كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:50 pm

مما أشبه فيه الكلبُ الإنسان والأسد
وممَّا أشبَه فيه الكلبُ الإنسان والأسد، أنّ كلّ واحدِ من هذه الأجناسِ إنَّما له بطنُ واحد، وبعدَ البطن المِعَى، إلا أنَّ بعضَ بطنها أعظمُ من بعض، ويناسبها في الذي ذكرنا الذئبُ والدُّبّ، فما أكثَرَ ما يناسبان الكلب، فلذلك صارا يتناكحان ويتلاقحان، وهذا قول صاحب المنطق، قال: وأمعاء الكلب أشبهُ شيءٍ بأمعاء الحيَّة، وهذا أيضاً مما يزيدُ في قدره، لأنّه إمّا أن يشبه الإنسان، وإمَّا أنْ يشبِه رؤساء السباع ودواهي الحشرات، وكلَّما كانت هذه المعاني فيه أكثر كان قدره أكبر ما يحتلم من الحيوان وما يحتلم قال: والكلب يحلمُ ويحتلم، وكذلك الفرس والحمار، والصبيُّ يحلم ولا يحتلم، والثَّور في هذا كله كالصبيّ، ويعرف ذلك في الكلب إذا تفزَّعَ وأنعَظ، وزعم أنَّ الاحتلامَ قد عُوين من الفَرس والبِرذون والحمار بعض الأمور التناسلية لدى الحيوان. قالوا: وليس العِظال والتحام الفرجين إلاّ في الكلب والذئاب، ومَن أراد أن يُفَرِّق بينَ الكلاب إذا تعاظلَت وتسافدت رامَ أمْراً عسيراً.
قالوا: والحيوان الذي يطاوِل عند السِّفاد معروف، مثل الكلب والذئب والعنكبوت والجمل، وإن لم يكن هناك التحام، وإذا أراد العنكبوت السفادَ جلَبت الأنثى بعض خيوطِ نسْجها من الوسط، فإذَا فعلت ذلك فعَل الذكَر مثلَ ذلك، فَلاَ يزالانِ يتدانيان حتى يتشابكا فيصير بطنُ الذَّكر قُبالَةَ بطنِ الأنثى، وذلكَ شَبيهٌ بعادات الضفادع.
وقال أبو الحسن عنْ بعض الأَعراب، قال: إذا هَجَم الرَّجلُ على الذّئب والذِّئبةِ وهما يتسافدان، وقد التحَمَ الفَرْجان، قتلَهما ذلك الهاجم عليهما كيف شاءَ، لأنَّهما قليلاً ما يُوجدَان كذلك، لأَنَّ الذئب وحشيٌّ جدًّا وشَهيٌّ جدّاً، صاحبُ قفرة وخلوة، وانفرادٍ وتباعد، وإذا أراد الذِّئبة توخَّى موضعاً من القِفار لا يطؤه الأَنيِس، خوفاً على نفسه، وضنًّا بالذي يَجد في المطاولة منِ اللّذة.
حديث أحمد بن المثنى وحدَّثني أحمد بن المثَنَّى قال: خرجتُ إلى صحراء خوخ لجنايَةٍ جنيتها وخِفْتُ الطّلب، وأنا شابٌّ، إذْ عرض لي ذئب فكنْتُ كلّما دُرْت من شِقّ استدارَ بي، فإذا دُرْت له دَارَ من خلْفي، وأنا وسْطَ بَرِّيّةِ لا أجد مُعيناً إلاّ بشيء أسند إليه ظهْري، وأصابَني الدُّوار، وأيقنْتُ بالهلَكة، فبينا أنَا كذلك وقد أصابني ما أصابني وذلك هو الذي أراده الذِّئبُ وقدَّره إذا ذئبةٌ قد عرَضت، وكان من الصُّنع وتأخِير الأَجَل أنَّ ذلك كان في زمن اهتياجِها وتسافُدها، فلما عايَنها تركَني وقصَدَ نحوها، فما تَلَعْثَمَ أنْ ركِبها، وقد كنتُ قرأتُ في بعض الكتب أنَّها تلتحم، فَفَوَّقت سهْمِي وهما ينظران إليّ، فلمَّا لم أرَ عندهما نكيراً حقَّقَ ذلك عندي ما كان في الكتاب من تلاحُمِهما، فَمشَيْت إليهما بسَيفي حتَّى قتلتهما.
لقاح الكلاب والخنازير
قال: ومما يُعَدُّ للكلاب أنَّها كثيراً ما تُلقحُ وتَلقَح لحال الدِّفء أو الخِصب، والكلبُ والخنزير في ذلك سواء، ولا يكاد غيرُهما من الأصناف يتلاقح في ذلك الزمان، فالكلبُ كما ترى ينازع أيضاً مواضع الإساءة والمحاسن في جميع الحيوان.
أسوأ ما يكون الحيوان خلقاً قال: وإناثُ الكلاب تصعُب أخلاقُها إذا كانَ لها جِراء، وكلُّ شيء له بَيضٌ أو جِراء أو فِراخٌ فأسوأُ ما يكون خُلقاً وأنزقُ وأكثرُ ما يكون أذًى وأعْرَمُ إذا كان كذلك، إلاَّ إناث البقَر. والكلب كلما كان أسنَّ كانَ صوتُه أجهرَ وأغلظ.
تناسل الكلاب
قال: والكلب ينزو إذا تمَّت له ستَّةُ أشهر، وربَّما كان ذلك منه وهو ابن ثمانية أشهر، والكلبةُ الأنثى تحمِل واحداً وستين يوماً، أطولَ ما يكون، ولا تضعُ قبل أن يتمّ لحملها ستُّون يوماً، ولا يبقى الجرْو ولا يثربّى إذا قصَّر عن ذلك، والأنثى تصلح أن يُنزَى عليها بعد سِتَّة أشهر.
ولد البكر من الحيوان والإنسان والكلبة والحِجْر والمرأةُ وغير ذلك، يكون أوَّلُ نِتاجها أصغرَ جُثّة، وكذلك البَيْضُ إذا كان بكراً، وكذلك ما يخرج منه من فرُّوج أو فرخ بقية القول في تناسل الكلاب وذُكور الكلاب تَهيج قبل الإناث في السّنّ، والإناث تهيج قبلها في وقت حركتها، وكلما تأخَّر وقت الحدث إلى تمام الشَّباب كان أقوى لولده، والكلابُ لا تريد السِّفاد عُمرها كله، بل إلى وقت معلوم، وهي تلقح إلى أن تبلغ ثمانيَ عشرة سنة، وربما انْتَدَرت الكلبة فبلغت العشرين، والكلابُ أجناسٌ كثيرة: الكلب السلوقيُّ يَسفَد إذا كان ابن ثمانية أشهر، والأنثى تطلب ذلك قبل الثمانية، وذلك عند شغُور الذكر ببوله، والكلبة تحمِل من نزْوٍ واحد، وقد عرف ذلك الذين عرفوا الكلاب وحضروا ليعرفوا ذلك، قال: والكلبة السَّلوقيَّة تحمِل سُدْس السنة سِتِّين يوماً، ورُبَّما زادت على ذلك يوماً أو يومين، والجرو إذا وُضع يكون أعمى اثنَيْ عَشر يوماً ثمَّ يبصر، والكلبة تسفَد بعد وضعِها في الشهر الثاني، ولا تسفد قبل ذلك. ومن إناث الكلاب ما تحمل خُمس السنة، يعنى اثنين وسبعين يوماً، وإذا وضعت الجراء تكون عمياءَ اثنين وعشرين يوماً. ومن أصناف الكلاب ما يحمل رُبع السنة، أعني ثلاثة أشهر، وتضع جراء وتبقى كذلك سبعة عشر يوماً، ثمَّ تُرضع جِراءَها على عدد أيَّامِها التي لا تبصر فيها. وزعم أنَّ إناث الكلاب تحيضُ في كلِّ سبعة أيام، وعلامة ذلك وَرَم أثفارِها، ولا تقبَل السفاد في ذلك الوقت، بل في السبعة التي بعدها ليكون ذلك تمامَ أربعَة عشرَ يوماً أكثرَ ما يكون، وربما كان كذلك لتمام ستَّةَ عشرَ يوماً.
قالوا: وإنَاث الكلاب تُلقي بَعْدَ وضْع الجِراءِ رُطوبَةً غليظةً بلغميَّة، وإذا وضَعتْها بعدَ الجِراء اعتراها هُزال، وكذلك عامَّة الإناث، ولبنها يظهَر في أطبائها قبل أن تضَعَ بخمسة أيام أكثر ذلك، وربما كثُر اللبنُ في أطبائها قبل ذلك بسبعة أيام، ورّبما كان ذلك في مقدارِ أربعة أيام، ولبنها يظهَر ويجود إذا وَضَعَتْ من ساعتها، قال: فأمَّا السلوقيّة فيظهر لبنها بعد حملها بثلاثين يوماً، ويكون لبنُها أوَّلَ ما تضعُ غليظاً، فإذا أزمن رقَّ ودقَّ، ولبنُ الكلابِ يخالف لبن سائرِ الحيوان بالغلظ، بعد لبن الخنازير والأرانب.
وقد تكون علامة مبلغُِ سِفادها مثلَ مَا يعرِض للنِّساءِ من ارتفاع الثَّديين، ومعرفة ذلك عسيرة، وهذه علامَات تظهر لإنَاث الكلاب، وذكورةُ الكلاب ترفع أرجلَها وتبول لتمام ستَّةِ أشهر، ومنها مَا لا يفعل ذلك إلى أن يبلغ ثمانية أشهر، ومنها مَا يعجِّل قبل ذلك، قال: ونقول بقولٍ عامٍّ إنَّ الذكورَ تفعلُ ذلك إذا قوِيت، فأمّا الإنَاث فهي تبول مُقْعِية، ومنها مَا تشغَر، وأكثرُ ما تضعُ الكلبةُ اثنا عَشَر جرواً، وذلك في الفَرْط، وأكثر ذلك الخمسة والسّتة، ورّبما وضعت وَاحداً، فأمَّا إناث السلوقَّية فهي تضعُ ثمانيةَ أجراء، وإنَاثُها وَذكورُها تسفَد ما بَقِيَتْ، وَيعرِض للكلاب السلوقيَّة عَرَض خاصٌّ: وَهي أنَّها كلَّما بقيت كانت أقوى على السِّفاد
أعمار الكلاب
وذكورة السلوقَّية تعيش عشرَ سنين، والإناث تعيش اثنتي عشرة سنة، وَأكثر أجناس الكلاب تعيش أربعَ عشرة سنة، وَبعض الأجناس تبقى عشرين سنة. قال: وإناث الكلاب أطولُ أعماراً من الذكور، وكذلك هي في الجملة، وليس يُلقي الكلب من أسنانه سنًّا ما خلا النَّابين، وإنَّما يلقيهما إذا كان ابنَ أربعة أشهر. قال: ومن أجْل أنَّ الكلابَ لا تُلِقي غيرَ هذين النَّابين يشكُّ بعض الناس أنها لا تلقى سِنًّا البتّة
أمراض الكلاب
قال: وللكلاب ثلاثة أصنافٍ من المرض، وأسماؤها: الكلب بفتح اللام، والذبحَة، والنقرس، والكلَب جُنون، فإنْ عرَض لشيء من الحيوان كَلبٌ أيضاً أماته، ماخلا الإنسان، وهو داءٌ يقتل الكلاب، وتقتُل به الكلابُ كلَّ شيء عضّته، إلاّ الإنسان فإنّه يعالج فيسْلَم، أدواء بعض الحيوان قال: وداء الكلَب يعرِض للحمار، فأمَّا الجنون وذَهابُ العقل فإنّه يصيبُ كلَّ شيء، فمن ذلك ما يصيب الدوابَّ، فإنَّ منها مَا يُصرعَ كما يُصرع المجنون، والسائس من الدواب: الذاهب العقل.
صرع أعين الطبيب وقد كان شأن أَعين الطبيب عَجَباً، وذلك أنّه كان يُصرع، واتَّفق أَنّه كان له بغلٌ يصرع، فكان ربَّما اتّفق أن يُصرَعا جميعاً وقد رأى ذلك كثير من أصحابنا البصريِّين الصَّرْعُ عند الحيوان والصَّرْع عامٌّ في الحيوان، ليس يسلم منه صِنف منها حتَّى لا يعرض له منه شىء، والإنسان فوق جميع الحيوان تعذيباً، وكذلك هو في العقل والمعرفة والاحتيال له، مع دفع المضرّة واجتلاب المنفعة، ومَا أكثر مَا يعتريهم ذلك، ومن ذلك مَا يذهب، ومن ذلك ما لا يذهب بعض من عرض لهم الصرع من الفضلاء وقد كان بَخْتِيَشوعُ المتطبِّب عرَض له ذلك، وقد كان عرض لعبد الملك بن قُريب فذهب عنه، ورَّبما عرض للرّجل الذي لا يُظَنُّ به ذلك في بيان ولا تبيين، ولا في أدبٍ، ولا في اعتدالٍ من الأخلاط، والصحَّةِ من المزَاج، ثُمَّ لا يعرض من ذلك إلاَّ ما لا حيلةَ له فيه، كما كان يعرض لبِشر بن أبي عمرو بن العلاء النحويِّ المازنيّ وكما عرض لعبد الرحمن ومنصور الأسدَّيين، فما زالا كذلك حتَّى ماتَا، ولم يبلغنا أنهما صُرِعا.
الموتَة والمُوتَة جنسٌ من الصَّرْع، إلاَّ أَنَّ صاحبَه إذا أفاقَ عاد إلى كمال عقله كالنائم والسكران والمغشيِّ عليه، وإن عاش صاحبُ المُوتة في ذلك مائة عام. وليس يلقى شيءٌ من الحيوان في هذا الباب كما يلقَى الوَرَشان أختلاف درجات السُّكْر لدى الحيوان كتبيانها لدى الإنسان وأَمَّا السُّكْر فليس شيءٌ من الحيوان إلاَّ وهو يسكر، واختلاف سكره كاختلاف سكر الإنسان، فإنَّ من الناس مَن تراه يتحدَّث وهو يشرَب فلا تنكر منه شيئاً، حتَّى يغلب عليه نوم السُّكر ضربةً واحدة، ومنهم من تراه والنبيذ يأخذُ منه الأوَّلَ فالأوَّل، وتراه كيف تَثقُل حركتهُ، ويغلُظُ حسُّه ويتمحَّق، حتى يَطيش عليه السُّكرُ بالعبث، ويطبقَ عليه النوم، ومنهم مَن يأخذُه بالعَبث لا يعدُوه، ومنهم من لا يرضى بدون السَّيف، وإلا بأن يضرب أمَّه ويطلِّق امرأته، ومنهم مَن يعتريه البكاء، ومنهم مَن يعتريه الضَّحِك، ومنهم مَن يعتريه الملَق والتَّفدِيةُ، والتَّسليمُ على المجالس، والتَّقبيلُ لرؤوس الناس، ومِنهم من يرقصُ ويِثِب، ويكون ذلك على ضربين: أحدهما من العَرْض وفضل الأشَر، والآخر تحريك المرارة، وهي علَّةُ الفساد وهيَجان الآفة.
وكلُّ هذه الحالات والصّور، والنعوت، والأجناس، والتوليد، الذي يختلف في طبائع الناس، وطبائع الأشربة، وطبائع البُلدان والأزمان والأَسنان، وعلى قدر الأَعراق والأَخلاق، وعلى قدر القلَّة والكثرة، وعلى قدر التصريف والتوفيق، قد وجدوه في جميع أصناف الناس والحيوان، إلاَّ أَنَّ في الناس واحدةً لم تُوجَد في سائر الحيوان قطُّْ، فإنَّ في الناس من لا يسْكَر البتّة، كان محمد بن الجهم وأبو عبد اللَّه العَمِّيُّ، وكان بين عقل زبيد بن حُميد إذا شرب عشْرة أرطال، وبين عقله إذا ابتدأ الشرب، مقدارٌ صالح.
سكْرُ العمّيّ وإمَّا العَمّيّ فإنَّ بني عبد الملك الزياديِّين دعَوني مرَّةً ليعَجِّبوني منه، ولم ينبِّهوني على هذه الخاصَّة التي فيه، لأكون أنا الذي أنتبه عليه، فدخلت على رجلٍ ضخمٍ فَدْم غليظ اللسان، غليظِ المعاني، عليه من الكلام أشل المؤنة، وفي معانيه اختلافٌ، ليس منها شيٌ يواتي صاحبَه ولا يعاونُه ولا يشاركُه ولا يناسبه، وحتَّى ترى أنَّ أذنه في شِقٍّ ولسانَه في شقٍّ، وحتَّى تظنَّ أنّ كلامه كلامُ محمومٍ أو مجنون، وأنَّ كلَّ واحد منهما يقطع نظام المعاني، ويخلط بين الأسافل والأعالي، فشرب القوم شُربَ الهيم، وكانت لهم أجسادٌ مدْبرة، وأجوافٌ منكَرة، وكنتُ كأنِّي رجلٌ من النَّظَّارة، فما زال العمِّي يشرَب رِطلاً، ويرقُّ لسانُه، وينحلُّ عَقْده، ويصفو ذهنُهُ، ويذهب كدره، ولو قُلْتُ إنِّي لم أرَ مثلَه حُسْنَ نفسٍ كنتُ صادقاً، فالتفت إليَّ القومُ أجمعُهم فقالوا: لولا هذا العَجَب مَا عَجَّبْنَاك اليوم َمعَ حداثةِ عهدنا بك.
وزعم العمِّيُّ وكان كثيرَ المنازَعة عند القضاة، أنَّه كان إذا قارب العشرةَ الأرطالِ ثمّ نَازَعَ الخصومَ، كان ذلك اليومُ الذي يفوت فيه ذَرْعَ الخصوم لِلَحَنٍ بحجَّته، ويستميل فيه رأيَ القاضي المنعقد في مجلسه الطويل، القطوبِ في وجْهِ مَن نازع إليه، وقال الشاعر:
أقلَّهُمُ عقلاً إذا كـانَ صـاحِـيا وجدتُ أقلَّ النَّاس عقلاً إذا انتشى
وتَتْرُكُ أخْلاَقَ الرِّجالِ كما هِيا تزيدُ حُسَى الكاس السَّفِيهَ سَفاهةً
قال: وهذا شعر بعضِ المولَّدين، والأعاريبُ لا تُخطئ هذا الخطأ؛ قد رأينا أسْفَهَ الناس صاحياً أحلم الناس سكران؛ وهو مِرداسٌُ صاحب زهير، ورأينا أحسنَ النَّاس خُلقاً وأوزنَهم حلماً، حتَّى إذا صار في رأسه رِطلٌُ كان أخفَّ من فَرَاشة، وأكثرَ نزواً من جَرادةٍ رَمِضة، فإنَّ المثَلَ بها يُضرَب.
سبب مَا له عرَفَ المعتزلة سكرَ البهائم وكان سببُ ما لَهُ عرَف أصحابُنا سكْر البهائم، أنَّ محمَّدَ بنَ عليِّ بنِ سليمانَ الهاشميَّ لمَّا شرب على علُّويه كلب المطبخ، وعلى الدُّهمان، وعلى شُرَّاب البصريِّين، وعلى كُلِّ من نزَع إليه من الأقطار، وتحدَّاه من الشرَّاب الجَوَادِّ من الشُّرَّاب، أحَبَّ أن يشْرَب على الإبل من البَخاتيِّ والعِراب، ثُمَّ عَلَى الظِّلف من الجواميس والبقر، ثم على الخيل العِتاق والبَرَاذين، فلمّا فرَغ من كلِّ عظيمِ الجثة واسع الجُفْرَة، صار إلى الشاء والظِّباء، ثمّ صار إلى النُّسور والكلب وإلى ابن عِرس، وحتَّى أتَاهم حاوٍ فأرغبوه، فكان يحتال لأفواه الحيَّات حتَّى يصبَّ في حاقِّ أجوافِها بالأقماع المدنيّة، وبالمَسَاعط، ويتَّخذ لكلِّ شيء شكله، وكان ملكاً تواتيه الأمور، وتُطيعه الرجال، فأَبصَرُوا تلك الاختلافاتِ في هذه الأجناس المختلفة.
نعت النّظام فخبّرني أبو إسحاقَ إبراهيمُ النَّظام، وقد كان جالسَهُ حيناً وكان إبراهيمُ مأمونَ اللِّسان، قَلِيلَ الزَّلَل والزَّيغ في باب الصدق والكذب، ولم أزعم أنَّه قَلِيلُ الزَّيغ والزَّلَل على أَنَّ ذلك قد كان يكونُ منه وإن كان قليلاً، بلْ إنَّما قُلتُ عَلَى مثل قولك: فلاَنٌ قَلِيل الحياء، وأنتَ لستَ تريد هناك حياءً البتة، وذلك أنَّهم ربَّما وَضعوا القليلَ في موضعِ ليس، وَإنما كان عيبُهُ الذي لا يفارقه سوءَ ظنِّهِ، وجَودةَ قياسِهِ عَلَى العارض والخاطر والسابق الذي لا يُوثَق بمثله، فلو كان بدَلَ تصحيحِه القياسَ التمَسَ تصحيحَ الأصل الذي كان قاس عليه أمرَه على الخلاص، ولكنَّه كان يظنُّ ثمَّ يقيس عليه وينسى أنَّ بدءَ أمرِه كان ظَنّاً فإذا أتقنَ ذلك وأيقنَ، جَزَم عليهِ، وحكاهُ عن صاحبه حكايَةَ المستبصر في صحَّة معناه، ولكنّه كان لا يقول سمعت، ولا رأيت، وكان كلامُه إذا خرج مخرج الشَّهادةِ القاطعة لم يشُكَّ السامعُ أنَّه إنَّما حكى ذلك عن سماعٍ قد امتحنه، أو عن معاينةٍ قد بهرته.
حديث البهائم في تجربة إسكار البهائم والسباع فحدَّثني إبراهيمُ قال: شهدتُ أكثرَ هذه التَّجربةِ التي كانت منهم في إسكار البهائمِ وَأصنافِ السباع، ولَقَد احتالَ لأسد مقلَّم الأَظفار يُنادى عليه: العجَب العجَب حتَّى سقَاه وعرَف مقدارَه في الاحتمال، فزعمَ، أنّه لم يجِدْ في جميعِ الحيوان أملحَ سُكْراً من الظَّبي، ولولا أنَّه من الترفُّه لَكنتُ لا يزال عندي الظَّبيُ حتَّى أسكِره وَأرى طرائفَ ما يكون منه.
القول في سرعة التعليم والجرأة عند بعض الحيوان قال: وإناث الكلاب السوقية أسرع تعلماً من الذكورة، قال: وجميع أصناف السباع ذُكُورتُها أجرأُ وَأمضى وأقوى، إلاَّ الفَهْدة والذِّيبَةَ، والعامَّة تزعم أنَّ اللَّبُؤة أجرَأُ من الأسد، وليس ذلك بشيء، وهو أنزَقُ وأَحَدُّ، وأفرَقُ من الهَجْهجَة، وأبعَدُ من التصميم وشدَّة الصَّولة.
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42657
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 9:56 pm

بين عروة بن مرثد وكلب حسبه لصّاً
قال بِشر بن سعيد: كان بالبَصرة شيخٌ من بني نَهشَلٍ يقال له عُروة بن مَرْثد، نزل ببني أختٍ له في سكَّة بني مازن، وبنو أخته من قُريش، فخرج رجالُهم إلى ضياعهم وذلك في شهرِ رمضان، وبقِيت النِّساءُ يصلِّين في مسجدهم، فلم يبق في الدار إلاّ كلب يعُسُّ، فرأى بيتاً فدخل وانصفق الباب، فسمِع الحركةَ بعضُ الإماءِ فظَّنوا أنَّ لصّاً دخل الدار فذهبتْ إحداهنَّ إلى أبي الأعزّ، وليس في الحيِّ رجلٌ غيره، فأخبرتْهُ فقال أبو الأعزِّ: ما يبتغي اللصُّ مِنَّا? ثمَّ أخذَ عصاهُ وجاء حتَّى وقفَ على بابِ البيت فقال: إيه يا مَلأَمَان أَما واللهِ إنَّك بي لعَارف، وإنِّي بك أيضاً لعارف، فهل أنتَ إلا من لُصوصِ بني مازن، شرِبتَ حامضاً خبيثاً، حتَّى إذا دارت الأقداحُ في رأسك منَّتْك نفسُك الأمانيَّ، وقلتَ دُورَ بني عمرو، والرِّجالُ خُلوف، والنِّساء يصلِّين في مسجدهنَّ، فأسرقهنَّ سَوءَةٌ واللهِ، ما يفعل هذا الأحرارُ لبئْسَ واللهِ ما منَّتك نفسُكَ فاخرجْ وإلاَّ دخلتُ عليك فَصَرَمَتْك منِّي العُقوبة لايمُ اللهِ لتَخرُجَنَّ أو لأهتفَنّ هتْفةً مشؤومةً عليك، يلتقي فيها الحيَّانِ: عمرو وحنظلة، ويصيرُ أمرُك إلى تال، ويجيء سعْدٌ بعَدَدِ الحصى، ويَسيل عليك الرِّجالُ من هاهنا وهاهنا ولئن فعلتَ لتكونَنَّ أشأمَ مولودٍ في بني تميم فلما رأى أنَّه لا يجيبُه أخَذَهُ باللِّين وقال: اخرجْ يا بُنَيَّ وأنتَ مستور، إنِّي والله ما أُرَاك تعرفُني، ولو عرفتَني لقد قنِعتَ بقولي واطمأننت إليَّ، أنا عُروة بن مَرثد أبو الأَعزِّ المَرثَدِيُّ، وأنا خالُ القومِ وجِلدةُ ما بين أعينهم لا يعصُونَني في أمر، وأنا لك بالذِّمة كفيلٌ خفير، أصيِّرك بين شحمةِ أذني وعاتقي لا تُضارّ، فاخرج فأنتَ في ذِمَّتي، وإلا فإنَّ عندي قَوْصرَّتَين إحداهما إلى ابن أختي البارّ الوَصُول، فخذْ إحداهما فانتَبِذْها حلالاً من الله تعالى ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم، وكان الكلبُ إذا سمعَ الكلامَ أطرقَ، وإذا سكت وثَب يُريغُ المخرج، فتهافت الأعرابيُّ، أيْ تساقط، ثمَّ قال: يا ألأمَ الناسِ وأوضَعَهم، أَلا يأْنيِ لك أنَّا منذُ الليلة في وادٍ وأنتَ في آخر، إذا قلتُ لك السَّوداءَ والبيضاء تسكتُ وتطرِق، فإذا سكتُّ عنكَ تَريغُ المخرج? والله لتخرُجَنَّ بالعَفو عنك أو لألجَنَّ عليك البيت بالعُقوبة فلما طال وقوفُه جَاءَتْ جَاريةٌ من إماء الحيِّ فقالت: أعرابيٌّ مجنون والله ما أرى في البيتِ شيئاً ودفعت البابَ فخرج الكلبُ شدّاً، وحادَ عنه أبو الأعزّ مستلقياً، وقال: الحمدُ لله الذي مَسَخك كلباً، وكفاني منك حرباً ثم قال: تالله ما رأيتُ كاللَّيلةِ، ما أُراه إلاّ كلباً أمَا والله لو علمتُ بحالِه لولَجت عليه.
بعض خصال الديك
قال صاحب الديك: في الدِّيك الشّجاعَةُ، وفي الديك الصّبرُ عند اللِّقاء، وهم لا يجدون الصَّبرَ تحت السِّياط والعصا، إلاّ أنْ يكون ذلك موصولاً بالصَّبر في الحرب على وقع السِّلاح، وفي الدِّيَك الجَوَلان، وهو ضرب من الرَّوَغان، وجنسٌ من تدبير الحرب، وفيه الثَّقافةُ والتسديد؛ وذلك أنَّه يقدِّر إيقاع صِيصِيَتِه بعين الديك الآخر ويتقرَّب إلى المذبح فلا يخطئ، وهم يتعجَّبون من الجَزَّار، ويضرِبون به المثل إذْ كان لايخطئْ اللَّبَّة، ومن اللحَّام إذا كان لا يخطئ المَفْصِل، ولذلك قالوا في المثل: يطبِّق المحَزَّ ولايخْطئ المَفْصِل، وهذا القولُ يذمُّون به ويَمْدحون، والديك في ذلك أعجبُ، وله مع الطَّعنة سرعة الوَثْبة، والارتفاع في الهواء، وسلاحه طَرِير، وفي موضع عجيب، وليس ذلك إلاّ له، وبه سمَّى قَرْن الثور صِيصِيَة، ثم سمَّوا الآطام التي كانت بالمدينة للامتناع بها من الأعداء صياصِيَ، قال اللّه عزَّ وجلَّ: "وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهمْ"، والعَرَبُ تسمِّي الدَّارع وذا الجُنَّة صاحبَ سلاح، فلما كان اسم سلاح الديك وما يمتنع به صِيصِيَة، سمَّوا قرنَ الثور الذي يجْرَح صيصِيَة، وَعلى أنّه يشبَّه في صورته بصيصِية الديك وإن كان أعظم، ثمَّ لمَّا وجدوا تلك الآطامَ معاقِلهم وحصونَهم وجُنّتَهم، وكانت في مجرى التُّرس والدرع والبَيضة، أجروها مُجْرَى السلاح، ثم سمَّوها صياصي، ثمَّ أسمَوْا شوكةَ الحائك التي بها تهيَّأُ السَّدَاة واللُّحمة صِيصِيةً إذْ كانت مشبَّهة بها في الصورة، وإنْ كانت أطولَ شيئاً؛ ولأنَّها مانعةٌ من فساد الحَوْك والغَزْل؛ ولأنَّها في يده كالسلاح، متى شاءَ أن يجأ بها إنساناً وجأه به، وقال دُريد بن الصِّمَّة:
كَوَقْع الصَّياصِي في النَّسيجِ المُمَدَّدِ نَظَرْتُ إلَيْهِ والرِّمَـاحُ تَـنُـوشُـهُ
استطراد لغوي
وقد تسمِّي العربُ إبرة العقرب شوكة، كما تسمِّي صيصِيَة الديك شوكة، وهي من هذا الوجه شبيهةٌ بشَوك النَّخل، ويقال لمن ضربته الحُمْرة، قدْ ضربته الشَّوكة؛ لأنَّ الشَّوكةَ إذا ضربت إنساناً، فما أكثرَ ما تعتريه من ذلك الحمرةُ، وقد قال القَطاميُّ في تسمية إبرة العقرب شَوكة:
تخزم بالأطراف شوك العَقاربِ سرى في جَليدِ الأرْضِ حتَّى كأنّما
وتُوصف الحِجْر وتشبَّه بالشَّوكة؛ لأَنَّ الشَّوكة غليظةُ المآخِر، لطيفة المَقادم، والشَّوكُ والسُّلاّءُ سواءٌ، وقال في ذلك عَلْقمة بن عَبدة يصف الحِجْر:
ذُو فَيئةٍ مِنْ نَوَى قُرّان مَعْجومُ سُلاّءَة كعَصَا النَّهْدِيِّ غُلَّ لهـا
ومن سمَّى إبرة العقرب حُمَة فقد أخطأ، وإنَّما الحُمة سمومُ ذواتِ الشعر كالدَّبْر والزَّنَابير، وذوَات الأنياب والأَسنان كالأفاعي وسائر الحيات، وسموم ذوَاتِ الإبر من العقارب، فأمّا البيِشُ وما أشبهه من السُّموم، فليس يقال له حُمَة، وها هنا أمور لها سمومٌ في خراطيمها، كالذِّبَّان والبَعوض وأشياءُ من الحشرات تَعضُّ وربَّما قتلت، كالشّبَث وسامِّ أبرَصَ، والطّبُّوعُ شديد الأذى، والرُّتَيْلاء ربما قتلت، والضَّمج دون ذلك، وعقارب طيَّارةٌ: ولم نرهم يسمُّون جميع السُّموم بالحُمة، فقلْنا مثل ما قالوا، وانتهينا إلى حيثُ انتهوا.
بعض من تقتل عضته
وقد يُعرفُ بعضُ النّاس بأنّه متى عضّ قَتَل، كان منهم صفوان أبو جشَم الثّقَفيّ، وداودُ القَرَّاد، وسيقَع هذا البابُ في موضعه على ما يمكننا إن شاء الله تعالى.
استطراد لغوي
والناس يسمُّون الرَّجلَ إذا بلغ مِنْ حرصه ألاّ يدعِ ذكراً، غلامَاً كان أو رجلاً، وخَصيّاً كان أو فحلاً، إلاّ نكحه مِن فَرْط غُلْمته، ومن قوّة فِحلَتِه: صِيصِيَة، ويقولون: ما فلانٌ إلا صِيصيَة، وهو عندهم اسمٌ لمن اشتدَّ لِواطه؛ تشبيهاِ منهم بصيصِية الديك في الحدَّة والصَّلابة.
بعض مزايا الديك
وللديك انتصابُهُ إذا قام، ومباينتُه صورَةً في العين لصُورة الدجاجة، وليس هذا الفرقُ الواضحُ من جميعِ الإناث والذكور موجوداً إلاّ فيه، وليس ذلك للحمام والحمامة، ولا للحمار والحمارة، ولا للبِرذَون والرَّمَكة ولا للفرس والحِجْر، ولا للجمَل والنَّاقة؛ وليس ذلك إلاّ لهذه الفحولة لأنّها كالرَّجل والمرأة، والتَّيس والظبية، والدِّيك والدَّجَاجة وكَالفُحَّال والنخلة المطعمة، ألا ترى أنّك لو رأيتَ ناقةً مقبلة لم تدر أنَاقة هي أم جمل، حتى تنظر إلى موضع الثِّيل والضّرْع، وإلى موضع الحيا، وكذلك العنز، وكذلك جميع ما وصفت، إلاّ أن يدّعوا أن للعامة أو لبعض الخاصة في ذلك خصوصيَّة، ولذلك ضربوا المثل بالتّيس والنخلة والفُحّال، فاشتقوا من هذا الفحل، وهذا أيضاً من خصال الدِّيك، ثُمَّ للديك لحية ظاهرة، وليست تكون اللِّحى إلاّ للجمل فإنّه يوصف بالعثنون، وإلاّ للتَّيس وإلاّ للرَّجل، وقال الرَّاجز في الجمل:
سامٍ كـأنّ رأسَـه فـيه وَذم مختلط العُثنونِ كالتّيسِ الأَحَـمّ
إذْ ضمَّ من قطرَيه هياج قَطِم
ثمَّ الديك بعدُ صاحب اللِّحية والفَرَق، وقالت امرأة في ولدها وزوجها:
أشهَبَ ذِي رَأسٍ كرأسِ الديكِ
أمّا قولها أشهب، فإنّها تريد أنّ شعرَ جسده قد ابيضَّ من الكِبَر، وإنَّما جعلتْ شعرَ رأسهِ كرأس الديك لأنّه كان مخضوبَ الرأس واللِّحية بالحُمْرة، ثُمَّ لم ترضَ له بشبه الرجَال من هذا الوجه حتَّى جعلتْ رأْسه أفرقَ، وذلك شيءٌ من الجمال والوقار والفضل، لايتَهيَّأ للناس مع كمالهم وتمامهم إلاّ بالتكلف والاحتيال فيه، ثُمَّ يبلغ من شدّة تعجله ومن قوَّته على السِّفاد، وعلى الباب الذي يفخر به الإنسان إذا كان ذا حظٌ منه وهو ممّا يُذْكي النَّفس كنحو ما ذكر عن التّيس المراطيّ، وكنحو مَا تراهم يُبركون للبُخْتيّ الفالج عدّة قلاص، فإذا ضَرَب الأُولى فخافوا عليها أن يحطِمها وهو في ذلك قد رمى بِمائهِ مِراراً أفْلَته الرِّجَالُ على التي تليه في القرب، حتى يأتي على الثَّلاث والأربعِ على ذلك المثال، وما دعاهم إلى تحويله عن الثالثة إلى الرابعة إلاّ تخوفهم من العجز منه، وزعم أبو عبد الله الأبرص العَمِّيُّ، وكان من المعتزلين، أنّ التَّيس المراطي قرَع في أول يومٍ من أوَّل هَيْجِة نَيِّقاً وثمانين قَرعة، والنّاسُ يحكون ما يكون من العُصفور في الساعة الواحدةِ من العَدَد الكثير، والنّاس يُدخلون هذا الشكل في باب الفضْل، وفي باب شدَّة العجلة وتظاهرِ القوَّة، والديك يكون له وحدَه الدّجاج الكثيرُ، فيُوسِعها قمطاً وسفاداً، وقد قلنا في حالة البيض الكثير التُّرابي وقلبِه إيَّاه بسفادٍ إلى الحيوانيّة، وعلى أنّ الذي يَخصيه إنَّما يُخرج له من بين الزِّمِكِّي وموضِع القطاة بيضَتين عظيمَتين معروفتين.
وأنا رأيتُ ديكاً هِنديّاً تسنَّم دَجَاجَة هِنديّة فلم يتمكَّنْ منها، فرأيت نطفته حينَ مجَّها وقد زَلِق عن ظهرها على مَدَرة، وكانت الدار مُثارَة لتُجعَل بُستاناً، فإذا تلك المجَّة كالبَزْقة البيصاء، فأخذها بعضُ مَن كان معنا فشمَّها حين رأى بياضها وخَثورتها وكدرتها، ليعلم هل تناسب ريحُها ريحَ نُطفة الإنسان، ورِيحَ طَلع الفُحَّال، فلم يجدْ ذلك.
ثمَّ معرفةُ الدِّيك باللَّيل وساعاته، وارتفاقُ بني آدم بمعرِفته وصوته: يعرفُ آناء الليل وعددَ الليل وعددَ السَّاعات، ومقاديرَ الأوقات، ثمَّ يقسِّط أصواتَه على ذلك تقسيطاً موزُوناً لا يُغادر منه شيئاً، ثمَّ قد علمنا أنّ اللَّيل إذا كان خمسَ عشْرَةَ ساعَة أنّه يقسِّط أصواتَه المعروفةَ بالعَدد عليها، كما يقسطها والليل تسعُ ساعات، ثمَّ يصنع فيما بين ذلك من القسمة وإعطاء الحصص على حساب ذلك، فليعلم الحكماءُ أنّه فوقَ الأَسطرْلاب، وفوق مقدار الجزْر والمدِّ على منازل القمر، وحتَّى كأنّ طبْعَه فَلكٌ على حِدَة، فجمَعَ المعرفةَ العجيبةَ والرِّعاية العجيبة. وربَّ معرفةٍ تكون نبيلةً وأخرى لا تكون في طريق النَّبالة، وإنْ كانت المعارفُ كلّها مفصّلة مقدّرة، إلاّ أنّها في منازِلَ ومراتب، وليس في الأرض معرفةٌ بدقيقٍ ولا جليل وهي في نفسها شريفة كريمةٌ، والمعرفةُ كلُّها بَصر، والجهْل كله عمًى، والعمى كلُّه شَيْنٌ ونقص، والاستبانة كلُّها خيرٌ وفضْل، ثم ّ له بعد ذلك ارتفاق الناس بهذا المعنى منه، ومن ذلك بُعدْ صوته، وأنّه يدلُّ على أنّ موضعَه مأهُولٌ مأنوس، ولذلك قالوا: لا يكون البُنْيان قريةً حتَّى يصقَع فيها ديك. وليس في الأَرض طائر أَملح مِلحاً من فرُّوج، وليس ذلك الاسم إلاّ لولد الديك، وإلاّ فكلُّ شيءٍ يخرج من البيض فإنَّما هو فرخ والفَرُّوج حين تنصدِع عنه البَيضة، يخرج كاسباً عارفاً بموضع لقْط الحب وسدِّ الخَلَّة، وهو أصيَدُ للذُّباب من السُّودانيّ، ويدرُج مع الولادة بلا فَصْل، وهذا مع ما أعطى من محبَّة النساء، ورحمة الرجَال، وحُسْن الرَّأي من جميع الدار، ثم اتِّباعه لمن دَعَاه، وإلفُه لمن قرَّبه، ثمّ ملاحةُ صوته وحُسن قَدِّه، ثمَّ الذي فيه ممَّا يصحُّ له الفروج ويتفرَّج فيه.
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42657
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 10:04 pm

تفضيل الديك على الثعلب
قول جعفر بن سعيد في تفضيل الديك على الطاوس
وكان جعفر بن سعيد، يزعم أنَّ الدّيك أحمدُ من الطاوس، وأنَّه مع جماله وانتصابه واعتداله وتَقلُّعه إذا مشى، سَليمٌ من مقابح الطاوس ومن مُوقه وقبح صورته، ومن تشاؤم أهل الدار به ومن قُبح رجليه، ونَذَالة مَرْآته، وزعم أنَّه لو ملك طاوساً لألبَسَ رجليه خفَّاً، وكان يقول: وإنَّمَا يُفخَر له بالتَّلاوين، وبتلك التعاريج التي لألوانِ ريشه، وربَّما رأيتَ الدِّيك النَّبَطيَّ وفيه شبيهٌ بذلك، إلاّ إنَّ الدِّيك أجملُ من التُّدْرُج؛ لمكان الاعتدال والانتصاب والإشراف، وأسلمُ من العيوب من الطاوس، وكان يقول: ولو كان الطاوس أحسنَ من الدِّيك النَّبَطي في تلاوين ريشه فقط لكان فضلُ الديك عليه بفضل القدِّ والخَرْط، وبفضل حُسْن الانتصاب وجودة الإشراف أكثرَ مِنْ مقدارِ فضْل حُسنِ ألوانِهِ على ألوان الديك، ولكانَ السليمُ من العيوب في العين أجمل لاعتراض تلك الخصال القَبيحة على حسن الطاوس في عينِ الناظر إليه، وأوَّل منازل الحمد السلامة من الذَّمِّ، وكان يزعم أنَّ قول الناس فلانٌ أحسن مِن الطاوس، وما فلان إلاّ طاوس، وأنَّ قولَ الشاعر:
جلودُها مثلُ طواوِيسِ الذَّهب
وأنّهم لمّا سمَّوا جيشَ ابن الأشعث الطواويس لكثرةِ مَن كان يجتمع فيه من الفتيان المنعوتين بالجمال، إنما قالوا ذلك لأن العامَّة لا تبصر الجمال، ولَفَرسٌ رائعٌ كريم أحسنُ من كلِّ طاوسٍ في الأرض، وكذلك الرَّجُل والمرأة، وإنّما ذهبوا من حسنه إلى حسن ريشه فقط، ولم يذهبوا إلى حسن تركيبه وتنصُّبه، كحسن البازي وانتصابه، ولم يذهبوا إلى الأعضاء والجوارح وإلى الشِّيات والهيئة، والرأس والوجه الذي فيه.
وكان جعفر يقول: لمّا لم يكن في الطاوس إلاّ حسنُه في ألوانه، ولم يكن فيه من المحاسن ما يزاحمُ ذلك ويجاذبُهُ وينازعه ويَشغل عنه، ذُكِرَ وتبيّن وظهر، وخصال الديك كثيرة، وهي متكافئة في الجمال، ونقول: لم يكن لعبد المطّلب في قريش نظير، وكما أنّه ليس للعرب في النَّاس نظير؛ وذلك حين لم تكن فيه خصلةٌ أغلبَ من أختها، وتكاملت فيه وتساوت، وتوافت إليه فكان الطَّبع في وزن المعرفة، فقالوا عند ذلك: سيِّد الأبطح وسيِّد الوادي وسيِّد قريش، وإذا قالوا سيِّد قريش فقد قالوا سيِّد العرب، وإذا قالوا سيِّد العرب فقد قالوا سيِّد الناس، ولو كان مثل الأحنف الذي برع في حلمه وبرَع في سائر خصاله لذكروه بالحلم؛ ولذلك ذكر قَيس بن زُهير في الدَّهاء، والحارث بن ظالم في الوفاء، وعتيبة ابن الحارث في النَّجدة والثّقافة، ولو أنّ الأحنَفَ بن قيس رأى حاجبَ بن زُرارة، أو زُرارة بن عُدَس، أو حِصْن بن حذيفة، لقدَّمهم على نفسه، وهؤلاء عيونُ أهلِ الوبر لا يُذكَرون بشيءٍ دونَ شيءٍ لاستواءِ خِصال الخير فيهم، وفي منحول شعر النابغة:
كذلك كانَ نوحٌ لا يخُونُ فألفيتُ الأَمانة لم تخُنْهـا
وليس لهذا الكلام وجهٌ، وإنَّما ذلك كقولهم كان داودُ لا يخون، وكذلك كان موسى لا يخون عليهما السلام، وهم وَإن لم يكونوا في حالٍ من الحالات أصحابَ خِيانةٍ وَلا تجوزُ عليهم، فإنَّ النَّاس إنَّما يضربون المثلَ بالشيء النادر من فِعل الرجال ومن سائر أمورهم، كما قالوا: عيسى ابن مريم رُوح الله، وموسى كليم الله، وإبراهيم خليلُ الرحمن، صلى الله عليهم وسلم، ولو ذكر ذاكرٌ الصبرَ على البلاءِ فقَال: كذلك كان أيُّوب لا يجزع كان قولاً صحيحاً، ولو قال: كان كذلك نوح عليه السلام لا يجزع لم تكن الكلمة أعطِيت حقَّها، ولو ذكر الاحتمال وتجرُّع الغيظ فقال: وكذلك كان معاوية لا يسفهُ، وكان حاتم لا يفحُش، لكان كلاماً مصروفاً عن جهته ولو قال: كذلك كان حاتم لا يبخَل لكان ذلك كلاماً معروفاً ولكان القول قد وقع موقعَه، وإن كان حاتمٌ لا يُعرَف بقلّة الاحتمال وبالتَّسَرُّع إلى المكافأة، ولو قال: سألتك فمنعتني وقد كان الشَّعبيُّ لا يمنع، وكان النَّخعِيُّ لا يقول لا، لكان غيرَ محمودٍ في جهة البيان، وإن كان ممَّن يُعطِي ويختار نعم على لا، ولكنْ لمَّا لم يكن ذلك هو المشهور من أمرهما لم تُصرَف الأمثال إليهما، ولم تضرب بهما، قال جعفر: وكذلك القول في الديك وجمالِه؛ لكثرة خصاله، وتوازُن خلاله، ولأنَّ جمال الديك لا يلهَج بذكره إلاّ البُصراء بمقادير الجمال والتوسُّطِ في ذلك، والاختلاط والقصد، وما يكون ممزوجاً وما يكون خالصاً، وحُسن الطاوس حسنٌ لا تعرف العوامُّ غيرَه، فلذلك لهِجت بذكره، ومن الدَّجاج الخِلاسيُّ والهنديّ، ومن الدَّجاج الزِّنجي ومنها الكَسْكَرِيّ، ومن الدّيَكة ما يُخصى فلا يبلغه في الطِّيب والسِّمن شيء وإن اشتدَّ لحمه، وإن كان غيرِ خَصيٍّ فقد يُمدح ذلك من وجهٍ هو أرَدُّ عليه في باب الفخر، من رَخاوة اللَّحم واستطابة الأكل، وعلى أنَّه لو كان أدناه من بعضِ سباع الطَّير، أو عدا خَلْفَه إنسانٌ، فكان يريد أخْذَه حتَّى إذا فسخه البهر ارتدّ في موضعه لا يبرحُه، ثم ذبحه على المكان، لجَمَع به الخصال كلَّها، ولو علِّقَ في عنقه حَجَرٌ ليلتَه بعد أنْ ذبحه، أو أولج بطنَه شيئاً من حِلْتيت لجَمَعَ بهِ الخصال؛ فإنّه أعْمَلُ فيه من البُورَق وقشورِ البِطّيخ في اللحم المفصّل، وهو بعدُ غيورٌ يحمي دَجاجَه، وقال الرَّاجز:
يغارُ والغَيرةُ خُلْقٌ في الذَّكَرْ
وقال الآخر:
الفحل يَحْمِي شَوْلَهُ مَعْقولا
لحم الدجاج
ولحم الدَّجاج فوق جميع اللُّحمان في الطِّيب والبياض، وفي الحسن، والملوك تقدِّمه على جميع الفراخ والنواهض، والبطِّ، والدُّرَّاج، وهم للدُّرّاج آكَلُ منهم للجِداء الرُّضَّع، وللعُنُق الحُمر من أولاد الصَّفايا. والدَّجاجُ أكثر اللُّحوم تصرُّفاً، لأنَّها تطيب شِواءً، ثم حارَّاً وبارداً، ثمَّ تطيب في البَزْمَاوَرْد، ثم تطيب في الهرائِس، ويحدث لَها به نفحةٌ لا تُصاب مع غيرها، وتَطيب طبيخاً، وتَطيب فُصوصها، وإنْ قطَّعتها مع اللحم دَسِمَ ذلك اللحم، وتصلح للحَشاوى، وللملاقسطي، وتصلح في الاسفرجَات وسمينُها يقدَّم في السِّكباجة على البطّ، إلاّ أنها تُطْعَمُ المَفْصُودَ وليس ذلك للبط.
لفظ: الدجاج قال: والدِّيَكة دَجَاج إذا ذكرت في جملة الجنس، وهذا الباب مما تغلَّب فيه الإناث على الذُّكورة، وقال آخرون: لا، ولكنَّ الدِّيكَ نفسه دَجَاجة، إلاَّ أنَّهم أرادوا إِبانَته بأنَّه ذكرٌ فقالوا: ديك، كما يسمُّون الذَّكر والأنثى فرساً بلا هاء، فإذا أرادوا أن يُثبتوا إناثها قالوا حِجْر، وإن كانت حِجْراً فهي فرس، وقال الأخطل:
صاحَ الدَّجَاجُ وحانتْ وَقْفةُ السَّارِي نازعْته في الدُّجَى الرَّاحَ الشَّمُولَ وقدْ
وقد بيَّن ذلك القرشيُّ حيث يقول:
كانَ مَا كانَ لا تطَاهُ الدَّجَاجُُ اطرُدوا الدِّيكَ عن ذؤابِةِ زيدٍ
وذلك أنّه كان رأى رأسَ زيدِ بن علي في دار يوسفَ بن عمر، فجاء ديكٌ فوطئ شعْرَه ونقَره في لحمه ليأكله.
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42657
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 10:04 pm

حوار في صياح الديكة
قالوا: قد أخطأ مَن زعم أنّ الدِّيكة إنَّما تتجاوب، بل إنَّما ذلك منها شيءٌ يتوافق في وقت، وليس ذلك بتجاوُبٍ كنباح الكلاب؛ لأنّ الكلبَ لا وقتَ له، وإنَّما هو صامتٌ ساكت ما لم يحسَّ بشيء يفزَع منه، فإذا أحسَّ به نَبح، وإذا سمع نُباح كلبٍ آخر أجَابَ ثم أجابَ ذلكَ آخرُ، ثمَّ أجابهما الكلبُ الأوَّلُ، وتبيَّن أنّه المجاوِب جميع الكلاب، والدِّيك ليس إذاً من أجْل أنّه أنكر شيئاً استجاب، أو سمع صوتاً صقع، وإنَّما يصقع لشيءِ في طبعه، إذا قابل ذلك الوقتَ من اللَّيل هيّجَه، فَعدَدُ أصواتِهِ في الوقتِ الذي يُظَنُّ أنّه تتجاوبُ فيه الدِّيكة، كعدَدِ أصواتِهِ في القريةِ وليس في القريَةِ ديكٌ غيره، وذلك هو في المواقيت، والعلَّةُ التي لها يصقَع في وقتِ بعينه شائعةٌ فيها في ذلك الوقت، وليس كذلك الكلاب قد تنبح الكلاب في الخُرَيْبة وكلابٌ في بني سعد غير نابحة، وليس يجوز أن تكون دِيَكة المهالبة تصقع، وديكة المسامِعة ساكتة، فإنْ أراد مريدٌ بقوله إنّ الدِّيكة تتجاوب، وعلى مثل قول العرب: هذه الجبال تتناظَر، إذا كان بعضُها قُبالة بعضٍ، وإذا كان الجبلُ من صاحبه بالمكان الذي لو كان إنسانٌ رآه جَاز ذلك، وعلى هذا المثال قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في نارِ المشركين ما قال، حيث قال: لا تَتَرَاءَى نارَاهما، ومع قول الشاعر:
لا تتراءَى قبورهما
وقال ابن مُقْبِلٍ العَجْلاَنيّ:
وحيثُ يَرَى هَضبَ القَليبِ المضَيّحُ سَلِ الدَّار من جنْبَي حِبرٍّ فَواهـبٍ
وتقول العرب: إذا كانتَ بمكان كذا وكذا، حيثُ ينظُر إليك الجبُل فخُذْ عن يسارِك أو عن يمينك، وقال الرَّاجز:
وكما يرى شَيْخ الجبالِ ثَبِيرا
وشيخ الجبال عنده أبو قبيس، وقال النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله الأخيار: أنا بريءٌ من كلِّ مسلمٍ مع كلِّ مشرك، قيل: ولِمَ يا رسولَ اللّه? قال: لا تتراءَى ناراهُما، وقال الكسائِيّ: تقول العرب: داري تنظُر إلى دار فلان، ودورنا تتناظر، وقال اللّه تبارك وتعالى: "وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وَهَمْ لا يُبصِرُونَ"، وإنَّما قال القوم في تجاوُب الدِّيكة ببيتِ شعرٍ سمعوه للطِّرِمَّاح، جهلوا معناه، وهو:
ببم ونبـه الـعـفـاء الـمـوشـح فيا صبح كمش غبر الليل مصـعـدا
حماش الشوى يصدحن من كل صداح إذا صاح لم يخذل وجـاوب صـوتـه
وكذلك غلطوا في قول عبدة بن الطبيب:
إلى الصباح وهم قوم مـعـازيل إذا صفق الديك يدعو بعض أسرته
وإنّما أرادَ تَوافيَ ذلك منها معاً؛ فجعلها دعاء وتجاوبا على ما فسرناه.
تفضيل صاحب الكلب الحمار على الديك
قال صاحب الكلب: لولا أنّا وجدنا الحمار المضروبَ به المثلُ في الجهل، يقومُ في الصَّباح وفي ساعات اللّيل مقامَ الدّيكة، لقد كان ذلك قولاً ومذْهباً غيرَ مَرْدُود، ولو أنَّ متفقِّداً يتفقَّد ذلك من الحمار لوجدَه منظوماً يتبع بعضُه بعضاً على عدد معلوم؛ ولوجَدَ ذلك مقسوماً على ساعات الليل، ولكان لقائلٍ أن يقول في نهيق الحمار في ذلك الوقت: ليس على تجاوبٍ، إنَّما ذلك شيء يتوافى معاً، لاستواء العلة، ولم تكن للدِّيك الموصوفِ بأنّه فوق الأَسْطرلاب فضيلةٌ ليست للحمار، وعلى أنّ الحمار أبعدُ صوتاً، وقد بلغ من شدَّة صوتِه ما إن حلَفَ أحمدُ بن عبد العزيز: إنّ الحمار ما ينام قيل له: وما ذاك? قال: لأَنِّي أجدُ صياحَه ليس بصياح شيءٍ انتبه تلك الساعة، ولا هو صياحُ من يريد أن ينام بعد انقضاء صياحه، هذا والحمارُ هو الذي ضَرب به القرآنُ المثلَ في بُعد الصوت، وضَرب به المثلَ في الجهْل، فقال: "كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً"، فلو كان شيءٌ من الحيوان أجهلَ بما في بطون الأسفار مِن الحمار، لضَرب اللّه المثلَ به دونَه، عشرة أمثال في شأن الحمار وعلى أنّ فيه من الخصال ما ليس في الديك، وذلك أنّ العربَ وضعته من الأمثال التي هي له في عشرة أماكن، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "كلُّ الصَّيْدِ في جوْفِ الفَرَا" وكفاك بِهِ مثلاً إذا كان لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم في تفضيل هدايةِ أبي سفيان، وقال العرب: أنْكَحُ من الفَرَأ، والفَرَأُ مهموز مفتوحة الفاء مجموعُهُ فِرَاءٌ، قال الشاعر:
وطَعْنٍ كإيزاغ المخَاضِ تَبُورُها بِضَرْبٍ كآذانِ الفِرَاءِ فُضُولُـه
وتقول العرب: العَيْرُ أوْقى لِدَمِه، وقولهم: مَنْ يَنِك العَيْر يَنِك نيَّاكاً، وقالوا: الجحْشَ إذا فاتَتْكَ الأعيار وقالوا: أصبَرُ من عَير أبي سيَّارة؛ لأنَّه كان دفعَ بأهْلِ الموسم على ذلك الحمار أربعينَ عاماً، وقالوا: إن ذَهَب عيرٌ فَعيْرٌ في الرِّباط، وقالوا في المديح لصاحب الرأي: جُحَيش وَحْدِه، و عُيَير وحده، و العَيْرُ يَضْرِط والمِكواةُ في النَّار؛ وقالوا: حمَارٌ يحمل أسفاراً، و أضلُّ من حمارِ أهله، و أخزى اللّه الحِمارَ مالاً لا يُزَكَّى ولا يذَكّى، و قد حِيلَ بين العَيْر والنَّزَوان، فالذي مُدح به أكثر؛ فقد وجدنا الحمار أبعدَ صوتاً، ووجدناه يعرف من أوقات الليل ويميِّز عدداً معلوماً إلى الصبح، إلاّ أنّ له في الأسحار فضيلة، والحمارٌ أجهلُ الخلق، فليس ينبغي للدِّيك أن يُقضَى له بالمعرفة والحمار قد ساواه في يَسِير علمه، ثم بايَنَه أنّ الحمار أحسنُ هداية، والدِّيك إن سقط على حائط جَارِه لم يُحسن أن يهتدي إلى داره، وإن خرج مِن باب الدار ضلَّ، وضلالُه من أسفل كضلالِه من فَوق.
أحاديث في الديك
ما روى صاحب الديك من أحاديث في الديك
قال صاحب الديك: حدَّثونا عن صالح بن كيسان، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه ابن عتبة، قال: صرخَ ديكٌ عندَ النبي صلى الله عليه وسلم فسبَّه بعضُ أصحابه، فقال: لا تَسبَّهُ فإنَّه يدعُو إلى الصلاة، وعن ابن الماجِشُونِ، عن صالح بن كيسان، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة ابن مسعود، عن يزيد بن خالد الجُهني: أنّ رَسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم نَهَى عن سبِّ الديك وقال: إنّه يؤذِّن للصَّلاَة.
الحسن بن عمارة، عن عمرو بن مرَّة، وعن سالم بن أبي الجعد، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ مما خلق اللّه تعالى لَدِيكاً عُرْفُه تحتَ العرش وبَرَاثِنُهُ في الأرض السُّفلى، وجَناحاه في الهواءِ، فإذا ذهب ثُلثا الليل وبقي ثُلثُه ضربَ بجناحه ثم قال: سبِّحوا الملِكَ القُدُّوس، سُبُّوح قَدُّوس - أيْ أَنَّهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ - فعند ذلك تضرِب الطَّيرُ بأجنحتها وتصيحُ الدِّيَكة، وأبو العلاء عن كَعب: إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى دِيكاً عُنقُهُ تحْتَ العرش، وبراثنهُ في أسفل الأرَضين، فإذا صاحت الديكةُ يقول: سبحانَ الملِكِ القُدُّوس الملِك الرَّحمن، لا إله غيره، قال: والدِّيَكة أكيسُ شيءٍ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنَّ الدِّيكَ الأبيضَ صديقي، وعدوُّ عدوِّ اللّه، يحرس دارَ صاحِبِهِ وسبعَ دُور، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يبيِّته معه في البيت. ورُوي أنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يسافرون بالدِّيكة.
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42657
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 10:05 pm

ذبح الديك الأفرق
وزعم أصحابُ التَّجرِبةِ أنَّه كثيراً ما يَرون الرَّجل إذا ذبح الدِّيك الأبيضَ الأفرق، أنّه لا يزال يُنْكَب في أهله وماله.
كيف تعرف الديك من الدجاجة
إذا كان صغيراً
وممَّا في المحاجاة أن يقال: كيف تعرف الدِّيك من الدجاجة إذا كان صغيراً حين يخرجُ من البيضة? فقالوا: يعلّق بمنقاره، فإنْ تحرَّكَ فهو ديك وإن لم يتحرَّك فهو دجَاجة.
شعر في حسن الدجاجة ونبل الديك
قال الشاعر في حُسن الدَّجاجة ونَبل الديك:
أبا الدَّهناء من حَلَبِ العصـير غَدَوْتُ بَشربةٍ من ذاتِ عِـرْقٍ
نرى العُصفورَ أعظمَ من بَعيرِ وأُخرى بالعقَنْقَل ثـم رُحـنـا
أميرُ المؤمنين على السَّـريرِ كأنَّ الدِّيكَ دِيكَ بنـي نُـمـير
بناتُ الرُّوم في قُمُصِ الحريرِ كأنَّ دجَاجَهم في الدَّار رُقطـاً
يَنَلنَ أنامِلَ الرَّجُلِ القَـصِـيرِ فبتُّ أُرَى الكواكـبَ دانِـياتٍ
وأمسح جَانبَ القمر المـنـير أُدافعُهنَّ بالـكـفَّـينِ عـنِّـي
طعن صاحب الكلب في الديك
وقال صاحب الكلب: الأشياءُ التي تألفُ الناس لا تريد سواهم كالعصفور والخطَّاف والكلب والسّنورِ، والدِّيكُ ممَّا يتَّخذه الناس، وليس ممَّا يحنُّ إليهم فيقطَع البلادَ نِزاعاً، فيكون كالقواطع من الطير التي تريدهم كالخطَّاف، ولا هو من الأوابد كالعصفور الذي حيثُما دار رجع إليهم، ولا هو كالكلب الذي لا يعرف سواهم، ولا هو كالأهليِّ من السنانير التي متى ألفِتهم لم تفارقهم، وتعُسُّ باللَّيل، وتطوف في القبائل من دار إلى دار ثمَّ لا يكون مرجعُها إلاَّ إليهم، والدِّيك في خلافِ ذلك كلِّه، ثمّ لا يألف منزله ولا يعرف رَبْعه، ثم لا يحنُّ إلى دجاجهِ، ثمَّ لا تتوق نفسُه إلى طَروقته، ولا يشتاق إلى ولده، ولا يعرف الذين غَذوه وربَّوه، بل لم يدر قطّ أنَّ له ولداً، ولو كان درَى لكان على درايته دليل، فإذْ قدْ وجدناهُ لفراريجه وبيضه المخلوقة منه ومِنْ نجْلِه، كما نجده لما لم يلدْ ولما ليس مِن شكله أيضاً ولا يرجعُ إلى نسبه، فكيف لا نقضي عليه بالنَّقص، إذ كانت الأمور لا تعرف إلاَّ بهذا وشبهه.
وهو لا يعرف أهلَ دارِه، ولا يُثبت وجهَ صاحبه الذي لم يُخْلقْ إلاّ عندَه، وفي ظلِّه وتحتَ جناحه، ولم يزلْ في رزقه وعِياله، والحمام ترجع إليه من مائتي فرسخ، ويُصطاد فيتحوَّل عن وطنه عشْرَ حِجَج، ثمَّ هو على ثباتِ عهده وقوَّةِ عقْده، وعلى حِفاظه وإلفه، والنِّزاع إلى وطنه، فإن وجد فُرجة ووافق جناحَه وافياً وافاه وصار إليه، وإن كان جناحُه مقصوصاً جَدَف إلى أهله، وتكلَّف المضيَّ إلى سكَنه، فإمّا بَلَغ وإمَّا أَعْذَر.
والخُطّاف يقطع إليهم من حيث لا يبلغه خبر، ولا يطؤه صاحب سفر؛ على أنّا لا نراه يتَّخذ وكرَه إذا صار إليهم إِلاّ في أحصَنِ موضع، ولا يحمله الأُنْس بهم على ترك التَّحرُّز منهم، والحزمِ في مُلابَستهم، ولا يحمله الخوف منهم على منْع نفسه لذّةَ السُّكونِ إليهم، ولا يبخس الارتفاق بهم حظّه، والعصافير لا تقيم في دار إلاّ وهي مسكونة، فإن هجرها الناسُ لم تُقِمْ فيها العصافير.
قول صاحب الكلب في السنور والهرة والسِّنَّور يعرف ربَّةَ المنزل، ويألف فرخَ الحمام، ويُعابِث فراريج الدار، إن سُرق ورُبط شهراً عاد عند انفلاته، وانحلال رباطه، والهرَّةُ تعرف ولدَها وإن صار مثلَها، وإن أُطعِمت شيئاً حملته إليه وآثرته به، وربّما أُلقي إليها الشيءُ فتدنو لتأكلَه، ويُقبلُ ولدها فتُمسِك عنه، وترضُّه له، وربّما طُرح لها الشيءُ وولدها غائبٌ عنها ولها ضروبٌ من النَّغَم، وأشكالٌ من الصِّياح فتصيح ضرباً من الصِّياح يعرفُ أهلُ الدَّارِ أنّه صياحُ الدُّعاء لا غير ذلك، ويقال: أبَرُّ مِنْ هِرَّة، ومتى أرادتْ ما يريدُ صاحبُ الغائط، أتت مواضعَ ترابٍ في زاويةٍ من زوايا الدَّار فتبحثه، حتَّى إذا جعلتْ له مكاناً كهيئة الحفرة جعلَتْه فيها ثمَّ غطّتهُ من ذلك التُّراب، ثمَّ تشمَّمتْ أعلى ذلك التراب وما ظهرَ منه، فإنْ وجدَتْ شيئاً من الرائحة زادت عليها تراباً، فلا تزال كذلك حتَّى تعلم أنَّها قد أخفت المرئيّ والمشموم جميعاً، فإنْ هي لم تجدْ تراباً خَمشت وجهَ الأرض، أو ظَهْرَ السَّطح، حتَّى تبلغَ في الحفر المبلغَ، ومن ستر ذلك المجهودَ.
وزعم ناسٌ من الأطبَّاءِ أن السِّنَّورَ يعرفُ وحدَه ريحَ رجْعهِ، فإنما يستره لمكان شمّ الفأر لَهُ، فإنها تفرُّ من تلك الرائِحة، أو يُغطِّيه لما يكون فيه من خلُق من أخلاق الأسد، و ما يشاكل فيهِ الأسدَ في الخُلُق، على قدر ما يشاكله في الخَلق، وتعداد ذلك كثيرٌ.
سُلاح الديك
والدِّيكُ لا تراه إلاَّ سالحاً، ثمَّ لا يتوقَّى ثوبَ ربِّ الدار ولا فِراشه ولا بِساطه، هذا، وحياتُه التُّراب، ولذا يدفن نفسَه فيهِ، ويُدخله في أصولِ ريشهِ، ثمَّ لا ترى سُلاحاً أنتن من سُلاحهِ، ولا يشبه ذَرْق الحمام، وصَوْم النَّعامِ، وجَعْر الكلب، ثم مع ذلك لا تراه إلاّ سائلاً رقيقاً، ولو كان مُدَحرَجاً كأبعار الشاءِ والإبل والظباء، أو متعلقاً يابساً كجَعْر الكلب والأسد، ثمَّ لو كان على مقدار نتنه لكان أهونَ في الجملة، وقال أبو نُواسٍ في ديكِ بعض أصحابه:
فنجِّنا مِنْ مُنْتِنِ الأرْوَاح. آذيتَنا بدِيكـكَ الـسَّـلاّحِ
استخدام الخناقين للكلب
وقال صاحب الكلب: ومن مَرافق الكلب أنّ الخنَّاقين يظاهر بعضُهم بعضاً، فلا يكونون في البلاد إلاّ معاً، ولا يسافرون إلاّ معاً؛ فربَّما استولَوا على دربٍ بأسْره، أو على طريقٍ بأسره، ولا ينزلون إلاّ في طريق نافذ، ويكون خلف دُورهم: إما صَحارى وإمَّا بساتين، وإما مزابِلُ وأشباهُ ذلك، وفي كلِّ دارٍ كلابٌ مربوطة، ودُفوف وطُبول، ولا يزالون يجعلون على أبوابهم معلَّمَ كتّابٍ منهم، فإذا خنق أهلُ دارٍ منهم إنساناً ضربَ النِّساءُ بالدُّفوف، وضربَ بعضهم الكلابَ فسمع المعلِّم فصاحَ بالصِّبيان: انبَحُوا وأجابهم أهْلُ كلِّ دَارٍ بالدفوف والصُّنوج، كما يفعل نساءُ أهْلِ القرى، وهَيَّجوا الكلاب، فلو كان المخنوقُ حماراً لما شَعر بمكانه أحد، كما كان ذلك بالرَّقَّة.
وانظرْ كيف أخذُوا أهْلَ دَرْبٍ بأسره وذلك أنّ بعضهم رغِب في ثُوَيب كان على حمّال، وفيهِ دريهمات معَهُ، فألقى الوَهَق في عنقهِ فغُشي عليهِ ولم يمتْ، وتحرَّك بطنُه فأتى المتوضَّأ وتحرَّك الحمَّال والسَّاجور في عنقِه، فرجَعت نفْس الحمال، فلمّا لم يحسّ بأحَدٍ عندَه، قَصَدَ نحوَ باب الدار، وخرح وزِيارهُ في عنقهِ، وتلقّتهُ جماعَتُه فأخبرهم الخبر، وتصايح النَّاس فأُخِذوا عن آخرهم.
بعض الخبر والشعر في الخناقين
وقد كان بالكوفة شبيهٌ بذلك، وفي غيرها من البلدان، فقال حمادٌ الرَّاوية، وذكر المرميِّين بالخنق من القبائل وأصحاب القبائل والنِّحَل، وكيف يصنع الخُنَّاق، وسمَّى بعضَهم فقال:
وكِنْدَةُ فَاحْذَرْها حِذارَكَ للخَـسْـفِ إذا سرتَ في عِجْلٍ فسِرْ في صَحابةٍ
وقَشْبٌ وإعمالٌ لجنْـدلة الـقَـذْف وفي شيعة الأعمـى زيار وغِـيلَةٌ
حميدةُ والميلاءُ حاضِنَةُ الكِـسْـف وكلُّهم شَـرٌّ عَـلَـى أنَّ رأسَـهـم
فإنَّ لهم قَصْفاً يدُلُّ علـى حَـتْـف متى كنتَ في حَيَّيْ بَجيلَةَ فَاستمـعْ
تداعَوْا عَلَيْهِ بالنُّباح وبـالـعـزف إذا اعتزموا يوماً على خنْـقِ زائِرٍ
وأمَّا ذِكره لبني عجل فلمكان ذي الضفرتين وغيره من بني عجل، وأمَّا ذكره كندة، فقد أنشدنا سُفيان بن عيينة، وأبو عبيدة النحويُّ:
فلا تأخذ عَلَى كِنْدَه إذا ما سرَّك العيشُ
ومن كِندة أبو قصبة أُخذ بالكوفة وقُتِل وصُلب، وكان بالكوفة ممَّن يأكلُ لحومَ النَّاس عَدِيَّةُ المدَنية الصَّفراء، وكان بالبَصرة رَادَوَيه صاحب قصاب رادويه، وأمَّا الأعمى في بني ضبَّة الذي ذكره فهو المُغيرة بن سعيد صاحب المُغِيرِيَّة، وهم صِنْفٌ ممَّن يعمل في الخنق بطريق المنصوريَّة، والمغيرة هذا من موالي بَجِيلة، وهو الخارج عَلى خالد بن عبد اللّه القَسْرِيّ، وعِند ذلك قال خالد وهو عَلى المِنبر: أطعِمُوني ماءً وفي ذلك يقول يحيى بن نوفل:
شراباً ثمَّ بُلْتَ عَلَى السَّرِير وقلتَ لِما أصابَك أطعِموني
كَبيرِ السِّنِّ ذي بَصرٍ ضرير لأعلاجٍ ثـمـانـيةٍ وشَـيْخٍ
وأما حميدة فقد كانت لها رياسة في الغالِية، وهي ممَّن استجاب لليلى السبائية الناعِظية، والميلاءُ حاضِنة أبي منصور صاحب المنصوريَّة، وهو الكِسْف، قالت الغالية: إيَّاه عَنَى اللّهُ تبارك وتعالى "وَإنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ"، وقد ذَكَرَه أبو السرِيِّ مَعْدَانُ الأَعمى الشُّمَيطي في قصيدته التي صنّف فيها الرَّافضة ثم الغالية، وقدَّم الشُّميطيَّة عَلَى جميع أصناف الشيعة، فقال:
وكُمَيْلٌ رَذْلٌ مـن الأرْذالِ إنَّ ذا الكِسْفَ صَدَّ آل كُمَيلٍ
ضلَّ فيه تلطُّفُ المحتـالِ تركا بالـعـراق داءً دويّا
وفريقٌ يرض زَنْد الشَّمال منهم جاعلُ العَسيبِ إمامـاً
من عَلِيٍّ وجُنْدُبٍ وبِـلاَلِ وفريقٌ يقـول إنَّـا بـرَاءٌ
ر عَلَى قدرةٍ بغير قتـال وبرَاءٌ مِنَ الذي سَلّـمَ الأَمْ
وفريقٌ يدِينُ بالإهـمـال وفريقٌ يدين بالنصِّ حَتْمـاً
لأنَّ الكميليَّة لا تجيز الوَكالة في الإمامة، وتقول لاَبُدَّ من إمَامٍ صامتٍ أو ناطِقٍ، ولابدَّ من عَلَم يمدُّ الناسُ إليهِ أعْناقَهم، وأبو منْصُورٍ يقولُ بخلاف ذلك، وأمَّا قوله:
وقشب وإعمالٌ لجنْدَلَةِ القَذْفِ وفي شِيعة الأعمى زِيارٌ وغيلة
فقد قال مَعْدان:
حَربيٌّ وناسـخ قَـتَّـال حبشيٌّ وكافر سـبـيانـي
ثمَّ دين المغيرة المغتـالِ تلك تيميَّةٌ وهاتيك صمـت
ثمَّ رضْخٌ بالجندَلِ المتوالي خنق مرَّةً وشَـمُّ بـخـار
لأنَّ من الخنّاقين من يكون جامعاً، وبذلك يسمُّونه إذا جمعَ الخنْق والتشميم، وحمل معه في سَفَرهِ حَجَرَين مستديرين مُدمْلَكين وململمين فإذا خلاَ برجلٍ من أهل الرُّفقة استدبره فَرَمى بأحدهما قَمَحْدُوَتَه، وكذلك إن كان ساجِداً، فإن دمغه الأَول سلبَهُ، وَإنْ هُوَ رَفَع رأسَهُ طبَّق بالآخر وَجْهَهُ، وَكذلك إنْ ألفاه نَائماً أو غافِلاً ، ولقد صَحِبَ منهم نَاسٌ رجلاً خرج من الرَّيِّ، وفي حَقوه هِمْيَانٌ، فكان لاَ يفارق مُعْظَمَ النَّاس، فلمَّا رأوهُ قد قَرُب مِنْ مفرِق الطَّريقين ورأوا احتراسَهُ، وهم نزولٌ إمَّا فِي صحراء وإمّا في بَعْضِ سُطوحِ الخانَات، والنّاس مُتشاغلون بأمُورهِمْ، فلم يشعُرْ صاحِبُ الهِمْيان نهاراً والنّاس حَوْلَهُ إلا والوَهَقُ في عنقِهِ، وطرحَهُ الآخر حين ألقاه في عنقِه، ووَثَبَ إليهِ وجلَسَ علَى صَدره، ومَدَّ الآخَر برجْليهِ وألقى عليهِ ثَوْباً وأذّنَ فِي أذُنِهِ فقام إليهم بعضُ أهل الرُّفقة كالمعين والمتفجِّع، فقالوا له: مكانَك؛ فإنّه إنْ رآك خجِل واستحَى، فأمسك القومُ عنهم، وارتحل القوم، وأعجلوا بصاحبهم، فلمَّا خَلَوا به أخذوا ما أحَبُّوا، وتركوا ما أحَبُّوا، ثمَّ حملوه عَلَى أيديهم، حتى إذا برزوا رمَوه في بعض الأودية.
شعر أعشى همدان في السبئية وقد ذكر أعشَى هَمْدانَ السَّبئيَّةَ وشأنَهم في كرسيِّ المختار:
وإنِّي بكم يا شُرْطَة الكُفْر عارفُ شهدتُ عليكـم أنّـكـم سـبَـئِيَّة
وإنْ كانَ قد لُفَّتْ عليهِ اللفـائف وأُقسِمُ ما كرسيُّكـم بـسَـكِـينةٍ
حمامٌ حواليهِ وفيكـم زخـارف وأنْ لُبِّسََ التّابُوتُ فُتْناً وإن سَمـتْ
وآثَرْتُ وَحْياً ضُمِّنَتْهُ المصاحِفُ وإنِّي امرؤٌ أحببتُ آلَ مـحـمَّـدٍ
بأعواد ذاوٍ دبرت لا تسـاعـف وإن شاكراً طافتْ به وتمسَّحَـتْ
ولا غَبْنَ فيها أو تُحَزُّ السَّوالِـفُ ودَانَتْ بِهِ لابن الزُّبيرِ رقـابُـنـا
فَيُنْصَرُ مَظلومٌ ويأمـن خـائفُ وأحسبُ عُقباهـا لآلِ مـحـمَّـدٍ
وهاجتّْ حُروبٌ بينَهُمْ وحَسَـائِفُ ويجمَعُ ربى أُمَّةً قَدْ تَشَـتّـتَـتْ
أبو عبيدة: الحسيفة الضغينة، وجمعها حسائف.
من قتل نفسه بيده وما أكثر من قتل نفسَهُ بيده، إمَّا لخوف المُثْلة، وإمَّا لخوف التعذيب والهوان وطولِ الأسر، وقد كان الحكمُ بن الطُّفيل، أخو عامر بن الطفيل، وأصحابُه خنَقُوا أنفسَهم في بعض الأيام، فعُيِّروا بذلك تعييراً شديداً، فقال خُراشة بن عامر بن الطفيل:
فَلا وألتْ نفسٌ عليك تـحـاذرُ وقُدْتَهم للموت ثُمَّ خَـذَلْـتَـهُـمْ
أسلِّيتَ عن سلمان أم أنتَ ذاكرُ فهلْ تبلِغنِّي عامراً إنْ لَقِـيتَـه
مُضَمَّخَةً آذانُـهـا والـغـدائرُ فإنَّ وراءَ الحـيِّ غِـزْلانَ أيْكةٍ
لكمْ تحتَ أظْلاَلِ العِضَاهِ جرائرُ وإنَّكم إذ تخنُقون نـفـوسَـكـم
وقال عُروة بن الوَرد في يوم ساحوق، ويذكر خنْق الحكم بن الطُّفيل وأصحابِه أنفسَهم، فقال:
عُلالَة أرماحٍ وعَضْبا مُذَكَّـرا ونحنُ صبَحْنا عامراً في دِيارِها
ولَدْنٍ من الخَطِّيِّ قد طرَّ أسمَرَا بكلِّ رقيقِ الشَّفْرتين مُـهَـنَّـدٍ
ومَقْتَلهمْ عند الوغَى كان أعذرا عجِبت لهم إذ يخنقُوُن نفوسَهـم
ألاَ إنَّما يأتي الذي كان حُذِّرَا يَشُدُّ الحليمُ منهم عَقْدَ حبلـه
رثاء أبي زبيد الطائي كلباً له وقال أبو زُبَيْدِ في كلبٍ لَهُ، كان يُساور الأسدَ ويمنعه من الفساد، حين حطمه الأسد، وكان اسمه أكدر، فقال:
حتى إذا كان بينَ الحَوْض والعَطَـنِ أخَال أكْدَرُ مـخـتـالاً كـعـادتِـه
أسرت وأكدرت تحت الليل في قرن لاقى لدى ثـلـل الأضـواء داهـية
حتَّى تَنَاهى إلى الأهوال في سَنَـنِ حطَّت بِهِ سُـنَّةٌ ورْهـاءُ تَـطْـرُدُه
فوق السَّراةِ كَذِفْرَى القارِح الغَضِنِ إلى مُقاربِ خَطْوِ السـاعِـدَينِ لَـهُ
كالبغل خطّ به العجلان في سكـن رِيبالُ ظلماءَ لا قَـحْـمٌ ولا ضَـرَعٌ
إلى عرين كُعشِّ الأرمَـل الـيَفَـنِ فأسرَيا وهما سنَّا هـمـومـهـمـا
وظنُّ أكدَرَ غيرُ الأَفْنِ والـحَـتَـن هذا بما علقـت أظـفـاره بـهـم
لحِـسِّـهِ أُمُّ أجْـرٍ سـتةٍ شُــزُنِ حتّى إذا ورد العِرزالَ وانتـبـهـت
لهن يبهرن تعبـيراً عَـلَـى سـدن بادٍ جناجنها حـصَّـاء قـد أفـلـت
أن قد تجلَّل أهلُ البيت بـالـيُمـنِ وظنَّ أكدرُ أن تـمـوا ثـمـانـية
فحاص أكدَرُ مشفيّاً مـن الـوَسَـنِ فخافَ عزَّتهـم لـمـا دنـا لـهـمُ
عُضفٍ عليهنَّ ضافِي اللحم واللبـن بأربَع كلُّها في الـخـلـق داهـية
وكانَ باللَّيل وَلاَّجاً إلـى الـجَـنَـنِ ألفاه مـتَّـخِـذَ الأنـيابِ جُـنَّـتَـه
رثاء أعرابي شاة له أكَلها ذئب وقال صاحب الكلب: قال أعرابيٌّ وأكل ذيبٌ شاةً لَهُ تسمّى وردة، وكُنْيَتها أم الوَرد:
من الذئاب إذا مـا راحَ أو بَـكَـرَا أودَى بِوَرْدَةَ أمِّ الـوَردِ ذُو عَـسَـل
ما انفكَّت العَيْنُ تَذْرِي دَمْعهـا دِرَرَا لولا ابنُها وسَلـيلاتٌ لـهـا غـرُرٌ
في الصُّبحِ طالبُ وِترٍ كانَ فَاتَّـأرا كأنَّما الذِّئب إذ يَعْدُو عَلَى غَـنَـمـي
من الضّواري اللَّواتي تقصِم القَصَرَا اعتامَها اعتامَهُ شَـثْـنٌ بـراثِـنـهُ
قال: في هذا الشعر دَليلٌ أنَّ الذِّئب إنَّما يعدو عليها مع الصبح، عند فتور الكلْب عن النُّباح؛ لأنَّه باتَ ليلَتهُ كلّها دائباً يقظانَ يحرُس، فلمَّا جَاءَ الصُّبحُ جاءَ وَقتُ نَوْم الكلاب، وما يعتريها من النّعاس، ثم لم يَدْعُ اللَّهَ عَلَى الذِّئبِ بأن يأكله الأَسد حتَّى يختاره ويعتامه، إلاَّ والأسدُ يأكل الذئاب، ويختار ذلك، وإنََما استطابَ لحمَ الذِّئبِ بفضل شهوتِهِ للحم الكلب.
قول صاحب الديك في إجازة الشعراء الدجاج وقال صاحب الدِّيك: لم نر شريفاً قَطُّ أجازَ شاعراً بكلْب، ولا حَبا بِه زائراً، وقد رأيتَهم يجيزون الشُّعَرَاء بالدَّجاج، وأعْظَمُ من ذلك أن لقيمَ الدَّجَاجِ، لما قال في افتتاح خيبر، وهو يعني النبي صلى الله عليه وسلم:
شهْباءَ ذاتِ مَناكِب وفَقَار رُمِيَتْ نَطاةُ من النبيِّ بفَيْلقٍ
وهَب لَهُ دَجاج خَيبَر عن آخرها، رواه أبو عمرو، والمدائني عن صالح بن كَيّْسان، ولتلك الدَّجَاج قيل: لقيم الدَّجَاج.
إياس بن معاوية وأخوه وقال صاحب الكلب: قال أبو الحسن: كانَ إياسٌ بنُ معاويَة وهو صغيرٌ، ضعيفاً دقيقاً دميماً، وكانَ لَه أخٌ أشدُّ حركَةً منْهُ وَأقوى، فكان معاويَةُ أبوه يقدِّمهُ علَى إياس، فقال لَه إياسٌ يَوْماً يا أبتِ إنَّك تقَدِّمُ أخي عَلَيّ، وسأضربُ لك مثلي ومثلَه: هو مثل الفَرُّوج حين تنفلق عنه البَيضة، يخرج كاسياً كافياً نَفْسَهُ، يلتقط، ويستخفُّه الناس، وكلّما كبر انتُقص، حتى إذا تَمَّ فصار دجاجة، لم يصلحْ إلاّ للذبح، وأنا مثلُ فَرخِ الحمام حين تنفلق عنه البَيضةُ عن ساقطٍ لا يقدر عَلَى حركة، فأبَواه يغذُوانِهِ حتّى يقوى ويثبتَ ريشُهُ، ثمَّ يحسُن بعد ذلك ويطير، فَيجِدُ به الناس ويكرمونَهُ، ويرسل من المواضع البعيدة فيجيء، فيُصان لذلك ويُكْرَمُ، ويُشْتَرى بِالأَثْمانِ الغالية، فقال أبوه: لقد أحسنت المثل فقدَّمه عَلَى أخيهِ، فوجَد عِنْدَهُ أكثرَ مما كانَ يظنُّ فيه.
قال صاحب الكلب: وقد أغفل إياسٌ في هذا القول بعضَ مصالح الدَّجاج، وذلك أنّ الدَّجاج مِنْ لدُنْ يخرج من حَدِّ الصِّغَر والكَيْس إلى أن يدخل في حَدِّ الكبر واحتمالِ اللَّحم والشَّحم، يكون أخبثَ حالاً لأنَّهُ لا يصلح فيه للذَّبح، وقد خرج من حدِّ الكَيْس والاستملاح، وإياسٌ هو الذي يقول: لستُ بخِبٍّ والخِبُّ لا يخدعني، ولا يخدَع ابن سيرين وهو يخدع أبي ويخدَع الحسَن.
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42657
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 10:12 pm

باب ما يحتاج إلى معرفته
يقال فَرْج المرأة والجمع فُروج، وهو القُبُل، والفَرْجُ كِناية، و الاسم الحِرُ، وجمعه أحْراح، وقال الفرزدق:
في قُبَّةٍ مُوقَرةٍ أحْرَاحَا إنِّي أقودُ جملاً ممْرَاحَا
قالوا: وإنِّما جمعوه عَلَى أحراح، لأَنَّ الواحد حِرْح، هكذا كان أصله، وقد يستعار ذلك وهو قليل، قال الشاعِرُ:
جُرَاهِمَةً لها حِـرَةٌ وثِـيلُ تراها الضَّبعَ أعْظمَهنَّ رَأساً
فلم يرض الاستعارة حتَّى ألحق فيها الهاء، وهو الكَعْثَب، وقال الفرزدق:
بثديين مَعْ نحر كريمٍ وكَعْثَبِ إذا بطِحت فوقَ الأَثَافي رَفعنها
وقال الأغلب:
حَيَّاكة عن كعْثبٍ لم يَمْصَحِ
وهو الأجم، وقال الرَّاجز:
قد سمَّنتْها بالسَّويق أمُّها جارية أعظمها أجَمُّهـا
بائنة الرِّجْلِ فما تَضمُّها
وقال: وقد يسمّى الشَّكْر، بفتح الشِّينِ وإسكان الكاف، وأنشدوا:
بمَنْع الشَّكْرِ أتأمَهَا القَبيلُ وكنتَ كليلة الشَّيْبَاء هَبَّتْ
أتأمها: أفضاها، وأمَّا قوله:
مُلْصَقَة السَّرْجِ بخَاقِ باقها قد أقبلَتْ عَمْرَةُ من عِرَاقِها
قال: وهو إن أرادَ الحِرَ فليس ذلك من أسمائه، ولكنه سَّماه بذلك على المزاح، قالوا: والظَّبْيَةُ اسم الفَرْج من الحافر، والجمع الظَّبَيات، وقد استعاره أبو الأخزر فجعله للخُفِّ فقال:
في الأرض ذات الظّبيات الجحمْ ساوَرَها عندَ القُـرُوءِ الـوحـمْ
وقد قال الأوَّل:
فَخَرَّقَ ظَبْيَيْها الحِصانُ المُشَبِّقُ فجاء بغُرمولٍ وفلك مُدَمْـلَـكٍ
وهو من الظِّلف والخُفِّ الحيا، والجمع أَحيية، وهو من السبع ثَفْر، وقد استعاره الأَخطلُ للظِّلْف فقال:
وعبلة ثَفْر الثّوْرَةِ المتَضَاجِـمِ جَزَى اللَّه عنّا الأَعْوَرَيْنِ مَلاَمَةً
فلم يرضَ أن استعاره من السَّبُع للبقرة حتَّى جعل البقرة ثورة، وقد استعاره النَّابعةُ الجَعديُّ للحافر، كما استعاره الأخطل للظِّلف، فقال:
وقد شَرِبتْ مِنْ آخر الليل أُيَّلاَ بُرِيذنَةٌ بَلَّ البَرَاذين ثَفْـرَهـا
وقد قالوا بِرذونة، وقال الرَّاجز:
إنّ البراذِينَ إذَا جَرَيْنَـهْ تزَحْزَحي إليك يا بِرذَوْنهْ
مَعَ الجيادِ ساعَةٌ أعيَيْنَهْ
وقد استعاره آخرُ فَجَعَلهُ للنعجة فقال:
تَحَرَّكُ تحْتَ الكَبْشِ والثَّفْرُ وَارِمُ وما عمرُو إلاَّ نَعْجَة سَاجِـسِـيَّةٌ
والسَّاجِسِيّةُ: ضأنُ في تغلب، وقد استعاره آخرُ فجعله للمرأة فقال:
بنت سُويد أكْرَم الضِّبـابِ نحن بنو عَمْرَة في انتِسابِ
جلْدَتنا من ثفْرِها المِنْجَابِ
ويقال لجُردان الحمار غرمول، وقد يقال ذلك للإنسان وقضيبِ البعير، وهو لكلِّ شيء، ومِقّلم الجمل فقط، ومن السباع العقدة، وأصله للكلب والذِّئب، وقال جرير:
نادَينَ يا أعْظَمَ القَسِّينَ جُرْدَانـا إذا رَوِينَ عَلَى الخنزير من سَكَرٍ
ويقال: صرفت الكلبة صرافاً وصِروفاً، وظلعت تظلع ظلوعاً، وقالوا في الأمثال: لا أفْعَلُ حتَّى ينامَ ظاِلعُ الكلاب أي الصارف، ولم يعرف الأَصمعِيُّ ظلعت الكلبة بمعنى صَرَفت، واستحرمت، وأجْعَلت واستجعلت، واستطارت، والذئبة في ذلك كالكلبة، قال: ويقال في السِّباع: قد وَضَعت، وولَدت، ورمصَت مثلَ ما يقالُ للنَّاس والغنم.
بحث في المذكر من الحيوان ومؤنثه
قال: ويقال كلبة وكلب، وذئبة وذئب وبِرذون وبرذَونة، وأنشد:
وأنتَ على بِرْذَوْنَةٍ غيرِ طائِل أريْتَ إذا ما جالت الخيْلُ جَوْلةً
ويقال رجل ورجال، وامرأة ونساء، وليس لها جمعٌ من واحدها، ويقال بعير وناقة وجمل، ولا يقال جملة ولا بعيرة، وقد قالوا رجل ورجلة وشيخ وشيخَة، ويقال كبش ونعجة، ولا يقال كبشة، كما لا يقال أسدة، ويقال أسد ولبوة ولبوات، ويقال ذئبة وذئب، وقال الشاعِرُ:
وذِئْبةُ مَحْلٍ أمُّ جِرْوَينِ تعسلُ كأنَّهما ضِبْعانَةٌ في مَفـازَةٍ
ويقال إنسان وإنسانَةٌ، وسبع وسبعة، وحمام وحمامة، وحمار وحمارة، وسِرْحان وسرحانَة، وَسِيدٌ وسِيدة، وهِقل وهِقلة، وإلق وإلّقَة، وَقال رؤبة:
جَدَّ وجدَّتْ إلقَةً من الإلقْ
وزعم أنَّه يقال ضبع وضبعة، وثعلب وثعلبة، وأصحابُنا لا يقولون هذا ويضحكون ممن يقولون ضَبُعة عرجاء، ويقال ثُرمُلة، ويقال من الفراخ فرخ وَفرخة، ومن النمور نَمِر وَنَمِرة، قال: ويقال ذِيخٌ وذِيخَةٌ، وضِبْعان وَضِبْعانَةٌ، وجيأل وجَيْألة، ويقال عقرب وعقرَبَة، والعُقرُبان الذَّكَر وحدَه، وقال الشاعِرُ:
عَقْرَبَةٌ يكُومُها عُقْرُبـانْ كأنَّ مَرْعى أُمَّكُمْ إذْ غَدَتْ
ومن الضفادع ضفدَع وَضفدَعَة، ومن القنافذ قُنفُذ وقُنفذة، وشَيْهَمٌ وشَيهمةٌ، ومن القرود قرد وقردة، ويقال إلْقة و قِشَّة، ولا يقال إلْق وقِشّ، ويقال لولد القرد رُبَّاح والأُنثى إلقة، وقالَ الشَّاعِرُ:
والسَّهْلُ والنَّوفَلُ والنَّضْرُ وإلْقَةُ تُرغِث رُبَّاحـهَـا
ومِن النعام هِقل وَهِقلة، وهَيق وهَيقَةٌ، وصَعل وصَعلة، وسفَنَّج وسفَنَّجة، ونعامٌ وَنعامة، والواحد من فراخها الرأل والجمع رئال ورِئلان وأرآل وأرؤل، والأُنثى رألة، وحفّانةٌ والجمع حَفّان، وقد يكون الحَفّان أيضاً للواحد، ويقال لها قِلاص والواحدة قلوص ولا يقال قلوصة، ويقال ظليم ولا يقال ظَليِمة، ويقال نِقْنِق ولا يقال نِقنِقة، ويقال من الأَرانب أرنب ولا يقال أرنبة، والذكر خُزَز، ويقال للأُنثى عِكْرِشة ولولدها خِرْنِق، ويقال هذه أرنب وهذه عقاب، ولا يقال هذا الأَرنب ولا هذا العقاب، وقال الشَّمَّاخ:
تجرّ برَأسِ عِكْرِشَةٍ زَمُوعِ فما تنفكُّ بين عُويرِضَـاتٍ
قال ويقال لولد الكلب جروٌ والأُنثى جروة، وهو دِرْص والجمع أدراص، ويقال لمن عضَّه الكلْبُ الكَلِبُ: بالَ كأدراص الكلاب.
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42657
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 10:13 pm

بدء الإبصار عند أولاد السباع
وجرو الكلب يكون أعمى عَشرةَ أيام وأكثَر، وقد يعرِض شبيهٌ بذلك لكثيرٍ من السِّباع.
استطراد لغوي ويقال بصبص الجروُ وفقَّح وجصَّص، إذا فتح عينيه شيئاً، وصأصأ إذا لم يفتح عينيه، ولذلك قال عبيد اللَّه بن جحش، والسَّكران بن عمرو، للمسلمين ببلاد الحبشة: إنَّا فَقَّحنا وصأصأتم، قال بعض الرُّجاز في بعض الصِّبيان:
مثْلَ جُرَيِّ الكلْبِ لم يفقِّح أقِبحْ بهِ مِنْ وَلَد وأَشْـقِـحِ
بالبابِ عِنْدَ حاجةِ المستَفْتِحِ إنْ يَسْرِ سارٍ لم يَقُمْ فيَنبَـحِ
ويقال لولد الأَسد جرو وأجراء وجِراء، وهي لجميع السباع، ويقال له خاصَّةً: شِبْل، والجمع أشبال وشُبول، وقَال زُهير:
أبطالُ مِنْ لَيْثٍ أبي أَجْر.ِ ولأَنتَ أَشجَعُ حِينَ تتَّجِهُ ال
خبث الثعلب
وحدَّثني صديقٌ لي قال: تعجَّبَ أخُ لنَا من خُبث الثَّعلب، وكان صاحبَ قَنص، وقَالَ لي ما أعجب أمر الثعلب يفصل بين الكلب والكلاَّب، فيحتالُ للكَلاَّب بما يعلم أنَّه يَجوز عليه، ولا يحتال مثل تلك الحيلة للكلب، لأنّ الكلب لا يَخفى عليه الميِّت من المغشيِّ عليه، ولا ينفع عنْدَه التَّماوت، ولذلك لا يُحمل من مَات من المجوس إلى النَّار حتى يُدّْنَى منه كلبٌُ، لأَنّه لا يَخفى عليه مغْمُور الحِسِّ أحَيٌّ هُوَ أو ميت، وللكلب عند ذلك عمل يستَدِلُّ بِهِ المجوس، قال: وذلك أنِّي هَجَمْتُ على ثعلبٍ في مَضيق، ومعي بُنَيٌّ لي، فإذا هو ميِّتٌ منتفِخٌ، فصدَدْت عنه، فلم ألَبثْ أن لحِقتني الكلاب، فلمَّا أحسَّ بها وثَب كالبرق، بعد أن تحايَدَ عن السَّنن، فسألت عن ذلك فإذا ذلك من فِعلِه معروفٌ، وهو أنْ يستلقيَ وينفخَ خواصرَه ويرفعَ قوائمه، فلا يشكُّ مَن رآه من الناس أنّه ميِّت منذُ دهر، وقَدْ تَزكَّرَ بالانتفاخِ بدنُه، فكنتُ أتعجَّب مِنْ ذلك، إذْ مررْتُ في الزُّقاق الذي في أصل دار العبَّاسيّة ومنفَذه إلى مازن، فإذا جرو كلبٍ مهزولٌ سيِّئ الغذاء، قد ضربه الصِّبيان وعقَروه ففرَّ منهم ودخل الزُّقاق، فرمى بنفسه في أصل أُسطُوانة وتبِعوه حتَّى هَجمُوا عليه، فإذا هو قد تَمَاوَتَ فضربوه بأرجلهم فلم يتحرَّكْ فانصرفوا عنه، فلمَّا جاوزُوا تأمَّلت عينَه فإذا هو يفتَحُها ويُغمِضها، فلمّا بعدوا عنه وأمِنَهم عدا، وأخذَ في غير طريقهم فأذهَبَ الذي كان في نفسي للثَّعلب، إذا كان الثَّعلب ليس فيه إلاَّ الرَّوَغان والمكر، وقد ساواه الكلبُ في أجودِ حِيلهِ.
مقايسة بين الثعلب والكلب
ومع الكلب بعدُ ما ليس مَعَهُ، إلاَّ أنْ يُفخَر بفروته في موضع انتفاع النَّاس به، فجعْر الكلب للذُّبحة أنفع منه، إذ كان في الذُّبحة الموت وليس يقوم مقامه شيءٌ، وجلد الثّعلب منه عِوَض.
قول صاحب الديك في الكلاب قال صاحب الديك: شِرار عِباد اللَّه مَن قتل أولادَ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم ولم نجدْ شعراءَ النَّاس شبَّهوا أولئك القاتلين بشيءٍ سوى الكلاب، قال أبو نضلة الأبَّار، في قتل سلم بن أحوز المازنيِّ، صاحب شرطة نَصْرِ بن سيَّار اللَّيثي، يحيى بنْ زَيدٍ وأصحابه، فقال:
لها الوَيْلُ في سُلطانِها المتخاذلِ ألم تر لَيثاً ما الذي خَتَمـتْ بـهِ
فجاءتْ بصَيدٍ لا يحـلُّ لآكـل كلابٌ تعاوَتْ لاهَدَى اللَّه سُبْلَها
زَمانَ عمًى مِنْ أمَّةٍ وتخـاذل بنفسي وأهلي فاطميٌّ تقنَّصـوا
وغابَ قَبيِلُ الحقِّ دُونَ القبائِل لقد كشفت للنّاس ليثٌُ عن استهِا
قال صاحب الديك: وروى هُشيم عن المغيرة عن إبراهيم قال: لم يكونُوا ينْهَوْنَنَا عن شيءٍ من اللعب ونحنُ غِلمانُ إلاَّ الكلاب.
التقامر بالبيض وذكر محمَّد بن عجلان المدينيّ عن زيد بن أسلم، أنّه كان لا يرى بأساً بالبيض الذي يتقامر بِهِ الفتيان، أن يُهدَى إليه منه شيء أو يشتريَه فيأكله.
وهشام بن حسَّان قال: سئل الحسن عن البيض يَلعَب بِهِ الصِّبيان يشتريه الرجل فيأكله، فلم ير بِهِ بأساً وإن أطعموه أن يأكل منه، والجوز الذي يلعب بِهِ الصِّبيان.
وحاتم بن إسماعيلَ الكوفيُّ قَال: حدّثنا عبد الرحمن بن حَرمَلة، عن سعيد بن المسيّب، أنّه لم يكن يرى بأساً بالبيض الذي يلعب به الصِّبيان.
قتل الحيات والكلاب
قال: وحدَّثني ابن جُريج قَال، وأخبرني عبد الله بن عُبيد بن عمير قال: أخبرني أبو الطفيل أنّه سمع عليَّ بنَ أبي طالب يقول: اقتُلوا من الحيَّات ذا الطُّفيتين، والكلبَ الأسودَ البهيم ذا الغُرَّتين.
قال: والغُرَّةُ: حُوَّة تكون بعينيهِ.
قول صاحب الكلب في صقاع الديك
قال صاحب الكلب: قد أخبرني أبو حرب عن منصور القصَّاب، قال: سألت الحسن عن البيض الذي يتقامرون بِهِ، فكرههُ. وما رأينا قطُّ أحَداً يريد الادِّلاج ينتظر صُقَاع الدِّيك. وإنَّما يوالي الدِّيك بين صياحه قُبيل الفجر ثمَّ مع الفجر إلى أن ينبسط النهار؛ وفيما بين الفَجر وامتدَادِ النهار لا يحتاج النَّاس إلى الاستدلال بأَن يصوِّت الديك. ولها في الأسحار أيضاً بالليل الصَّيحة والصَّيحتان، وكذلك الحمار. عَلَى أنّ الحمارَ أبعدُ صوتاً، وأجدر أن ينبِّه كلَّ نائمٍ لحاجةٍ إن كانت له. وما رأينا صاحبَ سَحُورٍ يستعمله، وكذلك صاحب الأذان، وما رأيناه يتَّكل في وقتِ أذانِه عَلَى صياحِ الدِّيك، لأَنّ صورَةَ صوتِه ومقدارَ مَخرجهِ في السَّحَر الأَكبر كصياحِه قبلَ الفجر. وصياحَهُ قبلَ الفجر؛ كصياحِه وقد نوَّر الفجرُ وقد أضاء النهار. ولو كان بين الصيحتين فرقٌ وعلامةٌ كانَ لعمري ذلك دليلاً. ولكِنَّهُ مَن سمع هُتافه وصُقاعَهُ فإِنَّما يفزع إلى مواضع الكواكب، وإلى مطلع الفجر الكاذب والصادق.
والديك له عِدَّةُ أصواتٍ بالنَّهار لا يغادر منها شيئاً؛ ولتلك أوقَاتٌ لا يحتاج فيها النَّاس إليهِ. وملوكُنا وعلماؤنا يستعملون بالنَّهار الأَسطُرلابات وبالليل البَنكامات، ولهم بالنّهار سوى الأسطرلاباتِ خطوطٌ وظلٌّ يعرفون بِهِ ما مَضى من النهار وما بقي. ورأيناهم يتَفَقَّدُون المطالع والمجارِيَ. ورأينا أصحابَ البَساتين وكلّ مَن كان بقُرب الرِّياض، يعرفون ذلك بريح الأَزهار. ورأينا الرُّومَ وَنَصَارى القُرى يَعرفُون ذلك بحركاتِ الخنازير وبِبُكُورها وغدوِّهَا وَأصواتها؛ ولذلك قالوا في وَصف الرجل: له وَثبة الأسد، ورَوَغان الثعلب، وانسلاب الذِّئب وجَمع الذرّة وبُكور الخِنزير. والرَّاعي يعرف ذلك في بكور الإبل وفي حنينها وغيرِ ذلك من أمرها.
وللحَمام أَوقاتُ صياحٍ ودُعاءٍ مع الصُّبح وقبيلَ ذلك على نسَق واحد، ولكنَّ النَّاس إنَّما ذكروا ذلك في الدِّيك والحمار، لامتداد أصواتهما.
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42657
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 10:14 pm

هديل الحمام
وهديلُ الحمامِ ودعاؤه لا يَجوزُ بعيداً، إلاَّ ما كان من الوراشين والفَواخِت في رُءُوس النَّخل وأعالي الأشجار، فلعمري إنَّ ذلك لمَا يُسمَع من موضع صالح البعد.
ما يصيح من الطير مع الفجر
وللعصافير والخطاطيفِ وعامَّة الطَّير، ممَّا يصفِر أو يُصرصِر، وممّا يهدِل مع الفجر إلى بُعيدِ ذلك - صِياحٌ كثير. ثمَّ الذي لا يدع الصِّياح في الأسحار مع الصبُّح أبداً الضُّوَع، والصَّدَى، والهامَةَ، والبُومة وهذا الشَّكلُ من الطَّير. وقد كتبنا في غير هذا الموضعِ الأشعارَ في ذلك.
قال: وقد يصيح مع الصُّبح البُوم، والصدى والهام، والضُّوَع والخطاطيف، والعصافير، والحُمَّرُ في ذلك الوقت أكثَرَ من الدِّيَكة. قال الوليدُ بن يزيد في ذلك:
قفي إن شئتِ أو سِيرِي سُلَيمى تِيكَ في العـير
بأصواتِ العَصَـافـيرِ فلما أن دَنا الـصُّـبـحُ
وقال كلثوم بن عمرو العَتّابيّ:
حتَّى تكلمَ في الصُّبحِ العَصَافيرُ يا ليلةً بُـحـوَّارِينَ سـاهـرة
فالعَصافير والخطاطيف والحُمّر والحمام والضُّوعان وأصناف البوم كلُّها تقوم مَقام الديك. وقال ثَعلبة بن صُعَير المازنيّ:
بيضِ الوَجوهِ ذوي نـدىً ومـآثـرِ أعُميرَ مـا يُدريكِ أن رُبَ فِـتـيةٍ
سَبطِي الأكفِّ لدى الحروب مساعرِ حَسَنِي الفُكاهةِ لا تذمُّ لـحـامُـهـم
قَبلَ الصَّباحِ وقَبل لغـوِ الـطـائرِ باكرتُهُم بسِـبـاء جَـونٍ مُـتـرَعٍ
صوت الديك وما قيل فيه من الشعر
قال: ويقال لصوت الدِّيَكة الدُّعاء، والزقاء، والهُتاف، والصُّراخ، والصُّقاع. وهو يهتِف ويَصقَع ويزقُو ويصرُخ. وقال جِرانَ العَود:
كما مَالَ خَوَّارُ النَّقَا المتقـصـف تميلُ بك الدنيا ويَغلُـبـك الـهـوى
وترغَبُ عن جَزلِ العَطاءِ وتَصدفُ ونُلغَى كأنَّا مَغنَـمٌ قـد حـوبـتـه
وأهلِك حتَّى تسمَعَ الديكَ يهـتِـفُ فموعِدُكَ الشَّطُّ الذي بينَ أهـلِـنـا
وقَال الممزَّق العَبديُّ:
نَسِيفاً كأُفحوصِ القَطَاةِ المطـرِّقِ وقَد تَخِذَت رجلايَ في جَنبِ غَرزِها
وباتَت بِقاعٍ كادِئ النبت سَـمـلَـقِ أُنيخت بجوّ يصرُخ الديك عنـدَهـا
وقال لَبيد:
إلى قدر وِردِ الخامِس المتأوِّبِ لَدُن أن دعا ديكُ الصَّباح بسُحرَةٍ
طيور الليل
ويقال للطائر الذي يخرجُ من وَكره باللَّيل البومة والصَّدَى والهامة والضُّوَع والوَطواط والخُفَّاش، وغُراب اللَّيل، ويصيدُ بعضها الفأرَ وسامَّ أبرصَ والقَطا وصِغارَ الحشرات، وبعضها يصيد البعوض والفراش وما أشبه ذلك. والبوم يدخل بالليل على كل طائرٍ في بيته، ويُخرجه منه ويأكُلُ فِراخه وبَيضَه. وهذه الأسماء مشتركة.
ما قيل من الشعر في الهامة والصدى وقال خزيمة بن أسلم:
فإن زُقاءَ الهامِ أخبَثُ خـابِـثِ فلا تَزقُوَن لي هامةٌ فوق مَرقَبٍ
وقال عبد الله بن خازم أو غيره:
فقد أزقَيتَ بالمَروَينِ هاما فإن تكُ هامةً بهَرَاةَ تَزقُو
وقال توبة بن الحميِّر:
عَلَيَّ ودوني جَنـدَلٌ وصـفـائح ولو أن ليلى الأخيليَّة سَـلّـمـت
إليها صدى من جانب القبر صائح لسلَّمتُ تسليمَ البـشـاشةِ أوزَقـا
وقال الرَّاجز:
يَعوِي به الذِّئب ويَزقُو هامُه ومَنهَل طامِـسَةٍ أعـلامُـه
وأنشدني في الصدى:
له صائح أن كنتِ أسريتِ من أجلي تجشَّمت من جَرَّاكِ والبوم واالصدى
وقال سُويد بن أبي كاهل في الضُّوَع:
فهو يَزقُو مثل ما يزقو الضُّوَع لن يضِرني غير أن يحسُدَنِـي
قال: في قراءة ابن مسعود: " إن كانت إلا زَقيَةً واحدةً " " ونفخ في الزَّقية " يريد الصُّور.
وصوت الدجاجة القوقأة، تقول هي تقوقئ.
شعر في الدجاج
وقال أعرابيٌّ:
ومَحجِرَها، قامت عليه النـوائحُ أليس يرى عيني جُبيرة زوجهـا
رُميصاء قد شابت عليها المسائحُ تنجَّبها لا أكثـر الـلـه خـيرهُ
ورُؤيتها تَرحٌ من العيشِ تـارِحُ لها أنف خنزيرٍ وساقـا دجـاجةٍ
وقال العُجَير السَّلُوليّ:
حتى أُصيب بغيظ آلَ مطلوبِ لا نوم إلا غِرارُ العَينِ ساهرةً
ذَرقَ الدجاج بحفّاز اليَعَاقِيبِ إن تهجُروني فقد بدَّلتُ أيكتُكم
وقال أبو الأسود الدُّئلِيّ:
أغُشُّ إذا ما النُّصحُ لم يُتَقَبَّلِ ألم تعلما يا ابنَي دجاجة أنَّني
شعر في هجاء الدجاج وهجاتء من اتخذها
وقال صاحب الكلب: وسنروي في الدجاج ونذكرُ كلَّ من هجاها وهجا مَن اتَّخذها وأشبهها في وجهٍ من الوجوه، قال الراجز:
بالحيِّ قد ملّ مـن الإدلاجِ أقبلن من نِيرٍ ومـن سُـوَاجِ
يمشون أفواجاً إلى أفـواج فَهُم رجاجٌ وعلـى رَجَـاجِ
مشيَ الفراريجِ إلى الدجاجِ
وقال عبد الله بن الحجّاج:
ويركب بي عَرُوضاً عن عَرُوضِ فإن يُعرِض أبو العبَّـاسِ عـنِّـي
ويُبغِضني فإني مـن بَـغِـيضِ ويجـعـل ودَّهُ يومـاً لـغـيري
ويَجبُر كسرَ ذي العظم المهـيضِ فنصرُ اللـهِ يأسُـو كـلَّ جُـرحٍ
تلقانـي بـجـامـعةٍ رَبُـوضِ فدىً لك من إذا مـا جـئتُ يومـاً
وبِئست خُبزة الشَّيخِ الـمـريضِ لدى جنبِ الحوانِ وذاك فُـحـشٌ
فزعتُ إلى مُقـوقـيةٍ بـيوضِ كأني إذا فـزِعـت إلـى أُحـيحٍ
لِفَقحَتِها إذا بَـرَكَـت نَـقِـيضُ إوزَّة غَيضةٍ لَقِحـت كـشـافـاً
وقالت امرأة في زوجها وهي ترقِّص ابناً لها منه:
ومن هِبَلٍّ قد عسـا حَـنِـيكِ وُهبتُه من سَـلـفَـعٍ أَفُـوك
أشهبَ ذي رأسٍ كرأسِ الديكِ
تريد بقولها " أشهب " أنه شيخ وشعر جسده أبيض وأن لحيته حمراء.
وقد قال الشاعر، وهو الأعشى:
رة يمشون غُدوة كالسيوف وبني المنذر الأشاهب بالحي
وإنما أراد الأعشى أن يعظِّم ويفخِّم أمرهم وشأنهم، بأن يجعلهم شيوخا. وأما قولها: " ذي رأس كرأس الديك " فإنما تعني أنه مخضوبُ الرَّأس واللِّحية.
وقال الآخر:
أهل المدائن فيها الديك والفيلُ حلَّت خويلة في حيٍّ مجاورةً
منهم فوارس لا عزلٌ ولا ميلُ يقارعُون رءُوس العُجمِ ضاحيةً
قال ابن أحمر:
لا يبتغى دونها سهلٌ ولا جـبـلُ في رأس خلقاءَ من عنقاءَ مُشرِفةٍ
شوقاً وذلك مما كلفـت جَـلَـلُ إلا كمثلك فينـا غـير أن لـنـا
حيٌّ بنجرانَ صاح الديك فاحتملوا هيهات حيٌّ غدوا من ثَجرَ منزلهم
وقال:
غداً سارحاً من حولنا وتَنَشَّرا أبعد حلولٍ بالرِّكاء وجـامـلٍ
وديكاً إذا ما آنس الفجر فرفرا تبدلت إصطبلا وتـلاًّ وجَـرَّةً
إذا ما طَغَى ناطورهُ وتَغَشمرا وبستان ذي ثورين لا لينَ عنده
وقال أوس بن حجر:
والتفّ ديكٌ برجليها وخنزيرُ كأن هراً جنيباً عند مَغرِضِها
وقال الحكم بن عبدل:
كأنك ديكٌ مائلُ الرأس أعورُ مررت على بغلٍ تَزُفُّكَ تسعةٌ
وأنت إلى وجه يزينكَ أفقرُ تخيَّرت أثواباً لزينة منـظـرٍ
وقال النَّمِر بن تَولب:
ومن نفسٍ أُعالِجُهـا عِـلاجـا أَعِذني رَب من حَصَـرٍ وعـيٍ
فإن لمضمراتِ النفس حـاجـا ومن حاجات نفسي فاعصِمَنِّـي
إليك وما قضيت فلا خِـلاجـا وأنتَ وِليّها وبـرئتُ مـنـهـا
أرجِّي النَّسل منها والنِّـتـاجـا وأنتَ وهبتهـا كُـومـاً جِـلاداً
لأشريَها وأقتنـيَ الـدَّجـاجـا وتأمـرنـي ربـيعةُ كـلَّ يومٍ
وليس بنافعـي إلا نِـضـاجـا وما تُغنِي الدجاج الضَّيف عنـي
مِرار الطعن والضرب الشِّجاجا أأهلكهـا وقـد لاقـيتُ فـيهـا
على الأعداء تختلجُ اختـلاجـا وتذهب باطلاً غدوات صُهبـى
تخال بياض غُرتهـا سِـراجـا جَموم الشدِّ شـائلةُ الـذُّنـابـى
إذا الأصوات خالطت العَجَاجـا وشدِّي في الـكـريهة كـل يومٍ
وقال عبد الرحمن بن الحكم:
لخُبث الأطعماتِ من الدجاج وللأنصار آكل في قُـراهـا
وقال الآخر لصاحبه:
فنجِّنا من مُنتنِ الأرواح آذيتنا بديكك الـسَّـلاَّحِ
وقالوا: " هو أسلح من حُبارى " ساعة الخوف، ومن " دجاجةٍ " ساعة الأمن.
وقال عقيل بن علَّفة:
بأسفلِ عِلكد دواخنُ تـنـضُـبِ وهل أشهدن خيلاً كأن غُبـارهـا
فِقاحُ الدجاج في الوَدِيِّ المعصبِ تبيتُ على رَمضٍ كأن عُيُونـهـم
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42657
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 10:14 pm

كلب الرفقة
وقال صاحب الديك: حدَّث الأصمعيُّ قال: أخبرني العلاء بن أسلم قال: أردت الخروج إلى مكة المعظَّمة، شرَّفها الله تعالى، فجاءني هشام ابن عقبة - وهو أخو ذي الرُّمة - فقال لي: يا ابن أخي، إنك تريد سفراً يحضُر الشيطان فيه حضوراً لا يحضره في غيره، فاتّقِ الله وصلِّ الصلوات لوقتها فإنك مصليها لا محالة، فصلِّها وهي تنفعك، واعلم أن كل رُفقةٍ كلباً ينبح عليهم، فإن كان نهبٌ شَرِكوه فيه، وإن كان عارٌ تقلّده دونهم فلا تكن كلب الرُّفقة !! وقد رووا شبيهاً بذلك عن تبيع بن كعب.
أم كلبة وقال زيد الخيل:
أنتم إماءٌ يتَّبعـن الأشـتـرا يا نصر نصر بني قعينٍ إنمـا
عضَّ الكلاب بعجبه فاستَثفَرَا يتبعن فضلةأبر كلبٍ منغـط
قال: فلما قدم زيد من عند النبي صلى الله عليه وسلم قال " أبرح فتى إن لم تدركه أم كلبة، يعني الحمَّى.
الكلب بين الهجاء والفخر وقال جرير في البعيث:
أشحَّ على الزاد الخبيثِ من الكلب إذا أنت لاقيت البَعـيثَ وجـدتـه
وقال صاحب الكلب: وقد قال عمرو بن معد يكرب:
يُّ يوماً كَرِهُوا صُلحي وقد كنتُ إذا مـا الـح
وأكفِي النَّبحَ بالنّـبـحِ أَلُفُّ الخيلَ بـالـخـيلِ
استعارات من اسم الكلب قال ومن الاستعارات من اسم الكلب قول الرجل منهم، إن أوطن نفسه على شيء: قد ضَرَبت جَروَتي، وضربت عليه. وقال أبو النّجم:
وبُدِّلت والدهـر ذو تـبـدُّلِ حتى إذا ما ابيضَّ جرو التّنفُل
وقال:
من الحنظل العاميِّ جروٌ مفلَّقُ
وقال عُتبة الأعور:
وبقيت فيمن لا أحبه ذهب الذين أحبُّهـم
مي فيهم كلبٌ يسُبُّه إذ لا يزال كريم قو
احتقار العرب للصيد
قال صاحب الديك: فخرتم علينا بصيد الكلب، وهجوتم الديك إذ كان مما لا يصيد ولا يصاد به، وقد وجدنا العرب يستذلُّون الصيد ويحقرون الصياد، فمن ذلك قول عمرو بن معد يكرب:
ذَنَـبٌ ونـحـــن فـــروع أصـــل طَـــيِّبِ ابـنـي زيادٍ أنـتــم فـــي قـــومـــكـــم
نصلُ الخميس إلى الخميس وأنتم بالقهر بين مربِّق ومكلِّبِ
سوق الـحـمـير بـحـانةٍ فـالـــكـــوكـــبِ لا يحسَبَنَّ بنو طُليحةَ حربنا
طلـبُ الـوُعـول بـوفـضةٍ وبـــأكـــلُـــبِ حيدٌ عـن الـمـعـروفِ ســعـــيُ أبـــيهـــمُ
ترحـاً لـه مـن كـاهـــن مـــتـــكـــذِّبِ حتـى يكـهَّـنَ بـعـــد شَـــيبٍ شـــامـــل
الاشتفاء بدماء الملوك والأشراف
وأما قول زهير:
وكانوا قديماً من مَنَاياهم القتلُ وإن يُقتلو فيُشتَفَى بدمـائهـم
فهذا البيت نفسه ليس يدلُّ على قولهم أن كل من كان به جنونٌ أو كلَبٌ ثم حسَا من دم ملكٍ أو سيدٍ كريم أفاق وبرئ.
فرار الكلب الكلب من الماء
وقد ضربوا لصاحب الكلب أمثالاً في شدَّة طلبه الماء، وفي شدَّة فراره منه إذا عاينه.
وقالوا وقلتم: فالماء المطلوب إذا عاينه من غير أن يمسَّه، وهو الطالب له ولم يحرص عليه إلا من حاجة إليه. فكيف صار إذا رآه صاح ? ! قالوا: وقد يعتري الناظر إلى الماء، والذي يديم التَّحديق إليه وهو يمشي على قنطرةٍ أو جُرُف أو جسر الدُّوارُ؛ فإنه ربما رمى بنفسه من تلقاء نفسه إلى الماء، وإن كان لا يحسن السباحة. وذلك إنما يكون على قدر ما يصادف ذلك من المرار، ومن الطِّباع.
فمن فعل ذلك بنفسه أبو الجهجهاه محمد بن مسعود، فكاد يموت حتى استُخرج. ومنهم منصور بن إسماعيل التمَّار، وجماعة قد عرفت حالهم.
ما يعتري المختنق والممرور وهذا كما يعتري الذي يصيبه الأسنُ من البخار المختنق في البئر إذا صار فيها؛ فإنه ربما استقي واستخرج وقد تغيَّر عقله. وأصحاب الرّكايا يرون أن دواءَه أن يلقوا عليه دِثاراً ثقيلاً، وأن يزمّل تزميلاً وإن كان في تمّوز وآب، ثم يحرس وإن كان قريباً من رأس البئر؛ فإنّه إن لم يُحل بينه وبينها طرح نفسه في تلك البئر، أتاها سعياً في أوّل ما يفتح عينَه ويرجع إليه اليسيرُ من عقله، ثم يُكفي نفسه فيها من ذات نفسِه، في الموضع الذي لقي منه ما لقي، وقد كان عنده معلوماً أنّ القوم لو تركوه طرفةَ عينٍ لهلك. هكذا كان عنده أيام صحةِ عقله، فلمّا فسد أراه الفساد أن الرّأي في العَود إلى ذلك الموضع.
وكما يعترى المرورَ حتى يرجُم الناس؛ فإن المِرَّة تصوِّر له أن الذي رَجَمه قد كان يريد رجمه، فيرى أن الصواب يبدأه بالرّجم وعلى مثلِ ذلك تُريه المِرّة أن طرحه نفسه في النّار أجودُ وأحزم.
وليس في الأرض إنسانٌ يذبح نفسَه أو يختنق أو يتردَّى في بئر، أو يرمي نفسه من حالقٍ، إلا من خوف المثلة أو التعذيب أو العيير وتقريع الشامتين، أو لأن به وجعاً شديداً فيحرِّكُ عليه المِرَّة فيحمى لذلك بدنُه ويسخنُ جوفه، فيطير من ذلك شيءٌ إلى دماغه أو قلبهِ، فيوهمه ذلك أن الصواب في قتلِ نفسه، وأن ذلك هو الرّاحة، وأن الحزم مع الراحة.
ولا يختار الخنقَ الوادعَ الرابح ابلرافه، السليمُ العقلِ والطِّباع. وللغيظ ربما رَمى بنفسه في هذه المهالك، وقَذف بها في هذه المهاوي.
وقد يعترى الذي يصعَد على مثل سنسيرة أو عقرَقوفَ أو خضراء زوج، فإنه يعتريه أن يرمي بنفسه من تلقاء نفسه، فيرون عند ذلك أن يصعد إليه بعض المعاودين المجرّبين، ولا يصنع شيئاً حتى يشدَّ عينيه، ويحتال لإنزاله. فهذا المعنى عامٌّ فيمن كانت طبيعته تثور عند مثل هذه العلّة. وما اكثر كمن لا يعتريه ذلك.
وقد قال الناسُ في عذر هؤلاء ولأن فيهم ضروباً من الأقاويل.
وإنما تكلمنا على المغلوب. فأما من كانت هذه العوارضُ لا تُفسِد عقله، ولا تنقُضُ استطاعته، فليس بيننا اختلافٌ في أنه ملوم. على أن إلزامه اللائمةَ لا يكون إلاّ من بعد خصومةٍ طويلة، لا يصلح ذكرها في هذا الباب.
الغراب
لؤم الغراب وضعفه
وقال صاحب الكلب: الغربا من لئام الطير وليس من كرامها، ومن بغاثها وليس من أحرارها، ومن ذوات البراثنِ الضعيفة والأظفار الكليلة، وليس من ذوات المخالب المعقَّفة والأظفار الجارحة، ومن ذوات المناقير وليس من ذوات المناسر. وهو مع أنه قويُّ النَّظر. لا يتعاطى الصيد. وربما راوغ العصفور، ولا يَصيد الجرادة إلا أن يلقاها في سدٍّ من الجراد. وهو فسلٌ إذا أصاب جِيفةً نال منها وإلا مات هٌزالاً، ويتقمم كما يتقمم بهائم الطير وضعافها، وليس ببهيمةٍ لمكان أكلِه الجيف، وليس بسَبع لعجزه عن الصيد.
ألوان الغربان
وهو مع ذلك يكون حالكَ السواد شديدَ الاحتراق، ويكون مثله من الناس الزِّنج فإنهم شرارُ الناس، وأردأُ الخلق تركيباً ومزاجاً، كمن بردت بلادُه فلم تطبخه الأرحام، أو سخنت فأحرقته الأرحام. وإنما صارت عقولُ أهل بابَل وإقليمِها فوقَ العقول، وجمالهم فوق الجمال لعلة الاعتدال.
وللغراب إما أن يكون شديد الاحتراق فلا يكون له معرفةٌ ولا جمال، وإما أن يكون أبقعَ فيكون اختلافُ تركيبه وتضادُّ أعضائِه دليلاً على فسادِ أمره. والبُقع ألأَمُ من السود وأضعف.
أنواع الغربان
ومن الغِربان غراب الليل، وهو الذي ترك أخلاقَ الغربان وتشبَّه بأخلاق البوم.
ومنها غرابُ البَينِ. وغراب البين نوعان: أحدهما غربانٌ صغارٌ معروفةٌ بالضَّعف واللُّؤم، والآخر " كُلُ غرابٍ يُتَشاءَم به. وإنما لزمه هذا الإسم لأن الغراب إذا بان أهلُ الدار للنُّجعة، وقع في مرابض بيوتهم يلتمس ويتقمَّم، فيتشاءمون به ويتطيَّرون منه؛ إذا كان لا يعترى منازلهم إلا إذا بانوا، فسمَّوه غراب البين. ثم كرهوا إطلاق ذلك الاسم له مخلافة الزَّجر والطِّيرَةَ، وعلموا انه نافذ البصر صافي العين - حتى قالوا أصفى من عينِ الغراب، كما قالوا: أصفى من عين الدِّيك - فسمّوه الأعور كنايةً، كما كنَوا طيرة عن الأعمى فكنوه أبا بَصير. وبها اكتني الأعشى بعد أن عمي. ولذلك سمَّوا الملدوغ والمنهوش سليماً، وقالوا للمهالك من الفيافي: المفاوز. وهذا كثير.
والغِدقان جنس من الغربان، وهي لئام جداً.
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42657
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 10:15 pm

التشاؤم بالغراب
ومن أجل تشاؤمهم بالغراب اشتقُّوا من اسمه الغربة، والاغتراب، والغريب.
وليس فغي الأرض بارحٌ ولا نَطيح، ولا قَعيد، ولا أَعضب ولا شيءٌ مما يتشاءمون به إلا والغرابُ عندَهم أنكدُ منه، يرون أن صِياحَه أكثر أخباراً، وأن الزَّجر فيه أعمُّ. وقال عنترة:
جَلَمانِ، بالأخبار هشٌّ مُولَع حَرِق الجناح كأن لحيَى رأسهِ
التعاير بأكل لحم الغراب
وهو عندهم عار، وهم يتعايرون بأكل لحمه. ولو كان ذلك منهم لأنه يأكل اللحوم، ولأنه سبع، لكانت الضوارِي والجوارحُ أحقَّ بذلك عندهم. وقد قال وَعلَة الجَرمي:
شِواءَ الناهِضاتِ مع الخبيص فما بالعار ما عَيَّر تُـمـونـا
ولا سَرَطانُ أنهارِ البـريص فما لحمُ الغرابِ لـنـا بـزادٍ
فسق الغراب وتأويل رؤياه
قال: والغربانُ جنسٌ من الأجناس التي أمر بقتلها في الحِلِّ والحرم، وسمِّيت بالفسق وهي فواسق، اشتقَّ لها من اسم إبليس.
وقالوا: رأى فلان فيما يرى النائمُ أنه يُسقِطُ أعظمَ صومعةٍ بالمدينة غرابٌ. فقال سعيدُ بن المسيِّب: يتزوح أفسَق الفاسقين امرأةً من أهل المدينة. فلم يلبثوا إلا أيَّاماً حتى كان ذلك.
غراب نوح
وقالوا في المثل: لا يرجعُ فلانٌ حتى يرجع غرابُ نوح، وأهل البصرة يقولون: حتّى يرجعَ نشيطٌ من مَرو، وأهل الكوفة يقولون: حتّى يرجعَ مَصقَلة من سِجِستان ". فهو مثلٌ في كل موضعٍ من المكروه.
قبح فرخ الغراب وفرخ العقاب
وزعم الأصمعيُّ عن خلفٍ الأحمر، أنّه قال: رأيت فرخ غراب فلم أر صورة أقبحَ ولا أسمجَ ولا أبغضَ ولا أقذرَ ولا أنتنَ منه. وزعم أنّ فِراخَ الغربان أنتنُ من الهدهد - على أنّ الهدهدَ مَثَلٌ في النّتن - فذكر عِظَمَ رأسٍ وصِغَرَ بدن، وطولَ منقار وقِصَرَ جناح، وأنّه أمرطُ أسود، وساقط النّفس، ومُنتن الرّيح.
وصاحب المنطق يزعُم أنّ رؤيةَ فرخ العُقاب أمرٌ صعب، وشيءٌ عسير. ولست أحسن أن أقضيَ بينهما.
والغربان عندنا بالبَصرة أوابدُ غير قواطع، وهي تفرخ عندنا في رءوس النّخل الشّامخة، والأشجار العالية. أسطورة خداع الغراب للديك
فالغرابُ عند العرب مع هذا كلِّه، قد خدع الدّيك وتلعَّب به، ورَهَنه عند الحمّار وتخلّص من الغُرم، وأغلقه عند الحمّار، فصار له الغنم وعلى الديك الغرم، ثمّ تركه تركاًضرب به المثل.
فإن كان معنى الخبر على ظاهر لفظه، فالديك هو المغبون والمخدوع والمسخور به، ثم كان المتلعّب به أنذلَ الطير وألأمَه.
وإن كان هذا القولُ منهم يجري مجرى الأمثال المضروبة، فلولا أن عُليا الدّيك في قلوبهم دون محلِّ الغراب - على لؤم الغراب ونذالته ومُوقه وقلّة معرفته - لما وضعوه في هذا الموضع.
دهاء أمية بن أبي الصّلت
فإن أردتم معرفة ذلك فانظروا في أشعارهم المعروفة، وأَخبارهم الصحيحة ثم ابدءوا بقول أميّة بن أبي الصّلت؛ فقد كان داهيةً من دوهي ثَقيف، وثقيفٌ من دُهاةِ العرب، وقد بلغ من اقتداره في نفسه أنَّه كان قد همَّ بادِّعاء النُّبوة، وهو يعلم كيف الخصالُ التي يكون بها الرجل نبيّاً أو متنبيّاً إذا اجتمعت له. نعم وحتّى ترشَّح لذلك بطلب الرِّوايات، ودرس الكُتُب. وقد بان عندَ العرب علاّمةً، ومعروفاً بالجَولان في البلاد، راويةً.
حديث العرب في الغراب
والديك وطوق الحمام
وفي كثيرٍ من الروايات من أحاديث العرب، أن الديك كان نديماً للغراب، وأنهما شربا الخمر عند خمّارٍ ولم يعطياه شيئاً وذهب الغرابُ ليأتيه بالثَّمنِ حين شرب، ورَهن الدّيك، فخاس به، فبقي محبوساً.
وأنّ نوحاً صلى الله عليه وسلم حين بقي في اللُّجّة أياماً بعث الغرب، فوقع على جيفةٍ ولم يرجع، ثم بعث الحمامة لتنظر هل ترى في الأرض موضعاً يكون للسفينة مَرفأً، واستجعَلت على نوحٍ الطَّوق الذي في عنقها، فرشاها بذلك، أي فجعل ذلك جُعلاً لها.
وفي جميع ذلك يقول أمية بن أبي الصلت.
وخانَ أمانةَ الديك الغرابُ بآيةِ قام ينطق كلُ شـيءٍ
يقول: حين تركه في أيديهم وذهب وتركه.
والعامة تضرب به المثل وتقول: ما هو إلا غرابُ نوح.
ثمّ قال:
تدلُّ على المهالك لا تَـهـابُ وأرسلتِ الحمامةُ بعـد سـبـعٍ
وغايته من المـاء الـعُـبـابُ تلمّس هل ترى في الأرضِ عيناً
عليه الثَّأط والطين الـكُـبـابُ فجاءت بعدما ركضت بقِطـفٍ
لها طوقاً كما عُقِدَ السِّـخـابُ فلما فرَّسـوا الآياتِ صـاغـوا
وإن تُقتل فليس لها اسـتـلاب إذا ماتـت تـورِّثُـه بـنـيهـا
وذي الجِنِّـيِّ أرسـلـه يتـابُ كذي الأفعـى يربِّـيهـا لـديه
ولا الجنيُّ أصبح يُسـتـتـابُ فلا ربُّ المنية بـأمَـنـنـهـا
الجنّيّ: إبليس؛ لذنوبه. والأفعى هي الحيَّة التي كلم إبليس آدم من جوفها. ومن لا علم عنده يروي أيضاً أن إبليس قد دخل جوف الحمار مرَّة؛ وذلك أن نوحاً لمَّا دخل السفينة تمنَّع الحمار بعسره ونّكّده، وكان إبليسُ قد أخذ بذَنَبه. وقال آخرون: بل كان في جوفه فلما قال إبليس للحمار: ادخل يا ملعون ! ودخل الحمار، دخل إبليس معه؛ إذ كان في جوفه. قال: فلما رآه نوحٌ في السفينة قال: يا ملعون من أدخلك السفينة ? قال: أنت أمرتني. قال: ومتى أمرتك ? قال: حين قلت، ادخل يا ملعون، ولم يكن ثَمَّ ملعون غيري
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42657
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 10:16 pm

شعر أمية في الديك والغراب والحمامة
قال أميَّة بن أبي الصلت:
س أماثيلَ باقياتٍ سُـفـورا هو أبدى من كلّ ما يأثُر النا
تقصف اليابساتِ والخضُّورا خلق النَّخل مصعداتٍ تراها
يِّل شتّى والرِّيمَ واليَعفـورا والتّماسيح والتمـاثـيل والأّ
ونعاماً خواضباً وحـمـيرا وصواراً من النواشطِ عِينـاً
وذياباً والوحشَ والخنـزيرا وأُسـوداً عـوادياً وفــيولاً
وإوَزِّين أخرجت وصقورا وديوكاً تدعو الغراب لصلحٍ
قال: ثم ذكر الحمامة فقال:
ربُّنا ذو الجلال والإفضـالِ سمع اللـه لابـنِ آدم نـوحٍ
س جميعاً في فُلكِهِ كالعيال حين أوفى بذي الحمامة والنا
وبقِطفٍ لما غدا عِثـكـالِ فأتتهُ بالصدقِ لمّا رشـاهـا
ووصف في هذه القصيدة أمر لحمامة والغراب صفةً ثانية، وغير ذلك، وبدأ بذكر السفينة فقال:
صريف مَحالٍ تستعيد الدّواليا تَرفَّعُ في جَري كأن أَطِيطَـه
سراه وغَيمٍ ألبس الماء داجيا على ظهر جونٍ لم يُعَدّ لراكبٍ
وستَّ ليالٍ دائباتٍ غـواطـيا فصارت بها أيامها ثَمّ سبـعةً
كأن عليها هـادياً ونـواتـيا تشق بهم تهوي بأحسن إمـرةٍ
وأصبح عنه موجه متراخـيا وكان لها الجودِيُّ نهياً وغـايةً
ثم قال:
غداةً غدَت منهم تضم الخـوافـيا وما كان أصحاب الحمـامة خـيفة
يبين لهم هل يونسُ الثـوب بـاديا رسولاً لهم واللـه يُحـكِـمُ أمـرَه
فأصبح منها موضع الطين جـاديا فجاءت بقِطفٍ آيةً مـسـتـبـينةً
وقالت ألا لا تجعل الطوق حالـيا على خطمِها واستوهبت ثّمَّ طوقهـا
يخالونه مالـي ولـيس بـمـالـيا ولا ذهباً، إني أخافُ نـبـالـهـم
تُصيب إذا أتبعت طوقي خضابـيا وزدني على طرقي من الحَليِ زينةً
وأرِّث إذا ما متُّ طوقس حمامـيا وزدني لطرف العينِ منك بنعـمةٍ
ويهـوين زينـي زين أن يرانـيا يكـون لأولادي جـمــلاً وزينةً
ثم عاد أيضاً في ذكر الديك فقال:
نديم غـرابٍ لا يمـل الـحـوانـيا ولا غرو إلا الذيك مدمـن خـمـرةٍ
فأوفيت مرهوناً وخلفـاً مـسـابـيا ومَرهَنُه عن الـغـراب حـبـيبَـه
فأقبل على شـأنـي وهـاك ردائيا أدل علي الديك إنبـي كـمـا تـرى
ولا نصفها حتـى تـئوب مـآبـيا أمنتك لا تلبَث من الـدَّهـر سـاعةً
فأعلـقَ فـيهـم أو يطـول ثـوائيا ولا تدركنك الشمسُ عند طلوعـهـا
إلى الديك وعداً كـاذبـاً وأمـانـيا فردّ الـغـراب والـرداء يحـوزه
أدعك فلاا تدعـو عـلـي ولا لـيا بأية ذنــبٍ أو بـــأية حُـــجةٍ
فلا تدعـو بـي مـرة مـن ورائيا فإني نذرت حَجَّةً لـن أعـوقـهـا
وأزمعت حَجاً أن أطـير أمـامـيا تطيرت منها والدعـاء يعـوقـنـي
أوافي غداً نحو الحجيج الـغـواديا فلا تيأسن إني مع الصُّبـح بـاكـرٌ
وآثرت عمداً شأني قـبـل شـانـيا لحبِّ امرئٍ فاكهتُه قبل حَـجَّـتـي
وطال علـيه الـلـيل ألا مـفـاديا هنالك ظن الجـديك إذ زال زولُـهُ
ألا يا غرابُ هل سمـعـت نـدائيا فلما أضاء الصُّبح طـرَّب صـرخةً
وكان له ندمـان صـدقٍ مـواتـيا على وده لو كـان ثـم مـجـيبـه
عتيقاً وأضحى الديك في القِدِّ عانـيا وأمسى الغراب يضرب الأرض كلَّها
ونادم ندماناً مـن الـطـير عـاديا فذلك مما أسهب الـخـمـر لـبَّـه
ما يلقم فراخه وما يزقها
قال: ومن الطَّير ما يُلقم فِراخه مثل العصفور؛ لأنَّ العصفور لا يزقّ. وكذلك أشباه العصفور.
ومن الطير ما يزق فراخه، مثل الحمام ومتا أشبه ذلك كبهائم الطير الخالصة؛ لأن الدّجاجة تأكل اللّحم، وتلَغُ في الدم، وولدها حين يخرج من البيض يخرج كاسباً مليحاً، كيساً بصيراً بما يُعيشه ويقوته، ولا يحتاج إلى تلقيم سباع الطيرِ والعصافير لأولادها؛ لأن أولادها إذ لم ترضع ولم تلقط الحبَّ كالفراريج أوّل ما تخرج من البيض ولم تزقَّها الآباء ولا الأمهات كأجناس الحمام، فلا بد لها من تلقيم.
ما له طبيعة مشتركة من الطير
والفرُّوج مشترك الطبيعة، قد أخذ من طببائع الجوارح نصيباً، وهو أكله للحم، وحسوه للدّم، وأكله للديدان وما هو أقذر من الذباب. والعصفور أيضاً مشارك الطِّباع؛ لأنه يجمع بين أكل الحبوب واللُّحمان، وبين لقط الحبوب وأجناسٍ كثيرة من الحيوان، كالنمل إذا طار، وكالجراد، وغير ذلك. وليس في الأرض رأسٌ أشبه برأس الحيَّة من العصفورة.
هداية العصفور
والعصفور يتعالى ويطير، ويهتدي ويستجيب. ولقد بلغني أنه قد رجع من قريبٍ من فرسخ. وهي تكون عندنا بالبصرة في الدُّور، فإذا أمكنت الثمارُ لم تجد منها إلا اليسير، فتصير من القواطع إلى قاصي النَّخل؛ وذلك أنها إذا مرّت بعصافير القرى وقد سبقت إلى ما هو إليها أقرب، جاوزَتها إلى ما هو أبعد، ثم تقرب الأيام الكثيرة إلى ما هو أبعد، ثم تقرب الأيّام الكثيرة المقدار، في المسافة إلى أكثر مما ذكرت من الفرسخ أضعافاً.
تحنن العصافير وعطفها والعصافير لا تقيم في دور الأمصار إذا شخص أهلها عنها، إلا ما كان مقيماً منها على بيض أو فراخ؛ فإنه ليس بالأرض طائرٌ أحنى على ولده ولا أشدُّ تعطفاً من عصفور. والذي يدلُّ على أن في طبعها من ذلك ما ليس في طبع سواها من الطير، الذي تجد من إسعاد بعضهنَّ لبعض، إذا دخلت الحيَّة إلى حُجر بعضهن لتأكل فرخاً، أو تبتلع بيضاً؛ فإن لأبوى الفرخ عند ذلك صياحاً وقلقاً وطيراناً، وتدفيفاًَ وترنيقاً فوق الحُجر ودونه وحواليه، فلا يبقى عصفورٌ من حيث يسمع صياحَهما أو يسمع أصواتَهما إلا جئن أرسالاً مسعداتٍ، يصنعن معهما كما يصنعان.
حذر العصفور وليس في الأرض أصدقُ حذراً منه. ويقال إنه في ذلك لأكثر من العَقعَق والغراب.
وخبَّرني من يصيد العصافير قال: ربما كان العصفور ساقطاً على حائط سطح بحذائي، فيغمُّني صياحُهُ وحدة صوته، فأصيح وأومئ إليه بيدي، وأشير كأني أرميه، فما يطير. حتى ربما أهويت إلى الأرض كأني أتَناول شيئاً، كل ذلك لا يتحرك له. فإن مسَّت يدي أدنى حصاة أو نواةٍ وأنا أريد رميها، طار قبل أن تستمكن منها يدي.
سفاج العصفور وأثره في عمره وليس في الطَّير أكثر عددَ سِفادِ من العصافير، ولذلك يقال إنّها أقصر الطَّير أعماراً. ةيقال إنّه ليس شيءٌ مما يألَف الناس ويعايشهم في دورهم أقصر عمراً منها. يعنون: من الخيل والبغال والحمير، والبقر والغنم، والكلاب والسّنانير، والخطاطيفِ والزرازير، والحمام والدّجاج.
نقزان العصفور ولا يقدر العصفور على المشي، وليس عنده إلا النَّقزان، ولذلك يسمَّى النَّقَّاز، وإنما يجمع رجليه ثم يثب، وذلك في جميع حركاته، وفي جميع ذهابه ومجيئه. فهي الصَّعو، والعصافير، والنقاقيز. وإن هو مشى هذه المشية -التي هي نَقَزان - على سطحٍ وإن ارتفع سمكه، فكأنك تسمع لوطئه وقع حجرٍ؛ لشدة وطئه، ولصلابة مشيه. وهو ضدُّ الفيل؛ لأن إنساناً لو كان جالساً ومن خلف ظهره فيلٌ لما شعر به، لخفّة وقع قوائمه، مه سرعة مشي وتمكينٍ في الخطا.
سبُعِية الرَّخم والنسر
والرَّخم والنَّسر سباع، وإنما قصَّر بها عدم السلاح. فأما البدن والقوّة ففوق جميع الجوارح، ولكنها في معنى الدّجاج، لمكان البراثن ولعدم المخالب.
وفاء العصافير ولقد رأيت سِنَّوراً وثب على فرخ عصفورٍ فأخطأه فتناول الفرخ بعض الغلمان فوضعه في البيت، فكان أبوه يجيء حتى يطعمه، فلما قوي وكاد يطير جعله في قفص، فرأيت أباه يجيء يتخرق السّنانير وهي تهمّ به، حتى يدخل إليه من أعلى فتح الباب، وهي تهمُّ بالوثوب والاختطاف له، حتى يسقُط على القفص فينازعه ساعة، فإذا لم يجد إلى الوصول سبيلاً طار فسقط خارجاً من البيت، ثم لا يصبر حتى لا يعود. فكان ذلك دأبه. فلما قوي فرخه أرسلوه معه فطارا جميعاً.
وعرفنا أنه الأبُ دون الأمِّ لسواد اللِّحية.
القول في سماجة صوت الديك
قال: والدليلُ على أن صوت الديك كريهٌ في السَّماع، غيرَ مطربٍ، قول الشاعر:
وأمَّلَه ديك الصَّباح صِـياحـا ذكر الصَّبُوح بسُحرةٍ فارتاحـا
غرداً يصفِّق بالجَناح جناحـا أوفى على شُرَف الجدار بسُدفةٍ
صغر قدر الدجاج
قال: ويدلُّ على صِغر قدر الدجاج عندهم قول بشّار بن بردٍ الأعمى:
ألا إن اللئام لهـم جـدود بجدِّك يا ابن أقرعَ نلت مالاً
أقمت دجاجة فيمـن يزيد فمن نذر الزيادة في الهدايا
أثر كثرة الدجاج في عدد بيضها وفراريجها
قال: وإذا كثر الدجاج في دارٍ أو إصطبل أو قرية، لم يكن عدد بيضها و فراريجها على حسب ما كان يبيض القليل منهنَّ ويفرخه. يعرف ذلك تُجَّار الدّجاج ومن اتخذها للغلَّة.
رعي الدجاج في مصر
بِمِصر تَرعى كما يَرعَى الغنم، ولها راعِ وقيِّم.
فراخ الدجاج وفراخ الحمام
والموتُ إلى الدَّجاج سريعٌ جداً، والعادة في صِغار فراريجها خلاف ما عليها نتوُّ فراخ الحمام؛ لأنَّ الفرُّوج تتصدَّع عنه البيضة في كيِّسٌ ظريف، مليح مقبول، مُحَبٌّ، غنيٌّ بنفسه، مكتفٍ بمعرفته، بصيرٌ بموضع معيشته من لَقط الحب، ومن صَيد الذُّباب وصغار الطير من الهوامّ. ويخرج كاسياً حتى كأَنَّه من أولاد ذواتِ الأربع. ويخرج سريعَ الحركة شديدَ الصوت حديده، يُدعى بالنَّقر فيُجيب، ولا يقال له: قر، قر، ثلاث مرّات - حتى يَلقنَه. فإن استدبره مستدبرٌ ودعاه عطفَ عليه، وتتبع الذي يطعمه ويلاعبه، وإن تباعد من مكانه الأوَّل. فهو آلف شيء. ثمَّ كلما مرت عليه الأيام ماق وحمق، ونقص كيسه، وأقبل قبحُه وأدبر مِلحُه. فلا يزال كذلك حتى ينسلخ من جميعِ ما كان يُحَبُّ له إلى ضدِّ ذلك، ويصير من حالة إلى حال لم يبلغ الانتفاع بذبحه وبيضِه وفراريجه، وذهب عنهم الاستمتاع بكيسه. ولا يكاد يقبل الشَّحم حتى يلحقَ بأبيه، وكذلك إن كانت أنثى، لا تقبل السِّمن، ولا تحمل اللَّحمَ حتَّى تكادَ تلحقُ بأُمِّها في الجثّة.
والفرخ يخرج حارضاً ساقِطاً، أنقصَ من أن يقالَ له مائق، وأقبحَ شيء. وهو في ذلك عاري الجلد مختلف الأوصال متفاوت الأعضاء، ضعيفُ الحوصَلة، عظيم المنقار. فكلَّما مرَّت به الأيَّام زادت في لحمه وشحمه، وفي معرفته وبصره، حتى إذا بلغ خرجَ منه مِن الأُمور المحمودةِ ما عسى لو أنَّ واصفاً تتَّبع ذلك لمَلأَ منهُ الأجلاد الكثيرة. ثم إذا جَاز حدَّ الفِراخ إلى حَدِّ النواهض، إلى حَدِّ العُتّق والمخالب، قلَّ لحمُه وذهب شحمُه على حساب ذلك ينقص. فإذا تمّ وانتهى لم تكن في الأرض دابَّةٌ ولا طائرٌ أقلَّ شحماً ولا أخبثَ لحماً منه، ولا أجدرَ ألاَّ يقبلَ شيئاً من السِّمَن ولو تخيّروا له فؤارَة المسمِنات وما يسمّن به - ما سمِن.
علة قلة البيض إذا كثر الدجاج وسأَلت عن السَّبب الذي صار له الدَّجَاجُ إذا كثُرن قلّ بيضهُنَّ وفراخهنَّ، فزعموا أنَّها في طباع النَّخل، فإن النَّخلَة إذا زَحَمت أختها، بل إذا مسّ طرَفُ سَعفِها طرفَ سعفِ الأُخرى وجاورتها، و ضيَّقت عليها في الهواء، وكذلك أطراف العُروق في الأرض - كان ذلك كرباً عليها وغمّاً.
قالوا: فَتدَانيها وتضاغُطُها، وأنفاسها وأنفاسُ أبدانها، يُحدث لها فساداً.
قال: وكما أنَّ الحمامَ إذا كثُرت في الكُنّة والشريحة احتاجت إلى شمس وإلى ماء تغتسِل فيهِ في بعض الأحايين، وإلى أن تكون بيُوتُها مكنوسة في بعض الأوقات ومرشوشة، وإلاَّ لم يكن لها كبيرُ بيض. على أنّه إذا كان لها في الصميمين الدِّفءُ في الشتاءِ والكِنُّ في الصّيف، لم تُغادِر الدهر كلَّه أن تبيض.
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42657
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 10:17 pm

فخر صاحب الديك بكثرة ما اشتق من البيض
قال صاحب الدِّيك: فخرتم للكلب بكثرة ما اشتقَّ للأَشياء من اسم الكلب، وقد اشتقّ لأكثر من ذلك العدد من البيض، فقالوا لقَلانس الحديد بَيضٌ، وقالوا: فُلاَن يَدفع عن بَيضة الإسلام، وقالوا: قال عليُّ ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه: أنَا بَيضَةُ البَلَدِ. وفي موضع الذمِّ من قولهم:
وابنَا نزارٍ وأنتم بَيضَةُ البَلَـدِ تأبى قضَاعة أن تدري لكم نَسَباً
ويسمّى رأس الصَّومَعة والقبّةِ بَيضة. ويقال للمجلِسِ إذا كان معمُورا غير مطوّل بَيضٌ جاثمة، ويقال للوعاء الذي يكون فيه الحِبن والخَرَاج وهُوَ الذِي يجتمع فِيهِ القَيح - بيضة. وقال الأشتر بن عُبادة:
وَراء القَوم خشية أن يلامُوا يكفُّ غُرُوبَها وَيَغضُّ منهـا
بِهِ من وَقعةٍ أُخرى كِـلاَمُ مُظاهِرُ بَيضَتَين على دِلاَصٍ
وقال النّابغة:
كَأَنَّ رُؤوسُهم بَيضُ النعام فَصَبّحَهُم مُلَملَمَةً رَدَاحـاً
وقَال العُجيرُ السَّلولي:
بِحربَائها صاحَت صِياحاً وصَلّت إذا البَيضَةُ الصَّمَّاء عضّت صفيحةٌ
شرط أبي عباد في الخمر
ولما أنشدوا أبا عبَّاد النَّمَرِيَّ قولَ ابنِ مَيَّادة، وهو الرَّمَّاح:
قبلَ الصَّباحِ بمُتـرَعٍ نَـشَّـاجِ ولقد غدَوتُ على الفَتَى في رحله
حمراءَ مثل سخينة الأوداجِ جادَ القلالُ له بدَرِّ صـبـابة
قَوراءَ بَينَ جَوازِل ودَجـاجِ حُبِسَت ثلاثةَ أحرُسٍ في دَارةٍ
مَلِكٌ يعصَّبُ رأسُهُ بالتَّـاجِ تَدَعُ الغويَّ كأنَّه في نفـسـه
نُجبَ العراق نزَلنَ بالأحداجِ ويظَلُّ يحسِب كلَّ شيءٍ حولَه
فحين سمعه أبو عبّاد يقول:
قَوراءَ بَينَ جَوازل ودَجـاجِ حُبست ثلاثَةَ أحرُسٍ في دَارةٍ
قال: لو وجدتُ خمراً زيتيّة ذهبية، أصفى من عين الديك، وعَين الغراب، ولعابِ الجُندب وماء المفاصل، وأحسنَ حمرةً من النّار، ومن نَجِيع غزال، ومن فُوَّةِ الصَّباغ - لَما شربتها حتَّى أعلمَ أنَّها من عصير الأرجل، وأنَّها من نبات القرى؛ وما لم تكدر في الزِّقاق، وأنَّ العنكبوت قد نسَجَت عليها، وأنَّها لم تصر كذلك إلاَّ وسطَ دَسكرةٍ، وفي قرية سَوادِيَّة وحولَها دَجاجٌ وفراريج. وإن لم تكن رقطاءَ أو فيها رُقط فإِنَّها لم تتمَّ كما أريد. وأعجَب من هذا أنِّي لا أنتفع بشُربها حتَّى يكون بائُعها على غير الإسلام، ويكونَ شيخاً لا يُفصح بالعربيَّة، ويكونَ قميصُهُ متقطِّعاً بالقار. وأعجب من هذا أنّ الذي لا بدَّ منه أن يكون اسمه إن كان مجُوسيّاً شهريار، ومازيار، ومَا أشبه ذلك، مثل أدير، واردان، ويازان. فإن كان يهوديّاً فاسمه مانشا، وأشلوما، وأشباه ذلك. وإن كان نصرانيّاً فاسمه يُوشع وشمعون وأشباه ذلك.
استطراد لغوي ويقال حَمِسَ الشرُّ وأحمَسَ إذا اشتدّ. ويقال قد احتَمَسَ الدِّيكان احتماساً، إذا اقتتلا اقتتالاً َشدِيداً. ويقال وقَعَ الطائر يقَع وُقوعاً. وكلُّ واقعٍ فمصدره الوقوع، ومكانه موقعَةٌ، والجمع مواقع. وقال الرَّاجز:
مواقعُ الطير على الصُّفيِّ كأنَّ متنيه من الـنَـفـيِّ
يقال صَفاً وصُفيِّ. والنّفِيُّ: ما نفى الرِّشاء من الماء، وما تَنفيه مشافرُ الإبل من الماء المَدِير. فشبَّه مكانَه على ظهر الساقي والمستَقي بِذَرق الطَّير علَى الصَّفا.
ويقال " وقع الشيءُ من يدي وُقوعا، وسقط من يدي سُقوطا ". ويقال وقَع الربيع بالأرض، ويقال سَقط. وقال الرّاعي:
ورأى بعَقوَتِهِ أزلَّ نَـسُـولا وقعَ الربيع وقَد تفاربَ خَطوُهُ
لؤم الفروج قال: وكان عِندَنا فرُّوجٌ، وفي الدار سنانيرُ تُعابث الحمامَ وفراخه، وكان الفرُّوج يهرُب منها إلى الحمام، فجاءُونا بدُرَّاج، فترك الحمامً وصار مع الدُّرَّاج، ثم اشترينا فَروجاً كَسكَريّاً للذّبح فجعلناه في قفص، فترك الدُّرَّاج ولزم قُرب القفَص، فجئنا بِدَجَاجَةٍ فترك الدِّيك وصار مع الدَّجاجة، فَذَكَرتُ قولَ الفِزر عبد بني فَزَارة - وكانت بأُذنِهِ خُربة -: إنَّ الوئام يتَبرَّع في جميع الطَّمش، لا يقرب العنزُ الضَّأن ما وجدت المعز، وتنفر من المِخلَب ولا تتأَنّس بالحفّ. فجعلَها كما ترى تنفر ولا تَأنس منزله.
وكذلك حدّثنا الأصمعِيُّ قال: قلتُ للمنتَجِع بن نبهان - وكانت بأُذنِهِ خربة - أكان تميمٌ مسلماً ? قال: إن كان هو الذي سمَّى ابنَه زَيدَ مناةَ فما كان مُسلِماً، وَإلاَّ يكن هو الذي سمَّاه فلا أدري. ولم يقل: وإلاّ يكن هو سمَّاه فقد كان مسلماً.
الوئام
والوئام: المشاكلة. وقالوا: تقول العرب: " لولا الوئام لهلك الأنام " وقال بعضهم: تأويلُ ذلك: لولا أنَّ بعضَ الناس إِذا رأى صاحبه قد صنَع خيراً فتشبَّه بِهِ لهلك الناس. وَقال الآخرون: إِنَّما ذهب إلى أُنسِ بَعض الناس ببَعض، كأَنَّه قال: إنَّما يتعايشون عَلى مقادِير الأُنس الذي بينهم؛ ولو عمَّتهم الوَحشة عمّتهم الهَلَكة. وقال قَوم بن مَالك، في الوئام:
فأقعد لا أزُورُ ولاَ أُزارُ عَلاَمَ أُوَائم البخلاءَ فيهـا
وقال الأخطل:
صاحَ الدَّجَاجُ وحانت وقفة السَّارِي نازعته في الدجَى الرَّاحَ الشَّمُولَ وقد
وقال جرير:
صَوتُ الدَّجاجِ وقرعٌ بالنواقيسِ لمَّا مَررتُ على الدَّيرَينِ أرَّقَني
شعر في الديكة والدجاج قالوا: وقد وجدنَا الدِّيَكةَ والدَّجَاجَ وأفعالَها، مذكوراتٍ في مواضعَ كثيرة، قال ذو الرُّمة:
أواخِرِ المَيسِ أصواتُ الفرَاريجِ كأنَّ أصواتَ من إيغالهنَّ بـنـا
وقال الهذلي:
ومن شحم أَثباجها الهابـط ومن أينها بعـد إِبـدانـهـا
صِياحَ المسامِيرِ في الواسط تصـيحُ جـنـادِبُـهُ رُكَّـداً
سقوط الدَّجَاجِ على الحائط فهو على كلِّ مسـتـوفـز
وقال مَروان بن محمد:
مِن كيلَةِ الأكداس في صفِّهِ ضيَّع مـا وُرّثَـه راشــدٌ
كالدِّيك إذ يعلو عَلَى رَفِّـه فربَّ كدسِ قد علا رمسَـه
بيضة الديك وبيضة العقر ويقال في المثل للذي يعطى عطيّةً لا يعودُ في مثلها: " كانَت بَيضَة الدِّيك ". فإن كان معروف له قيل: " بَيضة العُقر ".
استطراد لغوي
ويقال دجَاجة بَيوض في دَجاجٍ بيضٍ وبُيض، بإسكان موضع العين من الفعل من لغة سفلى مضر، وضمِّ موضع العين من نظيره من الفعل مع الفاء من لغة أهل الحجاز.
ويقال عمد الجرح يَعمَد عَمَداً، إذا عُصر قبل أن ينضجَ فورِم ولم يُخرِج بَيضَته، وذلك الوِعاء والغِلاف الذي يجمع المِدَّة يسمّى بيضة. وإذا خرجَ ذلك بالعصر من موضع العَين فقد أفاق صاحبُه.
ويقال حضَن الطائر فهو يحضن حِضَاناً.
السفاد والضراب ونحوهما
ويقال هو التَّسافد من الطير، والتعاظل من السِّباع: ويقال قَمَط الحمام الحمامة وسفِدَها. ويقال قَعَا الفحلُ يقعو قَعوا، وهو إرساله بنفسه عليها في ضرابه. والفحل من الحفِّ يَضرِب، وهو القَعو والضِّراب. ومن الظِّلف والحافر ينزو نزوا، وكذلك السنانير. والظليم يقعو، وكلّ الطير يقعو قعوا. وأما الحفّ والظِّلف فإنّه يقعُو بعد التسنم. وهو ضرابٌ كلُّه ما خلا التسنُّم. وأما الظِّلف خاصَّة فهو قَافط، يقال قفط يقفُط قفطا. أو القفط نزوة واحدة. وليس في الحافر إلاّ النَّزو.
حضن الدجاج بيض الطاوس قال: ويُوضع بيضُ الطاوس تحتَ الدّجاجة، وأكثرُ ذلك لأنَّ الذَّكر يعَبث بالأنثى إذا حَضَنت. قال: ولهذه العلَّة كثيرٌ من إناث طير الوحش يهرِّبن بيضهُنَّ من ذكورتها، ثمَّ لا تضعه بحيث يشعر به ذكورتهُن.
قال: ويُوضَع تحتَ الدجاجةِ بيضتان من بيض الطاوس، لا تقوى على تسخينِ أكثرَ من ذلك. عَلَى أنَّهم يتعهّدون الدَّجاجة بجميع حوائِجها خوفاً من أن تقوم عنه فيفسده الهواء.
خصى ذكور الطير
قال: وخُصى ذكورِ أجناس الطَّير تكونُ في أوان أوّل السفاد أعظم. وكُلَّما كانَ الطيرُ أعظم سِفاداً، كانت خصيته أعظمَ، مثلُ الدِّيك، والقَبَج، والحَجَل.
وخُصية العصفور أعظم من خُصيةِ ما يساويه في الجثَّة مرَّتين.
بيض الدجاج قال: وكلُّ ما كان من الدَّجاج أصغرَ جثَّة يكون أكبر لبيضه. وبعض الدَّجّاج يكون يبيض بيضاً كثيراً، وربما باض بَيضتين في يومٍ واحد؛ وإذا عرض له ذلك كان من أسباب موته.
شعر في صفة الديك
وقَال آخر في صفة الديك:
مِن صوتِ ذِي رَعَثاتٍ ساكِنِ الدَّارِ ماذا يؤرِّقني والنومُ يُعـجِـبُـنـي
من آخر الليل قد همَّت بإِثـمـارِ كَأنَّ حُمَّاضةً في رأسهِ نـبـتَـت
وقال الطِّرمَّاح:
بِبَمّ ونَبِّه ذا الـعـفـاءِ الـمـوشَّـحِ فيا صبحُ كَمِّش غُبَّرَ اللَّيلِ مُـصـعِـداً
حَماشُ الشَّوَى يَصدَحنَ من كُلِّ مَصدَحِ إذا صاحَ لم يُخذَل وَجـاوَبَ صَـوتَـهُ
حضن الحمام بيض الدجاج قال: والفرُّوج إذا خرج من بيضه عن حضن الحمام، كان أكيسَ له.
بيض الطاوس
وبيضُ الطَّاوس إذا لم تحضنه الأنثى التي باضته خرج الفرخ أَقمأَ وأصغَر.
بيض الدجاج قال: وإذا أُهرِمَت الدَّجَاجة فليس لأواخر ما تَبيض صُفرة. وقد عايَنوا للبَيضَة الواحدة مُحَّتين، خبّرني بذلك جماعة ممَّن يَتَعَرَّف الأُمور. وإذا لم يكن للبيضة مُحٌّ لم يُخلق من البيضة فرُّوج ولا فرخ؛ لأَنّه ليس له طعام يغذوه ويُربِيه. والبيض إذا كان فيه محّتان وكان البياض وافراً - ولا يكون ذلك للمسِنَّات - فإِذا كان ذلك خلق الله تعالى من البَياض فَرُّوجين، وتربَّى الفَرُّوجان، وتمَّ الخلق؛ لأَنَّ الفرخ إِنَّما يخلق من البَياض، والصفرة غذاء الفروج.
ستطراد لغوي
قال: ويقال قفَط الطائر يقفُط قفطا، وسفِد يسفَد سفادً وهما واحد. ويكون السِّفاد للكلب والشاة. ويقال قَمط الحمام يقمُط قمطا.
ويقال ذَرق الطائر يذرُق ذرقا، وخزَق يخزِق خَزقا، ويقال ذلك للإنسان. فإذا اشتقّ له من الحذقة نفسه ومن اسمه الذي هو اسمه قيل خرئ، وهو الخُرءُ والخِراء. ويقال للحافر راث يرُوث، وللمعز والشاء: بعر يبعُر. ويقال للنَّعام: صام يَصُوم، وللطير نجا ينجو، واسم نجو النَّعام الصَّوم، واسم نجو الطَّير العُرَّة. وقال الطِّرِمّاح:
عُرَّة الطَّيرِ كَصَومِ النَّعامِ في شَنَاظِي أُقَنٍ بَينَـهَـا
ويقال للصبي عَقَى، مأخوذ من العِقى.
ويقال لحمت الطير. ويقال ألحم طائِرَك إلحاماً، أي أطعمه لحما واتّخذ له. ويقال هي لُحمة النَّسب. ويقال ألحمت الثَّوب إلحاما، وألحمت الطائِر إلحاماً، وهي لحمة الثَّوب، ولحمة، بالفتح والضمِّ.
صفاء عين الديك ومن خصال الدِّيك المحمودةِ قولهم في الشراب: " أصفَى مِن عَينِ الدِّيك " وإذا وصفوا عَين الحمام الفَقيع بالحمرة، أو عينَ الجرادِ قالوا: كأنَّها عينُ الدِّيك. وإذا قالوا: " أصفى من عين الغراب " فإنّما يريدون حِدَّته ونفاذَ البصر.
ما قيل في عين الديك وفي عين الديك يقول الأعشى:
بغرتها إذ غابَ عنها بُغاتُـهـا وكأسٍ كعَينِ الدِّيكِ باكَرت حَدَّها
وقال آخر:
بفتيانِ صِدق والنّواقِيسَ تُضربُ وكأس كعين الديك باكرتُ حدها
وقال آخر:
ك صفَّى زُلاَلَها الـرَّاوُوقُ قَدَّمَتهُ على عُقارٍ كَعين الدِّي
وقال الآخر:
تضئ كَعينِ العُترُفَان المجاوِبِ ثلاثَةَ أحوال وشَهراً مُجَـرَّمـا
والعُترُفان من أسماء الدِّيك، وسماه بالمجاوب كما سمّاه بالعُترُفان.
وصف الماء الصافي وإذا وصفوا المَاءَ والشَّرابَ بالصَّافي قالوا، كأنّه الدَّمع، وكأنَّه ماء قَطر، وكأنّه ماء مَفصِل،وكأَنّه لعاب الجندب. إلاّ أَنّ هذا الشاعر قال:
كأنّ حُميَّاها عُيُون الجنَادِب مطبقة مـلآنة بـابـلـيَّة
وقال آخر:
إذا سُكِبَت مِن دَنِّها ماءُ مَفصِلِ ومَا قرقَفٌ من أَذرِعاتٍ كأنَّها
المفاصل وماء المفاصل والمفاصل: ماءٌ بين السَّهل والجَبَل. وقال أبو ذؤيب:
تشَابُ بماءٍ مِثلِ ماءِ المَفَاصِلِ مَطافيلَ أبكارٍ حَدِيثٍ نِتاجُهـا
وقال ابن نجيم: إِنَّما عنَوا مفاصل فَقَارِ الجَمَل؛ لأنّ لكلِّ مَفصِل حُقّا، فيستنقع فيه مَاءٌ لا تجد مَاءً أبداً أصفى ولا أحسن منه وإِن رقّ.
ثقوب بصر الكلب وسمعه وقال مَرَّة قطربٌ، وهو محمد بن المستنير النحويُّ: " والله لَفلان أبصرُ من كلب، وأسمعُ من كلب، وأشمُّ مِن كلب " !. فقيل له: أنشدنا في ذلك ما يُشبِه قولَك. فأَنشد قوله:
حُطِّي إليك رِحال القَوم فَالقُرُبـا يا رَبَّة البَيتِ قومي غيرَ صاغـرة
لا يُبصِرُ الكلبُ مِن ظَلمَائِها الطُّنُبا في ليلةٍ من جُمـادَى ذاتِ أنـدِيَةٍ
حتَّى يجرَّ على خَيشُومِه الذَّنَـبـا لا يَنبَحُ الكلبُ فيها غـيرَ واحـدةٍ
وأنشد هذا البيت في ثُقوب بصره، والشِّعر لمرَّة بن مِحكَان السعديّ. ثمَّ أنشدَ في ثُقوب السّمع:
أتى دُونَ نَبحِ الكلبِ والكلبُ دابب خَفيّ السُّرَى لا يَسمَعُ الكَلبُ وَطأَهُ
خصال القائد التركي قال أبو الحسن: قال نصر بن سيَّارٍ اللَّيثي: كان عظماءُ التُّركِ يقولون للقائِد العظيم القِيادة: لآ بدَّ أن تكونَ فيه عشرُ خصالٍ من أخلاق الحيوان: سخاء الديك، وتحنُّن الدجاجة، وقلب الأسد، وحملة الخنزير، وروَغان الثعلب، وخَتل الذئب، وصبر الكلب على الجراحة، وحذَر الغراب، وحِراسة الكُركيِّ، وهداية الحمام.
وقد كتبنا هذا في بابِ ما للدَّجاج والدِّيك؛ لأنَّ صاحبَ هذا الكلامِ قسّم هذه الخصال، فأعطى كلَّ جنسٍ منها خَصلةً واحدة وأعطى جنس الدجَاج خَصلتين.
بعض ما ورد من الحديث والخبر في الديك وعبَّاد بن إبراهي عن عبد الرحمن بن زيد قال: كان مكحولٌ يسافر بالدِّيك. وعنه في هذا الإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الدِّيكُ صدِيقي، وصديق صديقي، وعدُوُّ عدوِّ الله، يحفَظ دارَه وأربَعَ دُور من حواليه ".
والمسيب بن شريك عن الأعمش نحسبه عن إبراهيم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تَذبَحُوا الدِّيك؛ فإنَّ الشَّيطَان يُفرَحُ بِهِ ".
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42657
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأربعاء يوليو 13, 2011 10:19 pm

ريش جناح الطائر
قال: وليس جناح إلاَّ وفيه عشرون ريشةً: فأربعُ قوادم، وأربعُ مناكب، وأربع أباهر، وأربع كلىً، وأربعٌ خَوَافِ، ويقال: سبعٌ قوادم، وسبعٌُ خَوافٍ، وسائره لقب.
والكف والركبة لدى الإنسان وذوات الأربع
قال: وكلُّ شيء من ذوات الأربع فركبتاه في يديه، وركبتا الإنسانِ في رجليه، قال: والإنسان كفُّه في يده، والطائر كفه في رجله.
أسنان الإنسان
قال: وفي الفم ثَنِيَّتان ورَبَاعِيتَان ونابان وضاحكان وأربعةُ أرحاءِ سوى ضِرْس الحُكْم، والنَّواجذ والعوارض سواء، ومثلها أسفل.
التفاؤل بالدجاجة قال صاحب الدِّيك: والدَّجَاجةُ يُتفاءَل بذِكرها، ولذلك لَّما ولد لسعيد بن العاص عَنْبَسَةُ بن سعيد، قال لابنه يحيى: أىّ شيءٍ تَنْحَلُه?قال: دَجَاجة بفراريجها يريد احتقاره بذلك، إذ كان ابنَ أَمَةٍ ولم يكن ابنَ حرّة، فقال سعيد -أو قِيلَ له -: إن صدَقَ الطََّيرُ لَيكونَنَّ أكثرَهُمْ ولداً فهم اليومَ أكثرُهُمْ وَلَداً، وهم بالكوفة والمدينة.
شعر في الدجاج وقال الشاعر:
إبا الدَّهناء من حَلب العصـيرِ غدَوتُ بشَرْبةٍ مِنْ ذات عِـرْقٍ
نرى العُصفورَ أعظمَ مِن بَعيرِ وأُخرى بالعَقَنْقَل ثـمَّ سِـرْنـا
أميرُ المؤمنين على السَّـرير كأنَّ الدِّيكَ دِيك بنـي نُـمـيرِ
بناتُ الرُّومِ في قُمصِ الحريرِ كأنَّ دَجَاجَهُمْ في الدَّار رُقطـاً
يَنَلْنَ أنَامِل الرَّجُلِ القـصـيرِ فبتُّ أرى الكَوَاكـبَ دانـيات
وأمسَحُ جَانبَ القَمَرِ المُـنـيرِ أُدافعهنَّ بالـكَـفـينِ عـنـيِّ
نطق الدجاج قال: ويوصف بالدُّعاءِ وبالمنطق، قال لَبيد بن ربيعة:
د وضَرْبُ النَّاقوس فاجْتُـنِـبـا وصدَّهُمْ مَنطِقُ الدَّجَاجِ عن القَص
وقال:
إلى قَدر ورِد الخامِس المتأوّب لَدُنْ أن دعا ديكُ الصباح بسُحْرةٍ
دعابة أعرابي، وقسمته للدجاج قال أبو الحسن: حدَّثني أعرابيٌُّ كان ينزل بالبَصْرة قال: قدِم أعرابيٌّ من البادية فأَنزلته، وكان عندي دَجَاج كثير، ولي امرأةٌ وابنان وابنتان منها، فقلب لامرأتي: بَادِري واشوي لنا دَجَاجَة وقدِّميها إلينا نتغدَّاها فلمَّا حضر الغداء جلسنا جميعاً أنا وامراتي وابناي وابنتاي والأعرابيّ، قال: فدفعنا إليه الدَّجاجة فقلنا له: اقسمِها بيننا - نريد بذلك أنّ نضحك منه - فقال: لا أحسنُ القِسمة، فإن رضيتم بقسمَتي قسمْتُها بينكم، قلنا: فإنَّا نرْضَى، فأخذَ رأسَ الدَّجَاجة فقطعه فناوَلَنيِه وقال: الرَّأس للرّأس، وقَطَعَ الجناحين وقال: الجناحان للابنين، ثمَّ قطع السَّاقين فقال: السَّاقان للابنتين، ثمَّ قَطَعَ الزَمِكَّي وقال: العجُز للعُجُز، وقال: الَّزور للزائر: قال فأخَذَ الدَّجَاجة بأسْرها وسَخِر بنا، قال: فلما كان من الغد قلتُ لامرأتي: اشوي لنا خَمْسَ دَجاجَاتٍ، فلما حضر الغداءُ، قلت: اقسم بيننا، قَال: إنِّي أظنُّ أنّكم وجَدْتم في أنفسكم قلنا: لا لم نجد في أنفسنا فأقسِم، قَال: أقسِمُ شفعاً أو وِتراً، قلنا: اقسِم وِتراً قالَ: أنت وامرأتك ودَجَاجة ثلاثة، ثمَّ رمى إلينا بدجاجة، ثُمَّ قَالَ: وابناك ودجاجة ثلاثة، ثمّ رمى إليهما بدجاجة، ثمَّ قال: وابنتاك ودجاجة ثلاثة، ثمّ رمى إليهما بدجاجة، ثمَّ قَالَ: أنَا ودجاجاتان ثلاَثَةً، وأخذ دجاجتين وسخِر بنا، قَالَ: فرآنا ونحن ننظر إلى دجاجتيه فقال: ما تنظرون لعلَّكم كرهتم قسَمِتي الوِتر لا يجيء إلاَّ هكذا، فهل لكمْ في قِسمَة الشَّفع? قلنا: نعم، فضمَّهنَّ إليه، ثم قال: أنتَ وابناك ودجاجة أربعة، ورمى إلينا بدجَاجَة، ثمَّ قال: والعجوز وابنتاها ودجَاجة أربعة، ورمى إليهنَّ بدجَاجَةٍ، ثمّ قالَ: أنَا وثلاث دَجَاجَات أربعة، وضمَّ إليه الثَّلاث، ورفَعَ يديه إلى السماء وقال: اللّهم الحمد، أنتَ فَهَّمتنيها.
قول صاحب الكلب على كيس الفروج قال صاحب الكلب: أمَّا قولهمْ: من أعظم مَفاخِر الدِّيك والدَّجَاج على سائر الحيوان، إنَّ الفَرُّوج يخرج من البيضة كاسيا يكفِي نفسه، ثمَّ يجمع كيْس الخِلقة وكيْس المعرِفة، وذلك كلُّه مع خُروجه من البيضة فَقد زعم صاحبُ المنطق أنَّ ولد العنكبوت يأخذُ في النَّسج ساعةَ يُولد، وعملُ العنكبوتِ عملٌ شاقٌ ولطيفٌ دقيق، لايبلغه الفَرُّوجُ ولا أبو الفَرُّوج على أنّ ما مدَحوا الفرُّوج به من خُروجه من البيضة كاسياً، قد شرِكه في حاله غيرُ جِنسه، وكذلك ذَوات الأربَع كلها تُلد كواسِيَ كواسب، كولد الشاء، وفِراخ القَبجِ والدُّرَّاجِ، وفراخ البطِّ الصِّينيِّ في ذلك كلِّه لاحقةُ بالفراريج، وتزيدُ على ذلك أنَّها تزداد حُسناً كلَّما كِبرت، فقد سقط هذا الفخر.
شعر هزليّ في الديك ومن الشِّعر الذي قيل في الدِّيك، ممَّا يُكتَب للهزْل وليس للجِدِّ والفائدة، قولُ أبي الشَّمَقْمَق:
ثمَّ قالت: مَن يَنِـيك هَتَفَتْ أمُّ حُـصَـينٍ
مِثلَ صَحراء العَتيكْ فَتحتْ فَرْجاً رَحِيبـاً
فيه دُرّاجٌ ودِيكْ فيه وَزٌّ فـيه بَــطٌّ
حديث صاحب الأهواز عن العرب قال: وممَّا فيه ذِكْرُ الدَجَاج وليس من شِكْل ما بنَينا كلامَنا عليه، ولكنَّهُ يُكتَب لما فيه من العجب، قال: قال الهامَرز، قال صاحب الأهواز: ما رأينا قوماً أعجب من العَرَب أتيتُ الأحنفَ بنَ قيسٍ فكلََّمته في حاجةٍ لي إلى ابن زياد، وكنتُ قد ظلمت في الخَراج، فكلَّمَه فأحسَنَ إليّ وحطّ عنِّي، فأهدَيْتُ إليه هدايا كثيرةً فغَضِب وقال: إنَّا لا نأخُذُ على مَعُونتِنا أجراً فلمَّا كنتُ في بعضِ الطريق سقطتْ من ردائي دَجاجةٌ فلحقني رجلٌ منهم فقال: هذهِ سقطتْ من ردائك، فأمرتُ له بدِرْهَمٍ، ثمَّ لحِقني بالأُبُلَّة فقال: أنا صاحبُ الدَّجاَجة فأمرْتُ لَهُ بدراهم؛ ثمَّ لحقني بالأهواز فقال: أنا صاحب الدَّجاجة فقلت له: إن رأيتَ زادي بعد هذا كلِّه قد سقط فلا تُعْلمِني، وهُوَ لك.
جرو البطحاء قال صاحب الكلب: كان يقال لأبي العاصي بن الربيع بن عبد العُزَّى بن عبد شمس، وهو زوج زَينبَ بنتِ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولأخيه كنانة بن الرَّبيع: جرْوُ البطحاء.
المورياني أسطورة البازي والديك قال صاحب الديك لصاحب الكلب: وسنضرب لك المثلَ الذي ضَرَبه المورِيانيُّ للدِّيك والبازي: وذلك أنَّ خلاَّد بن يزيدَ الأرقط قال: بينما أبو أيُّوب المورِيانيُّ جالسٌ في أمْره ونهيه، إذ أتاه رسولُ أبي جعفرٍ فانْتُقِع لونه، وطارت عصافيرُ رأسِه، وأَذِن بيومِ بأسه، وذعِر ذعراً نقَضَ حُبْوته، واستطار فؤاده، ثمَّ عاد طلقَ الوجْه، فتعجَّبنا من حالَيه وقلْنا لَهُ: إنَّك لطيفُ الخاصَّة قريبُ المنزلة، فلمَ ذهب بك الذُّعُر واستفرَغك الوَجل? فقال: سأَضرب لكم مثلاً مِنْ أمثال الناس. زعموا أنَّ البازيَ قالَ للديك: ما في الأرض شيءٌ أقلُّ وفاءً منك قالَ: وكيف? قالَ: أخذَكَ أهلكَ بيضةً فحضَنُوك، ثمَّ خرجتَ على أيديهم فأطعمُوكَ عَلَى أكفِّهم، ونشأتَ بينهم، حتَّى إذا كبرتَ صرتَ لا يدنو منك أحدٌ إلاَّ طرتَ هاهنا وهاهنا وضَجِجْتَ وَصِحت، وأُخِذتُ أنا من الجبال مسنّا فعلَّموني وألَّفوني، ثمَّ يخلَّى عَنِّي فآخذُ صيدي في الهواء فأَجيءُ بِهِ إلى صاحبي، فقال له الدِّيك: إنَّك لو رأيتَ من البُزاة في سَفافيدهم مثلَ ما رأيتُ من الدُّيُوك لكنتَ أنفَرَ منِّي ولكنَّكم أنتمْ لو علمتم ما أعلَم، لم تتعجَّبوا من خوُفي، مع ما ترونَ من تمكُّنِ حالي.
استجادة الخيل والكلاب قال صاحب الكلب: ذكر محمَّد بن سلاَّمٍ عن سعيد بن صَخْر قال: أرسل مسلمَ بن عمرو، ابن عَمٍّ لَهُ إلى الشَّام ومِصر يشتري لَهُ خيلاً، فقال له: لا علم لي بالخيل - وكان صاحبَ قنْص - قال: ألستَ صاحبَ كلاب? قال: بلى، قال فَانْظرْ كلَّ شيءٍ تستحسنه في الكلب فَاستعمله في الفَرَس، فقدِم بخيلٍ لم يكنْ في العرَب مثلُها.
حاجة اَلديك إلى الدجاجة قال محمَّد بن سلاّم: استأْذنَ رجلٌ عَلَى امرأةٍ فقالت له: مَاله من حاجةٍ، قالت الجارية: يريدُ أن يذكر حاجة، قالت: لعلها حاجة الدِّيك إلى الدَّجَاجَة.
هرب الكميت من السجن متنكراً بثياب زوجه محمَّد بن سلاّم عن سَلاّم أبي المنذر قَالَ: حبس خالدُ بن عبد اللّه الكميتَ بن زَيْد، وكانت امرأتُه تختلف إليه في ثيابٍ وهَيئة حتَّى عرَفها البوَّابُونَ، فلبسَ يَوْماً ثيابَها وخرج عليهم، فسمَّى في شِعره البوَّابين النَّوابحَ، وسمَّى خالداً المُشْليِ:
على الرَّغْم من تِلْكَ النَّوابحِ والمشليِ خرجت خروجَ القِدْحِ قدحِ ابنِ مُقْبِلٍ
صَرِيمةُ عَزْمٍ أشْبَهَتْ سَلَّة النَّصْـل. عليَّ ثِيابُ الغانِـياتِ وتـحـتَـهـا
فتيا الحسن في استبدال البيض قال: وأخبرنا خَشْرَم قال: سمعتُ فلاناً البقَّالَ يسأل الحسنَ قَالَ: إنّ الصبيان يأتُونَني ببيضَتين مكسورتين، يأْخذون منِّي صحيحةً واحدة، قال: ليس به بأْس أرحام الكلاب محمّد بن سلاّم عن بعض أشياخه قال: قال مُصعَب بن الزُّبير على منبر مسجد البصرة، لبعض بني أبي بكْره: إنما كانت أمُّكم مثلَ الكلبة، ينزُو عليها الأَعفر والأسودَ والأبقَع، فتؤدي إلى كلِّ كلب شِبْهَه، هذا في هذا الموضع هِجاء، وأصحابُ الكلاب يرون هذا من باب النَّجابة، وأنَّ ذلك من صِحّة طِباع الأرحام، حين لا تختلط النُّطَف فتجيء جوارح الأولاد مختلفة مختلطة.
من وصية عثمان الخياط للشطار وقال صاحب الكلب: في وصّية عثمانَ الخيَّاطِ للشُّطَّار اللُّصوص: إيَّاكم إيّاكم وحبَّ النِّساء وسماعَ ضربِ العود، وشربَ الزَّبيب المطبوخ، وعليكم باتِّخاذ الغِلْمان؛ فإنَّ غلامَك هذا أنفعُ لك من أخيك، وأعونُ لك مِنْ ابنِ عمّك، وعليكم بنَبيذ التَّمر، وضرب الطُّنْبور، وما كان عليه السلف واجعلوا النّقل باقلاّء، وإن قدَتم على الفُستقِ، والرَّيحان شاهَسْفَرَم، وَان قدرتم على الياسمين، ودَعوا لُبس العمائم وعليكم بالقِناع، والقَلَنْسوة كُفْر، والخف شِرك، واجعل لهوَك الحَمَامَ، وهارِش الكلابَ وإِيَّاك والكباشَ واللَّعِب بالصُّقورة والشَّواهين، وإيَّاكم والفهودَ، فلما انتهى إلى الديك قال: والدِّيكَ فإنَّ لَهُ صبراً ونجدة، وَرَوَغانا وتدبيراً، وإعمالاً للسِّلاح، وهو يبهر بهر الشُّجاع. ثم قال: وعليكم بالنَّرد ودعوا الشِّطْرَنج لأهلها، ولا تلعبوا في النَّرْد إلا بالطويلتين، والودَعُ رأس مالٍ كبير، وأوَّل منافعه الحذق باللَّقْف. ثمَّ حدَّثَهم بحديث يزيد بن مسعود القَيسيّ.
كراهية الكلب الأسود البهيم وقال صاحب الديك: ذكر محمَّد بن سلاَّم عن يحيى بن النضر، عن أبي أميّة عبد الكريم المعلِّم قال: كان الحسنُ بن إبراهيم يكرَهُ صيدََ الكلبِ الأسودِ البهيم.
قصيدة ابن أبي كريمة في الكلب والفهد وأنشد صاحبُ الكلب قولَ أحمد بن زياد بن أبي كريمة في صفة صَيْدِ الكلب، قصيدة طويلة أوّلُهَا:
شاميَّةُ حصَّاءُ جُـون الـسَّـحـائبِ وغِبَّ غمامٍ مَزَّقـتْ عـن سـمـائه
تذاؤُب أرْواح الصَّبـا والـجـنـائب مُواجِهِ طَلـق لـم يردِّد جَـهـامَـه
لغرَّة مشهور من الصبُّـح ثـاقـب بعْثتُ وأثوابُ الدُّجى قد تقـلَّـصَـتْ
لسَاري الدُّجَى في الفجر قنديلَ راهب قد لاح ناعِي اللـيل حـتَّـى كـأنَّـه
وإن كان جَمَّ الرشدِ، لوْمَ الـقـرائب هالـيلَ لا يَثـنـيهـم عـن عـزيمة
مُشرَّطةٍ آذانـهـا بـالـمـخـالـبِ تَجْنِيبِ غضْفٍ كالـقِـداحِ لـطـيفةٍ
طوال الهوادي كالقداح الـشـوازب تخالُ سِياطاً في صلاهـا مَـنُـوطَةً
عجاجاً وبالكَذَّان نارُ الـحَـبـاحِـب إذا افتَرَشَتْ خَبتاً أثـارتْ بـمـتْـنِـه
سهامُ مُغال أو رُجـومُ الـكـواكـب يفوتُ خُطاها الطّرْفَ سبقاً كـأنّـهـا
بطامسة الأرجاءِ مَرْتِ المـسـارب طِرادُ الهَوادي لاحَهـا كـلّ شَـتْـوَةٍ
رأتْ شَبَحاً لولا اعتراضُ المنـاكـب تكادُ من الأَحراج تنـسَـلُّ كُـلَّـمـا
مرابِضَ أبناءِ الـنِّـفـاق الأرانـبِ تسُو ف وتُوفى كلَّ نَـشْـزٍ وفَـدفـدٍ
أنينُ المَكَاكي أو صريرُ الجـنـادبِ كأنّ بها ذعراً، يُطِـير قُـلـوبَـهـا
كجْمر الغَضى خُزْراً ذِرَابُ الأنـائب تديرُ عيوناً رُكِّـبـت فـي بَـراطِـلٍ
لهنَّ ضَراءٌ أو مجارِي الـمَـذَانـبِ إذا مَا استُحِثّتْ لـم يُجِـنّ طَـريدَهـا
عليه بدُون الجُهد سُبلَ الـمـذاهـب وإن باصها صَلْتاً مدَى الطّرفِ أمسكَتْ
لنبّأة شَخْتِ الجِرْم عاري الرَّواجـبِ تكادُ تَفَرَّى الأُهبُ عنها إذا انتـحـت
إذا هي جَالت في طِرادِ الثَّـعـالـب كأنّ غصون الخيزرانِ مُـتُـونُـهـا
مُذَلّقة الآذان شـوس الـحـواجـب كواشرُ عـن أنـيابـهـنَّ كـوالـحٌ
غَدَونَ عليها بالمنـايا الـشّـواعـبِ كأنّ بناتِ القَفْـرِ حِـينَ تـفـرّقـتْ
ثم وصف الفهود:
بمُخْطَفَةِ الأكْفالِ رُحْبِ التَّرائب بذلك أبغي الصّيدَ طـوراً وتـارة
مخطّطةِ الآمَاق غُلبِ الغَواربِ مرقّقَة الأَذنابِ نُمْرٍ ظهـورُهـا
حَواجِلُ تستَذْمى متونَ الرّواكب مُدَنّـرةٍ وُرْقٍ كـأنّ عـيونـهـا
سَنا ضَرَمٍ في ظُلمةِ اللَّيل ثاقـبِ إذا قلَّبتها في الفِجاج حسبـتـهـا
تخالُ على أشداقِها خطَّ كـاتـبِ مُوَلّعة فطح الجِبـاهِ عـوابـسٍ
مَداهنَ، للإجْراسِ من كلِّ جانبِ نَواصِب آذان لِطَـافٍ كـأنّـهـا
نَوَافِذَ في صُمِّ الصُّخورِ نَواشِـبِ ذوات أشافٍ رُكِّبت في أكُفِّـهـا
تعقربُ أصداغِ المِلاح الكواعِب ذِراب بلا ترهيفِ قَينٍ كـأَنّـهـا
إذا آنسَتْ بالبِيد شُهبَ الكـتـائب فوارسُ مَالم تلق حَرْباً، ورَجْـلةٌ
لهنَّ بِذي الأَسْرابِ في كلِّ لاحِب ترَوٍّ وَتَـسْـكِـينٌ يَكُـونُ دَريئةً
عُيُونٌ لدى الصرَّات غير كواذبِ تضاءَلُ حتّى لا تكادُ تُـبِـينُـهـا
ضِراءٌ مِبَلاّت بطول التَّجـارب حراصٌ يَفوت البرقَ أمكثُ جَريِها
مرَمّلةً تحكى عناق الـحَـبـائب تُوَسِّد أجْـيادَ الـفَـرَائِس أذرعـاً
سهل بن هارون وديكه قال دِعْبلٌ الشاعر: أقمنا عند سهل بن هارونَ فلم نبرحْ، حتّى كدنَا نموتُ من الجوع، فلما اضطررناه قال: ياغلام، ويْلَك غدِّنا قال: فأُتِينا بقَصعةٍ فيها مرقٌ فيهِ لحمُ ديك عاسٍ هرم ليس قبلَها ولا بعدَها غيرُها لا تحزُّ فيه السكين، ولا تؤثِّر فيه الأضراس، فاطّلع في القصعة وقلَّب بصرَه فيها، ثمّ أخذ قِطْعةَ خبزٍ يابس فقلَّب جميع مَافي القَصعة حتَّى فقد الرأس من الدِّيك وحده، فبقي مطرِقاً ساعَةً ثمَّ رفع رأسه إلى الغلام فقال: أين الرَّأس? فقال: رميتُ به، قال: ولم رميت به? قال: لم أظنّك تأكله قال: ولأَيِّ شيءٍ ظَننتَ أنِّي لا آكلُه? فواللّه إنِّي لأَمقتُ مَن يرمي برجليهِ فكيف من يرمي برأسه? ثم قال لَهُ: لو لم أكرهْ مَا صنَعتَ إلاّ للطِّيَرةِ والفأل، لكَرهْتُه الرأس رئيسٌ وفيهِ الحواسُّ، ومنه يصدَح الديك، ولولا صوتُه ما أرِيدَ؛ وفِيهِ فَرقُه الذي يُتبرّك به، وعَينُهُ التي يضرب بها المثل، يقال: شرابٌ كعين الديك، ودِمَاغُه عجيب لوجَع الكلية، ولم أرَ عَظماً قَطُّ أهشَّ تحت الأسنانِ من عَظْم رأسِهِ، فهَلاّ إذْ ظننتَ أنِّي لا آكلُه، ظننتَ أنّ العِيال يأْكُلُونه? وإنْ كانَ بلَغَ من نُبْلِك أنّك لا تأْكلُه، فإنّ عِنْدَنا من يأْكُلُه، أوَ ما علمتَ أنّه خيرٌ من طَرَف الجَناحِ، ومن السَّاق والعنق انظرْ أين هو? قال: واللّه ما أدري أينَ رميتُ بِهِ قال: لكنِّي أدري أنّك رمَيت بِهِ في بطنك، واللّهُ حَسيبك.
avatar
أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42657
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف الموسيقار في الخميس يوليو 14, 2011 1:29 am

أيه الهدايا الثمينة دي يا باشا
avatar
الموسيقار
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 14
عدد المساهمات : 9753
المهارة : 47930
تاريخ التسجيل : 15/04/2010
الكفاءة : 100

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف بسنت في الخميس يوليو 14, 2011 4:19 pm

avatar
بسنت
عضو فعال
عضو فعال

رقم العضوية : 355
عدد المساهمات : 305
المهارة : 4094
تاريخ التسجيل : 31/12/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف بسنت في الخميس يوليو 14, 2011 4:19 pm

avatar
بسنت
عضو فعال
عضو فعال

رقم العضوية : 355
عدد المساهمات : 305
المهارة : 4094
تاريخ التسجيل : 31/12/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف روضة في الخميس يوليو 14, 2011 9:45 pm

avatar
روضة
مشرفة الطبيعة و العلوم البيئية
مشرفة الطبيعة و العلوم البيئية

رقم العضوية : 357
عدد المساهمات : 1389
المهارة : 9163
تاريخ التسجيل : 31/12/2010
الكفاءة : 50

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف سمسمة في الخميس يوليو 14, 2011 10:03 pm

مجهود رائع
وموضوع مميز
avatar
سمسمة
عضو مميز
عضو مميز

رقم العضوية : 27
عدد المساهمات : 1546
المهارة : 10605
تاريخ التسجيل : 25/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتـــــاب الحيـــــــوان للجـــــــــــــاحظ - الجزء الثانى

مُساهمة من طرف الموسيقار في الجمعة يوليو 15, 2011 2:04 am

avatar
الموسيقار
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 14
عدد المساهمات : 9753
المهارة : 47930
تاريخ التسجيل : 15/04/2010
الكفاءة : 100

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى