من الرحمة في حساب عباده . فجعل لمن جاء بالحسنة وهو مؤمن - فليس مع الكفر من حسنة ! - فله عشر أمثالها . ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ; لا يظلم ربك أحداً ولا يبخسه حقه:
(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها . ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها . وهم لا يظلمون). .
الدرس الثالث:161 - 165 خاتمة السورة والإستسلام لله
وفي ختام السورة - وختام الحديث الطويل عن قضية التشريع والحاكمية - تجيء التسبيحة الندية الرخية , في إيقاع حبيب إلى النفس قريب ; وفي تقرير كذلك حاسم فاصل . . ويتكرر الإيقاع الموحي في كل آيةSadقل). .(قل). .(قل). . ويلمس في كل آية أعماق القلب البشري لمسات دقيقة عميقة في مكان التوحيد . . توحيد الصراط والملة . توحيد المتجه والحركة . توحيد الإله والرب . توحيد العبودية والعبادة . . مع نظرة شاملة إلى الوجود كله وسنته ومقوماته .
قل:إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له , وبذلك أمرت , وأنا أول المسلمين . قل:أغير الله أبغي ربا , وهو رب كل شيء , ولا تكسب كل نفس إلا عليها , ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم , فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . وهو الذي جعلكم خلائف الأرض , ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم . إن ربك سريع العقاب , وإنه لغفور رحيم . .
هذا التعقيب كله , الذي يؤلف مع مطلع السورة لحناً رائعاً باهراً متناسقاً , هو تعقيب ينتهي به الحديث عن قضية الذبائح والنذور والثمار , وما تزعمه الجاهلية بشأنها من شرائع , تزعم أنها من شرع الله افتراء على الله . . فأية دلالة يعطيها هذا التعقيب ? إنها دلالة لا تحتاج بعد ما سبق من البيان إلى مزيد . .
(قل:إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم . ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين). .
إنه الإعلان الذي يوحي بالشكر , ويشي بالثقة , ويفيض باليقين . . اليقين في بناء العبادة اللفظي ودلالتها المعنوية , والثقة بالصلة الهادية . . صلة الربوبية الموجهة المهيمنة الراعية . . والشكر على الهداية إلى الصراط المستقيم , الذي لا التواء فيه ولا عوج: (دينا قيماً). . وهو دين الله القديم منذ إبراهيم . أبي هذه الأمة المسلمة المبارك المخلص المنيب: (ملة إبراهيم حنيفا , وما كان من المشركين).
(قل:إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له . وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين). .
إنه التجرد الكامل لله , بكل خالجة في القلب وبكل حركة في الحياة . بالصلاة والاعتكاف . وبالمحيا والممات . وبالشعائر التعبدية , وبالحياة الواقعية , وبالممات وما وراءه .


لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165)
إنها تسبيحة "التوحيد" المطلق , والعبودية الكاملة , تجمع الصلاة والاعتكاف والمحيا والممات , وتخلصها لله وحده . لله (رب العالمين). . القوام المهيمن المتصرف المربي الموجه الحاكم للعالمين . . في "إسلام" كامل لا يستبقي في النفس ولا في الحياة بقية لا يعبدها لله , ولا يحتجز دونه شيئاً في الضمير ولا في الواقع . . (وبذلك أمرت). . فسمعت وأطعت: (وأنا أول المسلمين).
(قل:أغير الله أبغي ربا , وهو رب كل شيء , ولا تكسب كل نفس إلا عليها , ولا تزر وازرة وزر أخرى , ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ?). .
كلمة تتقصى السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن ; وتشتمل كل مخلوق مما يعلم الإنسان ومما يجهل ; وتجمع كل حادث وكل كائن في السر والعلانية . . ثم تظللها كلها بربوبية الله الشاملة لكل كائن في هذا الكون الهائل ; وتعبدها كلها لحاكمية الله المطلقة عقيدة وعبادة وشريعة .
ثم تعجب في استنكار:
(أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء)?
أغير الله أبغي ربا يحكمني ويصرف أمري ويهيمن علي ويقومني ويوجهني ? وأنا مأخوذ بنيتي وعملي , محاسب على ما أكسبه من طاعة ومعصية ?
أغير الله أبغي ربا . وهذا الكون كله في قبضته ; وأنا وأنتم في ربوبيته ?
أغير الله أبغي ربا وكل فرد مجزي بذنبه لا يحمله عنه غيره ? (ولا تكسب كل نفس إلا عليها , ولا تزر وازرة وزر أخرى ?). .
أغير الله أبغي ربا وإليه مرجعكم جميعاً فيحاسبكم على ما كنتم تختلفون فيه ?
أغير الله أبغي ربا , وهو الذي استخلف الناس في الأرض , ورفع بعضهم فوق بعض درجات في العقل والجسم والرزق ; ليبتليهم أيشكرون أم يكفرون ?
أغير الله أبغي ربا , وهو سريع العقاب , غفور رحيم لمن تاب ?
أغير الله أبغي ربا , فأجعل شرعه شرعاً , وأمره أمراً , وحكمه حكماً . وهذه الدلائل والموحيات كلها حاضرة ; وكلها شاهدة ; وكلها هادية إلى أن الله وحده هو الرب الواحد المتفرد ? ? ?
إنها تسبيحة التوحيد الرخية الندية ; يتجلى من خلالها ذلك المشهد الباهر الرائع . مشهد الحقيقة الإيمانية , كما هي في قلب رسول الله [ ص ] وهو مشهد لا يعبر عن روعته وبهائه إلا التعبير القرآني الفريد . .
إنه الإيقاع الأخير في السياق الذي استهدف قضية الحاكمية والشريعة ; يجيء متناسقاً مع الإيقاعات الأولى في السورة , تلك التي استهدفت قضية العقيدة والإيمان ; من ذلك قوله تعالىSadقل:أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض , وهو يطعم ولا يطعم ? قل:إني أمرت أن أكون أول من أسلم , ولا تكونن من المشركين . قل:إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه , وذلك الفوز المبين). . . وغيرها في السورة كثير . .
خاتمة تفسير سورة الأنعام
ولا نحتاج أن نكرر ما قلناه مراراً من دلالة هذه المثاني التي تردد في المطالع والختام . فهي صور متنوعةللحقيقة الواحدة . . الحقيقة التي تبدو مرة في صورة عقيدة في الضمير . وتبدو مرة في صورة منهج للحياة . . وكلتا الصورتين تعنيان حقيقة واحدة في مفهوم هذا الدين . .
ولكننا نتلفت الآن - وقد انتهى سياق السورة - على المدى المتطاول , والمساحة الشاسعة , والأغوار البعيدة . . تلك التي تتراءى فيها أبعاد السورة - ما سبق منها في الجزء السابع وما نواجهه منها في هذا الجزء - فإذا هو شيء هائل هائل . . وننظر إلى حجم السورة , فإذا هي كذا صفحة , وكذا آية , وكذا عبارة . . ولو كان هذا في كلام البشر ما اتسعت هذه الرقعة لعشر معشار هذا الحشد من الحقائق والمشاهد والمؤثرات والموحيات ; في مثل هذه المساحة المحدودة ! . . وذلك فضلاً على المستوى المعجز الذي تبلغه هذه الحقائق بذاتها , والذي يبلغه التعبير عنها كذلك . .
ألا إنها رحلة شاسعة الآماد , عميقة الأغوار , هائلة الأبعاد هذه التي قطعناها مع السورة . . رحلة مع حقائق الوجود الكبيرة . . رحلة تكفي وحدها لتحصيل "مقومات التصور الإسلامي" !
حقيقة الألوهية بروعتها وبهائها وجلالها وجمالها . .
وحقيقة الكون والحياة وما وراء الكون والحياة من غيب مكنون , ومن قدر مجهول , ومن مشيئة تمحو وتثبت , وتنشئ وتعدم , وتحيي وتميت , وتحرك الكون والأحياء والناس كما تشاء .
وحقيقة النفس الإنسانية , بأغوارها وأعماقها , ودروبها ومنحنياتها , وظاهرها وخافيها , وأهوائها وشهواتها , وهداها وضلالها , وما يوسوس لها من شياطين الإنس والجن . وما يقود خطواتها من هدى أو ضلال . .
ومشاهد قيامة , ومواقف حشر , ولحظات كربة وضيق , ولحظات أمل واستبشار . ولقطات من تاريخ الإنسان في الأرض ; ولقطات من تاريخ الكون والحياة .
وحشود وحشود من هذه المجالي التي لا نملك تلخيصها في هذه العجالة . والتي لا تعبر عنها إلا السورة نفسها , في سياقها الفريد , وفي أدائها العجيب .
إنه الكتاب "المبارك" . . وهذه - بلا شك - واحدة من بركاته الكثيرة . . والحمد لله رب العالمين . .


avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42713
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف maryemelnazer في السبت يونيو 04, 2011 4:15 pm

جزاك الله خيرا يااستاذ احمد
avatar
maryemelnazer
عضو مميز
عضو مميز

رقم العضوية : 328
عدد المساهمات : 1055
المهارة : 9043
تاريخ التسجيل : 31/10/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في السبت يونيو 04, 2011 7:51 pm

وجازكى الله خيرا
و شكرا للعضوة النشطة دائمة التميز والإبداع
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42713
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف بسنت في السبت يونيو 04, 2011 10:18 pm

بارك الله فيك على الموضوع الرائع
avatar
بسنت
عضو فعال
عضو فعال

رقم العضوية : 355
عدد المساهمات : 305
المهارة : 4150
تاريخ التسجيل : 31/12/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: فى ظلال القرآن ـ سيد قطب - صورة الأنعام

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الثلاثاء يونيو 07, 2011 6:22 pm

وبارك لكى وبورك فيكى أختى بسنت
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42713
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى