كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:08 pm

الجزء الثاني
احتجاج صاحب الكلب بالأشعار المعروفة
والأمثالِ السَّائرة والأخبار الصحيحة والأحاديث المأثورة، وما أوجد العيان فيها، وما استخرجت التجاربُ منها من أصناف المنافع والمرافق، وعن مواضع أخلاقها المحمودة وأفعالها المرادة.
ونبدأ بقول العرب: إنَّ دماءَ الملوك شفاءٌ من داء الكلب، ثُمَّ نذكر الأبواب لما قدَّمنا في صدر كلامنا هذا، قال بعض المُرِّيِّين:
بِحجْرٍ في لقائهـمُ جَـفـاءُ أرَى الخلاّنَ بعد أبى عمـير
لوَ أنَّكَ تستضيئ بهم أضاءوا منَ البِيض الوُجوهِ بني سنان
ونُورٌ ما يغيِّبُه الـعَـمـاءُ لهم شمسُ النَّهارِ إذا استقَّلت
دِماؤهمُ مِنَ الكلَبِ الشفـاء بُناةُ مَكـارمٍ وأسـاةُ كَـلـمٍ
وقال الفرزدق:
شِفاءٌ من الدَّاء المجنّة والخبْلِ مِنَ الدارميِّين الذين دِماؤهـم
وقال عبدُ اللَّه بنُ قيس الرّقَيَّات:
تَشفي دِماء الملُوكِ من كَلَبِ عاوَدَني النُّكسُ فاشتفيت كما
وقال ابن عَيَّاش الكنديُّ لبني أسَد في قتلهم حُجْرَ بنَ عمرو:
تُريقون تاموراً شفاءً من الكلَبْ عبيد العصا جئتمْ بقتلِ رئيسكـمْ
وقال الفرزدق:
شَفَتْها وذو الخَبْلِ الذي هو أدْنَفُ ولو تَشربُ الكَلْبى المِرَاضُ دماءَنا
وذاك أنَّهمْ يزعمون أنَّ دماءَ الأشراف والملوك تَشفي من عَضَّةِ الكلْبِ الكلَبِ، وتَشفي من الجنون أيضاً، كما قال الفرزدق:
شفـــتـــهـــــــا ولو تشربُ الكَلْبَى المِرَاضُ دماءنا
ثم قال: وذو الخَبْلِ الذي هو أدْنَفُ وقد قال ذلك عاصم بن القِرِّيَّة، وهو جاهليّ:
دمَ ابنِ كُهالِ والنِّطاسيُّ واقفُ وداويتُهُ مما بِهِ مـن مَـجَـنةٍ
وليس لِشيءِ كادَهُ اللَّهُ صارفُ وقَلَّدْتُه دهـراً تـمـيمةَ جَـدِّه
وكان أصحابنا يزعُمون أنَّ قولهم: دماء الملوك شفاءُ من الكلب، على معنى أنَّ الدَّم الكريم هو الثأرُ المُنيم، وأنَّ داء الكلب على معنى قول الشاعر:
وأفانين فُؤاد مُخْتَـبـلْ كَلِبٌ مِن حِسِّ ما قد مسَّهُ
وعلى معنى قوله:
كَلِبٌ بِضرْبِ جَماجمِ ورِقابِ
فإذا كَلِبَ من الغيظ والغضب فأدرك ثأره فذلك هو الشفاء من الكلَب، وليس أنَّ هناك دماً في الحقيقة يُشربُ ولولا قول عاصم بن القرِّيَّة: والنِّطاسيُّ واقفُ، لكان ذلك التأويلُ جائزاً، وقول عوف بن الأحوص:
دِماءُ القَومِ للكَلْبَى شِفـاءُ ولا العنقاء ثعلبة بن عمرو
وفي الكلب يقول الأعشى:
فلم يبق إلاًّ أنْ يُجَنَّ وأكلبا أُراني وعَمْراً بيننا دَقُّ مَنْشِمٍ
ألا ترى أنَّه فرَّق بينهما، ولو كان كما قال لبيد بن ربيعة:
على الحمالة هل بالمرء مِن كلَبِ يَسْعَى خُزيمةُ في قومٍ ليهلكـهـمْ
لكان ذلك على تأويل ما ذهبوا إليه جائزاً، وقال الآخر:
كَواه بَنارٍ بينَ عينيه مُكلـبُ وأمْرَ أميري قد أطَعتمْ فإنَّّ ما
وهذا عندي لا يدخل في الباب الأوَّل، وقد جعلوه منه.
طباع الكلب العجيبة
قال صاحبُ الكلب: وزعمتم أنّه يبلغُ من فضل قوَّة طباع الدِّيك في الإلقاح، أنَّه متى سفد دجاجة وقد احتشت بيضاً صغاراً من نتاج الرِّيح والتراب، قلبها كلَّها حيواناً ولو لم يكنْ سفِدها إلاَّ مرَّةً واحدة، وجعلتموه في ذلك بغاية الفِحْلة، فطباعُ الكلب أعجبُ إلقاحاً وأثقبُ، وأقوى وأبعد، لأنَّ الكلبَ إذا عضَّ إنساناً، فأوَّل ذلك أنّْ يُحيله نبَّاحاً مثله، وينقلَه إلى طباعه، فصار ينبح، ثم يُحبله ويُلقحه بأجراءٍ صغار يَبولُها عَلقاً في صُوَر الكلاب، على بُعد ما بين العُنصرينِ والطَّبعين والجنسين، والذى يتولَّد في أرحام الدجاج، أقرب مشاكلة إلى طباع الديك، فالكلب هو العجب العجيب، لأنَّه أحبَلَ ذكراً من خِلاف جنسه، ولأنّه مع الإحبال والإلقاح، أحاله نبَّاحاً مثله، فتلك الأدراص وتلك الكلاب الصغار، أولادٌ ونتِاج، وإن كان لا يبقى.
وقد تعلمون أنَّ أولادَ البغْلات من البغال لا تبقى، وأن اللِّقاح قد يقع، وإنما مُنع البغل من البغلة بهذه العلَّة.
أسرة تتوارث دواء الكلب
قال أبو اليقظان وغيره: كان الأسود بن أوس بن الحُمَّرة، أتى النَّجاشيَّ ومعه امرأته، وهي بنت الحارث أحد بني عاصم بن عبيد بن ثعلبة، فقال النجاشيُّ: لأعطينَّك شيئاً يشفي من داء الكلب، فأقبَلَ حتَّى إذا كان ببعض الطريق أتاه الموت، فأوصى امرأته أن تتزوَّج ابنه قٍدامة بنَ الأسود، وأن تعلّمه دواء الكلَب، ولا يخرُج ذلك منهم إلى أحد، فتزوَجته نِكاح مَقْت، وعلّمته دواء الكلب، فهو إلى اليوم فيهم.
فوَلدَ الأسود قُدامة وولد قُدامة المُحِلَّ وأمُّه بنت الحارث فكان المحِلُّ يُداوي من الكلَب، فولد المحلّ عُقبةَ وعمراً، فداوى ابنُ المحلُ عُتيبة بن مرداس، وهو ابن فَسوة الشاعر، فبال مثلَ أجراء الكلب عَلَقاً، ومِثل صوُر النَّمْل والأدراص فقال ابن فسوْة حين برئَ:
هَرَرتُ إذا ما النَّاس هَرَّ كلابهُا ولولا دواءُ ابنِ المُحِلِّ وعلمُـه
مُوَلَّعَة أكتافها وجـنـوبُـهـا وأخرج عبد الـلَّـه أولاد زارعٍ
وأولاد زارع: الكلاب.
وأمَّا قوله:
ولولا دواء ابن المُحِلِّ وعلمه هررتُ
فإنَّما ذهبَ إلى أنَّ الذي يَعَضُّه الكلْبُ الكلِبُ، ينبح نباح الكلاب ويَهِرُّ هريرها.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:13 pm

أعراض الكَلَب
وقال محمَّد بن حفص، وهو أبو عبيد اللَّه بن محمد، ابن عائشة: عضّ رجلاً من بَني العَنْبرِ كلبٌ كلب فأصابه داءُ الكلب، فبال عَلَقاً في صورةِ الكلاب، فقالت بنت المستَنْثر:
وتلكَ لعمْري نُهيَة المتعَجِّبِ أبا لكَ أدراصاً وأولادَ زارعٍ
وحدَّثني أبو الصَّهباء عن رجالِ من بني سعد، منهم عبد الرحمن بن شبيب، قالوا: عضّ سنجيرَ الكلبُ الكلِب، فكان يعطشُ ويطلُبُ الماء بأشدِّ الطلب، فإذا أتوه به صاح عند معاينته: لا، لا أريد، وهكذا يصيب صاحبَ تلك العضّة، وذلك أنَّه يعطش عنها أشدّ العطش ويطلب الماء أشدَّ الطلب، فإذا أتوه به هرَب منه أشدَّ الهرب، فقال دَلَم وهو عبدٌ لبني سعد:
إباؤك للشيء الذي أنت طالب لقد جئت يا سنجير أجلو ملقة
وهي أبياتٌ لم أحفظ منها إلاَّ هذا البيت.
وذكر مَسْلَمَة بن محارب، وعليُّ بن محمَّد عن رجاله، أنَّ زياداً كتب دواء الكلب، وعلَّقه على باب المسجد الأعظم، ليعرفه جميع الناس.
ردّ على ما زعموا من أعراض الكلب
وأنا، حفظك اللَّه تعالى، رأيتُ كلباً مرّةً في الحَيِّ ونحنُِ في الكتَّاب، فعرض له صبيٌّ يسمّى مهديّاً من أولاد القصّابين، وهو قائم يمحو لَوحهُ فعضّ وجهه فنقع ثَنيَّته دونَ موضع الجفن من عينه اليسرى، فخرق اللحمَ الذي دون العظم إلى شطر خدّه، فرمى به ملقيَّاً على وجهه وجانبِ شِدقه? وترك مُقلتَه صحيحة، وخرج منه من الدّم ما ظننتُ أنَّه لا يعيش معه، وبقي الغلامُ مبهوتاً قائماً لا ينبس، وأسكته الفزع وبقي طائر القلب، ثمَّ خيط ذلك الموضعُ، ورأيته بعد ذلك بشهر وقد عاد إلى الكُتّاب، وليس في وجهه من الشَّتْر إلا موضعُ الخيط الذى خيط، فلم ينبَحْ إلى أن برئَ، ولا هرَّ، ولا دعا بماءٍ، حتَّى إذا رآه صاح: رُدُّوه ولا بال جرواً ولا عَلقاً، ولا أصابه ممَّا يقولون قليل ولا كثير، ولم أجدْ أحداً من تلك المشايخ، يشكُّ أنَّهم لم يَروا كلباً قطُّ أكْلَبَ ولا أفْسَدَ طبعاً منه، فهذا الذي عاينت.
وأما الذي بلغني عن هؤلاء الثقات فهو الذي قد كتبتُه لك.
مما قيل في الكلب الكلِب
وفي الكَلْبِ الكَلِبِ أنشد الأعرابي:
وإنّما الشاعر مجنون كـلـبْ حيَّاكُم اللَّه فإنِّي مـنـقـلـبْ
أكثر ما يأتي على فيه الكَذبْ
إما أن يكون الشعر لِهمْيان وإما أن يكون للزَّفيان، وأنشدني:
وفي الجنِّ إن كانَ اعتراك جُنونُ فإن كنتُم كَلْبى فعندي شفـاؤكـم
وأنشدني:
أكَلْبَى آلُ عمرو أمْ صِحاحُ وما أدري إذا لاقيتُ عَمْراً
قال: فأما المُكلب الذي يصيبُ كلابَه داءٌ في رُؤُوسها يسمَّى الجُحام فتُكْوى بين أعينها،
مسألة كلامية
وسنذكر مسألة كلاميَّة، وإنَّما نذكرها لكثرة من يعترض في هذا ممَّن ليس له علم بالكلام، ولو كان أعلمُ الناس باللغة، لم ينفعك في باب الدين حتّى يكون عالماً بالكلام، وقد اعترض معترضون في قوله عزّ وجل: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبأ الَّذي آتيناهُ آياتنا فانسلخَ منها فأتبعه الشيطانُ فَكَانَ من الْغاوين، وَلوْ شئنا لَرَفَعناهُ بِهَا وَلكنَّهُ أخْلدَ إلى الأرض واتَّبَع هَوَاهُ فمثُلهُ كمثل الكلب إنَ تحْمِلْ عَلَيه يَلهثْ أو تَتْركْهُ يلهثْ ذلك مَثلُ القومِ الَّذين كذَّبوا بآياتنا" فزَعَموا أنَّ هذا المثَلَ لا يجوزُ أن يُضرَب لهذا المذكور في صدر هذا الكلام، لأنه قال: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنا فَانْسَلَخَ مِنْهَا"، فما يُشبَّه حالُ من أُعطي شيئاً فلم يقبله - ولم يذكر غير ذلك - بالكلب الذي إن حملتَ عليه نبح وولى ذاهباً، وإن تركته شدَّ عليك ونبح، مع أنّ قوله: يلهث، لم يقع في موضعه، وإنما يلهث الكلب من عَطشِ شديد وحرٍّ شديد، ومن تعب، وأما النُّباح والصِّياح فمن شيء آخر، قلنا له: إن قال "ذلكَ مَثَلُ القَومِ الَّذين كذَّبوا بآياتنا"، فقد يستقيم أن يكون الرادّ لا يسمَّى مكذباً، ولا يقال لهم كذَّبوا إلا وقد كان ذلك منهم مراراً، فإن لم يكن ذلك فليس ببعيد أن يشبَّه الذي أوتي الآيات والأعاجيب والبرهانات والكرامات، في بدء حرصه عليها وطلبه لها، بالكلب في حرصه وطلبه، فإنَّ الكلبَ يُعطي الجِدَّ والجُهْد من نفسه في كلِّ حالةٍ من الحالات، وشبَّه رفضه وقذفه لها من يديه، وردَّه لها بعد الحرص عليها وفرط الرغبة فيها، بالكلب إذا رجع ينبح بعد إطرادك له، وواجبٌُ أن يكون رفض قبول الأشياء الخطيرة النفيسة في وزن طلبهم والحرصِ عليها، والكلب إذا أتعب نفسه في شدَّة النُّباح مقبلاً إليك ومدبراً عنك، لهث واعتراه ما يعتريه عند التَّعب والعطش، وعلى أنَّنا ما نرمي بأبصارنا إلى كلابنا وهي رابضةٌ وادعة، إلا وهي تلهث، من غير أن تكون هناك إلا حرارة أجوافها، والذي طُبعت عليه من شأنها، إلا أنَّ لهث الكلب يختلف بالشدَّة واللِّين.
كرم الكلاب
وقال صاحب الكلب: ليس الدِّيك من الكلب في شيء، فمن الكلاب ذواتُ الأسماء المعروفة والألقاب المشهورة، ولكرامها وجوارحها وكواسبها، وأحرارها وعتاقها، أنسابٌ قائمةٌ ودواوينُ مخلّدة، وأعراقٌ محفوظة، ومواليد مُحصاة، مثل كلب جذعان، وهو السَّلْهبُ بن البراق بن يحيى بن وثّاب بن مظفِّر بن مُحارش.
شعر فيه ذكر أسماء الكلاب
وقد ذكر العرب أسماءَها وأنسابها، قال مزرِّد بن ضرار:
فإن غزير الشعر ما شـاء قـائل فعَدّ قريضَ الشّعر إن كنت مُغْزراً
له رَقَمـيَّات وصَـفـراءُ ذابـل لنعت صبُاحيٍّ طـويل شـقـاؤه
تَقَلْقلُ في أعناقهنَّ الـسَّـلاسـلُ بَقينَ له مـمـا يبـرّي وأكـلـبٍ
وجدْلاءُ، والسَّرْحان، والمتنـاولُ سُخامٌ، ومِقلاء القَنيصِ، وسلْهـبٌ
فماتا فأودى شخصُه فهو خامـلُ بنات سلُوقِـيَّينِ كـانـا حـياتـه
وقال لَهُ الشَّيطـانُ: إنَّـك عـائلُ وأيقن إذْ مـاتـا بـجُـوع وخَـلَّةٍ
فآب وقد أكْدتْ عليه المـسـائلُ فطوّفَ في أصحابه يستثـيبـهـمْ
رَوادٍ، ومن شرِّ النساء الخرامـلُ إلى صبيةٍ مثل المغالي وخِرمـلٍ
أذمُّ إليك النـاسَ، أمُّـكِ هـابـلُ فقال لها: هَل من طعامٍ فإنَّـنـي
ومُحتَرقٌ من حائل الجلد قاحِـلُ فقالتْ: نَعمْ، هذا الطَّـويُّ ومـاؤه
وأمسى طليحاً ما يُعانيه بـاطـلُ فلما تناهتْ نفسُه مِن طـعـامِـه
فأعيا على العينِ الرُّقاد البلابـلُ تَغشَّى، يريدُ النّوم، فـضـل ردائه
ففكِّرْ في هذا الشعر وقِفْ على فصوله، حتى تعرف غناء الكلاب عندهم، وكسبها عليهم، وموقعها منهم، وقال لبيدٌ في ذكرها وذكر أسماءَها:
أنْ قد أحمَّ مِنَ الحتوفِ حمامُها لتذودهنَّ وأيقنـتْ إن لـم تَـذُدْ

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:13 pm

عادة الشعراء حين يذكرون الكلاب
والبقر في شعرهم
ومن عادة الشعراء إذا كان الشعرُ مَرثيةً أو موعظةً، أن تكون الكلابُ التي تقتلُ بقرَ الوحش، وإذا كان الشعر مديحاً، وقال كأن ّ ناقتي بقرة من صفتها كذا، أن تكون الكلابُ هي المقتولة، ليس على أنَّ ذلك حكاية عن قصّة بعينها، ولكنَّ الثِّيران ربَّما جرحت الكلاب وربَّما قتلتها، وأما في أكثر ذلك فإنَّها تكون هي المصابة، والكلاب هي السالمة والظافرة، وصاحبها الغانم،
شعر آخر فيه ذكر لبعض أسماء الكلاب
وقال لبيدٌ في هذا القول الثاني غير القول الأول، وذلك على معنى ما فسّرت لك، فقال في ذلك وذكر أسماءها:
أخُو قفرةٍ يُشْلى رِكاحاً وسائلا فأصبح وانشقَّ الضَّبابُ وهاجه
يريْن دماءَ الهاديات نـوافـلا عوابسَ كالنُّشَّاب تدمَى نحورُها
ومن أسمائها قولهم: على أهلها جنتْ براقش، ومن أسمائها قول الآخر: ضبَّار:
فذكرْتُ حينَ تبرقعتْ ضَبَّارا سفَرتْ فقلت لها هَجٍ فتبرقَعَتْ
وقال الكُميت الأسديّ:
ءُ من كلِّ حابيةٍ تَـهْـطُـلُ فبات وباتتْ عليه الـسَّـمـا
على النّصْل إذ طُبع المنْصُلُ مُكِبَّا كما اجتنح الهـالـكـيّ
ثم ذكر أسماء الكلاب فقال:
خَطافِ وَسرْحَةُ والأحْـدلُ وفي ضِبْن حِقفٍ يرى حِقْفَه
ء لا عانـياتٌ ولا عُـبَّـلُ وأربعةٌ كقِـداح الـسَّـرا
وقال الآخر:
بينَ البُيوتِ قرَانا نبْـح درواسِ بتنا وباتَ جليد اللَّيل يَضـربـنُـا
باتَتْ تغنِّيه وضْرَى ذاتُ إجراسِ إذا مَلاَ بطنَه ألبانهـا حَـلَـبـاً
ودرواس: اسم كلب، والوضرى: استه، وغناؤها: الضُّراط، وقال ضابئ بنُ الحارثُ في ذلك:
أوفى اللَّحاقُ وحانَ مصرعه فترمّلَـت بـدمٍ قَـدامِ وَقـدْ
وقال الآخر:
من التوفيق أسبابا ولو هيّا له الـلَّـه
وسمَّى الكلبَ وثَّابا لسمَّى نفسَه عَمراً
ومثل هذا كثير.
أحرص الكلاب
والكلبُ أشدُّ ما يكون حرصاً إذا كان خطمُهُ يمسّ عجْبَ ذنب الظَّبي والأرنب والثَّور وغير ذلك، مما هو من صيده، ولذلك قال الشاعر:
طالباً للصيّد في صحبي ربَّما أغدو مَعي كلبـي
فدفعنـاهُ إلـى أظْـبِ فسمَونا للقنيص مـعـاً
يَلْطمُ الرُّفْغينِ بالتُّـرب فاستدرَّتْه فـدرَّ لـهـا
في جميم الحاج والغَرْب فادَّراها وَهْـيَ لاهـيةٌ
قُدَّ مخلولان من عَصبِ ففرى جُمَّاعهـنَّ كـمـا
ثم قال:
جاف دَفَّيهِ عن القَلْـب غير يعفورٍ أُهـلّ بـه
ضَمَّك الكسرَينِ بالشعبِ ضمّ لَحْيَيهِ بمخْطِـمِـهِ
كَسَرتْ شَغْواءُ من لهْبِ وانتحى للباقياتِ كـمـا
ودنا فُوهُ من العَـجْـبِ فتعايا التَّيسُ حين كـبَـا
آرِماً منه على الصُّلْبِ ظلَّ بالوعساء ينفُـضـه
لم أقُلْ من لذّةِ حسبـي تلكَ لذَّاتي وكنتُ فـتًـى
الإهلال والاستهلال وأما قوله: غير يعفور أُهلَّ به، فالإهلال الذي ذكر هو شيءٌ يعتريه في ذلك الوقت، يخرج من جوفه صوتٌ شبيه بالعُواء الخفيف، وهو ما بين العواء والأنين، وذلك من حاق الحرص، وشدَّة الطلب، وخوف الفوات، ويقال: أهلّت السماءُ، إذا صبَّت، واستهلت: إذا ارتفع صوت وقعها، ومنه الإهلال بالحج، وقال ابن أحمر:
كما يُهلُّ الراكبُ المعتمِرْ يُهِلُّ بالفرقد رُكبـانُـهـا
ومنه استهلال الصبي، ولذلك قال الأعرابيُّ: أرأيت من لا شرب ولا أكل ولا صاح واستهل، أليس ذلك يُطَلّ ?
تخريق الكلب أذنيه
وإذا ضبَع الكلبُ، وهو أن يمدَّ ضبْعه كلَّه، ولا يكون كالحمار الضيِّق الإبطيْن - والكلبُ في افتراش ذراعيه وبسط رجليه حتَّى يصيب قصُّه الأرض، أكثر من الفرس- وعند ذلك ما يَنْشط أذنيه حتَّى يدميهما ولذلك قال الحسن بن هانئ، وقد طال ما نعتَ بهما:
لَفْتَ المشير مُوهناً بـنـارهِ فانصاع كالكوكب في انحداره
خَرّقَ أذنيه شبَـا أظـفـارهِ شَدَّا إذا أحْصفَ في إحضاره
وأوّل هذه الأرجوزة:
يَلتَمِس الكَسْب على صغارهِ لما غَدَا الثَّعلبُ من وِجـاره
معرفة أبي نواس بالكلاب وجودة شعره
وأنا كتبتُ لك رجزه في هذا الباب، لأنَّه كان عالماً راوية، وكان قد لعب بالكلاب زماناً، وعرف منها ما لا تعرفه الأعراب، وذلك موجود في شعره، وصفات الكلاب مستقصاة في أراجيزه، هذا مع جودة الطبع وجودة السبك، والحذق بالصنعة، وإن تأمَّلتَ شِعرَه فضَّلتَهُ، إلاَّ أن تعترض عليك فيه العصبيّة، أو ترى أنّ أهل البدو أبداً أشعرُ، وأنَّ المولَّدين لا يقاربونهم في شيء، فإن اعترض هذا الباب عليك فإنك لا تبصر الحقَّ من الباطل، مادمتَ مغلوباً

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:15 pm

طرديات أبي نواس
قال الحسن بن هانئ:
يلتَمس الكسبَ على صغـاره لما غدا الثعلبُ مـن وِجـارِه
مضمَّرٌ يَمُوجُ فـي صِـداره عارضَهُ في سَنَن امـتـياره
منضمَّة قُصْراهُ من إضماره في حَلق الصُّفْر وفي أسيارِه
من بعد ما كان إلى أصبْـاره قد نَحتَ التسهيمُ من أقطـاره
أيَّام لا يُحجبُ عـن أظـآره غَضّاً غَذَتهُ الجُورُ من عِشَاره
في مَنْزلٍ يُحجَبُ عن زُوَّاره وهو طَلاً لم يَدْنُ من إشغـاره
حتَّى إذا أحْمدَ في اخْتـبـاره يُساسُ فيه طَرفَـيْ نـهـارِه
كأنَّ خلفَ ملتقى أشـفـارِه وآضَ مثل القُلب من نُضـاره
كأنَّ لَحيَيه لـدى افـتـراره جَمْرَ غضًى يدمِنُ في استعاره
يضمُّ قُطريه من اضطبـاره شك مَساميرَ علـى طَـواره
عَشْرٌ إذا قَدّر في اقـتـداره وإن تمطَّى تمّ في أشـبـاره
إلا بأن يُطلَقَ مـن عِـذاره سمْعٌ إذا استَرْوَحَ لم تُـمـارِه
لَفْتَ المُشيرِ مُوهِناً بـنـاره فانصاعَ كالكوكب في انحداره
خرَّق أذنيه شبـا أظـفـاره شدَّاً إذا أحْصَفَ في إحضاره
عافَرهُ أخْرَقُ في عِـفـاره حتى إذا ما انساب في غبـاره
وشقَّ عنه جانبَـيْ صِـدارِه فتَلتَلَ المفْصِلَ مـن فَـقـارِه
ما خِيرَ للثَّعلب في ابتكـاره
طردية ثانية لأبي النواس وقال في كلب سُليمان بن داود الهاشميّ - وكان الكلبُ يسمى زُنبوراً:
قد قُلِّدَ الحـلـقَةَ والـسُّـيورا إذا الشياطـينُ رأتْ زُنـبـورا
أدفى ترى في شِدقِه تـأخـيرا دَعَتْ لِخِزَّان الـفـلا ثُـبُـورا
خناجراً قد نبتـتْ سُـطـورا ترى إذا عارضْتَـه مـفـرورا
أُحْسِنَ في تأديبـه صـغـيرا مُشتبكات تنظِـمُ الـسُّـحـورا
من سِنِّهِ وبَلـغَ الـشُّـغـورا حتَّى توفَّى السَّبْعةَ الشـهـورا
والكفَّ أنْ تومئ أو تـشـيرا وعَرف الإيحاءَ والـصَّـفـيرا
شَدًّا تَرَى من همزهِ الأُظفُورا يعطيك أقصى حُضْره المذخورا
فما يزالُ والـغـاً تـامـورا مُنتشِطـاً مـن أُذنـه سُـيورَا
أو أرنب كوَّرَهـا تـكـويرا مِن ثعلب غـادَرَه مـجـزورا
غادَرها دون الطَّلا عَـقـيرا أو ظبيةٍ تقـرو رَشـاً غـريرا
رَبِّي، ولا زالَ به مـسـرورا فأمتـعَ الـلَّـهُ بـه الأمـيرا
وقد قال كما ترى:
مُنتشِطاً من أُذنـه سـيُورا شدًّا ترى من هَمْزه الأظفورا
بإثر قوله:
من سِنِّهِ وبلغ الشغـورا حتَّى توفَّى السبعة الشهورا
فإنَّ الكلب إذا شغر برجله وبالَ، فذلك دليلُ على تمام بلوغه للإلقاح، وهو من الحيوان الذي يحتلم.
أمارات البلوغ في الجواري والغلمان
وأما احتلام الغلام فيعرف بأمور: منها انفراقُ طرف الأرنبة، ومنها تغيُّر ريح إبطيه، ومنها الأنياب، ومنها غلظ الصوت، ومن الغلمان من لا يحتلم، وفي الجواري جوارٍ لا يحضْن، وذلك في النساء عيب، وليس مثله من الرجال عيباً، وقد رأيت رجالاً يوصفون بالقوة على النساء، وبعضهم لم يحتلم إلا مرة أو مرتين، وبعضهم لم يحتلم البتة، طردية ثالثة لأبي نواس قد قال الحسن بنُ هانئ مثل ذلك، في أرجوزة أخرى:
براثِنا سُحْمَ الأثافي مُلْطـا يَمْري إذا كان الجراءُ عبْطا
يَنْشِط أُذنيه بهنّ نَشْـطـا
وهذه الأجوزة أوَّلها:
مقـلَّـداً قـلائداً وَمـقْـطـا عَدّدْت كلباً للطَّـرادِ سَـلْـطـا
ترى له شِدقين خُطَّّـا خَـطَّـا فهو الجميل والحسيب رهْـطـا
براثناً سُحْمَ الأثافـي مُـلْـطـا يمري إذا كان الجِرَاء عَبْـطـا
تخالُ ما دَمينَ منهـا شـرطـا ينشِط أُذْنَـيه بـهـنَّ نـشـطـاً
كأنَّما يُعجلِـنَ شـيئاً لـقْـطـا ما إنْ يقعنَ الأرض إلا فَرْطـا
فاجتاح خِزَّان الصحارى الرُّقْطا أعجَلَ من قول قَـطـاة قـطَّـا
للعظْم حطمـاً والأدِيم عَـطَّـا يَلْقَين مِنه حَكمـاً مـشْـتـطـاً
شعر في نعت سرعة القوم
والشعراء إذا أرادوا سرعة القوائم قالوا كما قال:
ومَسُّهن إذا أقبلن تَحـلـيلُ يخفي التُّرابَ بأظْلاف ثمانية
وقال الآخر:
أن لا تَمَسَّ الأرضَ أربَعُهُ وكأنَّما جَـهَـدَتْ ألـيَّتُـهُ
فأفرط المولَّدون فى صفة السرعة وليس ذلك بأجود فقال شاعرٌ منهم يصف كلبة بسرعة العَدْو:
كأنَّما تَرفَعُ ما لم يُوضَعِ
وقال الحسن بن هانئ:
ما إنْ يقعن الأرض إلا فرْطا
وقال الحسن بن هانئ في نعت كلب:
قد سَعِدتْ جدودُهم بِجَـدِّه أنعتَُ كلباً أهلُه فـي كَـدِّه
يظلُّ مولاه له كَـعـبـده فكلُّ خيرٍ عندهم من عنـده
وإن عري جلَّله بُـبـرْدِه يبيتُ أدنى صاحب من مهْده
تَلَذّ منه العينُ حُسـنَ قـدِّه ذو غُرَّةٍ محجّـلٌ بـزَنْـدهِ
تلقَى الظِّباء عنتاً من طَرْده يا حُسنَ شِدقيه وطول َ خدِّه
يا لكَ مِنْ كلب نسيح وحْدهِ يشربُ كأساً شدُّها في شدّه
طردية خامسة لأبي النواس وقال في صفاتها، وأسمائها وسماتها، وأنسابها، وألقابها، وتفدية أربابها لها كما ذكرنا قبل ذلك:
لم تُعْرِب الأفواهُ عن لُغاتها قد أغتدِي والطَّيرُ في مَثْواتِها
تَعُدُّ عِينَ الوَحْشِ من أقواتِها بأكلب تمرَحُ في قِـدّاتِـهـا
من شدَّة التسهيم واقتياتـهـا قد نحَتَ التقريح وارِياتـهـا
وقلت ُ قد أحكمتَها فهاتِهـا وأشفَقَ القانصُ من حُفاتِهـا
وارفعْ لنا نسبةَ أمَّهـاتِـهـا وأدْن للصَّيد مُعلَّـمـاتِـهـا
شُمَّ العراقيبِ مؤنَّفـاتـهـا فجاء يُزجيها على شِياتـهـا
مُشرِفَةَ الأكنافِ مُوفِياتِـهـا غُرَّ الوجوه ومحجَّـلاتِـهـا
سوداً وصُفْراً وخَلَنْجِيَّاتـهـا قُود الخراطيم مُخْرطَماتِهـا
حُمْراً وبيِضاً ومطوَّقاتـهـا مُسَميَّاتِ ومُـلَـقَّـبـاتِـهـا
كأنّ أقماراً على لَبَّـاتِـهـا مختبَرَات من سَلُوقـيَّاتِـهـا
مُفدَّياتِ ومُـحـمَّـياتِـهـا تَرَى على أفخاذها سِماتِـهـا
شُمَّ العَراقيب مؤلفـاتـهـا مفروشة الأيدي شَرَنْبَثاتِـهـا
زُلَّ المآخير عَمَلَّسـاتـهـا حيدَ الأظافيرِ مُكَعْبـراتِـهـا
تسمعُ في الآثار من وحَاتِها
لتَفْثأ الأرنبَ عَنْ حياتـهـا منْ نَهمِ الحرص ومن خَواتِها
حتَّى ترى القِدرَ على مَثْفاتِها إنَّ حياةَ الكلبِ في وفاتـهـا
تقذِفُ جالاها بجَوْزَي شاتها كثيرة الضِّيفانِ من عُفاتِـهـا
فقد قال كما ترى:
من نهَم الحِرص ومن خَواتِها تسمَعُ في الآثار مِنْ وحاتهـا
وهذا هو معناها الأول، وأما قوله:
تعُدُّ عين الوَحْش من أقواتها
فعلى قول أبي النَّجم:
تعُدَّ عانات اللِّوى من مالها
وزعموا أنَّ قوله:
كطلعة الأشمط من جلبابه
هو قول الأول:
كطلعةِ الأشمطِ من كسائه
وهو كما قال الآخر:
كطَلْعةِ الأشمَطِ من بُرْد سَمَلْ
طردية سادسة لأبي النواس وقال الحسن بن هانئ:
كطَلْعَةِ الأشمَطِ من جلبـابـه لمَّا تبدَّى الصُّبحُ من حِجـابِـه
هِجْنا بكلبٍ طالما هِجْنـا بـه وانعدلَ اللَّـيلُ إلـى مـآبِـه
يَعزُّه طوراً على استصعابـه خَرَّطَهُ القانِصُ واغتـدى بـه
فانصاع للصَّوت الذي يعنى به وتارةً ينصَبُّ لانـصـبـابـه
كلمَعَان البرقِ من سحـابـه
فَصَّا عَقيقٍِ قد تقـابَـلا بـه كأنَّ عينيه لدى ارتيابه
باَبَا به يا بعد مـا بَـابَـا بِـه حتَّى إذا عفَّـرَه هـاهـا بـه
مِنْ مرَحٍ يغلُو إذا اغلَوْلَى به ينْتسف المِقْوَد مـن جِـذابـه
كأنَّ متْنَيهِِ لـدى انـسـلابِـه ومَيْعةٍ ِ تُعرَفِ من شَـبـابِـه
كأنَّما الأُظفور في قِـنـابـه مَتنا شُجاع لَجَّ في انـسـيابِـه
يثرُدُ وجه الأرض في ذهابه مُوسى صناعٍ رُدَّ في نِصابِـه
يَعفُو على ما جرَّ من ثـيابـه كأنّ نسراً ما توكَّـلـنـا بِـه
تَرَى سَوَام الْوَحْشِ يُحْتَوَى بِه إلاَّ الذي أثَّـرَ مـن هُـدَّابِـه
يَرُحنَ أسْرى ظُفرهِ ونـابـه
صفة أبي نواس لثعلب أفلت منه مراراً
وقال في ثعلب كان قد أفْلتَ منهُ مراراً:
وطالما وطالـمـا وطـالا قد طالَما أفلـتَّ يا ثـعـالا
ما طَلْتَ منْ لا يسأمُ المِطالا جُلت بكلبي يومَكَ الأجـوالا
أتاك حَـيْنُ يقـدمُ الآجـالا حتَّى إذا اليومُ حدا الآصـالا
طردية سابعة لأبي نواس وقال أبو نواس أيضاً:
بَعيد بين السَّمْكِ والمطـنَّـبِ ياربَّ بيتٍ بفضاءٍ سَبْـسَـبِ
قد أدَّبوها أحسـنَ الـتـأدبِ لِفتِْيةٍ قد بَكَّـرُوا بـأكـلُـبِ
يشبُّ في القَوْد شِبابَ المُقْرَبِِ مِنْ كل أدفى مَيَسانِ المنْكِـبِ
فما تَنِي وشيقَةٌ مـنْ أرنَـبِ ينشِطُ أذْنيه بجدِّ المِـخْـلَـبِ
مقلوبة الفرْوة أوْ لمْ تُقْلَـبِ وجلدَة مسلوبةٌ من ثـعـلـب
ومِرجلٌ يهدِر هَدْر المُصْعَبِ وعيْرُ عاناتٍ وأُمُّ الـتَّـوْلَـبِ
يَقذف جالاهُ بِجَوز القَرهَب
صفة ما يستدلُّ به على فراهية الكلابِ
وشياتها وسياستها
قال بعض من خبر ذلك: إنَّ طول ما بين يدي الكلب ورجليه - بعد أن يكون قصير الظهر - من علامة السُّرعة، قال: ويصفونه بأن يكون صغير الرأس، طويل العُنقُ غليظها، وأن يشبه بعضُ خلقه بعضاً، وأن يكون أغضف الأذنين مُفرط الغضف، ويكون بعيد ما بينهما، ويكون أزرق العينين، طويل المقلتين، ناتئ الحدقة، طويل الخطم، واسع الشِّدقين، ناتئ الجبهة عريضها، وأن يكون الشَّعر الذي تحت حنكه كأنَّه طاقة ويكون غليظاً، وكذلك شعرُ خدَّيه، ويكون قصير اليدين، طويل الرجلين، لأنه إذا كان كذلك كان أسرع في الصعود بمنزلة الأرنب، قالوا: ولا يكاد يلحق الأرنب في الصَّعود، إلا َّ كلُّ كلبٍ قصيرِ اليدين، طويل الرِّجلين، وينبغي أن يكون طويل الصدر غليظاً، ويكونَ ما يلي الأرض من صدره عريضاً، وأن يكون غليظ العضُدين، مستقيم اليدين، مضموم الأصابع بعضها إلى بعض، إذا مشى أو عدا، وهو أجدرُ ألاَّ يصير بينها من الطِّين وغير ذلك ما يفسُدها، ويكون ذكيَّ الفؤاد نشيطاً، ويكون عريض الظَّهر، عريض ما بين مفاصل عظامه، عريض ما بين عظمي أصلِ الفخذين اللذين يصيبان أصل الذنب، وطويل الفخذين غليظهما شديد لحمهما، ويكون رزين المحزم، رقيق الوسط طويل الجلدة التي بين أصل الفخذين والصدر، ومستقيم الرجلين، ويكون في ركبته انحناء ويصير قصير الساقين دقيقهما، كأنَّهما خشبة من صلابتهما، وليس يكره أن تكون الإناث طوال الأذناب، ويكره ذلك للذكور، ولينُ شعرهما يدلُّ على القوة، وقد يرغب ذلك في جميع الجوارح من الطير وذوات الأربع، من لين الرِّيش لذوات الريش ، ولينُ الشَّعر لذوات الشعر من عِتاق الخيل علامةٌ صالحة ، قال: وينبغي أن يكون الكلبُ شديد المنازعة للمقود والسِّلسلة، وأن يكون العظم الذي يلي الجنَبين من عظام الجنبين صغيراً في قدر ثلاث أصابع، وزعم أنَّهم يقولون: إنّ السُّود منها أقلّها صبراً على البرد والحر، وإنّ البيض أفرهُ إذا كنَّ سُودَ العيون، قال: ومن علامة الفَرَه التي ليس بعدها شيء، أن يكون على ساقيه أو على إحداهما أو على رأس الذنب مخلب، وينبغي أن يُقطع من السَّاقين، لئلا يمنعه من العدو،

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:22 pm

خير غذاء للكلب
وذكرَ أنَّ خير الأشياء التي تُطعمُها للكلب الخبزُ الذي قد يَبسِ، ويكُونعداوة بعض الحيوان لبعض وزعم صاحب المنطق أَنَّ العُقابَ تأكلُ الحيّاتِ، وأَنَّ بينَهما عداوةً؛ لأنَّ الحيَّةَ أيضاً تَطلبُ بيضَها وفراخها، قال: والغُداف يقاتل البُومة، لأنَّ الغُدافَ يَخْطِف بيضَ البومة نهاراً، وتشدُّ البومةُ على بيض الغُداف ليلاً فتأكله؛ لأنَّ البومةَ ذليلةٌ بالنهار رديَّة النظر، وإذا كانَ اللّيلُ لم يَقْوَ عليها شيءٌ من الطير، والطير كلُّها تعرِف البومةَ بذلك وصنيعَها بالليل، فهي تطير حولَ البومةِ وتضربُها وتَنْتِف ريشها، ومن أجْلِ ذلك صارَ الصيَّادون ينِصِبونها للطير، والغداف يقاتل ابنَ عِرْسٍ؛ لأنه يأكل بيضَه وفراخَه، قال: وبين الحِدأة والغُداف قتالٌ؛ لأنَّ الحِدأة تخطِفَ بيضَ الغداف؛ لأنَّها أشدُّ مخالبَ وأسرَعُ طيراناً، وبين الأُطْرُغُلَّة والشَّقْرَاق قتال؛ لأنَّه يقتل الأُطْرُغُلَّة ويُطالبها، وبين العنكبوت والعَظَاية عداوة، والعَظاية تأكل العنكبوت، وعصفور الشَّوك يعبَثُ بالحمار، وعبَثه ذلك قتَّال له؛ لأنَّ الحمارَ إذا مَرَّ بالشَّوك وكانت به دَبَرَة أو جَرَبٌ تحكَّك بِهِ، ولذلك متَى نهِق الحمار سقطَ بيضُ عصفور الشوك، وجعلتْ فراخُه تخرج من عشّها، ولهذه العِلّة يطيرُ العصفورُ وراءَ الْحِمار وينقُر رأسه، والذئب مخالفٌ للثَّور والحمارِ والثعلبِ جميعاً، لأنَّه يأكل اللحم النِّيءَ ولذلك يقع على البقر والحمير والثعالِبِِ، وبين الثعالِبِ والزُّرَّق خلافٌ لهذه العلّة؛ لأنَّهما جميعاً يأكلان اللحم، والغراب يُخالف الثَّورَ؛ ويُخالف الحمار جميعاً، ويطير حولَهما، وربّما نَقَرَ عيونهَما، وقال الشاعر:
عَدَاوَةَ الْحِمارِ للغُرابِ عَادَيْتَنَا لا زلت في تَبَابِ
ولا أعرف هذا من قول صاحب المنْطِق؛ لأنَّ الثعلبَ لا يجوزُ أن يُعَادِيَ مِنْ بينِ أحرار الطّير وجَوارِحها الزُّرَّقَ وحدَه، وغيرُ الزُّرَّق آكِلُ اللَّحم، وإن كان سببُ عداوته له اجتماعَهُما على أَكْلِ اللّحم، فليُبْغِض العقابَ من الطير، والذئْبَ من ذوات الأربَع؛ فإنّها آكل لِلّحم، والثَّعلَبُ إلى أنْ يحسُدَ ما هو كذلك أقربُ، وأولَى في القياس، فلو زعم أنّه يَعُمُّ أكَلَةَ اللّحم بالعداوة، حتّى يُعطى الزُّرَّق من ذلك نصيبَه،كان ذلك أجْوَزَ، ولعلَّ المترجِم قد أساء في الإخبار عنه، قال: والحيَّة تقاتل الخِنزيرَ، وتقاتِل ابنَ عِرْس، وإنّما تقاتلُ ابنَ عِرْسٍ إذْ كان مأواهما في بيتٍ واحد، وتقاتلُ الخنزير لأنّ الخنزير يأكلُ الحيَّات، ويزعمون أنّ الذي يأكلُ الحيَّاتِ القنافذُ، والأوعالُ، والخنازيرُ، والعِقْبان، قال: فالحيَّة تعرف هذا من الخنزير، فهي تُطَالبه.
قال: والغراب مصادقٌ للثَّعلب، والثَّعلبُ مصادقٌ للحيَّة، والأسد والنمر مختلفان، قال: وبين الفِيَلةِ اختلافٌ شديد، وكذلك ذكورها وإناثها، وهي تَستعمِل الأنيابَ إذا قاتَل بعضُها بعضاً، وتعتمد بهَا على الحيطان فتهدِمُها، وتزحُمُ النَّخلةَ بجنبها فَتَصْرَعُها،
تذليل الفيل والبعير
وإذا صعُب من ذكورتها شيء احتالوا له حتَّى يكُومَه ذكرٌ آخر، فإذا كامَهُ خضَع أبداً، وإذا اشتَدَّ خُلُقُه وصعُب عصَبوا رِجلَيه فسكن، ويقال إنَّ البعيرَ إذا صعُب وخافَه القوم، استعانوا عليه فأبرَكُوه وعَقلوه حتَّى يكومَه فحل آخر، فإذا فعلَ ذلك به ذَلَّ
الفيل والسنّور
وأمّا أصحابنا فحكَوا وجوهَ العداوةِ الّتي بين الفيل والسِّنّور - وهذا أعجب - وذهبوا إلى فزع الفيل من السِّنَّور، ولمْ يرَوه يفزع ممَّا هو أشدُّ وأضخم، وهذا البابُ على خلاف الأوّل، كأنَّ أكثرَ ذلك الباب بُنيَ على عداوة الأكْفاء.
الشاة والذئب
والشاةُ من الذئب أشدُّ فَرَقاً منها من الأسد، وإن كانت تعلم أنَّ الأسد يأكلها،
الحمام والشاهين
وكذلك الحمام يَعتريه من الشَّاهينِ ما لا يعتريه من العُقاب والبازي والصقر،
أعداء الفأرة
وكذلك الفأرة من السِّنّور، وقد يأكلها ابْنُ عِرْس، وأكثر ذلك أن يقتلها ولا يأكلها، وهي من السِّنّورِ أشدُّ فرَقاً،
الثعلب والدجاجة
والدَّجاجة تأكلها أصناف من السباع، والثعلبُ يطالبها مُطالبةً شديدة، ولو أنَّ دجاجاً على رفٍّ مرتفع، أو كُنَّ على أغصان شجرةٍ شاهقة، ثمّ مرَّ تحتَها كلُّ صِنفٍ ممَّا يأكلها، فإِنَّها تَكونُ مستمسكةً بها معتصمةً بالأغصان التي هي عليها، فإذا مرَّ تحتها ابنُ آوى وهُنَّ ألفٌ، لم تَبْقَ واحدةٌ منهنَّ إلاّ رمَتْْ بنفسها إليه،
ما يأباه بعض الحيوان من الطعام
والسبع لا يأكل الحارَّ، والسِّنَّور لا يذوقُ الحموضة، ويَجْزَع من الطَّعام الحارِّ، والله تعالى أعلم،
ما أشبه الكلب الأسود والأنسان
ثمَّ رجَع بنا القولُ إلى مفاخر الكلب، ونبدأ بكلِّ ما أشبه فيه الكلبُ الأُسُودَ والإنسان؛ وبشيء من صفات العظَال، قال صاحب المنطق في كتابه الذي يقال له الحيوان، في موضعٍ ذكَرَ فيه الأسد قال: إذا ضربَ الأسَدُ بمخالبه، رأيتَ موضع آثار مخالبهِ في أقدار شرط الحجَّام أو أزْيدَ قليلاً، إلاّ أنَّه من داخلٍ أوسعُ خرْزاً، كأنَّ الجِلدَ ينضمُّ على سم مخالبه، فيأكل ما هنالك، فأمّا عضَّته فإنَّ دواءَها دواءُ عضَّةِ الكلب، قال: وممَّا أشبه فيه الكلبُ الأسدَ انطباقُ أسنانه، وممّا أشبَهَ فيه الكلب الأسدَ النَّهَمُ، فإِنَّ الأسدَ يأكل أكلاً شديداً، ويَمْضَغُ مَضغَاً متدارِكاً، ويبتلع البَضْع الكبار، من حاقِّ الرغبة ومن الحرص، وكالذي يخاف الفوت، ولِمَا نازعَ السِّنَّورَ من شَبَهِهِ صار إذا ألقيت له قِطعة لحم فإمَّا أنْ يحملها أو يأكلها حيثُ لا تراه؛ وإمَّا أن يأكلها وهو يكثر التلفُّت، وإنْ لم يكنْ بحضْرته سِنَّور ينازعُه، والكلبُ يَعضُّ على العَظمِ ليُرضَّه، فإنْ مانَعَه شيءٌ وكان مما يُسيغه، ابتَلَعَه وهو واثق بأنّه يستَمريه ويُسيغه، والنَّهم يعرِض للحيَّات، والحيَّة لا تمضَغُ، وإنما تبتلعُ ذواتُ الرَّاسات، وهي غير ذوات الأنياب، فإِنّها تمضَغ المضْغة والمضغتين وإن ابتلعت شيئاً فيه عظم أتَتْ عُوداً شاخصاً فالتوت عليه، فحطَمت العظم، والحيَّة قويّة جداً، قال: والأسد وإن كان ممَّا لا يفارق الغِياض ولا يفارق الماء فإِنّه قليلُ الشرب للماء، وليس يُلقى رَجْعَه إلاّ مرةً في اليوم، وربّما كان في اليومين والثلاثة، ورجعُه يابس شديد اليُبس متعلِّق، شبيه برجيع الكلب، ويشبهه أيضاً من جهة أخرى وذلك أنّهما جميعاً إذا بَالاَ شَغَرا، والكلب من أسماء الأسد، لقرابةِ ما بينه وبينَ الكلب، والكلبُ يُشبه الخِنزير، فإنَّ الخِنزير يسمَن في أسبوع، وإن جاع أيّاماً ثم شبِع شَبعةً تبيَّن ذلك تبيُّناً ظاهراً، ألا تراهُ ينزع إلى محاسن الحيوان، ويُشبه أشراف السباع وكرائم البهائم ?
عظال الكلاب
ويقال: ليس في الأرض فحلٌ من جميع أجناسِ الحيوان لِذَكَرِه حجمٌ ظاهر إلاَّ الإنسان والكلب، وليس في الأرض شيئان يتشابكانِ من فَرْط إرادةِ كلِّ واحدٍ منهما لطباع صاحبه، حتى يلتحم عضوُ الذكر بعضو الأنثى حتَّى يصير التحامهما التحامَ الخِلقة والبِنْية، لاَ كالتِحامِ الملامَسَة والملازمة، إلاّ كما يُوجَد من التحام قضيبِ الكلب بثَفْر الكلبة.
وقد يلزَق القُراد، ويَغْمِس العَلس مقاديمه في جوف اللحم، حتَّى يُرَى صاحبُ القُراد كأنَّه صَاحِبُ ثُؤلُول، وما القُراد المضروبُ به المثلُ في الالتحام إلاّ دون التحامِ الكلبين، ولذلك إذا ضربوا المثل للمتباضِعين بالسُّيوف، والملْتَقِيَين للصِّراع، فالتفّ بعضُهم ببعض، قالوا: كأنهم الكِلاب المتعاظِلة، وليس هذا النَّوعُ من السِّفاد إلاّ للكلاب وزعم صاحبُ المنطق وغيرُه، أنَّ الذُّبابَ في ذلك كالكلب،
إسماعيل بن غزوان وجارية مويس بن عمران
وكان إسماعيل بن غَزْوان قد تعشّقَ جاريةً كانت لموَيْس بن عمران، وكانت إذا وقَعَتْ وقعةً إليه لم تمكثْ عندَهُ إلاّ بقدرِ ما يقَعُ عليها، فإذا فَرَغ لبِست خُفَّها وطارت، وكان إسماعيلُ يشتهي المعاوَدَةَ وأنْ يطيلَ الحديث، ويُريدُ القَرْص والشمَّ والتقبيلَ والتجريد، ويعلم أنّه في الكَوْم الثاني والثالث أجدر أن يُنْظَرَ، وأجدَرُ أن يَشْتَفيِ فكان ربَّما ضَجِرَ ويذكرُها بقلبه وهو في المجلس، فيقول: ياربِّ امسَخْني وإيّاها كلبَين ساعة من الليل أو النَّهار، حتَّى يشغَلَها الالتحامُ عن التفكيرِ في غضَب مولاتِها إن احتَبَسَت!

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:23 pm

من أعاجيب الكلاب
وفي الكلبة أعجوبة أخرى: وذلك أنّه يسفَدُها كلبٌ أبقعُ وكلب أسودُ وكلب أبيضُ وكلب أصفرُ، فتؤدِّي إلى كلِّ سافدٍ شِكْلَهُ وشِبْهه، في أكثر ما يكُونُ ذلك،
تأويل الظالع في شعر الحطيئة
وأما تأويل الظالع في قول الحطيئة:
كلابِ وأخْبى نارَهُ كلُّ موقِدِ تسدَّيتُها مِنْ بَعْدِ مَا نَام ظَالِعُ ال
قال الأصمعيّ: يظلَع الكلبُ لِبعضِ ما يعرض للكلاب، فلا يمنعه ذلك مِنْ أن يهيجَ في زمن هَيْج الكلاب، فإِذا رأى الكلبة المستحرِمة لم يطمَع في معاظلتها والكلابُ منتبهةٌ تنبَح، فَلاَ يَزَال يَنتَظِرُ وقتَ فَتْرةِ الكلاب ونومها، وذلك مِن آخر الليل، وقال أُحَيْحَة بن الجُلاَح:
نَّاسُ ونام الكلابُ صاحِبُها يا ليتَني ليلةً إذا هَجـع ال
طردية ثامنة لأبي نواس
وممَّا قِيل في الكلاب: من الرَّجز قول أبو نواس:
مِن الرقاشِيّينَ في أعْلى العُلا وفِتية من آلِ ذُهلٍ في الذرى
باتُوا يََسِيرون إلى صُوح الـلـوى بِيضٍ بهالِيلَ كرامِ الـمُـنْـتَـمَـى
إلاّ غِشَاشاً بعد ما طال الـسُّـرى ينفُون عن أعيُنهِمْ طِيبَ الـكَـرَى
حتى إذا ما كوكبُ الصُّـبـح بـدَا يعدين إبلاء الفتى على الـفـتـى
ثلاثَةٍ يقطعن حُـزَّان الـصُّـوَى مَاجُوا بغُضْفٍ كاليَعاسيب خَـسَـا
تَلوي بأذناب قـلـيلات الـلِّـحـا رحيبةِ الأشداقِ غضْفٍ فـي دَفَـا
من كلِّ مَضْبُور القَرَا عاري النَّسا سَمَعْمَعات الضُّمْر من طُول الطَّوى
شَرنبَثِ البُرثُنِ خَفّـاقِ الـحـشـا مُحَمْلجِ المَتْنينِ مَنْحُوضِ الـشَّـوى
مَسَنَّتَا صَفواء في حَـيْديْ صَـفـا تخالُ منه القصّ من غـير جَـنَـا
يُقادح المْروَ وشَـذّان الـحَـصَـا يلتهب الـغـائِطُ مِـنْـهُ إن عـدا
بمربَإ أوْفَى بـه عـلـى الـرُّبـا حتَّى إذا استسحَرَ في رَأْد الضُّحـى
نواشـزاً مـن أنَـسٍ إلـى خَـلاَ أرانباً من دونهـا سِـربَـا ظِِـبـا
لَعلَعنَ واستلْهثن من غيْر ظـمـا فوضَى يُدَعْثِرنَ أفاحيصَ القـطـا
كأَنَّما أعينُها جمـر الـغَـضـى مبالغـاتٍ فـي نَـهـيمٍ وصـأَى
في الأرض يَهوين َ ولا لوح الهوا ثمَّ تطَلّعنَ مـعـاً كـالـبـرقِ لا
كواكبٌ يُرمَى الشّياطِـينُ بـهـا كأَنّها في شَرطها لـمـا انـبـرى
حتى إذا ما كنَّ منـهـنَّ كـهـا يذْمَـرْنَ بـالإيسـادِ ذَمْــراً وَأَيَا
تجذبهـنَّ بـحـديداتِ الـشَّـبـا دارتْ عليهنّ من المـوت رَحـى
بين خليع الزَّورِ مرضُوضِ الصَّلا شوَامِذ يلعَطْن مَعْـبُـوط الـدِّمـا
كأنّـه مـبـتـهـلٌ إذا دَعـــا وبينَ مفْريِّ النِّـياطِ قـد شَـصَـا
يُقْفِينَ بالأكبادِِ منهـا والـكُـلَـى ومائلِ الفَوْدَينِ مجلـوز الـقَـفـا
وبالقلوبِ وكَرَادِيس الـطُّـلـى
طردية تاسعة لأبي النواس وقال أيضاً:
وانعدلَ اللـيلُ إلـى مـآبِـه لمَّا تَبَدَّى الصُّبْحُ من حِجَـابِـه
في مِقود يَردَعُ من جـذَابـه خرَّطه القانصُ واغتـدَى بـه
وتارةً ينصبُّ لانـصِـبـابـه يَعُزُّه طوراً على استصعـابـه
عن مرهَفات السِّنِّ من حِرابِه كأنَّمـا يفـتَـرُّ مـن أنـيابـه
حتَّى إذا أشرَفَ مِن حِـدَابِـه يَرْثُم أنفَ الأرضِ في ذَهابِـه
بروضةِ القاعِ إلى أعجـابِـه بعد انحدار الطَّرف وانقـلابِـه
يكادُ أن ينسَـلّ مـن إهـابـه أرسَلَه كالسَّهْمِ إذْ غـالَـى بِـه
حتَّى إذا ما كادَ أو حَـدَا بِـه كَلَمَعانِ البرقِ في سَـحـابِـه
كأنَّما أُدْمجَ فـي خِـضـابِِـه وانصاتَ للصَّوتِ الذي يُدْعَى به
مشَهَّر الـغُـدُوِّ فـي إيابـه مابين لحْـيَيه إلـى أَقْـرَابِـه
طردية عاشرة لأبي النواس وقال أيضاً:
ولا انقضاض الكواكب المنصاح ما الـبـرق عـارضٍ لـمـاح
ولا انسيابُ الحُوتِ بالمُـنْـدَاح ولا انبتات الدَّلـو بـالـمـتَّـاحِ
أَجدَّ في السُّرعةِ مـن سِـرياحِ حين دنَا مـن راحةِ الـسَّـبَّـاحِ
إذا سَمَا الخاتـلُ لـلأَشْـبـاحِ يَكادُ عِـنْـدَ ثَـمَـل الـمِـرَاح
يفترُّ عن مِثلِ شَبَـا الـرِّمـاحِ يَطيرُ في الجـوِّ بـلا جَـنَـاحِ
ونازِبٍ أعْـفَـرَ ذي طِـمـاحِ فكَـمْ وكَـمْ ذِي جُـدَّة لَــيَاحِ
غادَرَهُ مضـرَّج الـصِّـفـاحِ
باب آخر في الكلب وشأنه
تفسير شعر قيل في الكلاب
قال طُفيلٌ الغَنَويّ:
حَمَوْا جارَهُمْ مِن كلِّ شنْعاءَ مُظْلِع أناس إذا ما أنكر الكلـبُ أهْـلَـهُ
يقول: إذا تكفَّروا في السِّلاح لمْ تَعْرِفْهُم كلابُهُم، ولم يَدَّعِ جميعُ أصحابِ المعارفِ إلاَّ أنَّ الكلبَ أشدُّ ثِباتاً، وأصدقُ حِسَّاً، وفي ذلك يقول الآخر:
إذا ثوَّبَ الدَّاعِي وأنكَرَنِي كَلْبي فلا تَرفَعي صوتاً وكُوني قَصِيَّةً
يقول: إيّاكِ والصُّراخَ إذا عايَنْتِ الجيش، وقوله: أنكرني كلبي، يخبر أنَّ سلاحَهُ تامٌّ من الدِّرع والمِغْفَر والبَيضَة، فإذا تكفّر بسلاحه أنكره كلبُه فنبحَه، وأما قوله:
وصاحَ الكلابُ وعُقَّ الْوَلـدْ إذا خَرِس الفَحل وسطَ الحُجورِ
فأمَّا قوله: إذا خرِسَ الفحل، فإنَّ الفحلَ إذا عايَن الجيشَ وبوارِقَ السيوف، لم يلتفت لِفْتَ الحُجورِ، وأمَّا قوله: وصاح الكلاب، فإنَّ الكلابَ في تلك الحالة تنبَح أربابَها كما تنبح سَرَعَانَ الخَيل إليهم؛ لأنّها لا تعرفهم من عدُوِّهم، وأما قوله: وعُقَّ الولد، فإنَّ المرأةَ إذا صبَّحتهم الخيل، ونادى الرجال يا صباحاه ذُهِلت عن ولدها، وشغَلها الرُّعبُ عن كلِّ شيء، فجَعَلَ تركها احتمالَ ولدها والعطفَ عليه في تلك الحالة، عقوقاً منها، وهو قولُهم: نزلتْ بهم أمور لا يُنادَى وليدُها، وإنَّما استعاروا هذه الكلمة فصيّروها في هذا الموضعِ من هذا المكان، وقد ذكر ذلك مزرِّد بن ضِرَارٍ وغيرُه، فقال:
إلى اللّه مِنى لا يُنادَى وَلِيدُها تَبَرَّأتُ مِن شَتمِ الرجالِ بتوبةٍ
وقال الآخر:
وِشِقْوَةِ عَيشٍ لا يُنادَى وَلـيدُهـا ظَهَرتُم على الأحرار من بَعْدِ ذلَّةٍ
والذي يُخْرِسه إفراطُ البرد، وإلحاحُ المطر، كما قال الهذليُّ:
يَخْتَصُّ بالنّقَرَى المُثرِينَ دَاعيها وليلةٍ يَصْطَلي بالفَرْثِ جَازِرُها
من الصَّقيعِ، ولا تَسْرِي أفاعيها لا يَنبَحُ الكلبُ فيها غيرَ واحـدةٍ
وقال ابن هَرْمة:
ف وهْـنـاً إذا تـحـيّوْا لـديَّا واسألِ الجارَ والمعصِّب والأضيا
بُ وراءَ الكُسورِ نَبحاً خَـفـيَّا كيف يَلقَونَني إذا نَبـحَ الـكـل
وقال آخر:
وأخرسهُ اللَّه مِن غير صِرّ إذا عميَ الكلبُ فـي ديمة
يقول: الكلبُ وإن أخرَسَه البردُ الذى يكون مع المطر والرِّيح التي تمرُّ بالصَّحارى المطيرة فتَبرُدُ، فإنَّ الكلب وإن ناله ذلك فإنّ ذلك من خِصبٍ، وليس ذلك من صِرّ،

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:24 pm

نبح الكلاب السحاب
والكلب إذا أَلحّت عليه السحائب بالأمطار في أيام الشتاء لقَي جِنَّة فمتى أبصَرَ غيماً نبحه، لأنَّه قد عرَف ما يُلَقَّى من مِثله، وقي المثل: لا يَضُرُّ السَّحَاب نُبَاحُ الكلاب فقال الشاعر:
وقد نَبحتْ نحوَ السماء كلابها وما ليَ لا أغْزوُ وللدَّهر كَرَّة
يقول: قد كنت أدَعُ الغَزو مخافَة العطش على الخيل والأنفس، فما عُذرِي اليوم والغُدران كثيرة، ومَناقع المياه موفورة، والكلابُ لاتنبَح السحاب إلاَّ من إلحاح المطر وترادُفه، وقال الأفوه الأودِيّ، في نبح الكلاب السحاب، وذلك من وصف الغيم:
وبرق تراهُ ساطعاً يتـبـلّـجُ له هَيْدَبٌ دانٍ ورعْـد وَلـجّةٌ
وأضْحَتْ بناتُ الماء فيها تعمَّجُ فباتَت كلاب الحيِّ ينبَحْن مُزْنَهُ
قول أبي حيَّة النميري في الكلب
وقال أبو خالد النميريّ: وذكروا فرعون ذا الأوتاد عند أبي حيَّة النميريّ، فقال أبو حيَّة: الكلبُ خير منه وأحزم قال: فقيل له كيف خَصَصْتَ الكلبَ بذلك? قال: لأنَّ الشاعر يقول:
وقد نبحت نحوَ السماءِ كلابُها وما ليَ لا أغْزُو وللدَّهر كرَّة
وقال الفرزدق:
وقبلك قد فاتوا يَدَ المـتـنـاوِل فإنَّك إن تهجو حـنـيفةَ سـادراً
فرُدَّ عليه السهم أفوقَ ناصلِـي كفِرعَوْنَ إذ يرمي السَّماءَ بسهمِهِ
فهذا يرمى السماءَ بجهله، وهذا ينَبح السحابَ من جَودَة فطِنته.
تعصّب فهد الأحزم للكلب
وزعم فهدٌ الأحزم أنَّ الكلبَ إنَّما عَرَف مخَرج ذلك الشيء المؤذي له حتَّى نبحه بالقياس، لأنَّه إنما نَبحه بعد أن توالى عليه الأذى من تلك الجهة، وكان فهد يتعصَّب للكلب، فقلت له: وكذلك الحمار إذا رفعت عليه السَّوط مرَّ من تحتك مَرًّا حثيثاً، فالقياس عَلَّمَهُ أنَّ السَّوط متى رُفِع حُطَّ، ومتى حُطّ أصابَه، ومتى أصابه ألم، فما فضْلُ الكلبُ في هذا الموضع على الحمار، والحمارُ هو الموصوف بالجهل?
مما قيل في نباح الكلاب
قال الفرزدق:
مَهَامِهُ تعْشِي نَظْرةَ المتَأمِّـلِ وقد نَبَحَ الكلبُ السحابَ ودُونَها
وقال الآخر:
قد كنتَ نَبَّاحاً فما بالُ اليَوْمْ ما لَكَ لا تَنبحُ يا كَلْبَ الدَّوْمْ
قال: كان هذا رجلٌ ينتظر عِيراً له تَقدَمْ، فكان إذا جاءت العِيرُ نبح، فاحتبست عليه العيرُ، فقال كالمتمنِّي وكالمنتظر المستبطئ: ما لك لا تنبح? أي ما للِعيرِلا تأتي،
?فراسة إياس بن معاوية في الكلاب
وقال: خرج إياس بن معاوية، فسمع نُباح كلب فقال: هذا كلبٌ مشدود،ثم سمع نباحَه فقال: قد أُرسِل، فَانتهوْا إلى الماء فسألوهم فكان كما قال، فقال له غيلان أبو مروان: كيفَ علمتَ أنَّه موثَق وأنَّه أُطلق? قال: كان نباحُه وهو موثق يُسمَع من مكانٍ واحد، فلما أُطلق سمعتهُ يقرُب مرّةً ويبعد مرةً، ويتصرَّفُ في ذلك، وقالوا: مرَّ إياس بنُ معاوية ذاتَ ليلةٍ بماء، فقال: أسَمعُ صوتَ كلبٍ غريب، قيل له: كيفَ عرفتَ ذلك? قال: بُخضوع صوتِه وشِدَّة نُباح الآخر، فسألوا فإذا هو غريب مربوطٌ والكلابُ تنبَحه، استطراد لغويّ وقال بعض العلماء: كلب أبقَع، وفرس أبلق، وكبش أملح، وتيسٌ أبرق، وثور أشْيَه، ويقال كلب وكلاب وكَليب، ومَعزْ وماعِز ومَعيز، وقال لبيد:
على جَسَدَاءَ تَنْبَحنَا الكليبُ فبِتْنَا حيثُ أمسَيْنَا قَـرِيبـاً
وقال عَلْقَمَة بن عَبَدة:
مُوَلَّعَةٌ تخشى القَنيص شَبُوبُ وتُصْبِحُ عن غِبِّ السُّرَى وكأنَّها
رجالٌ فبَذَّتْ نَبْلَهمْ وكَـلِـيب تَعَفّقَ بالأَرْطى لَهـا وأرادَهـا
وقال عُبادة بن مُحبَّرٍ السعدي:
إذا ما أشنج الصِّرُّ الكَلِيبَا فَمنْ للخَيلِ بَعْدَ أبي سرَاجٍ
وهؤلاء كلهم جاهليّون، رأى لحمّوية الخريبى في بقع الكلاب وسوادها وقال حمُّويَه الخُرَيْبي وأنشدُوه:
تَخُوض غِماره بُقْع الكِلاَبِ كَأنَّكَ بالمُبَارَكِ بَعْـدَ حـينٍ
وأنشدوه:
أمْسَى شريدُهُمُ في الأَرضِ فُلاَّلا أرسلت أُسْداً على سُودِ الكلاب فقدْ
فقال: لا خير في بُقْع الكلابِ البتة، وسُود الكلاب أكثرها عَقُوراً،
خير الكلاب والسنانير
وخيرُ الكلاب ما كان لونُه يذهب إلى ألوان الأسد من الصُّفْرةِ والحُمرةَ، والتبقيع هُجْنة، وخيْرُ السنانير الخلَنْجِيَّة، وخير كلاب الصَّيد البِيض، قَالوا: إنّ الأسَدَّ للِهراشِ الحُمر والصُّفر، والسُّودُ للِذِّئاب، وهي شرُّها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لولاَ أنّ الكلابَ أُمَّة من الأممِ لأمَرْتُ بقتلها، ولكن اقتلوا منها كلَّ أسوَدَ بهيم"، وكلُّ شيءٍ من الحيوان إذا اسودَّ شعرُه أو جلدُهُ، أو صوفه، كان أقوَى لبَدنه ولم تكن معرفته بالمحمودة، خير الحمام وزعم أنّ الحمام الهُدَّاءَ إنما هو في الخُضرِ والنمر، فإذا اسودَّ الحمام حتَّى يدخل في الاحتراقِ صارَ مثلَ الزِّنجيِّ الشديد البطش، القليل المعرفة، والأسوَدُ لا يجيء من البعد، لسود هدايته، والأبيض وما ضرَب فيه البياض لا يجيء من الغاية، لضَعْف قواه، وعلى قدر ما يعتريه من البَياض يعتريه من الضّعف، فالكلب هو الأصفَر والأحمر، والحمام هو الأخضر والأنْمر، والسِّنَّور هو الخَلَنْجيُّ العسَّال، وسائر الألوان عيب، وقد يكون فيها ومنها الخارجيُّ كما يكون من الخيل، ولكنَّه لا يكادُ ينجب، ولا تعدُو الأمورُ المحمودة منه رأسَه، وقد يكون ربَّما أشْبَهَ وقرب من النَّجابة، فإذا كان كذلك كان كهذه الأمهات والآباء المُنجبة، إلاَّ أنّ ذلكَ لا يتمُّ منها إلا بَعْدَ بطون عِدَّةٍ.
استطراد لغوي وقال أبو زيد: قال ردَّاد: أقول للرجُلِ الَّذِي إذا ركب الإبلَ فَعَقَرَ ظهُورَها من إتعابه، هذا رجل مِعْقَرٌ، وكذلِك السَّرْج والقَتَب، ولا يقال للكلب إلاَّ عقُور، ويقال هو ضرْو للكلب الضاري على الصيد، وضروة للكلبة، وهذا ضرَاءٌ كثيرة، وكلب ضارٍ، وكلاب ضَوَارٍ، وقد ضرِيتْ أشدَّ الضراوة، وقال ذو الرُّمَّة:
إلاَّ الضِّراءَ وإلا صَيْدَها نَشَب مقزَّع أطلس الأطمارِ ليس له
وقال طفيل الغنوي:
ضِرَاءٌ أَحسَّتْ نَبأَةً من مكلِّبِ تُباري مَرَاخيها الزِّجاجَ كأَنَّها
ومنه قيل: إناء ضار وقد قال عمر رضي اللَّه تعالى عنه: إيَّاكمُ وهذِهِ المجازِرَ فإنَّ لها ضرَاوَة كضرَاوَةِ الخمر، وقال الأصمعيّ: كلب أبقَعُ وكلبةٌ بقعاء، وفرس أبلقُ وفرس بَلقاء، وتَيس أبْرَقُ وعَنْزٌ بَرْقاء، وكذلك جَبَل أبرقُ وكساءٌُ أبرق وكلب أبرق.
الغلام الشاعر وقال ابن داحة: نزل عندنا أعرابيٌّ ومعه ابنان له صغيران، وكان أحدهما مُستهتَراً باللَّعب بالكلاب، وكان الآخر مُستَهْتَراً بالحُملان، فقال الأعرابيُّ لصاحب الكلب:
وأرَى أخاكَ جَنِيبةَ الحُمْـلان ما لي أراكَ مع الكلاب جَنِيبةً
قال: فردَّ عليه الغلام:
كَانَ الوقيرُ فَريسةَ الـذُّؤبـانِ لولا الكلابُ وهَرْشُها مَنْ دُونَها
والوقير: اسم للغنم الكثيرةِ السائمةِ مع ما فيها مِنَ الحمير وغير ذلك، وقال الشماخُ بنُ ضرَارٍ:
شرَائعَ لم يكدِّرْها الوَقيرُ فأوْرَدَهُنَّ تَقْرِيبـاً وشَـدًّا
مما قيل من الشعر في نفع الكلاب
وقال الشاعر في تثبيت ما قال الغلام:
وتتَّقي صَوْلَةَ الْمُسْتأْسِدِ الضارِي تَعدُو الذّئابُ علىَ مَنْ لا كلابَ له
وقال الآخر:
وتتّقي حَوْزَةَ المستثِفر الحامي إنَّ الذئاب تَرى مَنْ لا كلاب له
عفّة عمر بن أبي ربيعة وابن أبي عتيق وقال محمَّد بن إبراهيم: قَدِمَتِ امرأة إلى مَكَّةَ، وكانتْ ذات جمالٍ وعَفافٍ وَبَراعةٍ وشَارة، فأَعجبَت ابن أبي ربيعة، فأرْسَل إليها فخافت شِعْرَه، فلما أرادت الطَّواف قالت لأخيها: اخْرجُ مِعي، فَخَرَجَ مَعَها، وعَرَضَ لها عُمر فلمَّا رأى أخاها أعْرَض عنها، فأنشدت قولَ جَرير:
وَتتَّقي حَوزَةَ المستأسِد الضَاري تعْدُو الذِّئاب على مَنْ لا كلاب له
هذا حديثُ أبي الحسن، وأمّا بنو مَخْزومِ فيزعُمونَ أنّ ابن أبي رَبيعة لم يَحُلَّ إزارهَ على حَرام قَطُّ، وإنما كان يذهب في نسيبه إلى أخلاقِ ابن أبي عَتيق، فإنَّ ابن أبي عتيقٍ كان مِن أهل الطَّهارة والعفاف، وكان مَن سمعَ كلامَه توهَّم أنَّه من أجرأ الناس على فاحشة، وما يُشبِه الذي يقولُ بنو مَخزومٍ مَا ذكروا عن قريش والمهاجرين؛ فإنّهم يقولون: إنّ عمر بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة إنَّما سُمِّي بعمر بن الخطاب وإنّه ولد ليلةَ ماتَ عمر، فلما كان بعد ذلك ذكروا فسادَ هذا وصلاحَ ذلكِ فقالوا: أيُّ باطِلٍ وُضع، وأيُّ حقٍّ رفع ومثلُ هذا الكلامِ لا يقالُ لمن يُوصف بالعفَّة الثابتة، وصية شريح لمعلم ولده ولبُغض المُزاح في لعب الصبيان بالكِلاب واستهتارِهم بها، كَتَبَ شريح إلى معلِّمِ ولَدٍ له كان يَدَع الكتَّابَ وَيَلعب بالكلاب:
طَلبَ الهِراشِ مع الغُوَاة الرُّجَّسِ تَرَكَ الصَّلاة لأكلبٍ يَلهو بـهـا
يَغْدُو بها كصحيفة المتـلـمِّـسِ وليأتينَّـك غـادياً بـصـحـيفةٍ
أو عِظّْهً موعِظةَ الأديب الأكيس فإذا خَلوتَ فعَـضَّـه بَـمـلاَمَةٍ
وإذا ضرَبت بها ثلاثاً فاحْـبِـس وإذا هممت بضـرْبـهِ فـبِـدِرَّةٍ
مَعَ مَا يُجَرِّعُني أعزُّ الأنـفُـس واعلمْ بأنّك ما فعـلـت فـإنَّـه
وهذا الشعر عندنا لأعشى بني سُليم في ابنٍ له، وقد رأيتُ ابنه هذا شيخاً كبيراً، وهو يقوُل الشعر؛ وله أحَاديثُ كثيرةٌُ ظريفة،

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:25 pm

من دلائل كرم الكلب
وقال صاحب الكلب: ومما يدلُّ على قَدْرِ الكلب كثرةُ ما يجري على ألسنةِ النَّاس من مَدْحِه بالخير والشرّ، وبالحمد وبالذمّ، حتَّى ذكر في القرآن مَرَّة بالحمد ومرّةً بالذمّ، وبمثل ذلك ذكر في الحديث، وكذلك في الأشعار والأمثال، حتى استعمل في الاشتقاقات، وجرى في طريق الفأل والطِّيَرة، وفي ذكر الرؤيا والأحلام، ومع الجِن والحِنِّ والسِّباع والبهائم، فإن كنتم قضيتُمْ عليهِ بالشر وبالنقص، وباللؤم وبالسقوطِ لأنَّ ذلك كلَّه قد قيلَ فيه، فالذي قِيلَ فيه من الخير أكثرُ، ومن الخصال المحمودة أشهر، ولَيْسَ شيءٌ أجمعَ لخصال النقص من الخُمول، لأنَّ تلك الخصالَ المخاِلفة لذلك، تُعطي من النَّباهةِ وتُقيم من الذكر على قَدْرِ المذْكورِ من ذلك، وكما لا تكون الخِصال التي تُورث الخمول مورثة للنباهة، فكَذلك خِصَال النّباهة في مجانبة الخُمول، لأنَّ الملومَ أفضلُ من الخامل، الترجمان بن هريم والحارث بن شريح وسمع الترجمانَ بن هُرَيْم عند يزيد بن عمر بن هبيرة، رجلاً يقول: ما جاء الحارث ابن شريح بيوم خَيْر قَطّ، قال التَّرجمان: إلا يكنْ جاء بيوم خَير فقد جاء بيوم شَرّ، سياسة الحزم وبعدُ فأيُّ رئيسٍ كان خيرُهُ محضاً عدِمَ الهْيَبةَ، ومَن لم يَعْمَل بإقامة جزاءِ السيئة والحسنة، وقتل في موضع القتل، وأحْيَا في موضع الإحياء، وعَفَا في موضع العفو، وعاقبَ في موضع العقوبة، ومَنَع ساعةَ المنع، وأعطى ساعة الإعطاء، خالَفَ الرَّبَّ في تدبيره، وظنَّ أن رحمته فوق رحمةِ ربه، وقد قالوا: بعضُ القتل إحياءٌ للجميع، وبعضُ العفو إغراء، كما أنَّ بعضَ المنع إعطاء، ولا خَيْر فيمن كان خيرُهُ محْضاً، وشَرٌّ منه مَن كان شرُّه صرفاً، ولكن اخلِط الوعدَ بالوعيد، والبِشرَ بالعبوس، والإعطاء بالمنع، والحِلمَ بالإيقاع، فإنَّ الناسَ لا يَهابون ولا يصلُحون إلاَّ على الثّواب والعقاب، والإطماعِ والإخافة، ومن أخافَ ولم يُوقِعْ وعُرِفَ بذلك، كانَ كَمَنْ أطمَعَ ولم يُنْجزِ وعُرِف بذلك، ومَنْ عُرِف بذلك دخلَ عليه بحسَب ما عُرف منه، فخير الخيرِ ما كان ممزُوجاً، وشرُّ الشرِّ مَا كانَ صرفاً، ولو كانَ النّاس يصلُحون على الخيرِ وحدَه لكَان اللَّه عزَّ وجلَّ أولى بذلك الحكم، وفي إطباق جميع الملوك وجميع الأئمةِ في جميع الأقطار وفي جميع الأعصار على استعمال المكروه والمحبوب، دليل على أنَّ الصواب فيه دونَ غيره، وإذا كان الناس إنما يصلحون على الشِّدَّةِ واللين، وعلى العفو والانتقام وعلى البذْل والمنع، وعلى الخير والشرِّ، عاد بذلك الشرُّ خيراً وذلك المنع إعطاء وذلك المكروه محبوباً، وإنَّما الشأنُ في العَوَاقب، وفيما يدوم ولا ينقطع وفيما هو أدْوَم، ومن الانقطاع أبعَدُ، وقال الشاعر، وَهويمدحَ قَوماً:
فَالجهْدُ يُخرج منهم طِيبَ أخبـارِ إن يُسألوا الخيرَ يُعطُوه وإن جُهِدُوا
كَشَفْتَ أذَمارَ حَرْبٍ غيرَ أغمـارِ وإن توَدَّدتَهمْ لانوا وإن شُهِـمـوا
وقال العتبي:
جمِيعاً ومَعروفٍ ألمَّ وَمْنكرِ ولكن بنو خيرٍ وشر كلَيهما
وقال بَعْضُ من ارتجز يوم جَبَلة:
الخيرُ فيَّ والشرّ أنا الْغُلاَمُ الأعسَرْ
والشرُّ فيّ أكثرْ
وقال عبدُ الملك بن مروان لزُفَر بن الحارث؛ وقد دخل عليه في رجالاتُِ قيس: ألستَ امرأً مِن كندة? قال: وما خيرُ مَن لا يُتَّقى حَسَداً، ويُدعَى رغبة، وقال ثُمامة: الشُّهرة بالشرِّ خيرٌ من أن لا أُعرفَ بخير ولا شّر، أمارات النباهة وكان يقال: يُستَدَلُّ على نباهة الرَّجل من الماضين بتَبايُنِ الناس فيه، وقال: ألا ترى أن عليّاً رضيَ اللَّه تعالى عنه قال: يَهلك فيَّ فئتان: محبٌّ مُفرط، ومبغض مُفرط، وهذه صفة أنبَهِ الناس، وأبعدهِم غايةً في مراتب الدِّين وشرَف الدنيا، ألا ترى أن الشاعر يقول:
ءِ لا حُلوٌ ولا مـرُّ أرَى العِلباء كالعِلبـا
دِ لا خير ولا شَـرُّ شُيَيْخٌ مِن بني الجارُو
وقال الآخر:
أسْود مثل الجُعَل الأحـمِّ عَيَّرتني يا ثكلتْنـي أمِّـي
ليس بذي القَرْنِ ولا الأجمِّ ينطَحُ عُرْضَ الجبَلِ الأصمِّ
وإذا كان الرجلُ أبرعَ الناس بَراعةً، وأظهَرهم فضلاً، وأجمعهم لخصال الشرف، ثمَّ كانت كلُّ خَصلةٍ مساويةً لأختها في التَّماِم، ولم تغِلب عليه خصلة واحدة، فإنَّ هذا الرَّجل لا يكادُ يوصف إلاَّ بالسيادة والرياسة خاصّة إذا لم يكن له مسندٌ عما يكون هو الغالب عليه، وقالوا فيما يشبِه ما ذكرنا، وإن لم يكن هو بعينه، قال الشاعر:
سُوَّاس مَكـرُمَةٍ أبـنـاءُ أيسـارِ هَيْنون لَيْنُـونَ أيسـارٌ ذوُو يُسُـرٍ
مثلُ النُّجوم التي يسرِي بها الساري مَنْ تَلْقَ مِنهمْ تَقُل لاقَيْتُ سَـيِّدهـم
وقد قال مثل الذي وصَفنا جعفر الضبّيُّ في الفضل بن سهل: أيُّها الأمير أسْكَتني عن وصفك تَساوي أفعالك في السُّؤدد، وحيَّرني فيها كثرَةُ عددها، فليس إلى ذكر جميعها سبيلِ، وإن أردتُ وَصف واحدةٍ اعترضتْ أختها، إذْ لم تكن الأُولى أحقَّ بالذكر، ولست أصفُها إلاّ بإظهار العَجز عن وَصفها، ولذلك قالوا: أحلم من الأحنف، وما هو إلاَّ في حلم معاوية وأحلم مِن قَيس بن عاصم، ولم يقولوا: أحلمَ من عبد المطَّلب، ولاَ هو أحلم من هاشم، لأنَّ الحلم خَصلة من خصاله كتمام حلمه، فلمَّا كانت خصالهُ متساويةً، وخلالُه مشرفة متوازيةِ، وكلُّها كان غالباً ظاهراً، وقاهراً غامراً، سمِّي بأجمعِ الأشياء ولم يُسمّ بالخصلة الْوَاحدة، فيستدلَّ بذلك على أنَّها كانت أغلب خصال الخيرِ علَيه.
هجاء السفهاء للأشراف وإذا بلغ السَّيدُ في السُّؤدَدِ الكمالَ، حسده من الأشراف من يُظنُّ أنَّه الأحقُّ به، وفخرت به عشيرته، فلا يزال سفيهٌ من شعراء تلك القبائل قد غاظه ارتفاعُه على مرتبةِ سيَّد عشيرتَه فهجاه، ومن طلب عيباً وجَدَه، فإن لم يجدْ عيباً وجدَ بعضَ ما إذا ذكره، وجَد مَن يغلط فيه ويحمله عنه، ولذلك هُجِيَ حِصنُ بن حذيفةَ، وهُجِيَ زُرارة ابن عُدس، وهُجِيَ عبدُ اللَّه بن جُدعان، وهجيَ حاجب بن زرارة، وإنَّما ذَكَرتُ لك هؤلاء لأنهم من سؤدَدِهم وطاعةِ القبيلة لهم، لم يذهبوا فيَمنْ تحت أيديهم من قومِهِمّْ، ومن حلفائهم وجيرانهم، مَذْهَبَ كُليبِ بن ربيعة، ولا مذهب حذيفة بن بدر، ولا مذهبَ عيينة بنِ حصن، ولا مذهبَ لقيط بن زُرارة، ولأنَّ لقيطاً لم يأمر بسحب ضَمْرة بن ضمرة إلاَّ وهو لو بَقي لَجاوز ظلم كليب وتهكم عيينة، فإنَّ هؤلاَء وإن كانوا سادةً فقد كانوا يَظلمون، وكانوا بين أن يظلموا وبين أن يحتملوا ظلماً ممن ظلمهم، ولا بدَّ من الاحتمال كما لا بُدَّ من الانتصار، وقد قال عزَّ وجلَّ: "وَلَكُمْ في القِصاصِ حَياةٌ"، وإلى هذا المعنى رجَع قولُ الحكيم الأوَّل: بعضُ القَتلِ إحياءٌ للجميع، حزم السادة وعامَّة هؤلاء السَّادة لم يكنْ شأنهم أن يردُّوا الناسَ إلى أهوائهم، وإلى الانسياق لهم بعُنْف السَّوق، وبالحَرَبِ في القَوْدِ، بل كانوا لا يؤثرون التَّرهيبَ على الترغيب، والخشونة على التليين، وهم مع ذلك قد هُجُوا بأقبح الهجاءِ، ومتى أحبَّ السَّيِّدَ الجامعَ، والرئيسَ الكاملَ قومُه أشدَّ الحبِّ وحاطَهمْ عَلى حسب حبه لهم، كان بُغْضُ أعدائهم له على حسب حبِّ قومه له، هذا إذا لم يَتوثَّب إليه ولم يعترض عليه من بني عمّه وإخوته مَن قد أطمعتْه الحال باللَّحاق به، وحَسَدُ الأقاربِ أشدُّ، وعداوتُهم على حسب حسدهم، وقد قال الأوَّلون: رِضا الناس شيءٌ لا ينال، وقد قيل لبعض العرب: مَن السَّيِّدُ فيكم? قال الذي إذا أقبل هِبناه، وإذا أدْبَرَ اغتبناه وقد قال الأَوَّل: بَغْضَاء السُّوَق موصولة بالملوك والسادة، وتجري في الحاشية مجرى الملوك، صعوبة سياسة العوام وليس في الأرض عملٌ أكدّ لأهله من سِياسة العوامّ، وقَدْ قال الهذْليُّ يصف صُعوبة السياسة:
لها صَعْدَاءُ مَطلبُها طويل وإن سياسة الأقوامِ فاعلـمْ
وقال آخرُ في شبيه بهذا المعنى:
لها مَصْعَدٌ حَزْنٌ وُمْنحَدرٌُ سَهْلُ ودونَ النَّدى في كلِّ قلبٍ ثَـنـيَّةٌُ
إذا ما انقضى، لَوْ أنَّ نائله جَزْلُ ووَدَّ الفتى في كلِّ نـيلٍ يُنِـيلُـه
وقال عامر بن الطُّفيل:
وفَارسها المشهور في كلِّ مَوكبِ وإنِّي وإنْ كُنتُ ابن سيِّدِ عـامـرٍ
أبى اللَّه أنْ أسمو بـأمٍّ ولا أبِ فما سوَّدَتني عامر مـن وراثة
أذاها وأرْمي مَن رماها بِمَنْكبِ ولكنَّني أحمي حِماها وأتَّـقـي
وقال زياد بن ظَبيان لابنه عُبيد اللَّه بن زياد وزياد ٌ يُغرغِر بنفسه: ألا أُوصي بك الأمير? قال: لا، قال: ولم? قال: إذا لم يكنْ للحي إلاَّ وَصِيَّةُ الميِّت، فالحيُّ هو الميِّت، وقال آخر في هذا المعنى:
والعزُّ لا يأتي بغير تطلُّب
وقال بَشامة بن الغَدير في خلاف ذلك، وأن يثبت أن يكون منه كان:
يُطاعُ ويؤتَى أمره وهو مُحْتَبي وجَدْت أبي فيهم وَجَدِّي كليهما
ولكِنْ أتَتني طائعاً غيرَ مُتْعب فلم أتَعَمَّل للـسِّـيادة فِـيهِـمُ
بحث في السعادة ومن الناس من يقول: إن العيشَ كلَّه في كثرة المال، وصحة البدن، وخمول الذكر، وقال مَن يخالفه: لا يخلو صاحب البدَن الصَّحيحِ والمال الكثير، مِنْ أن يكون بالأُمور عالماً، أو يكونَ بها جاهلاً، فإن كانَ بها عالماً فعلمُه بها لا يتركه حتَّى يكون له من القول والعَمل على حسب علمه، لأنَّ المعرفة لا تكون كعدمها، لأنَّها لو كانت موجودة غيرَ عاملة لكانت المعرفة كعدمها، وفي القول والعملِ ما أوجبَ النَّباهة، وأدنى حالاته أنْ تُخرِجه من حدِّ الخمول، ومتى أخرجته من حدِّ الخمول فقد صار معرَّضاً لمن يقدر على سلبه، وكما أنَّ المعرفة لا بدَّ لها من عملٍ، ولا بدَّ للعمل من أن يكون قولاً أو فعلاً، والقول لا يكونُ قولاً إلاَّ وهناك مَقُول له، والفعلَ لا يكون فعلاً إلاَّ وهناك مفعول له، وفي ذلك ما أخْرَج من الخمول وعُرِف به الفاعل، وإذا كانت المعرفةُ هذا عملُها في التنبيه على نفسها، فالمالُ الكثيرُ أحقُّ بأنَّ عملَه الدّلالةُ على مكانه، والسِّعايةُ على أهله، والمالُ أحقُّ بالنميمة، وأولى بالشكر، وأخدع لصاحبه، بل يكون له أشدَّ قهراً، ولحيِّه أشدَّ فساداً، وإن كانتْ معرفتُه ناقصةً فبقدْر نقصانها يجهل مواضع اللذة، وإن كانت تامَّةً فبقدْر تمامها يُنْفَى الخمول ويُجلبُ الذِّكر، وبعدُ فليس يَفْهم فضيلة السلامة، وحقائق رُشْدِ العافية، الذين ليس لهمْ من المعرفة إلاَّ الشَّدْو، وإلاَّ خلاَق أوساطِ الناس، ومتى كان ذلك كذلك، لم يُعرَف المدْخَل الذي من أجله يَكره ذو المال الشُّهرة، ومن عَرَفَ ذلك على حقِّهِ وصدقِهِ، لم يدَعّه فهمُهُ لذلك حتّى يدلَّ على فهمه، وعلى أنَّه لا يفهم هذا الموضعَ حتَّى يفهم كلَّ ما كان في طبقته من العلم، وفي أقلَّ مِن ذلك ما يَبين به حاله مِن حال الخامل، وشروط الأمانيّ غيرُ شروط جوازِ الأفعال وإمكانِ الأمورِ، وليس شيء ألذُّ ولا أسرُّ مِن عِزِّ الأمر والنهي، ومن الظَّفرِ بالأعداء، ومن عَقْد المنَن في أعناق الرجال، والسُّرورِ بالرِّياسة وبثمرة السيادة، لأنَّ هذه الأمورَ هي نصيبُ الرُّوح، وحَظُّ الذهن، وقِسْمُ النَّفس، فأَمَّا المطعم والمشرب والمنكح والمشمَّة، وكلُّ ما كان من نصيب الحواسّ، فقد علمْنا أنَّ كُلَّ ما كانَ أشدَّ نَهَماً وأرغبَ، كانَ أتمَّ لوجدانه الطعم، وذلك قياسٌ على مواقع الطُّعْم من الجائع، والشرابِ من العطشان، ولكنَّا إذا ميَّلْنا بين الفضيلة التي مع السُّرور، وبين لذّة الطعام، وما يُحدِث الشَّره له من ألمِ السهر والالتهاب والقلق وشدَّةِ الكلب، رأينا أنََّّ صاحِبَهُ مفضولٌ غيرُ فاضل، هذا مَعَ ما يُسَبُّ به، ومع حمله له على القبيح، وعلى أنّ نعمتَهُ متى زالتْ لم يكن أحدُ أشقى منْهُ، هذا مع سرور العالم بما وهَبَ اللَّه لَهُ من السلامة من آفة الشَّرَه، ومِن فسادِ الأخلاط.
وبعدُ فلا يخلو صاحبُ الثَّروة والصامتِ الكثيرِ، الخاملُ الذكر مِن أن يكونَ ممّن يرَغب في المركب الفارِه، والثوب اللينِ، والجاريةِ الحسنةِ، والدار الجيّدة، والمطْعَم الطيِّب، أو يكون ممن لا يرغب في شيءٍ من ذلك، فإن كان لا يرغب في هذا النوع كلِّه، ولا يعمل في ماله للدَّار الآخرةِ، ولا يُعجَب بالأُحدوثة الحسنة، ويكونُ ممن لا تعْدو لذّتُهُ أن يكون كثير الصامت، فإنّ هذا حمارٌ أو أفسَدُ طبْعاً من الحمار، وأجْهَل من الحمار، وقدْ رضي أن يكونَ في مَاله أسوأ حالاً من الوكيل، وبعدُ فلا بُدَّ للمال الكثير من الحِراسةِ الشَّديدة، ومن الخوف عليه، فإن أعَملَ الحِراسة له، وتَعب في حفظه وَحَسَبَ الخوف، خرجَ عليه فضْلٌ، فإنْ هو لم يَخَفْ عليهِ ولاَ يكون ذلك في سبيل التوكُّل فهو في طباع الحمار وفي جهْله، والذي أوجب لَهُ الخمول ليؤدِّيه إلى سلامة المال لَهُ، قَدْ أعْطاهُ من الجهلِ مَا لا يكون مَعَهُ إلاّ مثْلُ مقْدَار لذة البهيمةِ في أكل الخَبَط، وإنْ هو ابتاع فُرَّهَ الدواب، وفُرَّهَ الخَدم والجَواري، واتخذَ الدارَ الجيِّدة، والطعَام الطيِّب والثّوب الليّنَ وأشباهَ ذلك، فقد دلَّ على مَالِهِ، ومَن كانَ كَذلِكَ ثُمَّ ظَهرتْ لَهُ ضَيْعَةٌ فاشية، أو تجارةَ مُرْبحة، يحتمل مثلَ ذلكَ الذي يظهَر من نفقته، وإلا فإنَّه سيُوجَد في اللُّصُوصِ عْند أوَّل مَن يقطع عليْهِ، أو مكابرة تكُون، أو تَعب يؤخذ لأهله المال العظيم، ولو عنى بقوله الخمول وصحةَ البدنِ والمال، فذَهب إلى مقدارٍ من المال مقبولاً ولكن ما لمن كان مالُه لا يجاوز هذا المقدارَ يَتهيَّأ الخمول، طبقات الخمول ولعمري إنّ الخمولَ لَيكونُ في طبقاتٍ كثيرة، قال أبو نخيلة:
ومَا كلُّ مَن أقْرَضْتَه نِعْمَةً يَقضِي شكرتُك إنَّ الشُّكْرَ حَبْلٌ من التّقى
ولكنَّ بعض الذكرِ أنبَه من بَعْضِ فأحييتَ من ذكري وما كان خامِلاً
قالوا: ولسقوط الخَامل من عُيون الناس، قالت الأعرابَّية لابنها: إذا جلستَ معَ الناسِ فإنْ أحسَنْتَ أنْ تقولَ كما يقولون فَقُلْ، وإلاَّ فخالِفْ تُذْكَر وأمَّا الأصمعيُّ فزعَمَ أنَّها قالت: فخالفْ ولو بأنْ تعلِّقَ في عنُقك أيرَ حمار، وليس يقول هذا القولَ إلاَّ مَنْ ليسَ يعرِف شَكَر الغِنى، وتقلُّبَ الأموال إلى مَا خُلِقتْ لَهُ، وقَطْعَها عُقُلَها، وخَلْعَها عُذُرَها، وتِيهَ أصحابِها، وكثرةَ خُطاهم في حفظِها وستْرها، وعجزْهم عن إماتةِ حركتها ومنعها من جميع مَا تُنازع إليه وتحمل عليه، ملحة من الملح وقد روينا في المُلحَ أنَّ رجلاً قال لصاحبٍ لهَ: أبُوكَ الذي جهل قدْرَهُ، وتعدَّى طَورَه، فشقَّ العَصَا، وفارَقَ الجماعة، لا جَرَمَ لقد هُزِم ثم أُسر ثمَّ قتلَ ثمَّ صُلب قال لَهُ صاحبهُ: دَعْني مِن ذكر هزيمِة أبي، ومن أسْرهِ وقتِله وصلبِهِ، أبُوكَ هلْ حدَّثَ نفسَه بشيء من هذا قطُّ?

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:26 pm

حكم الأسباب في همم الناس
وليس إلى النَّاس بُعّدُ الهمم وقصَرُها، وإنما تجري الهمَمُ بأهلها إلى الغايات، على قدر مَا يعرِض لهم من الأسباب، ألا تَرى أنّ أبعدَ النَّاس هِمَّة في نفسِه، وأشدَّهم تلفتاً إلى المراتب، لا تنازعه نفسه إلى طلب الخلافة، لأن ذلك يحتاجُ إلى نسب، أو إلى أمر قد وُطِّئ لَهُ بسبب، كسبَب طلبِ أوائل الخَوارج الخلافة بالدِّين وحدَه دونَ النَّسب، فإن صارَ من الخوارج فقد حدثَ له سببُ إمكانِ الطَّلب، أكْدى أم نجح، وقد زعمَ ناسٌ من العلماء أنَّ رجالاً خُطِبت للسِّيادة والنَّباهة والطَّاعة في العشيرة.
سلطان الحظ في نباهة القبيلة
وكذلك القبيلة ربَّما سَعِدت بالحظّ، وربَّما حظيت بالجَدِّ، وإنَّما ذلك على قدر الاتفاق، وإنما هو كالمعافَى والمبتلى، وإنما ذلك كما قال زهير:
وَجَدْتُ المنايا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنّْ تُصِبْتُمِتْهُ ومَنْ تُخْطئ يعمَّرْ فيَهْرَمِ
سلطان الحظ على الآثار الأدبية
وكما تَحْظَى بعض الأشعار وبعض الأمثال، وبعضُ الألفاظ دون غيرها، ودونَ ما يجرى مجراها أو يكونُ أرفَعَ منها، قالوا: وذلك موجودٌ في المرزوق والمحروم، وفي المُحارَف والذي تجوز عليه الصَّدَقَةُ، وكم مِن حاذقٍ بصناعته، وكثير الجَوَلانَ في تجارته، وقد بلغ فَرغانَة مرَّة، والأندلس مرة، ونقَّب في البلاد، وربَع في الآفاق، ومن حاذقٍ يُشَاوَر ولا يُستَعْمَل، ثمَّ لا تجدهما يَستَبِينان، من سُوءِ الحال وكثرة الدَّين، ومن صاحب حربٍ منكوب، وهو اللَّيثُ على براثنه، معَ تمَامِ العزيمةِ وشدَّة الشَّكيمة، ونَفَاذ البصيرة، ومع المعرفة بالمكيدة والصَّبْر الدَّائمِ على الشدَّة، وبَعْدُ؛ فكَمْ مِن بيت شعر قد سار، وأجودُ منه مقيمٌ في بطون الدَّفاتر، لا تزيده الأيَّامُ إلاَّ خمولاً، كما لا تزيد الذي دونَه إلاَّ شُهرةً ورِفعةً، وكم من مَثلٍ قد طار به الحظُّ حتَّى عرَفَته الإماءُ، ورَوَاه الصِّبيان والنِّساء،
أثر الحظ في نباهة الفرسان
وكذلك حظوظ الفُرسان، وقد عُرِفتْ شُهرةُ عنترة في العامَّة، ونباهة عمرو بن مَعْدِ يكَرب، وضَرَبَ الناسُ المثلَ بعبيد اللَّه بن الحُرّ، وهم لا يعرفون، بل لم يسمعُوا قطُّ بعتُيَبة بن الحارث بن شهاب، ولا بِبسطامِ بن قيس، وكان عامرُ بن الطفيل أذكَرَ منهما نسباً، ويذكرون عُبيدَ اللَّه بنَ الحُرِّ، ولا يعرفونَ شُعبة بن ظُهير ولا زُهيرَ بن ذُؤيب، ولا عَبَّادَ بنَ الحصين، ويذكرون اللسن والبيان والخطيب ابن القِرِّيَّة ولا يعرفون سَحبانَ وائل، والعامَّة لم يصل ذكر هؤلاء إليهم إلاَّ من قِبَل الخاصَّة، والخاصَّة لم تَذْكُر هؤلاء دون أولئك، فتركَتْ تحصيلَ الأمورِ والموازنَةَ بين الرجال وحكَمتْ بالسَّابق إلى القلب، على قدر طباع القلب وهيئته، ثمَّ استوت عِلل العامَّة في ذلك وتشابهت، والعامَّة والباعَة والأغنياء والسِّفّلةُ كأنَّهم أعذارُ عامٍ واحد، وهم في باطنهم أشدُّ تشابهاً من التوأمين في ظاهرهما، وكذلك هم في مقادير العقول وفي الاعتراض والتسرُّع، وإن اختلفت الصُّور والنَّغَم، والأسْنان والبلدان، تشابه طبائع العامّة في كلّ بلدة وفي كل عصر وذكر اللَّه عزَّ وجلَّ ردَّ قريشٍ ومُشرِكي العَرَبِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم قولَهُ، فذكر ألفاظَهم، وجَهْد معانيهم، ومقادير هممهم التي كانت في وزن ما يكون من جميع الأمم إلى أنبيائهم، فقال:"تَشَابَهتْ قُلُوبُهمْ" وقال: "أَتَواصَوْا بِهِ" ثم قال: "وَخُضتمْ كالَّذِي خَاضُوا"، ومثلُ هذا كثير، أَلا ترَى أنَّكَ لا تَجدُِ بُدًّا في كلِّ بلدةٍ وفي كلِّ عصر للحاكة من أن يكونوا على مقدارٍ واحد وجهة واحدةٍ، من السَّخَط والحمق، والغباوة والظلم، وكذلك النخَّاسون على طبقاتهم، من أصناف ما يبيعون، وكذلك السماكون والقَلاّسون وكذلك أصحابُ الخُلقان كلُّهم، في كلِّ دهرٍ وفي كلِّ بلدٍ، على مثال واحد، وعلى جهةٍ واحدَة.
وكلُّ حجَّامٍ في الأرض فهو شديد الاستهتار بالنبيذ، وإن اختلفوا في البُلدان والأجناس والأسنان، ولا ترى مسجوناً ولا مَضْروباً عندَ السُّلطان إلاَّ وهُو يقول: إنّي مظلوم، ولذلك قال الشاعر:
ما بالُ سِجْنك إلاّ قالَ مَظلومُ لم يَخلقِ اللَّهُ مَسْجُوناً تسائلُـهُ
وليس في الأرض خَصمانِ يتنازعان إلى حاكم، إلاّ كلُّ واحدٍ منهمُا يدَّعِي عدمَ الإنصاف والظُّلم على صاحبه.
مبالغة الإنسان في تقدير ما ينسب إليه
وليس في الأرض إنسانٌ إلاَّ وهُوَ يطرَب من صوتِ نفسه، ويعتريه الغَلطَ في شعرِه وفي ولده، إلاّ أنَّ الناس َ في ذلك على طبقاتٍ من الغَلط: فمنهم الغرق المغمور، ومنهم من قد نال من الصواب ونال من الخطأ، ومنهم من يكون خطؤه مستوراً لكثرة صوابه، فما أحسَنَ حالَهُ ما لم يُمتَحَنْ بالكشف، ولذلك احتاج العاقل في العُجْبِ بولده، وفي استحسان كتبه وشعره، من التحفظ والتوقِّى، ومن إعادة النظَر والتُّهمة إلى أضعاف ما يحتاج إليه في سائر ذلك
جود حاتم وكعب بن مامة
والعامّة تحكم أنَّ حاتماً أجودُ العرب، ولو قَدَّمَتْه على هَرمٍ الجَوادِ لما اعترَضْتَه عليهم، ولكنَّ الذي يُحَدَّثُ به عن حاتم، لا يبلغ مقدارَ ما رَوَوْهُ عن كعبِ بن مامة، لأنَّ كعباً بذَلَ نفسَه في أعطية الكرم وبَذْل المجهود فساوى حاتماً من هذه الوجه، وبايَنَه ببذْل المُهجة ، ونحن نقول: إنَّ الأشعارَ الصحيحة بها المقدارُ الذي يوجبُ اليقين بأنَّ كعباً كان كما وصفوا، فلو لم يكن الأمرُ في هذا إلى الجُدود والحظوظ والاتِّفاقات، وإلى عللٍ باطنةٍ تجري الأمورُ عليها، وفي الغَوصِ عليها وفي مَعرِفتِها بأعيِانها عُسر، لَمَا جرت الأمورُ على هذه المجاري، ولو كان الأمرُ فيها مفوَّضاً إلى تقدير الرأي، لكان ينبغي لغالب بن صعصعةَ أن يكونَ من المشهورين بالجود، دون هرِمٍ وحاتم
كلف العامة بمآثر الجاهلية
فإنْ زعمتَ أنَّ غالباً كان إسلاميًّا وكان حاتمٌ في الجاهلية، والناسُ بمآثر العرب في الجاهليَّة أشدُّ كلفاً، فقد صدقْت، وهذا أيضاً يُنبئك أنَّ الأمور في هذا على خلاف تقدير الرأي، وإنَّما تجري في الباطن على نسقٍ قائم، وعلى نظر صحيح، وعلى تقدير محكم، فقد تقدَّم في تَعْبيتهما وتسويتهما مَنْ لا تخفى عليه خافية، ولا يفُوتُه شيءٌ ولا يُعجزه، وإلاّ فما بالُ أيَّامِ الإسلام ورجالها، لم تكنْ أكبرَ في النفوس، وأحلَّ في الصدور مِن رجال الجاهليَّة، مع قُرب العهد وعِظَم خَطرِ ما ملكوا، وكثرة ما جادت به أنفسُهم، ومع الإسلام الذي شملهم، وجعله اللَّه تعالى أولى بهم من أرحامهم.
ولو أنَّ جميعَ مآثر الجاهليَّة وُزنت به، وبما كان في الجماعات اليسيرة من رجالات قريش في الإسلام لأربت هذه عليها، أو لكانت مثلها.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:33 pm

دلالة الخلق على الخالق
فليس لقَدْر الكلب والدِّيك في أنفسهما وأثمانهما ومناظرهما ومحلِّهما من صُدور العامَّة أسلفنا هذا الكلام، وابتدأنا بهذا القول، ولسنا نقِف على أثمانهما من الفضَّة والذَّهب، ولا إلى أقدارهما عند الناس، وإنما نَتَنَظَّرُ فيما وضع اللَّه عزَّ وجلَّ فيهما من الدَّلالة عليه، وعلى إتقان صُنْعه، وعلى عجيب تدبيره، وعلى لطيفِ حكمته، وفيما استخْزنهما من عجائب المعارف، وأودعهما من غوامض الأحساس، وسخّر لهما من عظام المنافع والمرافق، ودلَّ بهما على أنَّ الذي ألبَسهُما ذلك التَّدبيرَ، وأودَعَهُمَا تِلك الحكم، يجبّ أن يفكَّر فيهما؛ ويعتَبَر بهما، ويسبَّح الله عزَّ وجلّ عندهما، فغَشَّى ظاهرهما بالبرهان، وعمَّ باطنَهما بالحِكم، وهيَّج عَلَى النظر فيهما والاعتبار بهما؛ ليعلم كلُّ ذي عقل أنّه لم يَخْلق الخلق سُدًى؛ ولم يترك الصُّور هَمَلاً؛ وليعلموا أنَّ الله عزّ وجلّ لم يَدَع شيئاً غُفْلاً غير موسوم، ونثراً غير منظوم، وسُدًى غير محفوظ؛ وأنّه لايخطئه من عجيب تقديره، ولا يعطله من حلْي تدبيره، ولا من زينة الحكم وجلال قدرة البرهان، ثمَّ عمّ ذلك بين الصُّؤابِة والفرَاشة، إلى الأفلاك السبعة وما دونَها من الأقاليم السبعة.
تأويل الآية الكريمة: "ويخلق ما لا تعلمون".
وقد قال تعالى: "وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ"، وقد يتَّجه هذا الكلامُ في وجوه: أحدها أنْ تكون ها هنا ضروبٌ من الخلق لا يعلم بمكانهم كثيرٌ من الناس، ولابدَّ أن يعرف ذلك الخَلْقُ معنَى نفسه، أو يعلمه صفْوة جنُودِ الله وملائكته، أو تعرِفَه الأنبياء، أو يعرِفَه بعضُ الناس، لايجوز إلاّ ذلك، أو يكون الله عَّز وجلَّ إنما عنى أنّه خلق أسباباً، ووهب عِلَلاً، وجعل ذلك رِفداً لما يظهرُ لنا ونظاماً، وكان بعض المفسِّرين يقول: من أراد أن يعرف معنى قوله: "وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُون" فَلْيُوقِدْ ناراً في وسط غَيضه، أو في صحراء بريّة ثمّ ينظر إلى ما يغشى النارَ من أصناف الخلق من الحشرات والهمج فإنّه سيرى صُوراً، ويَتَعرَّف خلقاً لم يكن يظنُّ أنَّ الله تعالى خلق شيئاً من ذلك العالم، وعَلَى أنَّ الخلق الذي يغْشى نارَهُ يختلف عَلَى قدر اختلافِ مواضعِ الغياض والبحار والجبال، ويعلم أنَّ مَا لم يبلغه أكثرُ وأعجب، ومَا أردُّ هذا التأويل، وإنّه ليدخل عندي في جملةِ مَا تدلُّ عليه الآية، ومَنْ لَمْ يَقل ذلك لم يفهَمْ عن ربِّه ولم يفقَهْ في دينه.
ديدان الخل والملح
كأنّك لا ترى أنَّ في دِيدانِ الخلِّ والملحِ، والدِّيدَانِ التي تتولد في السُّموم إذا عَتقت وعرض لها العفن وهي بَعْدُ قواتل عبرةً وأُعجوبة، وأنَّ التفكّر فيها مَشحذةٌ للأذهان، ومَنْبَهةٌ لذَوي الغفْلة، وتحليلٌ لعقدة البُلْدة، وسببٌ لاعتياد الرويّة وانفساح الصدور، وعزٌّ في النفوس، وحلاوةٌُ تقتاتَها الرُّوح، وثمرةٌ تغَذِّي العقل، وتَرَقٍّ في الغايات الشريفة، وتَشَرُّفٌ إلى معرفَة الغايات البعيدة،
فأرة البيش والسمندل
وكأنّك لا ترى أنَّ في فأرة البيش وفي السمنْدَل آيَةً غربية، وصفةً عجيبة، وداعيةً إلى التفكُّر، وسبباً إلى التعجُّب والتَّعجيب.
الجُعَل والورد
وكأنَّك لا ترى أنّ في الجُعَل، الذي متى دفنتَه في الورد سكنَتّْ حركته وبطلتْ في رأي العين رُوحُه، ومتى أعدْتَه إلى الرَّوث انحلّت عُقدته، وعادت حركتُه، ورجَع حسُّه أعجَبَ العجَبِ، وأحكم الحكم.
حصول الخلد على رزقه
وأيُّ شيء أعجبُ من الخُلْد وكيف يأتيه رزقه، وكيف يهيِّئ الله له ما يقوته وهو أعمى لا يبصر، وأصمُّ لا يسمَع، وبليدٌ لا يتصرُّف، وأبلهُ لا يعرِف، ومع ذلك أنّه لا يجوز بابَ جُحره، ولا يتكلّف سوى ما يجلبُ إليه رازقُه ورازق غيره، وأيُّ شيءٍ أعجبُ من طائرٍ ليس له رزقٌُ إلاَّ أن يخلِّل أسنانَ التِّمساح، ويكون ذلك له.
الطائران العجيبان
وأيُّ شيءٍ أعجبُ من طائرين، يراهما الناسُ من أدنى جُدود البحر من شِقِّ البصرة، إلى غاية البحر من شِقّ السِّند، أحدهما كبيرُ الجُثّة يرتفع في الهواء صُعُداً، والآخَر صغير الجثَّةِ يتقلَّب عليه ويعبَث به، فلا يزال مرَّةً يرفرِفُ حَولَه ويرتقي على رأسه، ومرَّةً يطيرُ عند ذُنابَاهُ، ويدخلُ تحتَ جَناحه ويخرُج من بينِ رجليه، فلا يزال يغُمُّه ويَكرُبه حتَّى يتّقيه بذرقِهِ، فإذا ذَرَق شحا له فاه فلا يخطئ أقصى حلقِه حتَّى كأنّه دحا به في بئر، وحتّى كأنَّ ذَرْقَه مِدحاةٌ بيد أُسوار، فلا الطائر الصغير يخطئ في التلَقِّي، وفي معرفته أنّه لا رزق له إلاّ الذي في ذلك المكان؛ ولا الكبير يخطئ التَّسديد، ويعلمُ أنّه لا ينجيه منه إلا أنْ يتّقِيَه بذرّْقِه، فإذا أوعى ذلك الذَّرْق، واستَوْفى ذلك الرِّزق، رجع شبعانَ ريَّانَ بقُوتِ يومه، ومضى الطائرُ الكبير لِطِيَّتِه، وأمرهما مشهورٌ وشأنهما ظَاهر، لا يمكن دفُعه ولا تُهَمَةُ المخبِرين عنه.
اختلاف بين الحيوان في الطباع
فجعل تعالى وعزَّ بعضَ الوحوش كَسُوباً محتالاً، وبعضَ الوحوش متوكِّلاً غيرَ محتال، وبعضَ الحشرات يدَّخِر لنفسه رِزْقَ سنَتِه؛ وبَعضاً يتَّكل على الثِّقةِ بأنَّ له كلَّ يوم قَدْرَ كِفايتِهِ، رزقاً معَدًّا وأمراً مقطوعاً، وَجَعَلَ بعضَ الهمَج يدَّخر، وبعضَه يتكَسَّب، وبعضَ الذكورة يعُولُ وَلده، وبعض الذكورة لا يعرف وَلده، وبعضَ الإناث تُخَرِّج ولدها، وبَعض الإناث تضيِّع ولدها وتكفلُ وَلدَ غيْرِها، وبَعْضَ الأجناس معطوفَةً على كل وَلَد من جنسها، وبعض الإناث لا تعرف وَلدَها بعد استغْنَائهِ عنها، وبعض الإناث لا تزال تعرِفُه وتعطفُ عليْهِ، وبعضَ الإناث تأكلُ وَلدهَا، وكذلك بعض الذكُورة، وبعضَ الأجناس يُعادي كُلَّ ما يكسر بيضَها أو يأكل أولادَهَا، وجعل يُتْمَ بعضِ الحيوان من قِبَل أمَّهاتها، وجعل يُتْمَ بعضها من قِبَل آبائها، وجعل بعضَها لا يلتمس الولد وإن أتاه الولد، وجعل بعضَها مستفرِغَ الهَمِّ في حُبِّ الذَّرءِ والتماس الولدِ؛ وجعل بعضها يُزَاوِج وبعضها لا يزاوِج ليكون للمتوكل من الناس جهةٌ في توكُّله، وللمتكسِّب جهةً في تكسُّبِه وليُحضِرَ على بالهم أسباب البِرِّ والعُقوق، وأسبابَ الحظْر والتربية، وأسبابَ الوَحشة من الأرحام الماسَّة، افتراق المعاني واختلاف العلل ولمكانِ افتراق المعاني واختلافِ العلل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعضهم: اعقِلْهَا وتَوَكَّلْ، وقال لبلال: "أَنفِقْ بلاَل، ولاتخشَ مِنْ ذي العَرْش إقْلاَلاً".
فافهموا هذا التدبيرَ، وتعلَّموا هذه الحكم، واعرفوا مداخلَها ومخارجَها ومفرَّقَها ومجموعَها؛ فإنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يُرَدِّد في كتابه ذِكرَ الاعتبارِ، والحثَّ عَلَى التفكير، والترغيبَ في النظر وفي التثبُّت والتعرُّف والتوقُّف، إلاّ وهو يريد أن تكونوا علماءَ من تلك الجهة، حكماءَ من هذه التعبئة.
المعرفة والاستدلال ولولا استعمال المعرفة لما كان للمعرفة معنى، كما أنّه لولا الاستدلال بالأدلة لما كان لوضع الدلالة معنى، لولا تمييزُ المضارِّ من المنافع، والرديِّ من الجيِّد بالعيون المجعولة لذلك، لما جعَل الله عزَّ وجلّ العيونَ المدرِكَةَ، والإنسان الحسَّاس إذا كانت الأمور المميَّزة عنده، أخذ ما يحتاج إليه وترك ما يستغني عنه وما يَضُرّ أخذه، فيأخذ ما يحبُّ ويدَعُ ما يكره، ويشكر على المحبوب ويصبر على المكروه، حتى يذكر بالمكروه كيفيَّة العِقاب ويَذكُر بالمحبوب كيفيّة الثواب، ويعرفَ بذلك كيفيَّة التضاعيف، ويكون ما يغمُّه رادِعاً له، وممتَحَناً بالصَّبْر عليه، وما يسرُّه باسطاً له ومُمْتَحَناً بالشكر عليه، وللعقل في خِلال ذلك مجال، وللرأي تقلب، وتَنشَقُّ للخواطر أسبابٌ، ويتهيّأ لصواب الرأي أبواب، ولتكون المعارف الحسِّية والوِجدانات الغريزيّة، وتمييز الأمور بها، إلى ما يتميز عند العقول وتحصره المقاييس، وليكون عملُ الدُّنيا سُلَّماً إلى عمل الآخرة، وليترَقَّى من مَعْرِفة الحواس إلَى مَعْرِفَةِ العُقول، ومن معْرِفَة الروِيّة من غايةٍ إلَى غايةٍ؛ حتَّى لاَ يرضى من العِلم والعَمَل إلاّ بما أدّاه إلَى الثَّواب الدائم، ونجَّاه من العِقاب الأليم،

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:33 pm

ما يحسن الكلب مما لا يحسنه الإنسان
سنذكُرُ طَرَفاً ممَّا أودَعَ الله عزَّ وجلَّ الكلبَ ممَّا لاتحسنُه أنت أيُّها الإنسان، مع احتقارِك له وظلمِك إيَّاه، وكيف لا تكون تلك الحكمُ لطيفةً، وتلك المعاني غَرِيبةً، وتلك الأحساسُ دقيقة، ونحنُ نَعلم أنَّ أدقَّ الناس حِسّاً وأرقّهُم ذِهناً وأحضَرَهم فَهْماً،وأصَحَّهم خاطِراً وأكملَهُمْ تَجْرِبَة وعلماً، لَوْ رَامَ الشيء الذي يحسنُه الكلب في كثيرٍ من حالات الكلب لَظَهَر له من عجزِه وخُرْقه، وكلال حدِّه وفَساد حسِّهِ، ما لا يعرف بدونه إنَّ الأمور لَم تُقسَم على مقدار رأيه، ولا عَلَى مبلغِ عقلِه وتقديره، ولا على محبَّتِه وشهوته؛ وأنّ الذي قسم ذلك لا يحتاج إلى المشاورَة والمعاونَة، وإلى مكانَفةٍ ومُرافدة، ولا إلى تجرِبة ورويّة، ونحن ذاكرون من ذلك جملاً إن شاء الله تعالى.
خبرة الكلب في الصيد
اعلم أنَّ الكلب إذا عاين الظِّباءَ، قريبةً كانت أو بعيدةً، عرف المعْتَلَّ وغير المعْتل وعرَف العَنز من التَّيس، وهو إذا أبصرَ القطيعَ لم يقصِد إلاّ قصدَ التَّيس وإنْ علم أنّه أشدُّ حُضراً، وأطولُ وثْبةً، وأبعدُ شوطاً ويَدَعُ العنز وهو يرى ما فيها من نقصان حُضْرها وقصر قابِ خَطوها، ولكنَّه يعلم أنّ التَّيس إذا عدا شوطاً أو شوطين حَقِبَ ببوله.
ما يعرض للحيوان عند الفزع وكلُّ حيوانٍ إذا اشتدَّ فزعه، فإنّه يَعرِض له إمَّا سَلَس البول والتقطير، وإمَّا الأُسْرُ والحَقَب، وكذلك المضروب بالسياط على الأكتاف، وبالعصيِّ على الأستاه، وما أكثر ما يعتريهم البول والغائط، وكذلك صار بعضُ الفرُسان الأَبطال إذا عايَنَ العدُوّ قطَّرَ إلى أن يذهب عنه، لهَولِ الجَنان، وإذا حَقِبَ التَّيس لم يستطع البَول مع شدَّة الحُضر، ومع النَّفْزِ والزَّمَع، ووضع القوائم معاً ورَفعِها مَعاً، في أسرَعَ من الطَّرْف فيثقُل عَدْوُهُ، ويقصرُ مَدَى خُطاه، ويعتريه البُهْر حتَّى يلحقه الكلبُ فيأخذه، والعنز من الظِّباء إذا اعتراها البولُ من شدَّه الفزَع لم تجمعه، وحذفت به كإيزاغ المَخَاض الضّوارِبِ، لسَعَةِ السَّبِيل وسهولةِ المخرج، فتصير لذلك أدومَ شَدّاً، وأصبرَ على المطاولة.
فهذا شيءٌ في طبعِ الكلب معرفتُه، دونَ سائر الحيوان. والكلب المجرِّب لا يحتاجُ في ذلك إلى مُعاناةٍ، ولا إلى تعلُّم، ولا إلى رويّة ولا إلى تكلف، قد كفاه ذلك الذي خَلَق العَقل والعاقل والمعقُول، والداءَ والدواءَ والمداواةَ والمداوِي، وقسَم الأُمور على الحكمة، وعلى تمام مصلحة الخليقة.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:34 pm

ذكاء الكلب ومهارته في الاحتيال للصيد
ومن معرفة الكلب، أنَّ المُكلِّب يُخرجه إلى الصيد في يومِ، الأَرضُ فيه ملبَسة من الجليد، ومغشَّاةٌ بالثّلجِ، قد تراكم عليها طبقاً عَلَى طبَق، حتَّى طبَّقها واستفاض فيها، حتَّى ربَّمَا ضربتْه الريح ببَرْدها، فيعود كلُّ طبقٍ منها وكأنّه صفاةٌ ملساء، أو صخرةٌ خلْقاء، حتى لا يثبت عليها قَدَمٌ ولا خُفٌّ، ولا حافر ولا ظِلف، إلاَّ بالتثبيت الشديد، أو بالجَهْدِ والتَّفريق فيمضي الكلاّبُ بالكلب، وهو إنسانٌ عَاقل، وصيَّادٌ مجرِّب، وهو مع ذلك لا يدري أينَ جُحر الأَرنب من جميعِ بَسائِطِ الأرض، ولا موضعَ كُناس ظبيٍ، ولا مَكْوِ ثعلب، ولا غيرَ ذلك من موَالج وحوشِ الأرضِ؛ فيتخَّرق الكلب بينَ يديه وخَلفَهُ، وعن يمينه وشماله ويتشمّمُ ويتبصّر، فلا يزال كذلك حتَّى يقِف على أفواه تلك الجِحَرة، وحتى يُثير الذي فيها بتنفيس الذي فيها، وذلك أن أنفاسها وبُخارَ أجوافهَا وأبدانِها، وما يخرج من الحرارة المستكنّةِ في عمق الأرض ممّا يُذيب ما لاقاهَا من فَمِ الجُحْر، من الثَّلجِ الجامد، حتى يرقَّ ويكاد أن يثقبه وذلك خفيٌّ غامض، لا يقع عليه قانص ولا راعٍ، ولا قائف ولا فلاّح، وليس يقع عليه إلاّ الكلب الصائد الماهر، وعلى أنّ لِلكلب في تَتَبُّع الدُّرَّاج والإصعادِ خَلْفَ الأرانب في الجبل الشاهق، من الرِّفق وحسن الاهتداء والتأتِّي ما يخفى مكانه على البيازرة والكلاّبين.
الانتباه الغريزي في الكلب
وقد خبّرني صديقٌ لي أنّه حبس كلباً له في بيتٍ وأغلَقَ دونه الباب في الوقت الذي كان طبَّاخه يرجع فيه من السوق ومعَه اللحم، ثمَّ أحدَّ سِكِّيناً بسكين، فنبَح الكلب وقَلق، ورام فتحَ الباب؛ لتوهمّه أنَّ الطَّبَّاخ قد رجَع من السوق بالوظيفة، وهو يحد السِّكِّين ليقطع اللَّحم ، قال: فلما كان العشيُّ صنَعْنَا به مثلَ ذلك، لنتعرَّف حالَه في معرفة الوقت، فلم يتحرّك، قال: وصنعتُ ذلك بكلبٍ لي آخر فلم يَقْلَقْ إلاّ قلقاً يسيراً، فلم يلبث أنْ رجَعَ الطّباخ فصنَع بالسّكِّين مثل صنيعي، فقلِق حتَّى رام فتحَ الباب، قال فقلت: والله لَئنْ كان عرفَ الوقتَ بالرَّصْد فتحرَّك له، فلما لم يشَمَّ ريحَ اللحم عرَف أنَّه ليس بشيء، ثمَّ لما سمع صوتَ السِّكِّين والوقتُ بَعْدُ لم يَذْهب، وقد جيء باللحم فشمَّ رِيحَ اللَّحم من المطبخ وهو في البيت، أو عرف فَصْل ما بين إحدادِي السِّكِّين وإحدادِ الطباخ، إنّ هذا أيضاً لَعَجَب، وإنّ اللحمَ ليكون بيني وبينَه الذراعان والثلاث الأذرع، فما أجدُ ريحَه إلاّ بَعْدَ أنْ أُدْنِيَه من أنفي، وكلُّ ذلك عجب.
ولم أجِدْ أهل سكّة أَصطَفانُوس، ودار جاريَةَ، وباعَةَ مُرَبَّعَةِ بني مِنْقَرٍ يشُكُّون أنَّ كلباً كان يكونُ في أعلى السكة، وكان لايجوز مَحْرَس الحارس أيامَ الأسبوع كلِّه، حتَّى إذَا كان يومُ الجمعة أقبلَ قَبْلَ صلاة الغداة، من موضعه ذلك إلى باب جاريَة، فلا يزال هناكَ مادام على مِعْلاقِ الجزَّار شيءٌ من لحم، وباب جاريَة تُنحر عندَه الجُزُر في جميع أيَّام الجمع خاصَّة، فكان ذلك لهذا الكلب عادةً، ولم يره أحدٌ منهم في ذلك الموضع في سائر الأيَّام، حتَّى إذا كان غداةَ الجمعة أَقبَل. فليس يكونُ مِثلُ هذا إلاّ عن مقداريّةٍ بمقدار ما بين الوقتين، ولعلَّ كثيراً من الناس ينتابون بعّض هذه المواضع في يومِ الجمعةِ، إمّا لصلاةٍ، وإمّا لغير ذلك، فلا يَعْدِمُهُم النِّسيان من أنفسهم، والاستذكار بغيرهم، وهذا الكلبُ لم ينسَ من نفسه، ولا يستذكر بغيره، وزعم هؤلاء بأجمعهم أنَّهم تفقَّدوا شأنَ هذا الكلب منذ انتبهوا لصَنيِعه هذا، فلم يجِدُوه غادرَ ذلك يوماً واحداً، فهذَا هذا.
قصّة في وفاء الكلب
وأنشد أبو الحسن بن خالويه عن أبي عُبيدة لبعض الشعراء:
وينبِش عنه كلْبُهُ وَهْو ضارِبُهْ يُعَرِّدُ عنهُ جارُهُ وشـقـيقُـه
قال أبو عبيدة: قيل ذلك لأنَّ رجلاً خرج إلى الجَبّان ينتظر رِكابَه فأتبعه كلبٌ كان له، فضرب الكلبَ وطردَه، وكره أن يتبعه، ورماه بحجر، فأبى الكلبُ إلاّ أن يذهب معه، فلما صار إلى الموضع الذي يريد فيه الانتظار، ربضَ الكلبُ قريباً منه، فبينا هو كذلك إذ أتاهُ أعداءٌ لَهُ يطلبونه بطائلةٍ لهم عنده، وكان معه جار لَهُ وأخوه دِنْياً، فأسلماه وهربا عنه، فجرح جِراحاتٍ ورُمي بهِ في بئرٍ غيرِ بعيدة القعر، ثم حَثَوْا عليه من التراب حتَّى غَطَّى رأسه ثم كُمِّمَ فوقَ رأسِه منه، والكلبُ في ذلك يَزجُم ويَهِرُّ، فلمَّا انصرفوا أتى رأسَ البئْر؛ فما زال يَعوي وينبث عنه ويحثو التُّرَابَ بيده ويكشف عن رأسه حتى أظهر رأسه، فتنفّسَ ورُدَّتْ إليه الرُّوح؛ وقد كاد يموتُ ولم يبق منه إلاّ حُشاشة، فبينا هو كذلك إذ مَرّ ناس فأنكروا مكان الكلب ورأوه كأنّه يحفِر عن قبر، فنظروا فإذا هم بالرَّجُلِ في تلك الحال، فاستشالوه فأخرجوه حيَّاً، وحَملوه حتَّى أدَّوه إلى أهله، فزعم أنّ ذلك الموضعَ يُدْعَى ببئْر الكلب، وهو مُتيامِن عن النَّجف، وهذا العملُ يدل عَلَى وَفَاء طبيعي وإلفٍ غريزي ومحاماةٍ شديدة، وعلى معرفةٍ وصبرٍ، وعلى كرم وشكر، وعلى غناءٍ عجيب ومنفعةٍ تفوق المنافع، لأَنّ ذلك كلَّه كان من غير تكلف ولا تصنُّعٍ.
مؤمن بن خاقان والأعرابي وقال مؤمَّل بن خاقان، لأعرابيٍّ من بني أسد، وقد أكَلَ جَرْوَ كلب: أتأكل لحم الكلب وقد قال الشاعر:
وكان سميناً كلبُه فهو آكلُه إذا أسديٌّ جاعَ يوماً ببلَـدةٍ
أكُلَّ هذا قَرَماً إلى اللحم? قال: فأنشأ الأسديُّ يقول:
فسائِل أخا الحَلْفَاءِ إن كنتَ لا تدري وصَبّاً بحظِّ اللَّيثِ طُعْماً وشَـهْـوَةً

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:34 pm

طلب الأسد للكلب
قال: وذلك لأنَّ الأسَدَ لا يحرِص على شيءٍ من اللُّحمانِ حِرصَه على لحم الكلب، وأَمّا العَامَّة فتَزعُم أَنَّ لحُوم الشاءِ أحبُّ اللُّحمانِ إليه، قَالُوا: ولذلك يُطيف الأسدُ بجَنَبَاتِ القُرى، طلباً لاغترار الكلب؛ لأنَّ وثبة الأسد تُعجِل الكلب عن القيام وهو رابض، حتَّى رُبَّما دعاهم ذلك إلى إخراج الكلب من قُراهم؛ إلاّ أنْ يكون بقرب ضِياعهم خنازيرُ، فليس حينئذٍ شيءٌ أحبَّ إليهم من أن تكثر الأُسد عندهم، وإنَّما يُخرجون عنهم في تلك الحالات الكلاب، لأنَّهم يخافونها على ما هو عندهم أنفَسُ من الكلب، وهذه مصلحةٌ في الكلب، ولا يكون ذلك إلاّ في القُرى التي بقُربِ الغَيْضَةِ أو المأسَدة.
علة طلب الأسد للكلب فزعم لي بعض الدَّهاقِينِ قولاً لا أدري كيف هو، ذكر أنَّهم لا يشكُّونَ أنَّه إنَّما يطلبُ الكلبَ لحَنَقه عليه، لا من طريقِ أنّ لحمَه أحبُّ اللُّحمان إليه، وإنَّ الأسدَ ليَأتي مَناقِع المياه، وشطوطَ الأنهار، فيأكل السَّراطين والضفادع، والرَّق والسلاحف، وإنَّه أشرَهُ مِنْ أَنْ يختارَ لحماً على لحم، قال: وإنَّما يكون ذلك منه إذا أرادَ المتطرِّفَ من حمير القرية وشائها وسائِر دوابِّها، فإذا لَجَّ الكلبُ في النُّباح انتبهوا ونذِروا بالأسَد، فكانوا بَيْنَ أن يحصِّنوا أموالَهم وَبينَ أن يهجهجوا به، فيرجعَ خائباً، فإذا أراد ذلك بدأ بالكلب؛ لأنْ يأمَنْ بذلك الإنذار، ثمَّ يستولي على القرية بما فيها، فإنَّما يطالب الأسدُ الكلابَ لهذه العلَّة.
من حيل الأسد في الصيد وسمعتُ حديثاً من شُيُوخ مَلاَّحي الموصل وأنا هائب له ورأيتُ الحديثَ يدُور بينهم، ويتقبّله جميعُهم، وزعموا أنّ الأسدَ رُبَّما جاء إلى قَلس السفينة، فيتشبَّث به ليلاً، والملاَّحون يمدُّون السفينةَ فلا يشكُّون أنَّ القَلْس قد التفَّ عَلى صخرة، أو تعلَّق بِجذْم شجرة، ومن عاداتهم أنْ يبعثوا الأوَّل من المدَّادين ليحلّه، فإذا رجع إليه الملاّح ليمدّه تمدّد الأسدُ بالأرض، ولزِق بها وغمّض عينيه كي لا يُبصَر وبيصُهُما بالليل، فإذا قرُب منه وثب عليه فخطفَه، فلا يكون للملاّحين همٌّ إلاّ إلقاء أنفُسهم في الماء وعبورَهم إليه، وربما أكله إلاّ ما بقيَ منه، ورُبما جرَّ فريسته إلى عِرِّيسهِ وعرينه، وإلى أجرائه وأشبالِهِ، وإنْ كانَ ذلك عَلى أميال،
سلاح الكلب وسلاح الدِّيك
قالوا: فليس الدِّيك من بابَةِ الكلب؛ لأَنّهُ إنْ ساوَرَهُ قَهَرَهُ قَهْرَاً ذريعاً، وسلاحُ الكلب الذي هو في فيه، أقوى من صِيصة الديك التي في رجله، وصوته أندَى وأبعَد مَدَى وعينه أيقظ.
دفاع عن الكلب
والكلب يكفي نفسه ويحمي غيره، ويعُول أهلَه، فيكون لصاحبه غُنمه وليس عليه غُرمه، ولَمَا يَرمَحُ الدوابُّ من الناس، ولَمَا يَحرن ويجمَع، وتنطَح وتقتُل أهلها في يومٍ واحد، أكثَرُ ممَّا يكونُ من جميع الكلاب في عام، والكبش يَنْطَحُ فيعقِر ويقتل، من غير أنْ يُهاج ويُعبَث به، والبرذَون يَعضُّ ويرمَح من غير أن يُهاج به ويُعبَث، وأنت لا تكادُ ترى كلباً يَعضُّ أحداً إلاّ من تهييج شديد، وأكثر ذلك أيضاً إنَّما هو النُّباح والوعيد.
معرفة الكلب صاحبه وفرحه به
والكلب يعرِف وجهَ ربِّه من وجه عبده وأمَتِه، ووجهَ الزائر، حتَّى ربَّما غاب صاحب الدار حولاً مجرَّماً، فإذا أبصرَه قادِماً اعتراه من الفرَح والبصبصة، والعُواء الذي يدلُّ على السرور، وعلى شدِّة الحنين ما لا يكون فيه شيءٌ فوقه.
قصّة في وفاء كلب
وخبَّرني صديقٌ لي قال: كان عندنا جروُ كلب، وكان لي خادمٌ لهِجٌ بتقريبه، مولعٌ بالإحسان إليه، كثيرُ المعاينة له، فغاب عن البَصرة أشهراً، فقلت لبعضِ مَنْ عِنْدي: أتظنون أنّ فلاناً يعني الكلب يُثبت اليومَ صورةَ فلان يعني خادمَه الغائب وقد فارقَه وهو جرو، وقد صار كلباً يشغَر ببوله? قالوا: ما نشكُّ أنّه قد نسيَ صورتَه وجميعَ برِّه كان به، قال: فبينا أنا جالسٌ في الدار إذ سمعت من قِبَلِ باب الدار نُباحَه، فلم أَرَ شِكْلَ نباحه من التأنُّب والتعثيث والتوعّد، ورأيت فيه بَصبصةَ السُّرور، وحنين الإلْف، ثمَّ لم ألبَث أن رأيتُ الخادمَ طالعاً علينا، وإنَّ الكلبَ ليلتَفُّ على ساقيه، ويرتفِع إلى فخذيه، وينظر في وجهه، ويصيح صياحاً يستَبِين فيه الفرحُ، ولقد بلَغ من إفراط سُرورهِ أنِّي ظَننتُ أنّه عُرِض، ثمَّ كان بعد ذلك يغيب الشَّهرين والثلاثة، أوْ يمضي إلى بغدادَ ثم يرجع إلى العسكر بعد أيَّام، فأعرف بذلك الضّرْب من البصبصة، وبذلك النوع من النُّباح، أنَّ الخادمَ قدِم، حتَّى قلتُ لبعض من عندي: ينبغي أن يكون فلان قد قدم، وهو داخل عليكم مع الكلب، وزعم لي أنّه ربَّما أُلْقِيَ لهذا الجرو إلى أن صار كلباً تَامّاً، بعضَ الطعام فيأكل منه ما أكل، ثم يَمضي بالباقي فيخبؤُه، وربَّما أُلْقِيَ إليه الشيءُ وهو شَبْعان فيحتمله، حتَّى يأتِيَ به بعضَ المخابِئ فيضعه هناك، حتّى إذا جاع رجَع إليه فأكله.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:35 pm

أدب الكلب
وزعم لي غِلماني وغيرُهم من أهل الدَّرب، أنَّه كان ينبح على كلِّ راكبٍ يدخل الدرب إلى عراقيب برذونه، سائساً كان أو صاحبَ دابّةٍ إلاّ أنّه كان إذا رأى محمدَ بن عبدِ الملكِ داخلاً إلى باب الدربِ أو خارجاً منه، لم ينبَحْ البتَّة، لا عليه ولا على دابَّته، بل كان لا يقف له على الباب ولا على الطريق، ولكنَّه يدخل الدِّهليز سريعاً، فسألتُ عن ذلك فبلغني أنه كان إذا أقبل صاحَ به الخادم، وأهوَى له بالضَّرب، فيدخل الدِّهليز، وأنه ما فعل ذلك به إلاّ ثلاثَ مرارٍ، حتَّى صار إذا رأى محمَّدَ بنَ عبدِ الملكِ، دخل الدِّهليز من تلقاء نفسه، فإذا جاوزَ وثب عَلَى عراقيب دوابِّ الشاكريَّة، ورأيت هذا الخبرَ عندَهم مشهوراً، قال: وكُنَّا إذا تَغَدَّيْنَا دنا من الخِوان فزجرناه مرَّةً أو مرَّتين، فكان لا يقرَبُنا، لمكان الزَّجر، ولا يَبعُدُ عن الخوان لعلَّةِ الطمع، فإن ألقينا إليه شيئاً أكلَه ثَمَّ، ودنا من أجل ذلك بعضَ الدُّنوِّ، فكُنَّا نستظهِرُ عليه، فنرمي باللُّقمة فوقَ مَربِضِه بأذرُع، فإذا أكلها ازداد في الطّمَع، فقرَّبه ذلك من الخِوان، ثمَّ يجوز موضعَه الذي كان فيه، ولولا ما كنا نقصِد إليه من امتحان ما عندَه، ليصيرَ ما يظهرُ لنا حديثاً، لكان إطعام الكلب والسِّنّور من الخِوان خطأ من وجوه: أوَّلُهَا أن يكون يصير له به درْبة، حتَّى إنَّ منها ما يمدُّ يَده إلى ما على المائدة حتَّى ربما تناول بفيه ما عليها، وربَّما قاء الذي يأكل وهم يَرَونه، وربَّما لم يرضَ بذلك حتَّى يعُودَ في قيئه، وهذا كله ممَّا لا ينبغي أن يحضُرَهُ الرئيس، ويشهدَه ربُّ الدار، وهو عَلَى الحاشية أجوز.
الأكل بين أيدي السباع فأمَّا علماءُ الفرسِ والهِند، وأطبَّاء اليونانيِّينَ ودُهاةُ العرب، وأهلُ التَّجربة من نازِلة الأمصار وحُذّاق المتكلّمين، فإنهم يكرهون الأكلَ بين أيْدِي السِّباع، يخافون نفوسَها وأعينها، لِلَّذي فيها من الشَّرَه والحِرص، والطَّلَب والكَلَب، ولِمَا يتحلَّلُ عند ذلك من أجوافها من البخار الردِيء، وينفصل مِن عيونها من الأُمور المفسِدة، التي إذا خالطتْ طباعَ الإنسان نقضَتْه، وقد رُوي مثلُ ذلك عن الثَّوري عن سِماك بن حَرْب عن ابن عبّاس أنّه قال على مِنبر البَصرة: إنّ الكلاب من الحِنّ، وإنّ الحِنَّ من ضَعَفَةِ الجِنّ، فإذا غشِيكم منها شيءٌ فألقوا إليه شيئاً واطردوها، فإنّ لها أنفسَ سوء، ولذلك كانوا يكرَهون قِيَامَ الخدمِ بالمذَابِّ والأشربةِ على رُؤُوسهمْ وهم يأكلون؛ مخافة النفس والعَين، وكانوا يأمرون بإشباعهم قبلَ أنْ يأكُلوا، وكانوا يقولون في السِّنَّور والكلب: إمَّا أنْ تطردَه قبل أن تأكلَ وإمَّا أن تشغَلَهُ بشيء يأكله، ولو بعظم، ورأيتُ بعضَ الحكماء وقد سقطت من يده لقمةٌ فَرَفَعَ رأسه، فإذا عينُ غلامٍ له تحدّق نحوَ لقمته، وإذا الغلامُ يزدَرِدُ ريقه لتحلُّب فمِه من الشَّهوة، وكان ذلك الحكيمُ جيِّدَ اللَّقْم، طيِّب الطعام، ويضيِّق على غلمانه، فيزعمون أنّ نُفوسَ السِّباع وأعينَها في هذا الباب أردأ وأخبَث وبينَ هذا المعنى وبين قولهم في إصابة العينِ الشيء العجيبَ المستحسَنَ شِرْكَةٌ وقَرَابَة؛ وذلك أنَّهم قالوا: قد رأينا رجالاً ينسب ذلك إليهم، ورأيناهم، وفيهم من إصابة العَين مقدارٌ من العدد، لا نستطيع أن نجعل ذلك النّسَق من باب الاتِّفاق، وليس إلى ردِّ الخبر سبيل؛ لتواتره وترادُفِه، ولأنّ العِيانَ قد حقّقه، والتجربة قد ضُمّت إليه،
العين التي أصابت سهل بن حنيف
وفي الحديث المأثور في العين التي أصابت سَهْل بن حُنيف فأمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بالذي أمَرَ، وذلك مشهور.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:36 pm

كلام في العين والحسد
قالوا: ولولا فاصل ينفصل من عين المستحسِن إلى بدن المستحسَن، حتَّى يكون ذلك الداخلُ عليه هو الناقضَ لقُواهُ لَمَا جاز أن يلقى مكروهاً البتَّة، وكيف يلقى المكروه من انساقَ في حَيزه وموضِعه، والذي أصابته العين في حيّزه أيضاً وموضعه، من غير تماسٍّ ولا تصادُم، ولا فاصل ولا عامل لاقى معمولاً فيه، ولا يجوز أنْ يكون المعتل بعد صحّته يعتلُّ من غير معنى بدنُه، ولا تنتقض الأخلاط ولا تتزايل إلاّ لأمرٍ يعرِض، لأنه حينئذٍ يكونُ ليس بأولى بالانتقاض من جسمٍ آخر، وإن جاز للصحيح أنْ يعتلّ من غير حادث، جاز للمعتلّ أنْ يبرأ من غير حادث، وكذلك القولُ في الحركة والسكون، وإذا جاز ذلك كان الغائبُ قياساً على الحاضر الذي لم يدخل عليه شيء من مستحسِن له، فإذا كان لابدَّ من معنى قد عَمِل فيه، فليس لذلك المعنى وجه إلاّ أن يكونَ انفصل إليه شيء عَمِل فيه، وإلاّ فكيف يجوزُ أن يعتلّ من ذاتِ نفسه، وهو على سلامتِه وتمام قوّتِه، ولم يتغيَّرْ ولم يحدُث عليه مايغيِّره، فهو وجسم غائب في السَّلامة من الأعراض سواءٌ، وهذا جواب المتكلِّمين الذين يصدِّقون بالعين، ويُثبتون الرُّؤيا.
صفة المتكلمين وليس يكونُ المتكلمُ جامعاً لأقطار الكلام متمكِّناً في الصناعة، يصلح للرئاسة، حتَّى يكون الذي يُحسِن من كلام الدِّين في وزن الذي يُحسِن من كلام الفلسفة، والعالِمُ عندنا هو الذي يجْمَعهما، والصيب هو الذي يجمَع بين تحقيق التوحيد وإعطاء الطبائع حقائقها من الأعمال، ومن زعم أنّ التوحيدَ لا يصلح إلا بإبطال حقائق الطبائع، فقد حمل عجْزَه على الكلام في التوحيد، وكذلك إذا زعمَ أنّ الطبائعَ لا تصحُّ إذا قرنتَها بالتوحيد، ومن قال فقد حمل عجزَه على الكلام في الطبائع.
وإنَّما يَيْأس منك الملحد إذا لم يَدْعُكَ التوفُّر على التوحيد إلى بَخس حقوقِ الطبائع؛ لأنّ في رفع أعمالها رفعَ أعيانها، وإذا كانت الأعيان هي الدالّة على الله فرفعْتَ الدّليلَ، فقد أبطلتَ المدلول عليه، ولعمري إنّ في الجمع بينهما لَبعضَ الشِّدّة. وأنا أعوذُ بالله تعالى أنْ أكون كلّما غَمزَ قناتي باب من الكلام صَعْبُ المدخل، نقضْتُ ركناً من أركان مقالتي ومن كان كذلك لم يُنتفَعْ به.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:38 pm

القول في إصابة العين ونحوها
فإن قال قائل: وما بلغ من أمر هذا الفاصِل الذي لا يشعر بِهِ القوم الحضورَ ولا الذي انفصل منه، ولا المارّ بينهما، ولا المتلقِّي له ببدنِه وليس دونهُ شيء، وكيف لم يعْمَلْ في الأقربِ دونَ الأبعد، والأقربُ إنسان مثله، ولعلَّه أن يكون طبعهُ أشدَّ اجتذاباً للآفات، وبعد، فكيف يكون شيءٌ يصرَع الصحيحَ ويُضجِع القائم، وينقُض القوى، ويُمرِض الأصحَّاء، ويصدَع الصَّخر ويهشِم العظْم، ويقْتُل الثَّور، ويَهدُّ الحمار، ويجري في الجَماد مَجراه في النبات، ويجري في النَّبات مجراه في الحيوان، ويجري في الصّلابة والملاسة جريهُ في الأشياء السخيفة الرِّخوة؛ وهو ممَّا ليس له صدم كصدم الحجر، أو غَرْب كغرْب السَّيف، أو حدٌّ كحدِّ السِّنان؛ وليس من جنس السمّ، فيحمل على نفوذ السُّمّ؛ وليس من جنس الغذاءِ فيُحمل على نفوذ الغِذاء، وليس من جنس السِّحر فيقال إنَّ العُمَّار عملوا ذلك من طريق طاعتهم للعزائم، فلعلَّ ذلك إنَّما كان شيئاً وافق شيئاً، قيل لهم: قد تعلمون كيف مقدارُ سَمِّ الجرَّارة أو سمّ الأفْعى، وكيف لو وزنتم الجَرَّارة قبل لسعِها وبعده لوجدتموها على حالٍ واحدة، وأنت ترى كيف تفسَخ عْقدَ بدن الفيل، وكيف تنقض قوى البعير، من غير صدم كصدم الحجر، وغربٍ كغرب السَّيف، وحدٍّ كَحَدِّ السنان، فإنْ قلت: فهل نابُ الأفْعَى وإبرةُ العقرب إلاّ في سبيلِ حدِّ السنان? قلنا: إنَّ البعيرَ لو كان إنما يَتَفَسَّخ لطعْن العَقرب بإبرتها لمَا كان ذلك يبلغ منها مقدار النَّخس فقَط، ولكنَّه لاَبُدَّ أن يكون ذلك لأحد أمرَين: إمَّا أن تكون العقربُ تمجّ فيه شيئاً من إبرتها، فيكون طبع ذلك وإن قلَّ يفسخ الفيلَ والزَّندبيل، وإمَّا أن يكون طبعُ ذلك الدَّم إذا لاقاهُ طبعُ ذلك الناب وتلك الإبرة أن يُجمد فيقتل بالإجماد، أو يذيب فيقتل بالإذابة، فأيَّهما كان فإنَّ الأمرَ فيه على خلاف ما صدَّرتم به المسألة.
ولا تنازعَ بين الأعراب والأعرابُ ناس إنّما وضعوا بيوتَهم وأبنيتهم وسطَ السِّباع والأحناش والهمَج، فهم ليس يعبُرون إلاّ بها، وليس يعرفون سواها وقد أجمعوا على أنّ الأفْعَى إذا هرِمت فلم تَطعَمْ ولم يبقَ في فمها دم أنَّها تنكز بأنفها، وتطعن به، ولا تعضُّ بفيها، فيبلغ النَّكزُ لها ما كان يبلغ لها قبلَ ذلك اللَّدغُ، وهل عندنا في ذلك إلا تكذيبُهم أو الرجوعُ إلى الفاصل الذي أنكرتموه، لأنَّ أحداً لا يموت من تلك النّخسة، إن كان ليس هناك أكثر من تلك الغمْزة، وقال العجَّاج، أو ابنه رؤبة:
فأخطأ الأفْعَى وَلاَقى الأسودا كنتم كَمنْ أدخَلَ في جُحْرٍ يداً
ثم قال:
بالشمِّ لا بالسَّمِّ منه أقصدا
وقال الآخر:
أو مسَّ من حجرٍ أوْهَاهُ فانصدعا أصمَّ ما شمّ من خَضْرَاءَ أيبسهـا
وقد حدَّثَني الأصمعِيُّ بِفَرْق ما بينَ النَّكْز وغيره عند الأعراب، وههنا أمثال نضْرُِها، وأمور قد عاينْتموها، يذلَّلُ بها هذا المعنى عندَكم ويسهُل بها المدخَل، قولوا لنا: ما بالُ العجينِ يكون في أقصى الدار ويفلق إنسان بِطِّيخةِ في أدنى الدار، فلا يفلح ذلك العجين أبداً ولا يختمر? فما ذلك الفاصلُ? وكيف تقولون بصدمٍ كان ذلك كصدم الحجر، أو بغرب كغرب السيف وكيف لم يعرِض ذلك الفساد في كلِّ معجون هو أقربُ إليه من ذلك العجين، وعلى أنَّ نكْز الحيَّةِ التي يصفُه الشُّعَراء بأنَّ المنكوزَ ميِّت لا محالة، في سبيل ما حدَّثني به حاذقٌ من حذَّاق الأطباء، أنّ رجلاً يضرب الحيَّة مِن دواهي الحيّات بعصاهُ فيموت الضّاربُ، لأنهم يرون أنّ شيئاً فَصلَ من الحيَّةِ فجرى فيها حتَّى داخل الضارب فقتله، والأطباء أيضاً والنَّصارى أجْرأ على دفع الرُّؤْيا والعين، وهذه الغَرائبِ التي تُحكى عن الحيَّات وصرْعِ الشيطان الإنسانَ، من غيرهم.
فأمَّا الدُّهريّة فمنكِرةٌ للشياطين والجنِّ والملائكة والرُّؤيا والرُّقى، وهم يرون أنَّ أمرَهم لا يتمُّ لهم إلاّ بمشاركةِ أصحاب الجَهالات.
وقد نجدُ الرجُل ينقف شحم الحنظل، وبينه وبين صاحبه مسافة صالحة، فيجد في حلقه مَرارة الحنظل، وكذلك السُّوس إذا عولجِ بهِ وبينه وبين الإنسانِ مسافة متوسّطة البعد، يجِدُ في حلقهِ حلاوة السوس، وناقف الحنظل لا تزال عينه تهمُل مادام ينقفه، ولذلك قال ابن حُذام، قال أبو عبيدة: وهو الذي يقول:
لَدَى سَمُرَاتِ الحيِّ ناقفُ حنْظل كأنِّي غداةَ البينِ يومَ تحمَّـلـوا
يخبر عن بكائه، ويصِف دُرُورَ دَمعتِه في إثْر الحمول، فشبَّه نفسه بناقف الحنظل، وقد ذكره امرؤ القيس قي قوله:
نَبْكِي الدِّيارَ كما بكى ابن حمامِ عوجَا على الطّلَلِ القديم لعَلّنـا
ويزُعمون أنّه أوّل مَن بكى في الدِّيار، وقد نجِدُ الرَّجُلَ يقطَع البصل، أو يُوخِفُ الخَرْدل فتدمع عيناه، وينظر الإنسان فيديمُ النّظرَ في العين المحمرة فتعتري عينَه حُمرة، والعرب تقول: لَهُو أعدَى من الثُّؤَباء، كما تقول: لَهُو أعدى من الجَرَب، وذلك أنّ مَن تثاءَب مِراراً، وهو تُجاه عينِ إنسان، اعترى ذلك الإنسان التثاؤب، ورأيت ناساً من الأطباء وهم فلاسفة المتكلِّمين، منهم مَعْمر، ومحمد بن الجَهْم، وإبراهيم بن السِّنْديّ، يكرهون ذُنُوَّ الطامثِ من إناءٍ اللبن لتَسُوطه أو تعالجَ منه شيئاً، فكأنّهم يرونَ أنَّ لبدَنِها ما دام ذلك العرَضُ يعرِض لها، رائحةً لها حِدَّةٌ وبخار غليظ، يكون لذلك المَسُوط مُفسِداً.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:38 pm

من أثر العين الحاسدة
ولا تُبْعِدَنَّ هذا من قلبك تباعداً يدعُوك إلى إنكاره، وإلى تكذيب أهله، فإنْ أبيتَ إلاّ إنكارَ ذلك، فما تقول في فَرسٍ تحَصَّن تحتَ صاحبه، وهو في وسط موكِبه، وغبارُ الموكِب قد حالَ بين استبانةِ بعضهم لبعض، وليس في الموكب حِجْر ولا رمَكة، فيلتفتُ صاحبُ الحِصان فيرى حجراً أو رمكة، على قاب غَرَضٍ أو غَرَضين، أو غَلوة أو غلوتين، حدِّثني، كيف شمَّ هذا الفرس ريحَ تلك الفرسِ الأنثى، وما باله يدخل داراً من الدُّورِ، وفي الدَّار الأخرى حِجْرٌ، فيتحَصَّن مع دخوله من غير معاينة وسَمَاعِ صهيل وهذا الباب سيقع في موضعه إن شاء اللّه تعالى، وقال أبو سعيد عبد الملك بن قريب: كان عندنا رجُلان يَعينان الناس، فمرَّ أحدهما بحوضٍ من حجارة، فقال: تاللّهِ ما رأيتَ كاليوم قطَّ فتطاير الحوض فِلقَين، فأخذه أهلُه فضبَّبوه بالحديد، فمرَّ عليه ثانيةً فقال: وأبيك لقلَّما أضرَرْتُ أهلَكَ فيك فتطاير أربعَ فِلَق.
قال: وأمَّا الآخر، فإنَّه سمعَ صوتَ بَولٍ من وراء حائط فقال: إنَّك لشَرُّ الشَّخب فقالوا له: إنه فلانٌ ابنك، قال: وانقطاع ظهراه قالوا: إنه لا بأسَ عليه، قال: لا يبولُ واللَّه بَعْدَها أبداً قال: فما بال حتَّى مات، قال الأصمعيّ: ورأيت أنا رجلاً عَيُوناً فدُعيَ عليه فعَوِرَ، قال: إذا رأيتُ الشيءَ يُعجبني، وجدتُ حرارةً تخرجُ من عَيني، قال: وسمع رجلٌ بقرةً تُحلَب فأعجبه صوتُ شَخْبها، فقال: أيتَّهن هذه، فخافوا عينَه فقالوا: الفلانيّة لأخرى وَرَّوا بها عنها فهلكتا جميعاً: المُوَرَّى بها والمورَّى عنها، وقد حَمَل النَّاسُ كما ترى على العين ما لا يجوز، وما لا يسوغ في شيء من المجازات، وقولُ الذي اعورَّ: إذا رأيتُ الشيءَ يعجبني وجدتُ حرارةً تخرج من عيني، مِنْ أعظم الحجج في الفاصل من صاحب العين إلى المعين، استطراد لغويقال: ويقال إنَّ فلاناً لَعَيون: إذا كان يتشوَّف للناس ليصيَبهم بعين، ويقال عِنْتُ فْلاَنا أعِينه عيْناً: إذا أصبتَه بعين، ورجل مَعين ومعيون: إذا أصيب بالعين، وقال عبَّاس بن مِرداس:
وإخال أنك سيِّدٌ مـعَـيونُ قد كان قومُك يحسِبونكَ سيِّداً
ويقال للعَيون: إنَّه لَنَفُوسٌ، وما أنفسَه، أي ما أشدَّ عينه، وقد أصابته نَفس أو عين.
دفاع عن الكلب
وأمَّا قول القائل: إنَّ من لؤمِ الكلب وغدرِه أنَّ اللصَّ إذا أراد دارَ أهله أطعَمَ الكلبَ الذي يحرسهم قَبْلَ ذلك مِراراً ليلاً ونهاراً، ودنا منه ومسح ظهَرهُ، حتى يُثبت صورتَه، فإذا أتاه ليلاً أسْلمَ إليه الدارَ بما فيها فإن هذا التأويل لا يكونُ إلاّ من نتيجةِ سوءِ الرأي، فإنَّ سوءَ الرأي يصوِّر لأهله الباطلَ في صورة الحقِّ، وفيه بعضُ الظُّلم للكلب وبعض المعاندة للمحتجّ عن الكلب، وقد ثَبتَ للكلب استحقاقُ المدح من حيثُ أرَادَ أن يهجوَه منه، فإن كان الكلبُ بِفرط إلفِه وشكرِه كفَّ عن اللصِّ عندَ ذِكر إحسانه، وإثبات صورتِهِ، فما أكثرَ منْ يُفْرِط عليه الحياءُ حتَّى ينسب إلى الضَّعف والكرم وحتَّى ينسَب إلى الغفلة، ورُبَّما شاب الرَّجُلُ بعضَ الفطنة ببعض التَّغافل، ليكون أتَمَّ لكَرمه، فإنَّ الفطنة إذا تمَّت منعت من أمورِ كثيرة، ما لم يكن الخِيمُ كريماً والعِرْق سليماً. وإنك أيُّها المتأوِّل، حينَ تكلِّف الكلبَ مع ما قد عَجَّلَ إليه اللصّ من اللَّطَف والإحسان أنْ يتذكّرَ نعمةً سالفة، وأنْ يحترس من خديعة المحسِن إليه، مخافة أنْ يكونَ يُريغُ بإكرامه سوءاً لَحسَنُ الرأيِ فيه، بعيدُ الغايةِ في تفضيله، ولو كان للكلبِ آلة يعرِف بها عواقبَ الأمورِ وحوادثِ الدهور، وكان يوازن بينَ عواجلها وأواجلها، وكان يعرف مصادرها ومواردَها، ويختار أنقص الشرّين وأتمَّ الخيرين، ويتَثبَّتُ في الأمور، ويخاف العَيب ويأخذ بحجَّةٍ ويُعطي بحجَّة، ويعرف الحُجَّة من الشُّبهة، والثِّقَةِ من الرّيبة، ويتثبَّت في العلَّة، ويخاف زَيغ الهوى وسرَف الطبيعة، لكانَ من كبارِ المكلَّفين ومن رُؤُوس الممتَحنين.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:40 pm

من أثر العين الحاسدة
ولا تُبْعِدَنَّ هذا من قلبك تباعداً يدعُوك إلى إنكاره، وإلى تكذيب أهله، فإنْ أبيتَ إلاّ إنكارَ ذلك، فما تقول في فَرسٍ تحَصَّن تحتَ صاحبه، وهو في وسط موكِبه، وغبارُ الموكِب قد حالَ بين استبانةِ بعضهم لبعض، وليس في الموكب حِجْر ولا رمَكة، فيلتفتُ صاحبُ الحِصان فيرى حجراً أو رمكة، على قاب غَرَضٍ أو غَرَضين، أو غَلوة أو غلوتين، حدِّثني، كيف شمَّ هذا الفرس ريحَ تلك الفرسِ الأنثى، وما باله يدخل داراً من الدُّورِ، وفي الدَّار الأخرى حِجْرٌ، فيتحَصَّن مع دخوله من غير معاينة وسَمَاعِ صهيل وهذا الباب سيقع في موضعه إن شاء اللّه تعالى، وقال أبو سعيد عبد الملك بن قريب: كان عندنا رجُلان يَعينان الناس، فمرَّ أحدهما بحوضٍ من حجارة، فقال: تاللّهِ ما رأيتَ كاليوم قطَّ فتطاير الحوض فِلقَين، فأخذه أهلُه فضبَّبوه بالحديد، فمرَّ عليه ثانيةً فقال: وأبيك لقلَّما أضرَرْتُ أهلَكَ فيك فتطاير أربعَ فِلَق.
قال: وأمَّا الآخر، فإنَّه سمعَ صوتَ بَولٍ من وراء حائط فقال: إنَّك لشَرُّ الشَّخب فقالوا له: إنه فلانٌ ابنك، قال: وانقطاع ظهراه قالوا: إنه لا بأسَ عليه، قال: لا يبولُ واللَّه بَعْدَها أبداً قال: فما بال حتَّى مات، قال الأصمعيّ: ورأيت أنا رجلاً عَيُوناً فدُعيَ عليه فعَوِرَ، قال: إذا رأيتُ الشيءَ يُعجبني، وجدتُ حرارةً تخرجُ من عَيني، قال: وسمع رجلٌ بقرةً تُحلَب فأعجبه صوتُ شَخْبها، فقال: أيتَّهن هذه، فخافوا عينَه فقالوا: الفلانيّة لأخرى وَرَّوا بها عنها فهلكتا جميعاً: المُوَرَّى بها والمورَّى عنها، وقد حَمَل النَّاسُ كما ترى على العين ما لا يجوز، وما لا يسوغ في شيء من المجازات، وقولُ الذي اعورَّ: إذا رأيتُ الشيءَ يعجبني وجدتُ حرارةً تخرج من عيني، مِنْ أعظم الحجج في الفاصل من صاحب العين إلى المعين، استطراد لغويقال: ويقال إنَّ فلاناً لَعَيون: إذا كان يتشوَّف للناس ليصيَبهم بعين، ويقال عِنْتُ فْلاَنا أعِينه عيْناً: إذا أصبتَه بعين، ورجل مَعين ومعيون: إذا أصيب بالعين، وقال عبَّاس بن مِرداس:
وإخال أنك سيِّدٌ مـعَـيونُ قد كان قومُك يحسِبونكَ سيِّداً
ويقال للعَيون: إنَّه لَنَفُوسٌ، وما أنفسَه، أي ما أشدَّ عينه، وقد أصابته نَفس أو عين.
دفاع عن الكلب
وأمَّا قول القائل: إنَّ من لؤمِ الكلب وغدرِه أنَّ اللصَّ إذا أراد دارَ أهله أطعَمَ الكلبَ الذي يحرسهم قَبْلَ ذلك مِراراً ليلاً ونهاراً، ودنا منه ومسح ظهَرهُ، حتى يُثبت صورتَه، فإذا أتاه ليلاً أسْلمَ إليه الدارَ بما فيها فإن هذا التأويل لا يكونُ إلاّ من نتيجةِ سوءِ الرأي، فإنَّ سوءَ الرأي يصوِّر لأهله الباطلَ في صورة الحقِّ، وفيه بعضُ الظُّلم للكلب وبعض المعاندة للمحتجّ عن الكلب، وقد ثَبتَ للكلب استحقاقُ المدح من حيثُ أرَادَ أن يهجوَه منه، فإن كان الكلبُ بِفرط إلفِه وشكرِه كفَّ عن اللصِّ عندَ ذِكر إحسانه، وإثبات صورتِهِ، فما أكثرَ منْ يُفْرِط عليه الحياءُ حتَّى ينسب إلى الضَّعف والكرم وحتَّى ينسَب إلى الغفلة، ورُبَّما شاب الرَّجُلُ بعضَ الفطنة ببعض التَّغافل، ليكون أتَمَّ لكَرمه، فإنَّ الفطنة إذا تمَّت منعت من أمورِ كثيرة، ما لم يكن الخِيمُ كريماً والعِرْق سليماً. وإنك أيُّها المتأوِّل، حينَ تكلِّف الكلبَ مع ما قد عَجَّلَ إليه اللصّ من اللَّطَف والإحسان أنْ يتذكّرَ نعمةً سالفة، وأنْ يحترس من خديعة المحسِن إليه، مخافة أنْ يكونَ يُريغُ بإكرامه سوءاً لَحسَنُ الرأيِ فيه، بعيدُ الغايةِ في تفضيله، ولو كان للكلبِ آلة يعرِف بها عواقبَ الأمورِ وحوادثِ الدهور، وكان يوازن بينَ عواجلها وأواجلها، وكان يعرف مصادرها ومواردَها، ويختار أنقص الشرّين وأتمَّ الخيرين، ويتَثبَّتُ في الأمور، ويخاف العَيب ويأخذ بحجَّةٍ ويُعطي بحجَّة، ويعرف الحُجَّة من الشُّبهة، والثِّقَةِ من الرّيبة، ويتثبَّت في العلَّة، ويخاف زَيغ الهوى وسرَف الطبيعة، لكانَ من كبارِ المكلَّفين ومن رُؤُوس الممتَحنين.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:41 pm

رضيعٌُ مُلَهم
وزعم علماءُ البَصريِّين، وذكر أبو عبيدة النحويُّ، وأبو اليقظان سُحيم بن حفص، وأبو الحسن المدائني، وذكر ذلك عن محمَّدِ بن حفص عن مَسْلمَةَ بن محارب، وهو حديثٌ مشهورٌُ في مشيخة أصحابنا من البصريِّين، أنَّ طَاعوناً جارِفاً جاءَ عَلى أهلِ دار، فلم يشكَّ أهلُ تِلك المحَلَّةِ أنَّه لم يَبْقَ فيها صَغيرٌ ولا كبير، وقد كان فيها صَبِيٌّ يرتضع، ويحبو ولا يقوم على رجليهِ، فعمَد مَن بقي من المطعونين من أهل تلك المحَلَّةِ إلى باب تلك الدار فسدَّهُ، فلمَّا كان بعد ذلك بأشهرُ تحوَّل فيها بعضُ وَرَثَةِ القوم، ففتح البابَ، فلمَّا أفضَى إلى عَرْصة الدّار إذا هو بصِبيٍّ يلعبُ مع أجراء كلبةِ، وقد كاَنت لأَهل الدار، فراعَهُ ذلك، فلم يلبَثْ أَنْ أقبلتْ كلبةٌ كانت لأهل الدار، فلمَّا رآها الصبيُّ حبا إليها، فأمكنتْه من أطبائها فمصَّها، فَظَنُّوا أنّ الصّبيّ لما بقي في الدارِ وصارَ منسِيًّا واشتدَّ جوعُهُ، ورأى أجراءَها تستقي من أطبائها، حَبا إليها فعطفت عليه، فلمَّا سقَتْهُ مرَّةً أدامتْ ذلك لَهُ، وأَدَامَ هو الطلب.
والذي أَلَهَم هذا المَوْلودَ مَصَّ إبهامه سَاعَةَ يُولَدُ من بطن أُمّهِ، ولم يعرف كيفيَّةَ الارتضاع، هو الذي هداه إلى الارتضاع منْ أطباءِ الكلبةِ، وَلَوْ لم تكُن الهدايَةُ شيئاً مجعولاً في طبيعته، لما مَصَّ الإبهامَ وحلمَةََ الثّدْي، فلمّا أفرط عليهِ الجوعُ واشتدَّت حالُهُ، وطلبَتْ نفْسُهُ وتلك الطبيعةُ فيهِ، دعَتْهُ تلك الطبيعة وتلكَ المَعْرِفَهُ إلى الطلب والدنوّ، فسبحانَ مَنْ دبَّرَ هذا وألهمه وسَوّاهُ ودلَّ عَلَيْهِ إلهام الحمام ومثلُ هذا الحديث ما خُبِّر به عن بابويه صاحب الحمام، ولو سمعت قصَصه في كتاب اللُّصوص، علمتَ أَنَّه بعيدٌُ من الكذب والتزيد، وقد رأيته وجالسته ولم أسمعْ هذا الحديثَ منه، ولكنْ حدَّثني به شيخٌ من مشايخ البصرة، ومن النُّزول بحضرة مسجد محمد بن رَغبان، وقال بابويه: كان عندي زوجُ حمامٍ مقصوص، وزوجُ حمام طيّار، وفرخانِ من فراخ الزَّوج الطيار، قال: وكان في الغُرفة ثَقْبٌُ في أعلاها وقد كنتُ جعلت قُدَّام الكَوَّة رفًّا ليكون مَسقطاً لما يدخلُ ويخرج من الحمام، فتقدَّمتُ في ذلك مخافةَ أن يعرض لي عارضٌ فلا يكون للطَّيار منفذ للتكسُّب ولورود الماء، فبينَا أنا كذلك إذْ جاءني رسولُ السلطان، فوضَعَني في الحبس، فنسِيت قدْر الزَّوج الطيَّار والفرخين، وما لهما من الثمن، وما فيهما من الكرم، ومتُّ من رَحمةِ الزَّوْج المقصوص، وشغلني الاهتمامُ بهما عن كثير مما أنا فيه، فقلت: أمَّا الزَّوْجُ الطيَّارُ فإنَّهما يخرجان ويرجِعان ويزُقّان، ولعلَّهما أن يَسْلَما ولعلَّهما أن يذهبا وقد كنتُ ربَّيتهما حتى تحصَّنا ووَرَّدَا فإذا شبَّ الفرخان ونهضا مع أبويهما، وسقطا على المعلاة، فإمّا أن يثبُتا وإمَّا أنْ يذهبا، ولكنْ كيفَ يكونُ حَالُ المقصوصَيْنِ، ومَنْ أسوأُ حالاً منهما? فَخُلِّي سَبِيلي بَعْدَ شهر، فلم يكن لي همٌّ إلاَّ النَّظَر إلى ما خلَّفت خلْفي من الحمام، وإذا الفرخان قد ثَبتَا وإذا الزَّوْجَانِ قد ثبتا، وإذا الزَّوجان الطيَّاران ثبتا على حالهما، إلاّ أنِّي رأيتهما زاقَّين، إذ علامةُ ذلك في موضع الغَبَبِ، وفي القِرطِمتَين، وفي أصولِ المناقير، وفي عيونهما، فقلت: فكيف يكونان زاقَّين مع استغناءِ فرخَيهما عنهما? ولا أشكُّ في موت المقصوصين، ثمَّ دخلتُ الغرفة فإذا هما على أفضلِ حال، فاشتدَّ تعجُّبي من ذلك، فلم ألبَثْ أن دَنَوا إلى أفواه الزَّوج الكبار يصنعان كما يصنع الفرْخ في طلب الزَّقِّ، ورأيتهما حين زقَّاهما، فإذا هما لما اشتدّ جوعُهما، وكانا يريانهما يزقّان الفَرخَين وَيَريانِ الفرخَين كيفَ يستطعمان ويستَزِقَّانِ، حملَهُما الجوعُ وحبُّ العيش، وَتَلَهُّبُ العطش، وما في طبعِهما من الهدايَةِ، على أَنْ طلبا مَا يطلَبُ الفرْخُ، فَزَقّاهما ثم صار الزَّقُّ عادةً في الطيَّار، والاستطعَامُ عادةً في المقصوص.
من عجائب الحمام ومِن الحمام حمامٌ يزُقُّ فراخه ولا يزقُّ شيئاً من فِراخ غيره، وإن دنا منه مع فراخهِ فرخٌ مِنْ فراخ غيره، وشاكَلَ فرخيه في السِّنِّ واللَّون طردهما ولم يزقَّهما، ومن الحمام ما يزقُّ كلَّ فرخٍِ دنا منه، كما أنَّ من الحمام حماماً لا يزُقُّ فراخَه البتّةَ حتَّى يموت، وإنَّما تعظُم البليّةُّ على الفَرخ إذا كان الأبُ هو الذي لا يزقّ، لأنَّ الوِلادةَ وعامَّة الحضْن والكَفْل على الأمّ، فإذا ظهر الولد فعامَّةُ الزَّقِّ على الأب، كأنه صاحب العِيال والكاسِب عليهم، وكالأمِّ التي تلد وتُرضِع.
الطائر العجيب: كاسر العظام وأعجبُ من هذا، الطائرُ الذي يقال له كاسر العظام، فإنّه يبْلغُ من بِرِّ الفراخِ كلِّها بعد القيَامِ بشأن فراخ نفسه، أنّهُ يتعاهد فرخَ العُقَاب الثالث، الذي تخرجه من عُشِّها، لأنَّها أشرَهُ وأرغَبُ بَطناً، وأقسى قلباً وأسوأُ خُلقاً مِنْ أنَ تحتَمِلَ إطْعامَ ثلاثَة، وهي مَعَ ذلك سريعة الجَزع، فتخرج ما فَضَلَ عن فرخين، فإذا أخرجتْه قبله كاسرُ العِظام وأطْعَمهُ، لأنْ العُقابَ من اللائي تبيض ثلاثَ بيضات في أكَثر حالاتها.
دفاع أسدي عن أكل قومه لحوم الكلاب قال: وعُيِّر رجلٌ من بني أسدِ بأكل لحوم الكلاب، وذَهبَ إلى قوله:
يا فَقْعَسِيُّ لمْ أكلته لِمـهْ
لو خافكَ اللّهُ عليهِ حَرَّمهْ
فَما أكَلتَ لحمَهُ ولا دَمَهْ
قال: فقال الأَعرابي: أمَا علِمت أنْ الشِّدَة والشجاعة، والبأْسَ والقوة من الحيوان، في ثلاثَةِ أصنافٍ: العقاب في الهواء، والتمساح في ساكن الماء، والأَسَد في ساكن الغياض، وليس في الأرض لحمٌ أشهى إلى التمساح ولا إلى الأَسد من لحم الكلب، فإن شئتمْ فعُدُّوه عدُوًّا لهما، فإنّهُما يأكلانِهِ من طريق الغَيظ وطلب الثأر، وإن شئتم فقولوا غيرذلك.
الطبيعة الأسدية في بني الأسد وبنو أسَدٍ أُسْد الغياض، وأشبهُ شيءِ بالأسد، فلذلك تشتهي من اللُّحمان أشهاها إلى الأَسد، والدَّليلُ على أنّهُمْ أُسْد، وفي طباعِ الأُسْد، أنّكَ لو أحصَيْتَ جميعَ القتلى من سادات العرب ومِنْ فُرسانهم، لَوَجْدَت شَطْرَها أو قَريباً من شَطرها لبني أسد.
أنفة الكلب
قالوا: ثمَّ بعدَ ذلك كلِّه أنَّ الكلبَ لا يرضى بالنوم والرُّبوض على بياض الطريق، وعلى عَفَرِ التراب، وهو يرى ظَهْر البِساط، ولا يرضَى بالبِساط وهو يجد الوِسادة، ولا يرضى بالمطارح دون مرافق المطارح فمن نُبْله في نفسه أن يتخيَّر أبداً أنبلَ موضِع في المجلس، وحيثُ يدَعُه ربُّ المجلس صيانةً له وإبقاء عليه إلاَّ أن يتصدَّر فيه منْ لا يجوز إلاَّ أنْ يكون صدراً، فلا يقصِّر الكلب دونَ أن يرقَى عليه، وقد كان في حُجج معاوية في اتخاذ المقصورة بعد ضرب البُرَك إيّاه بالسيف، أنّه أبصرَ كلباً على منبره.
هذا على ما طُبع عليه من إكرام الرَّجُل الجميل اللباس، حتَّى لا ينبحُ عليه إن دنا من باب أهله، مع الوُثوب على كل أسوَد، وعلى كلِّ رثِّ الهيئة، وعلى كلِّ سفيهٍ تشبهُ حالُه حالَ أهل الرِّيبة، ومِن كِبْره وشدَّة تجبُّره، وفَرْط حمِيَّته وأنفته واحتقاره، أنْه متى نبح على رجُلٍ في الليل، ولم يمْنعه حارسٌ ولم يمكنه الفوت، فدواؤه عند الرجل أنّه لا ينجيه منه إلاَّ أن يقعُدَ بين يديه مستخزياً مستسلماً، وأنّه إذا رآه في تلك الحال دنا منهُ فشَغرَ عليه؛ ولم يَهجْه، كأنَّه حينَ ظفر به، ورآه تحت قدرته، رأى أنْ يسِمَه بميسَمِ ذُلٍّ، كما كانت العربُ تجزُّ نواصِيَ الأسرى من الفُرسان، إذا رامت أنْ تخلِّيَ سبيلَها وتمنَّ عليها، ولو كَفَّ العربيُّ عن جزِّ ناصيته، لوسَمَه الأسْيَرُ من الشِّعر والقوافي الخالداتِ البواقي، التي هي أبقى من المِيسَم، بما هو أضرُّ عليه من جَزِّ ناصيتِه، ولعلَّهُ لا يبلُغُ أهلَه حتَّى تستويَ مع سائر شعرِ رأسه، ولكنَّ ذُلَّ الجزِّ لا يزال يلُوح في وجهه، ولايزال له أثرٌ في قلبه.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:42 pm

تقدير مطرف للكلب
وذُكر أنَّ مُطرِّف بن عبد اللَّه كان يكره أنْ يقال للكلب اخسأ، وما أشبه ذلك، وفي دعائه على أصحاب الكلب الذي كان أربابُه لا يمنعونه من دُخول مُصَلاَّه، قال: اللهمَّ امنعهم بركة صيِده دليل على حسْنِ رأيه فيه.
من أقوال المسيح عليه السلام قالوا: ومرَّ المسيحُ بن مريم في الحَوارِيِّين بجِيفة كلب، فقال بعضهم: ما أشدَّ نتنَ ريحه قال: فهلاَّ قلتَ: ما أشدَّ بياضَ أسنانه. قالوا: وقال رجلٌ لكلب: اخسأْ، ويْلكَ فقال هَمَّام بن الحارث: الويلُ لأهلِ النَّار.
هراش الكلاب
والهِراش الذي يجري بينها وهو شَرٌّ، يكون بينَ جميع الأجناس المتَّفِقة، كالبرذون والبرذون، والبعير والبعير، والحمار والحمار، وكذلك جميع الأجناس، فأمَّا الذي يفرط ويتمُّّ ذلك فيه، ويتمنّع ناس من النّاس، ويقع فيه القِمار، ويتَّخذ لذلك، وينفقَ عليه، ويُغالَى به، فالكلبُ والكلب، والكبشُ والكبش، والدِّيكُ والدّيك، والسُّمانَى والسُّمانَى، التحريش بين الجرذان فأَمَّا الجُرَذ فإنَّه لا يقاتل الجُرَذَ حتَّى يشدَّ رجل أحدهما في طرف خيط، ويشدّ الجُرَذ الآخر بالطرف الآخر، ويكون بينهما من المساواة والالتقاء، والعضِّ والخمش، وإراقة الدَّم وفَرْي الجلود، ما لا يكون بين شيئين من الأنواع التي يُهارَش بها. والذي يُحدث للجُرْذان طبيعة القتالِ، الرِّباطُ نفسُه، فإن انقطع الخيطُ وانحلَّ العَقْد، أخذَ هذا شرقاً وهذا غرباً، ولم يلتقِيا أبداً، وإذا تقابلت جِحَرةَ الفأر، وخَلا لَها الموضعُ، فبيْنَها شرٌّ طويل، ولكنه لا يعدُو الوعيد والصخَب، ولا يلتقي منهما اثنانِ أبداً.
قصة ثمامة فيما شاهده من الفأر وحدَّثني ثمامة بن أشْرَس قال: كان بقيَ في الحبس جُحْر فأر، وتِلْقاءَه جُحرٌ آخر، فَيرَى لكلِّ واحدٍ منهما وعيداً وصياحاً ووثوباً، حتَّى يُظَنَّ أنَّهُما سيلتقيان ثم لا يحتجزان حتّى يقُتلَ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، فبينا كلُّ واحدٍ منهما في غاية الوعيد، إذ مرَّ هارباً حتَّى دخل جُحره، فما زالا كذلك،حتَّى أتى اللَّه تعالى بالفرَج وخُلِّي سبيلي.
جودة الشم عند الكلاب السلوقية
وزعم أنَّ السَّلوقيَّةَ الطويلةَ المناخر أجودُ شَمّاً، والشمُّ العجيب والحسُّ اللطيف من ذلك، إلاَّ أنَّ ذلك في طلب الذكور للإناث والإناثِ للذُّكور خاصة، وأمَّا شمُّ المأكول، واسترواحُ الطُّعم، فللسِّباع في ذلك ما ليس لغيرها، وإنَّ الفأرَ لَيَشمُّ، وإنَّ الذَّر والنمل لَيَشمُّ، وإنَّ السنانير لتشَمُّ، وكذلك الكلب، وله في ذلك فضيلة، ولا يبلغُ مَا يبلغ الذئب وقال أعرابيّ:
صَبَّ عليه اللـه مـن ذِئابـهـا كان أبو الصّحيم من أربـابـهـا
يلتهِمُ الطـائرَ فـي ذَهـابِـهـا أطلسَ لا ينحاشُ مِن كـلابـهـا
في الجَرْيَةِ الأولَى فلا مَشَى بها
ألا تراه يجتهد في الدُّعاء عليها بذئبٍ لا ينحاشُ من الكلاب.
?باب ما يُشَبَّه بالكَلْبِ وليس هو منْه
وإذا جرى الفرس المحجِّل شبَّهوا قوائمَه بقوائم الكلب إذا ارتفعت في بطنه، فيصير تحجيلُها كأنَّه أكلُبٌ صغارٌ تعدو، كما قال العُمانيُّ:
بِيضاً صِغاراً ينتهشْنَ المَنْقَبا كأَن تحت البَطْن منه أكلُبَـا
وقال البدريّ:
دونَ صِفاقَيْه إلى التَّغْرِيضِ كأنَّ أجراءَ كـلابٍ بِـيضِ
وقال الآخر:
دون صِفاقيه إذا ما ضَبَعا كأَنَّ قِطّاً أو كلاباً أربَعَـا
ويصفون الطَّلْعَ أوَّل ما يبدو صغاراً بآذانِ الكلابِ البِيضِ، وقال في ذلك الرَّاجزُ:
يَخرِج بعد النَّجْم والتبعيض أنعَتُ جُمَّاراً على سحـيض
طَلْعاً كآذَانِ الكلابِ البيضِ
ويُوصَف صوتُ الشَّخْب في الإناء بهرير هراش الكلاب، قال أعرابيّ:
جروَا كلابٍ هُورِشا فَهرّا كأنَّ خِلْفيها إذَا مـا هـرَّا
وقال الآخر:
بينَ الأباهِيمِ وبين الخِنْصـرِ كأنَّ صوتَ شَخْبِها المسحنْفِر
هِراشُ أجراءٍ ولما تُثْغِـرِ
وقال أبو دُوَاد:
إلى وَهَوْهةِ الكلب. طَويل طامِح الطَّرْفِ
جواب صبي
وزعم الهيثم بن عدي قال: كان رجل يُسمَّى كلباً، وكان لهُ بُنَيٌّ يلعبُ في الطريق، فقال له رجلٌ: ابن مَنْ? فقال: ابن وَوْ وَوْ وَوْ
ما يستحبّ في ذنب كلب الصيد
ويحبّون أن يكون ذنَب الكلْبِ الصَّائِدِ يابساً، ليس له من اللحم قليل ولا كثير، ولذلك قال:
تلوِي بأذنابٍ قليلاتِ اللِّحَا
وقال الشاعر:
كالغابط الكلبَ يبغي الطِّرْقَ في الذَّنب إنِّي وطَلْبَ ابنِ غـلاّقِ لـيَقـرِيَنـيِ
الطِّرق: الشحم اليسير، يقال: ليس به طِرْق.
طيب لحم أجراء الكلاب
ويقال: ليس في الأرض فَرخٌ ولا جروٌ ولا شيءٌ من الحيوان أسمنَ ولا أرطبَ ولا أطيبَ من أجراء الكلب، وهي أشبهُ شيءٍ بالحمام، فإنَّ فِراخَ الحمام أسمنٍ شيءٍ مادامت صغاراً من غير أن تسمَّن، فإذا بلَغتْ لم تقبل الشحم، وكذلك أولادُ الكلاب. وقال الآخر:
لِوَهْـوَهٍ رَذِم الـخـيشـومِ هَـرَّارِ وأغضَفِ الأذْن طاوي البَطْنِ مُضْطَمِرٍ
الأصمعِيّ قال: قال أعرابيٌّ: أصابتنا سَنة شديدة، ثم أعقبتْها سنةٌ تتابَعَ فيها الأمطارُ فسمِنت الماشية، وكثُرت الألبان والأسمان، فسَمِن وِلْدان الحيِّ، حتَّى كأنَّ استَ أحدهم جرو يتمطَّى.
طلب أبي دلامة أبو الحسن قال: قال أبو العبَّاس أميرُ المؤمنين لأبي دُلامة: سَلْ قال: كلباً، قال: ويلَك ما تصنع بالكلب? قال: قلت أصيدُ به، قال: فلك كلب، قال: ودابَّةً، قال: ودابّة، قال: وغلاماً يركَب الدابة ويَصيد، قال: وغلاماً، قال: وجاريَة، قال: وجارية، قال: يا أمير المؤمنين كلبٌ وغلامٌ وجاريَة ودابّة، هؤلاء عِيال، ولابدَّ مِن دار، قال: ودار، قال: ولابدَّ لهؤلاء من غَلَّةِ ضَيعة، قال: أقطعناك مائَةَ جَرِيبٍ عامرةً ومائَةَ جريبٍ غامرة، قال: وأيُّ شيء الغامرة? قال: ليس فيها نبات، قال: أنَا أُقطِعك خمسَمائَةِ جريب من فيافي بني أسد غامرةً، قال: قد جعلنا لك المائتين عامِرتين كُلَّها، ثمَّ قال: أبقيَ لك شيء? قال: نعم، أقبِّل يدك، قال: أمَّا هذه فدعْها، قال: ما منعتَ عيالي شيئاً أهون عليهم فقْداً منه?.
علمه حيلة فوقع في أسرها
أبو الحسن عن أبي مريم قال: كان عندنا بالمدينة رجلٌ قد كثُر عليه الدَّين حتَّى توارى من غرمائه، ولزِم منزله، فأتاه غريم له عليه شيءٌ يسير، فتلطَّفَ حتَّى وصل إليه، فقال له: ما تجعلُ لي إنْ أنا دللتك على حيلةٍ تصيرُ بها إلى الظهورِ والسَّلامةِ من غرمائك? قال: أقضِيكَ حقَّك، وأزيدُك ممَّا عندي ممَّا تقُّرُ به عينك، فتوثَّق منه بالأيمان، فقال له: إذا كان غداً قبْلَ الصَّلاةِ مرْ خادمَك يكنُسْ بابَك وفِناءَك ويرشَّ، ويبسُطْ على دكّانك حُصراً، ويضَعْ لك متَّكأ، ثمّ أمهِل حتى تصبَح و يمرَّ الناس، ثمّ تجلس، وكلُّ مَن يمرُّ عليك ويسلّم انبح له في وجهه، ولا تزيدَنَّ على النُّباح أحداً كائناً مَن كان، ومَنْ كلّمك من أهلِك أو خدمك أو من غيرهم، أو غريمٍ أو غيره، حتَّى تصير إلى الوالي فإذا كلَّمك فانبَحْ له، وإيَّاك أن تَزيدَه أو غيرَه على النُّباح؛ فإنَّ الواليَ إذا أيقَنَ أنَّ ذلك منك جِدٌّ لم يشُكَّ أنَّه قد عرَض لك عارض من مَسٍّ فيخلِّيَ عنك، ولا يغري عليك، قال: ففعَل، فمرَّ به بعضُ جيرانه فسلّم عليه، فنبَح في وجهه، ثم مرَّ آخرُ ففعل مثلَ ذلك، حتَّى تسامع غرماؤه فأتاه بعضُهم فسلّم عليه فلم يزِدْه على النُّباح، ثمَّ آخرُ، فتعلَّقوا به فرفعوه إلى الوالي، فسأله الوالي فلم يزدْه على النُّباح، فرفَعه معهم إلى القاضي، فلم يزده على ذلك، فأمَرَ بحبسه أيَّاماً وجعلَ عليه العيون، وملَك نفْسَه وجعَلَ لا ينطِق بحرفٍ سوى النُّباح، فلمَّا رأى القاضي ذلك أمرَ بإخراجه ووضعَ عليه العيونَ في منزله، وجعل لا ينطِق بحرفٍ إلاَّ النباحَ، فلما تقرَّرَ ذلك عند القاضي أمر غرماءَه بالكفِّ عنه، وقال: هذا رجلٌ بِهِ لَمَم، فمكث ما شاء اللهُ تعالى، ثمَّ إنَّ غريمَه الذي كان علّمه الحيلة، أتاه متقاضياً لِعِدتِه فلمَّا كلمه جعل لا يزيدهُ على النُّباح، فقال لَهُ ويلَكَ يا فلان وعليَّ أيضاً، وأنا علَّمتك هذه الحيلة? فجعل لا يزيدُه على النُّباح، فلمَّا يئس منه انصرف يائساً مما يطالبه بِهِ.
اتحاد المتعاديين في وجه عدوِّهما المشترك قال أبو الحسن عن سلمة بن خطّاب الأزديّ، قال: لمَّا تشاغل عبدُ الملك بنُ مرْوانَ بمحاربةِ مُصعَبِ بنِ الزُّبير، اجتمَعَ وجوهُ الرُّوم إلى ملكهم فقالوا له: قد أمكنَتْك الفُرْصةُ من العَرب، بتَشاغُل بعضهم مع بعض، لوقوع بأسهم بينهم، فالرأيُ لك أن تغزوَهم إلى بلادهم، فإنَّك إن فعلتَ ذلك بهم نلتَ حاجتَك، فلا تدَعْهم حتَّى تنقضيَ الحربُ التي بينهم فيجتمعوا عليك فنهاهم عن ذلك وخطَّأ رأيَهم، فأبوا عليه إلاّ أن يغزُوا العربَ في بلادهم، فلمَّا رأى ذلك منهم أمَرَ بكلبَينِ فحرَّش بينهما، فاقتتلا قتالاً شديداً، ثمَّ دعا بثعلبٍ فخلاَّه، فلما رأى الكلبان الثعلبَ، تركا ما كانا فيه، وأقبلا عليه حتَّى قتلاه، فقال ملك الروم: كيف ترون? هكذا العربُ، تقتتلُ بينها، فإذا رأونا تركوا ذلك واجتمعوا علينا فعرَفوا صدقه، ورجَعوا عن رأيهم.
كرم الكلاب
قال: وقال المغيرةُ لرجلٍ خاصم إليه صديقاً له، وكان الصديقُ توعَّدَه بصداقة المغيرة، فأعلمه الرجلُ ذلك، وقال: إنَّ هذا يتوعَّدَني بمعرفتك إيَّاه، وزعم أنَّها تنفعه عندَك، قال: أجَلْ إنَّها والله لتنفَع، وإنَّها لتنفَعُ عند الكلب العقور.
فإذا كان الكلبُ العقورُ كذلك، فما ظنُّك بغيره? وأنت لا تصيب من الناس مَن تنفع عنده المعرفةُ من ألفٍ واحداً. وهذا الكرمُ في الكلاب عامٌّ، والكلبُ يحرُس ربَّه، ويحمي حريمه شاهداً وغائباً، وذاكراً وغافلاً، ونَائِماً ويقظان، ولا يقصِّر عن ذلك وإن جفَوه، ولا يخذُلهم وإن خذَلوه.
نوم الكلب
والكلبُ أيقَظُ الحيوان عيناً في وقتِ حاجتهم إلى النوم، وإنَّما نومه نهاراً، عند استغنائِهم عن حراسةٍ، ثمَّ لا ينام إلاَّ غِراراً وإلاَّ غِشَاشاً، وأغلبُ ما يكوم النّومُ عليه وأشدُّ مايكون إسكاراً له أنْ يكونَ كما قال رؤبة:
لاقيت مَطْلاً كنُعاسِ الكَلْبِ
يعني بذلك القَرْمَطَة في المواعيد، وكذلك فإنَّه أنْوَمُ مايكونُ أنْ يفتحَ عينَه بقدْر ما يكفيه للحراسة، وذلك ساعةً، وهو في هذا كلِّه وأسمَعُ من فرَس، وأحذَرُ من عَقْعَق، مع بُعد صوته.
قول رجل من العرب في الجمال

وقيلَ لرجُل من العرب: ما الجمال? فقال: غُؤور العينَين، وإشراف الحاجبين، ورُحْب الأشداق، وبُعْدُ الصوت.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:43 pm

علاج الكلب واحتماله
هذا مع قلة السآمة، والصَّبْرِ على الجفوة، واحتمالِ الجراحات الشِّداد، وجوائف الطعان ونوافِذِ السهام، وإذا ناله ذلك لم يَزَلْ ينظِّفه بريقه؛ لمعرفته بأنَّ ذلك هو دواؤه حتَّى يبرأ، لا يحتاج إلى طبيب، ولا إلى مِرْهم ولا إلى علاج.
طول ذماء الضب والكلب والأفعى
وتقول العرب: الضبُّ أطولُ شيءٍ ذَمَاء، والكلبُ أعجبُ في ذلك منه، وإنَّما عجبوا من الضَّبِّ، لأنَّه يَغْبُر ليلته مذبوحاً مفرِيَّ الأوداج، ساكنَ الحركة، حتَّى إذا قرِّب من النار تحرّك، كأنَّهم يظنُّون أنَّه قد كان حياً، وإن كان في العين ميّتاً، والأفعَى تبقى أيَّاماً تتحرَّك ما يعتريه الاختلاج بعد الموت فأمَّا الذي يعتريه الاختلاج بعد جُموده ليلةً، فلحْمُ البقر والجُزُر، تختلج وهي على المعاليق اختلاجاً شديداً، والحيَّة يُقطَعُ ثلثها الأسفل، فتعيش وينبُت ذلك المقطوع.
حياة الكلب مع الجراح الشديدة
قال: والكلب أشدّ الأشياءِ التي تعيش على الجراح، التي لا يعيش عليها شيء إلا الكلبُ، والخنزيرُ، والخُنْفَساء.
قوة فكّ الكلب وأنيابه
والكلبُ أشدُّ الأشياء فَكّاً، وأرْهفها ناباً، وأطيَبُها فماً، وأكثرها ريقاً، يُرمَى بالعظم المدْمَج، فيعلم بالغريزة أنَّه إن عضَّه رضّه، وإن بلعَه استمرأه.
إلف الكلب وغيره من الحيوان للإنسان
وهو ألوفٌ للناس، مشاركٌ من هذا الموضع العصافيرَ والخطاطيفَ والحمامَ والسنانير، بل يزيد على ذلك في باب الخاصِّ وفي باب العامِّ، فأمَّا باب الخاصِّ، فإن من الحمام ما هو طُورانيٌّ وحشيٌّ، ومنه ما هو آلفٌ أهلي، والخُطَّاف من القواطع غير الأوابد، إذا قطع إلى الإنس لم يَبْنِ بيتَه إلاَّ في أبعدِ المواضع، من حيثُ لا تناله أيديهم، فهو مقسومٌ على بلاده وبلادِ من اضطرَّته إليه الحاجة، والعصافير تكون في القرب حيثُ تمتنع منهم في أنفسها، والكلاب مخالطةٌ لها ملابِسة، ليس منها وحشيّ، وكلُّها أهلي، وليس من القواطع ولا من الأوابد ما يكون آنس بالناس من كثير ممَّا يوصف بالأنس والإلف من الكلاب دون سواها، وفي السَّنانير الوحشَّيةُ والأهلية.
وعلى أنّ إلفَ الكلب فوقَ إلف الإنسان الألوف، وهو في الكلب أغرَبُ منه في الحمام والعصفور؛ لأنَّه سبع، والحمام بهيمة والسبع بالسباع أشبه، فتركَها ولم يناسبها، ورغِب عنها، وكيف، وهو يصيد الوُحوشَ ويمنع جميعَ السِّباع من الإفساد? فذلك أحمَدُ له وأوجَبُ لشكره، ثمَّ يصيرُ في كثيرٍ من حالاته، آنَسَ بالنَّاس منه بالكلابِ دِنيَّةً وقُصْرةً، ولا تراه يلاعبُ كلباً ما دام إنسانٌ يلاعبه، ثمَّ لم يرْضَ بهذه القرابة وهذه المشاكلة، وبمقدار ما عليه من طباع الخُطَّاف والحمام والعصفور، وبمقدار ما فضَّلها الله تعالى بِهِ من الأُنس، حتَّى صار إلى غايةِ المنافع سُلَّماً، وإلى أكثر المرافق.
الحاجة إلى الكلاب
وليس لحارس الناس ولحارسِ أموالهم بُدٌّ من كلب، وكلَّما كان أكبرَ كان أحبَّ إليه، ولا بدَّ لأقاطيع المواشي من الكلاب، وإلاَّ فإنّها نهب للذئاب ولغير الذئاب ثمّ كلابِ الصّيد، حتَّى كان أكثرُ أهل البيت عِيالاً على كلِّ كلب مقلدات الأنسان من الحيوان وقد صار اليومَ عندَ الكلب من الحكايات وقَبول التلقين، وحُسْن التصريف في أصناف اللَّعِب، وفي فِطَن الحكايات ما ليس في الجوارح المذلَّلةِ لذاك، المصرَّفةِ فيه، وما ليس عند الدبِّ والقرد والفيل، والغَنَم المكِّيَّة، والبَبغَاء،

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:44 pm

الكلب الزِّينيّ
والكلب الزِّينيّ الصِّينيّ يُسرَج على رأسه ساعاتٍ كثيرةً من اللَّيْل فلا يتحرَّك، وقد كان في بني ضَبَّةَ كلب زينيٌّ صينيّ، يُسرَج على رأسه، فلا ينبِض فيه نابِض، ويدعونه باسمه ويُرمى إليه ببِضْعَةِ لحم والمِسْرَجةُ على رأسه، فلا يميل ولا يتحرَّك، حتَّى يكونَ القومُ هم الذين يأخذون المصباح من رأسه، فإذا زايَل رأسَه وثَب على اللحم فأكله، دُرِّب فدَرِب وثُقِّف فَثَقِف، وأُدِّب فقَبِل، وتعلَّق في رقبته الزنْبلة والدَّوْخَلّة وتوضع فيها رُقعة، ثم يمضي إلى البقَّال ويجيء بالحوائج. تعليم الكلب والقرد
ثمَّ صار القَرَّادُ وصاحبُ الرُّبَّاح مِنْ ثمَّ يستخرِجُ فيما بين الكلْب والقِرد ضُروباً من العمَل، وأشكالاً من الفِطَن، حتَّى صاروا يطحنون عليه، فإذا فرغ من طحنه مضَوا به إلى المُتمَعَّك، فيُمعَّك كما يُمعَّك حمار المُكَارِي وبغلُ الطحَّان، وقرابةٌ أخرى بينه وبين الإنسان: أنّه ليس شيءٌ من الحيوان لذكره حجْمٌ بادٍ إلا الكلبُ والإنسان.
ما يسبح من الحيوان وما لا يسبح والكلبُ بعد هذا أسبحُ من حيّة، ولا يتعلَّق بِهِ في ذلك الثَّور، وذلك فضيلةٌ له على القِرد، معَ كثرةِ فِطَن القِرْد وتشبُّههِ بالإنسان؛ لأنّ كلَّ حيوانٍ في الأرض فإنَّه إذا ألقي في الماء الغَمْر سبح، إلاّ القردَ والفرسَ الأعسَر، والكلب أسبحُها كلِّها، حتّى إنّه ليُقَدَّم في ذلك على البقرة والحيَّة.
أعجوبة في الكلاب من الأعاجيب
وفي طباع أرحامِ الكلاب أُعجوبَة؛ لأنَّها تَلقَح من أجناس غير الكلاب، ويُلقحها كما يلقح منها، وتلقح من كلابٍ مختلفة الألوان، فَتؤدِّي شَبَه كلِّ كلب، وتمتلئ أرحامُها أجراءً من سِفاد كلبٍ، ومن مرةٍ واحدة، كما تمتلئ من عدَّة كلابٍ ومن كلبٍ واحد، وليست هذه الفضيلة إلاّ لأَرحام الكلاب.
فخر قبيلتين زنجيتين قالوا: والزِّنج صِنفان، قبيلة زنجيَّة فوق قبيلة، وهما صِنفان: النمل والكلاب، فقبيلةٌ هم الكلاب، وقبيلةٌ هم النمل، فخر هؤلاء بالكثرة، وفخر هؤلاء بالشدَّة، وهذان الاسمان هُمَا ما اختارَاهما لأنفسِهما ولم يُكرَها عليهما.
حديث أكلك كلب الله
قال: ويقال إنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لعُتْبة بن أبي لهَب: أكلك كلبُ الله فأكله الأسد، فواحدةٌ: قد ثبت بذلك أنَّ الأسد كلبُ الله، والثانية: أنّ الله تبارك وتعالى لا يُضاف إليه إلاَّ العظيمُ، من جميع الخير والشرِّ، فأما الخير فقولك: بيت الله، وأهل الله، وزُوَّار الله، وكِتاب الله، وسماء الله، وأرض الله، وخليلُ الله، وكَلِيم اللّه، وروح الله، وما أشبه ذلك، وأما الشرُّ فكقولهم: دعْه في لعنَةِ الله وسخَط الله، ودعْه في نار الله وسَعيره، وما أشبه ذلك، وقد يسمِّي المسلِمون والنَّاس كلباً.
تسمية بنات آوى والثعالب والضباع بالكلاب
وقد زعم آخرون: أنَّ بناتِ آوى، والثعالبَ والضِّباعَ، والكلابَ كلَّها كلاب، ولذلك تَسافَدُ وتَلاَقح، وقال آخرون: لعَمري إنَّها الكلاب إذا أردتم أن تشبِّهوها، فأمَّا أن تكونَ كلاباً لِعلَّةٍ أو عِلَّتين والوجوهُ التي تخالف فيها الكلاب أكثر فإنَّ هذا ممّا لا يجوز، وقول مَنْ زعم أنّ الجواميس بقرٌ وأنّ الخيلَ حُمُرٌ، أقربُ إلى الحقِّ من قولِكم، وقولِ من زعَم أنّ الجواميس ضأنُ البقر، والبقَر ضأنٌ أيضاً، ولذلك سمَّوا بقرَ الوحْشِ نِعاجاً، كأنهم إنما ابتغوا اتِّفاق الأسماء، ومابالُ من زعم أنَّ الأسَد والذئب والضبع والثعلبَ وابنَ آوى كلابٌ أحقُّ بالصواب ممَّن زعم أنَّ الجواميس ضأنٌ والبقر ضأنٌ والماعزُ كلها شيء واحد، وهذا أقربُ إلى الإمكان؛ لتشابهها في الظِّلف والقُرون والكروش وأنَّها تجتَرُّ، والسِّنَّور والفهد والنمر والبَبْر والأسد والذئب والضبع والثّعلبُ إلى أن تكونَ شيئاً واحداً أقرب، وعلى أنَّنا لم نتبينْ إلى الساعة أنَّ الضِّباع والكلابَ وبناتِ آوى والذئابَ تتلاقح؛ وما رأينا على هذا قط سِمْعاً ولا عِسْباراً، ولا كلَّ ما يعُدُّّون، وما ذِكْرهم لذلك إلاَّ من طريق الإخبار عن السُّرعة، أو عن بعضِ ما يُشبه ذلك، فأمّا التلاقُح والتركيب العجيب الغريب، فالأعراب أفطنُ والكلام عندهم أرخص منْ أن يكونوا وصَفُوا كلَّ شيءٍ يكون في الوحش، وكلَّ شيءٍ يكون في السّهل والجبل، مما إذا جمع جميعُ أعاجيبه لم يكنْ أظرفَ ولا أكثرَ ممَّا يدَّعون من هذا التَّسافُد والتّلاقُح والتراكيب في الامتزاجات، فكيفَ يَدَعُون ما هو أظرفُ، والذي هُو أعجب وأرغب، إلى ما يستوي في معرفته جميعُ الناس? تتمَّة القول في حديث السابق وقال آخرون: ليس الكلبٌ من أسماء الأسد، كما أنْ ليس الأسد من أسماء الكلب، إلاّ على أنْ تمدحُوا كلبَكم فيقول قائلكم: ماهو إلاّ الأسد؛ وكذلك القول في الأسَد إذا سمَّيتموه كلباً، وذلك عند إرادة التصغير والتحقير، والتأنيب والتقريع؛ كما يقال ذلك للإنسان على جهة التشبيه، فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قال "ذلك فإنَّ ذلك على بعض ما وصفْنا لك، ويقول أهل حمص: إنهم لا يُغلَبون؛ لأن فيها نورَ الله في الأرض، وما كلبُ الله إلا كنُور الله. والله، تبارك وتعالى عُلُوّاً كبيراً، لا تضاف إليه الكلابُ والسنانيرُ والضِّباعُ والثعالب، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل هذا قطُّ، وإنْ كان قالَه فعلى صلةِ كلامٍ أو على حكايةِ كلام.
وقال صاحب الكلب: قد وضَح الأمر، وتلقَّاه الناس بالقَبول، في أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: أكَلَك كلبُ الله وهو يعني الأسد، ومن دفع هذا الحديثَ فقد أنكرَ علاماتِ الرسول صلى الله عليه وسلم.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:44 pm

التسمية بمشتقات الكلب
والنَّاسُ قد سمَّوا الناسَ بكلبٍ وكُليب وكِلاب وأكلبُ ومكاليب ومكالبة بنو ربيعة، وكليب بن ربيعة بن عامر، وفي العرب من القبائل كلب، وبنو الكلْبة، وبنو كلاب، وأكلبُ بن ربيعةَ بنِ نزار عِمارةٌ ضخمةٌ، وكلْب بن وَبْرة جِذْمٌ من الأجذام وهم نفرُ جُمجُمة، وكلّ سادات فهو يكنى أبا كليب، ومن ذلك عمرو ذو الكلب وأبو عمرو الكلب الجرمي وأبو عامر الكلب النحوي، وكيف لا يجوز مع ذلك أنْ يسمَّى الأسد بالكلب، وكلُّ هؤلاء أرفَعُ من الأسد? وقد قالوا: كلب الماء، وكلبُ الرحى، والضَّبَّة التي في الرحل يقال لها الكلب، والكلب: الخشبة التي تمنع الحائط من السُّقوط، وتُشخَص في القناطر والمسنَّيات، والكلب الذي في السماء ذو الصُّوَر، ويقال: داء الكَلَب، وقد اعتراه في الطعام كلب، وقد كلب عليهم في الحرب، ودِمَاءُ القوم للكَلْبى شفاء، ومنه الكلْبة والكلْبتان والكُلاَّب والكلُّوب ثمَّ المكلِّب والمكلب وهذا مختلف مشتقٌّ من ذلك الأصل، ومنه عَلُّويَهْ كلب المطبخ، وحمويه كلب الجنّ.
بين أبي علقمة المزني وسوار بن عبد الله ولما شهدَ أبو علقمة المُزَنيُّ عند سوّار بنِ عبد الله أو غيره من القضاة و توقَّفَ في قَبول شهادته، قال له أبو علقمة: لم توقَّفتَ في إجازة شهادتي? قال: بلغني أنَّك تلعَب بالكِلاب والصُّقور، قال: مَنْ خبَّرك أنِّي ألعب فقد أبْطَل، وإذا بلغك أنِّي أصطادُ بها فقد صدَقَك مَنْ أبلغك، وإنِّي أخبرك أنِّي جادٌّ في الاصطياد بها غيرُ لاعبٍ ولا هازئ، فقد وقَفَ المبلِّغ على فرقِ ما بينَ الجدِّ واللَّعب، قال: ما وقَفَ ولا وقَّفته عليه، فأجازَ شهادتَه قوله تعالى: يَسْألونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ وقد قال الله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحلَّ لَهُمْ" فقال لنبيِّه: "قلْ أُحلَّ لكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِح مُكلِّبِين"، فاشتَقَّ لكلِّ صائدٍ وجارحٍ كاسب مِنْ بازِ، وصقرٍ، وعُقاب، وفَهْد، وشاهين، وزرَّقٍ، ويؤيؤ، وباشق، وعَنَاق الأرض، من اسم الكلب، وهذا يدلُّ على أنّه أعمُّها نفعاً، وأبعدها صِيتاً، وأنبهها ذكراً، ثمَّ قال: "تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمكُمُ الله فَكُلوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسمَ اللهِ عَلَيْهِ" فذكر تعليمَهم لها إذ أضافَ ذلك إلى نفسه، ثمَّ أخبَرَ عن أدَبها وأنَّها تُمسِك على أربابها لا على أنفسها، وزعَم أصحاب الصَّيْد أنْ ليس في الجوارح شيءٌ أجدرُ أن يُمسِك على صاحبه ولا يُمسِكَ على نفسه من الكلب تأويل آية أصحاب الكهف قال الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: "أَمْ حَسِبْتَ أَنّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنَا عَجَباً، إذ أوَى الْفِتْيَةُ إلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا: رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً"، فخبَّر كما ترى عن دعائهم وإخلاصهم، ثمَّ قال جلّ وعزَّ: "فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ في الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً"، ثمَّ قال عزَّ وجلّ: "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالحَقِّ إنّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا برَبِّهمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبهمْ إذْ قَامُوا فَقَالُوا: رَبُّنَا رَبُّ السَّمواتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مَنْ دَونِهِ إلهاً لَقَدْ قُلْنَا إذاً شططاً" ثم قال: "فَأوُوا إلَى الْكَهْفِ ينشر لَكُمْ رَبُّكمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أمْرِكُمْ مِرْفَقاً، وَتَرَى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُم ذَاتَ الشِّمال" ثمّ قَالَ بعدَ هذه الصِّفة لحالهم، والتمكين لهم من قلوب السَّامعين، والأُعجوبةِ التي أتاهم بها: "وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذرَاعَيْهِ بالْوَصِيدِ" ثمَّ قال: "لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَ لَمُلئْتَ منْهُمْ رُعْباً" فخبَّر أنَّهم لم يستصحبوا مِن جميع مَن يألفُ النَّاس ويرتفقون به، ويسكنون إليه، شيئاً غيرَ الكلب، فإنَّ ممّا يألفُ النَّاس ويرتفقون به، ويسكنون إليه، شيئاً غيرَ الكلب، فإنّ ممّا يألفُ النَّاس ويرتفقون به، ويسكنون إليه: الفرسَ والبعيرَ والحمار والبغل، والثَّور والشاة، والحمامَ والدِّيَكة، كلّ ذلك مما يرتفَق به ويُستصحب في الأسفار، وينقَل من بلدٍ إلى بلد.
والناس يصطادون بغير الكلب، ويستمتعون بأمور كثيرة، فخبَّر عنهم بعد أن جعلهم خياراً أبراراً، أنّهم لم يختاروا استصحابَ شيءٍ سوى الكلب، وليس يكون ذلك من الموفّقين المعصومين المؤيَّدين، إلاّ بخاصّةٍ في الكلب لاتكون في غيره، ثمَّ أعاد ذكر الكلب، ونبَّأ عن حاله، بأنْ قال عزَّ وجلَّ: "إذ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهمْ قَالَ الَّذينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِداً، سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُم كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُم قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إلاّ قَليلٌ، فَلاَ تُمَارِ فِيهمْ إلاّ مِرَاءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهمْ مِنْهُمْ أَحَداً" وفي قولهم في الآية "ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُم كَلْبُهُمْ وَيَقولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُم كَلْبُُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُم كَلْبُهُمْ" دَلِيلٌ عَلَى أنَّ الكلبَ رفيعُ الحال، نبيه الذِّكر، إذ جُعِل رابعَهم، وعُطف ذِكْرُه على ذكرهِمْ، واشتقَّ ذكْره من أصل ذكرهمْ، حتَّى كأنَّه واحدٌ منهم، ومن أكفائهم أوْ أشباههِم أو ممَّا يقاربهم، ولولا ذلك لقال: سيَقُولون ثلاثَةٌ معهم كلبٌ لهم، وبينَ قول القائل معهم كلبٌ لهم، وبين قوله )رَابِعُهُم كَلْبُهُم( فرقٌ بيِّن وطريق واضح، فإنْ قلتم: هذا كلام لم يحكه الله تعالى عن نفسه، وإنَّما حكاه عن غيره، وحيث يقول: "ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ" وَقَدْ صَدَقتُم، والصِّفة على ما ذكرتم؛ لأنَّ الكلامَ لو كان منكراً لأنكره الله تعالى، ولو كان معيباً لعابه الله، فإذْ حكاه ولم يَعِبْهُ، وجعله قرآناً وعظّمه بذلك المعنى، ممّا لا ينكرَ في العقل ولا في اللغة، كان الكلام إذا كان على هذه الصفة مثلَه؛ إذ كان الله عزّ وجلّ المنْزل له الاستطاعة قبل الفعل ومثلَ ذلك مثَّلَ بعضُ المخالفين في القدَر، فإنّه سأل بعضَ أصحابنا فقال: هل تعرفُ في كتاب الله تعالى أنَّه يُخبِرُ عن الاستطاعة، أنّها قبلَ الفعل? قال: نعم، أتى كثيرٌ، مِنْ ذلك قولُه تعالى "قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْه لَقَويٌّ أَمِينٌ"، قال المخالف: سألتك أنْ تخبرني عن الله، فأخبرتني عن عفريتٍ لو كان بينَ يديَّ لبَزَقتُ في وجهه قال صاحبُنا: أمّا سليمانُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقد تركَ النَّكيرَ عليه، ولو كان مثلُ هذا القول كفْراً وافتراءً على الله، ومغالبةً وتفويضاً للمشيئة إلى النفس، لكان سليمان ومَن حضره من المسلمين من الجِّن والإنس أحقَّ بالإنكار، بل لم يكن العِفريتُ في هذا الموضع هو الذي يسرع فيه ويذكر الطاعة، ولا يتقرَّب فيه بذكر سرعة النفوذ، ويبشر فيه بأنّ معه من القوِّة المجعولة ما يَتَهَيأ لمثله قضاءُ حاجته، فيكذب ثمَّ لا يرضى بالكذب حتَّى يقول قولاً مستنكراً، ويدَّعي قوَّة لا تُجعَل له، ثمّ يستَقبل بالافتراء على الله تعالى والاستبداد عليه، والاستغناء عنه نبيّاً قدْ ملك الجنَّ والإنس والرِّياحَ والطير، وتسْييرَ الجبال، ونطقَ كلِّ شيء، ثمَّ لا يزجره فضلاً عن أنْ يضربَه، ويسجُنه فضلاً عن أن يقتله.
وبعدُ، فإن الله تبارك وتعالى لم يجعل ذلك القول قرآناً، ويترك التنبيه على ما فيه من العَيب، إلاّ والقول كان صِدقاً مقبولاً، وبعد، فإن هذا القولَ قد سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلاهُ على الناس، وما زالوا يتلونه في مجالسهم ومحاريبهم، أفَما كان في جميع هؤلاء واحدٌ يعرف معرفتك، أو يغضَبُ لله تعالى غضبك?.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:45 pm

دفاع عن الكلب
قال صاحب الكلب: لو اعترضْتَ جميعَ أهل البدو في جميع الآفاق من الأرض، أنْ تُصِيبَ أهلَ خيمةٍ واحدة، ليس عندهُمْ كلبٌ واحد فما فوقَ الواحد لمَا وجدته، وكذلك كانوا في الجاهليَّة، وعلى ذلك هم في الإسلام، فمن رجعَ بالتخطئة على جميع طوائف الأمم، والتأنيبِ والاعتراض على جميع اختيارات الناس، فليتَّهم رأيَه؛ فإنَّ رأيَ الفردِ ولاسيّما الحسودُ، لا يَفي برأي واحد، ولا يرى الاستشارة حظاً وكيف بأنْ يَفيَ بجميع أهل البدو من العرب والعجم، والدليل على أنَّ البَدْوِ قد يكون في اللُّغة لهما جميعاً قولُ الله عزَّ وجلَّ: " وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إخْوَتِي"، ولو ابتُلي صاحبُ هذا القول بأن يَنزل البادية، لتحوَّل رأيُه، واستبدَلَ بهِ رأيَ من قد جرّب تقريبَ الكلب وإبعادَه، وقد قال أبو عَّبادٍ النميري: لا يكون البُنْيَان قريَةً حتى ينبحَ فيه كلبٌ، ويزْقوَ فيه ديك، ولمَّا قال أحمد بنُ الخَارَكي: لا تَصير القريةُ قريَةً حتَّى يصيرَ فيها حائكٌ ومعلِّم، قال أبو عبَّاد: يا مجنونُ إذا صارتْ إلى هذا فقد صارت مدينة.
وللكلب إثباتُه وجهَ صاحبِه، ونظرُه في عينيه وفي وجهه، وحبُّه له، ودُنُّوه منه، حتَّى ربَّما لاعبه ولاعب صبيانَه بالعضِّ الذي لا يؤثِّر ولا يُوجِع، وهي الأضراسُ التي لو نشَّبها في الصخر لنَشِبت، والأنيابُ التي لو أنحى بها على الحصَى لرضَّها، وقد تراه وما يصنع بالعظْم المدمَج، وبالفِقْرة من الصُّلب القاسي الذي ليس بالنَّخِر البالي، ولا بالحديثِ العهِد بالودَك الذي يلين معه بالمضْغ ويَطيب، فتراه كيف يرضُّه ويفتّته، ثمَّ إن مانَعَه بعضَ الممانعةِ، ووافقَ منه بعضَ الجوع، كيف يبتلِعه وهو واثق بِاستمرائه وهضْمه، أو بإذابته وحَلِّه. وله ضروبٌ من النَّغَم، وأشكال من الأصوات، وله نوح وتطريب، ودُعاء وخُوار، وهَرِير وعُواء، وبَصبصة، وشيءٌ يصنَعه عند الفرح، وله صوتٌ شبيهٌ بالأنينِ إذا كان يَغْشَى الصيد، وله إذا لاعَبَ أشكاله في غُدُوات الصَّيفِ شيءٌ بينَ العُواء والأنين، وله وطءٌ للحصى مثله بأن لو وطئ الحصى على أرض السطوح لا يكون مثله وطء الكلب يربى على وزنه مراراً، وإذا مرَّ على وادٍ جامدٍ ظاهرِ الماء، تنكّبَ مواضعَ الخرير في أسفله.
قال الشاعر ورأى رجلاً اسمه وثَّاب واسم كلبِه عمرو فقال:
مِن التَّوفيق أسبابا ولو هَيَّا له اللّـه
وسمَّى الكلبَ وَثَّابا لسمَّى نفسِه عَمْراً
أطْباء الكلبة والخنزيرة والفهدة
قال: والكلبة كثيرةُ الأطباءِ، وكذلك الخنزيرة، وللفَهدة أربعة أطباء من لَدُنْ صدرِها وقرب إبطيها إلى رفغيها، وللفيل حلمتان تصغران عن جثّته، وهما مما يلي الصَّدر مثل الإنسان، والذّكُر في ذلك يشبَّه بالرجل؛ لأنْ للرجل ثديَيْن صغيرَين عن جثته.
واقية الكلاب
ويقال: إنَّ على الكلابِ واقيةً من عبث السُّفهاء والصِّبيان بها، قال دُريد بن الصِّمَّة، حين ضرَبَ امرأتَه بالسيف ولم يقتلْها:
وما إن يُعصبَان على خِضَابِ أقَرّ الْعَينَ أَنْ عُصِبتْ يداهـا
وواقية كواقـية الـكـلاب فأبقَـاهُـنَّ أنَّ لـهـنَّّ جَـدّاً
وقال الآخر:
فإنَّ الكلابَ لها واقيَهْ إنْ يَقِنَا اللَّه مِن شَرِّها
ويروى:
سينْجِيه مِنْ شرِّها شرُّه
وقال غيره:
إن الكلاب طويلة الأعْمارِ ولقدْ قتلتُك بالهجاء فلم تمُتْ
وقال بِشر بن المعْتمر:
فكُلُّهم من شأنه الخَـتْـرُ الناسُ دَأباً في طلاب الثّرَا
لها عُواءٌ ولـهـا زَفـرُ كأذؤبٍ تنهَشـهـا أذْؤبٌ
استطراد لغوي قال: ويقال قزَح الكلب ببوله يقزح قزْحاً، إذا بال، قال: وقال أبو الصَّقر: يقزَح ببوله حين يبول، وشغر الكلب يشغَر إذا رفَع رجْلُه، بال أو لم يبل، ويقال شغرتُ بالمرأة أشغُرها شغْراً إذا رفعتَ رِجلَها للنِّكاح، قال: ويقال عاظَل الكلبُ مُعاظَلةً، يعني السِّفاد، قال أبو الزحف:
يَبغي العِظالَ مُصْحراً بالسَّوءَة كمِشْيَةِ الكلبِ مَشَى للكـلـبَةِ
قال: ويقال كلبٌ عاظِل وكلابٌ عُظّل وَعظَالى، وقال حسان بن ثابت الأنصاري:
ولست بخيْر من معاظلة الكلبِ ولَست بَخيرٍ من يَزِيدَ وخَـالـدٍ
قال مالِكُ بن عبد اللَّه الجَعْديّ، يوم فيفِ الرِّيح: حدَّثني أبي، لقدْ نظرتُ يَوْمَئذٍ إلى بني عبد الحارث بن نمير، فما شبَّهتُهم إلاَّ بالكلاب المتعاظلة حَوْلَ اللواء.
وقاَل أبو بَرَاء عامرُ بن مالكٍ ملاعبُ الأََسِنَّة لاعبه الحارث واليوم قال فقال منذ يومئذ، قال: والسَّلوقيّة منسوبَةٌ إلى سَلوقَ من بلاد اليَمن، لها سلاحٌ جيِّد وكلاب فُرَّه، وقال القَطَاميُّ:
طَوْراً تُعانِدُه وتنفـعـه معه ضَوَارٍ مِنْ سَلوقَ له
تعفير البهائم والسباع أولادها قالُوا: وليس في الأَرض بهيمةٌ ولا سبع أنثى تريد فِطام َولدها وإخراجَه من اللَّبَن إلى اللحم، أو من اللبَنِ إلى العُشْب، إن كانت بهيمةً إلاَّ وهي تعفر ولدَها، والتعفير: أن ترضعه وتمنعه حتى يجوع ويطلب اللحمَ إن كان سبعاً، والعُشْبَ إن كان بهيمة، فلا تزالُ تنوِّله وتُماطله وكلما مرَّتْ عليه الأيَّام كان وقتُ منعِها له أطولَ، حتَّى إذا قوي على أكْل اللَّحْمِ أو العُشْب فطمته، قال لبيدٌ في مثل ذلك:
خُذِلَتْ وَهَادِيةُ الصِّوَارِ قِوَامُهَـا أَفْتِلْكَ أَمْ وَحْشِـيَّةٌ مَـسْـبُـوعَةٌ
عُرْضَ الشَّقَائِقِ طَوْفُهَا وَبُغَامُهَا خَنْسَاءُ ضَيَّعَتِ الْفَرِيرَ فَلـم يَرِمْ
غُبْسٌ كَوَاسِبُ لاَ يُمَنُّ طَعَامُهَـا لمُعَفَّرٍ قَهْـدٍ تَـنَـازَعَ شِـلْـوَهُ
إنَّ المنايا لا تَطِيشُ سِهامُـهـا صَادَفنَ مِنْهَا غِرَّةً فَأَصَبْـنَـهَـا
لأنَّ البقرة إذا كانت بحضْرة ولدها لم تضيِّعه ومَنعت السِّباعَ منه، وقاتلَتْ دونَهُ بقُرونها أشدَّ القتال، حتَّى تُنجيَه أو تعطَب.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:49 pm

بعض من كني بالكلاب
قال: وكان ابنُ لِسَانِ الحُمَّرَة يكنى أبا كلابٍ، وكان زوجُ حُبَّى المدَنيَّة يقال له ابن أمِّ كِلاب، وقَال الشَّاعر يذكُرها:
ولا وجْدُ حُبَّى بابنِ أمِّ كِلابِ ومَا وَجَدَتْ وَجْدي به أمُّ واحدٍ
كما انبعثتْ من قوّةٍ وشَبَاب رأتَهُ طويلَ السَّاعدين شَمرْدَلاً
صفة عيون الكلاب
وقال آخر يصِفُ عيونَ الكلاب إذا أبصرت الصَّيد:
إذا آذَنَ القُنَّاصُ بالصَّيد عَضْرَسُ مجزَّعَةٌ غُضْفٌ كأنَّ عيونَـهـا
مجزّعة: في أعناقها جَزْع، وهو الودَع يُجعَل في القلائد، يقول: تبيضُّ عيونُها حينَ تختِلُ الصَّيد، والعَضْرَس هاهنا: البَرَد، وقال الآخر:
فِعْلَ الضِّراء تَـرَاحُ لـلـكَـلاَّبِ خُوصٌ تَرَاح إلى الصُّراخِ إذا غَدَتْ
وقال آخر وذكر الضِّراء، وهو يصف الشَّيخ وضعْفَه:
ذَلُولٌ حينَ تَهتَرِشُ الكِلابُ ومنها أن يُقادَ به بَـعـير
قال: وهُم عند الحاجة يُعِدُّون الكلبَ والمطيَّة، وأَنشد:
وكلُّ مُفدَّاةِ العُلالة صِـلْـدِمِ فأعقَبَ خيراً كلّ أهوج مِهْرَجٍ
وقال الآخر:
مُفدَّيات وملقَّبات
وأنشد قول أبي ذُؤَيب في شبيهٍ بالمعنى الأوّل:
فإذا يَرَى الصُّبْحَ المُصَدَّقَ يَفْزَعُ شِغفَ الكلابُ الضّـارياتُ بـه
يقول: هذه الثِّيران لما قد لُقِّينَ مع الصبح والإشراق من الكلاب، صار أحدها حين يَرَى ساطع الصبح يَفْزَعُ، وذلك أنَّها تمطَرُ ليلتَها فتَشَرَّقُ في الشمس، فعندها تُرسَل عليها الكلاب صولة الذئب على الغنم مع الصبح ويقال إنَّ أكثرَ ما يعرِض الذّئبُ للغنم مع الصُّبْح، وإنَّما رقَب فتْرةَ الكلب وكلالَه، لأنْه باتَ ليلتَه دائباً يحرس، وقال أعرابيٌّ وكسَرَ ذئب شاةً له مع الصُّبح، فقال:
مِن الذِّئاب إذا مـا راحَ أو بَـكَـرَا أودَى بوَردةَ أُمِّ الـوَرْدِ ذو عَـسَـلٍ
ما انفكَّت العين تذْرِي دمعَهـا دِرَرَا لولا ابُنها وسَلِـيلاَتٌ لـهـا غُـرَر
في الصُّبح طالبُ وِترٍ كان فاتَّـأرا كأنَّما الذِّئبُ إذ يعدو على غـنَـمـي
من الضَّوارِي اللّواتي تقصِمُ القَصَرا اعتامَها اعتامَه شَـثـنٌ بـراثِـنُـه
مسألة زيد الخيل للرسول الكريم ولما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام لزيدِ الخيل مِن الخير ما قَال، وسمَّاه زيدَ الخير، ما سأله زيدٌ شيئاً، ولا ذكر له حاجة، إلاّ أنَّه قال: يا رسول اللَّه، فينا رجُلان يقال لأحدهما ذَرِيح، والآخر يكنى أبا دُجانة، ولهما أكلب خمسة تَصِيد الظباء، فما ترى في صيدهم? فأنزلَ اللَّه عزَّ وجلّ:"يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لُهمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ تُعَلّمُونَهُنّ مَّما عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ"، فأوَّلُ شيءٍ يعظِّم في عينِك شأنَ الكلب، أنَّ هذا الوَافدَ الكريمَ الذي قِيل له ما قيل، وسُمِّي بما لم يسمَّ به أحد لم يسأَلْ إلاّ عن شأن الكلب، وثانية وهي أعظمها: أنَّ اللَّه تعالى أنزل فيه عند ذلك آياً مُحْكماً فقال: "أُحِلّ لَكمُ الطَّيِّبَاتُ" فسمَّى صيدَها طيّباً، ثم قال: "وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ" مخبراً عنْ قَبولها للتعليم والتأديب، ثم قال: "مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّه" ولولا أنَّ ذلك البابَ من التعليمِ والعلمِ مَرْضيٌّ عند اللَّه عزَّ وجلّ، لَمَا أضافه إلى نفسه، ثم قال: "فَكلُوا ممَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكمْ وَاذْكُروا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ" فأوَّلُ شيءٍ يعظُم به في عينك إمساكُه عليك، وهكذا يقول أَصحابُ الصَّيد، إنَّ كلِّ صائدٍ فإنَّما يُمسِك على نفسه إلاّ الكلبَ فإنّهُ يُمسك على صاحبه، ولو كان الجوابُ لزيد الخيل سُنَّةً من سُننَ النبي صلى اللَّه عليه وسلم لَكانَ في ذلك الرِّفعةُ، فكيفَ والكتابُ فوقَ السُّنّة، وقد روى هشام أنّ ابنَ عبَّاس سمَّى كِلابَ ذَريحٍ هذه وكلابَ أبي دُجانة فقال: المختلِس، وغلاَّب، والقَنيص، وسَلهب، وسِرْحان، والمتعاطِس.
دواء الذبحة والخانوق وزعم الأطبَّاء أنَّ من أجودِ أدويَةِ الذُّبحة والخانوق أنْ ينفح في حلق مَن كان ذلك به، ما جَفّ من رَجيع الكلاب، وأجودُ ذلك أنْ يكون يتغرغر به وربَّما طلوْه على جلد المحموم الحديدِ الحُمَّى.
رجيع الكلاب
وأجود رجيع الكلابِ أنْ يشتدّ بياضهُ، وليس يعتريه البَياضُ إلاّ عن أكْل الطعام، وذلك رديءٌ للقانص منها. والجعور قد تبيَضُّ إذا كان قوتُ صاحبها اللبن، ولذلك قال أبو كلاب وهو ابن لسان الحمَّرة ومرَّ به رجلٌ من بني أسد فقال: قد علمت العربُ يا معشَرَ بني أسدٍ أنّكم أشدُّها بَياضَ جُعور، فعكفَ عليه فضرَبه بالسيف حتى بَرَد، وذلك أنّه عيّره بأنّهم لا يعرفون البَقْل، ولا يعرفون إلاّ اللبن، وقال الشاعرُ يهجو ناساً منهم:
بمنْعَرَج الغِيطَانِ شُهْبُ العَنَاكِبِ عَراجِلةٌ بيضُ الجُعُورِ كأنّـهـمْ
والعرب تقول: اللَّحم أقلُّ الطّعام ِبَخَراً
دفاع عن الكلب
وقال صاحب الكلب: وما للدِّيك وللكلاب، والكلابُ ينزَّل فيها القرآنُ وُيحْدَث فيها السنن، ويُشتقُّ من أسمائها للنَّاس وللأُسد، ولها أسماءٌ معروفةٌ وأعراق منسوبة، وبُلدان مشهورة، وألقَابٌ وسِماَت، ومناقِبُ ومقَامات وما للدِّيك إلاّ ما تقول العوام: إنّه إذا كان في الدارِ ديكٌ أبيض أفرَق لم يدخله شيطان، وليس يقومُ خَيْر ذلك، ولو كان ذلك حقًّا، بشؤمه؛ لأنَّ العوامَّ تقضي على مَن كان في داره ديكٌ أَبيض أفرق بالزندقة.
والذين يقولون إنّ الدار إذا كان فيها ديكٌ أفرقُ لم يدخُلْها شيطان، هم الذين يقولون مَنْ أكلَ لحم سِنّورٍ أسودَ لم يَضِرْه سحر، وإذا دُخِّنت الدار بالدُّخنة التي سمّوها بدُخنة مريم، أو باللُّبان، لم يكنْ عليها لعُمَّار الدَّار سبيل، فإن مَرَّت ساحرة تطير سقَطت، وهم الذين لا يشكُّون أنّ مَن نام بين البابَين تخبَّطَه العُمَّارُ وخَبَلته الجنّ
ما يقال له: جرو
قال: ويقال لولد الكلب والذِّئبِ والسِّنَّور أشباه ذلك: جرو، ويقال للصغير من الحنْظل على مِثل ذلك: جرو، وقَال النَّمِرُ بنُ تَوْلب:
مِنَ الَحنْظَل العامِيِّ جَرْوٌ مفلَّقُ. بجرْوٍ يُلقَّى في سِقـاءٍ كـأنّـه
من قول الكلب
وممَّا زادَ في ذِكْر الكلب قولُ السَّيِّد بن محمد في شأن عائشة في الحديث الذي رَوَوه وكان السّيِّد رافضِيًّا غالياً، وليس في ذكره شرَف، ولكنّه أجمعُ للفنِّ:
بَعْدَ الهُدُوِّ كِلابَ أَهْلِ الحوْءَبِ تهْوِي من البَلَدِ الحرَامِ فنبَّهـتْ
قال: ويقال صرَفت الكلبة صِرَافاً وصُروفاً، وظَلَعت تظلَع ظُلوعاً
قولهم: لا أفعل حتى ينام ظالع الكلاب
قال: ومن الأمثال في ذلك: لا أفعَلُ حتَّى يَنامَ ظالِعُ الكلاب، قال الأصمعيُّ: هذا باطل، إنّما ذلك إذا أصابَ الكلبَ ما يظلَع منه لم يُطِق سِفاد الكلبة حتَّى تهدأ الرِّجْل، وحتَّى تملَّ الكلابُ النُّباح وتَفترِقَ، وتحتاج إلى النَّوم لطول التعب، وإذا كان في ذلك الوقت يلتمس الظالع ورامَ سِفاد الكلبة، لم يعرف ظَلعه إلاّ الكلبة، وأنشد فقال:
كِلابِ وأخْبَى نارَه كلُّ مُوقِد تسدَّيتُها مِنْ بَعْدِ ما نام ظالِعُ الْ
وأنشد غيرهَ لجِرَان العَوْدِ:
حَمائمُ وُرْقٌُ بالَمـدَائنِ هُـتَّـفُ وكانَ فُؤادي قدْ صَحَا ثمَّ هاجـه
مِنَ البغْي شِرِّيبٌ يُغَرِّدُ مُتْـرَفُ كأنَّ الهديلَ الظّالِعَ الرِّجْل وَسْطَهَا
ما قيل من الشعر في إشلاء الكلب على الضيوف وقالوا أبياتاً في غير هذا الباب، قال الأعرابيّ:
عَلينا فكِدْنَا بين بابَيهِ نُؤْكَـلُ نزلْنا بعَبّاد فأشلَـى كـلابَـه
أذَا اليَومُ أو يومُ الِقيامة أطولُ فَقُلّتُ لأصحابي أُسرُّ إلـيهـمُ
وقال آخر:
عِندي وفضلَ هِراوَة مِنْ أَرْزَنِ أعدَدْتُ للضِّيفانِ كلبـاً ضـارياً
وقال في خلاف ذلك مالكُ بن حَريم الهمْدانيُّ:
إذا ما سَوَامُ الحيِّ بات مصرَّعـا وواحـدةٌ إلاّ أبـيتَ بـغـــرَّةٍ
إذا كان جَارُ القوم فيهم مفزَّعـا وثانـيةُ ألاَّ تـفـزَّّع جَـارتـي
إذا نزَل الأضيافُ حِرصاً لتُوزَعا وثالثة أَلاَّ أُصـمِّـتَ كـلـبَـنَـا
استطراد لغوي قال: ويقال لَحِزَ الكلبُ الإناءَ، فهو يلحَزه لَحزاً، ولحسَه فهو يلحَسه لحساً، قال أبو يزيد: وذلك إذا لحِس الإناءَ من باطنه، والقَرْو: مِيلَغة الكلب، فإذا كان للكلب فإنَّما هو من أسفَل كُوزِ أو ما أشبه ذلك، وإلاَّ فالقَرْوُ أسفلُ نخلةٍ يُنْجَر ويقَوَّب ويُنْتَبَذُ فيه.
وقال الأعشى:
وأنتَ بينَ القَرْوِ والعاصِر أرمِي بها البِيدَ إذا أعرَضَتْ
يزِلّ عنْه ظُفرُ الـطَّـائر في مِجْدَلٍ شُيِّد بُـنْـيَانُـهُ
أحجيَّة في الكلب وممَّا يُحاجي به النَّاسُ بعضُهم بعضاً أن يقولوا: أتعرفون شيئاً إذا قام كان أقصرَ منه إذا قعد? يريدون الكلب، لأنَّ الكلب قعودُه إقعاؤه، وهو إذا أقعَى كان أرفَع لسَمْكه، وأرفعَ في الهواء طولاً منه إذا قام، وقال عمر بن لجأ:
مُقْعٍ كإقعاء الكليبِ المعصِمِ عليه حِنْوا قَتَبٍ مسـتـقـدمِ
ويقال أقعى الكلبُ إقعاء، ولا يقال قعد ولا جلس، وفي الحديث: أَنَّه نَهَى أَنْ يُقْعِيَ أحدُهم في الصلاة إقعاءَ الكلب.
معرفة سنّ الكَلْبِ
قال صاحب الكلب: يُعرَف فَتاء الكلب وهَرمُهُ بالأسنان، فإذا كانت سوداء كانت دليلاً على كبره، وإذا كانت بِيضاً حادّة دلَّت على الفتاء والحداثة، وقال: أسنان الذَّكر أكثر.
أصناف الحيوان المشقوقة الأفواه وأصناف الحيوانِ المشقوقةُ الأفواه كالكلب والأسد والفهْدِ موصُوفاتٌ بشدَّة المماضيغ والفكّ والخراطيم، كالكلب والخنزير والذئب، فأشَبهَ الكلبُ الأسدَ في شَحْو الفم واتِّساعه، وعلى أنَّ شَحْو فمه على مقدار جسمه، وأشبَه الذِّئبَ والخنزيرَ في طول الخَطم وامتداد الخُرطوم، ولذلك كان شديدَ القلب، جيِّدَ الاسترواح، فجمع الكلب دون هذه الأصناف ما يصلُح للرضِّ والحطم، كما جمع ما يصلُح للابتلاع والالتهام والحطم والاستمراء بعض ما قيل في الأسد والأسد حريصُ واسع الشَّحْو، فهو يبتلع البَضْعَةَ التي لو رآها الإنسان لم يظنَّ أنَّ حلقَه يتَّسع لمرورِ ذلك، ويقال إنّ عنقَه عظمٌ واحد واللُّقَم لا تجول فيه، وهو في ذلك قليلُ الرِّيق، فلا يسلُس في حلْقه ما يمرّ فيه، بل يبتلع لفرْط نَهمه وشحْوِ لَحييه ضِعفَي ذلك المقدار، وقد زعم ناسٌ أنّ الذي يدلُّ على أنَّ عنقَ السبُع عظمٌ واحدٍ، ضعفُه عن تصريفه عنقَه، فلا يلتفت إلاَّ معاً، فيسمَّى الأصيد، وقال جِران العَوْدِ في الذئب:
وفي الذِّراعين والخُرطومِ تسهيلُ شدَّّ المماضغَ منه كلَّ مُلْتَـفَـتٍ
وقالوا في أسنان الذئب وفي أسنان بعض الحيَّاتِ بأنَّها مَمطُولة في الفكّين، يُذْهَبُ إلى أنّه عظمٌ مخلوق في الفك، وأنّه لا يُثْغِر، وأنشدوا:
رأسٍ وأشداقٍ رحـيبـاتِ مُطِلْنَ في اللَّحْيينِ مَطلاً إلى
والحيَّاتُ توصَف بسعة الأَشداق، والأفاعي خاصَّة هي المنعوتة بذلك، وقال الشاعر وهو جَاهلي:
كالقُرص فُلطحَ من طحِينِ شَعِيرِ خُلِقَتْ لَهَازِمُهُ عِـزِينَ وَرأسُـهُ
سمراءُ طاحت من نَفِيضِ بَرير ويَديرُ عَيناً للـوِقـاع كـأنـهـا
شِدْقَا عَجُوزٍ مَضْمضَتْ لطَهورِ وكأنّ شِدقيه إذا استعـرضـتَـه

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42596
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى