كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

صفحة 11 من اصل 13 الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... 10, 11, 12, 13  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:40 pm

قال: والذِّبَّان يضرَب به المثلُ في القَذَر وفي استطابة النَّتْن، فإِذا عَجزَ الذُّبابُ عن شمِّ شيءٍ فهو الذي لا يكون أنتنُ منه.
ولذلك حينَ رمى ابنُ عبدلِ محمَّدَ بن حَسَّان بنِ سعْد بالبخر، قال:
ولو طُلِيَتْ مَشافِرُه بقَنْـد وما يدنُو إلى فيهِ ذبـابٌ
وَشِيكاً إنْ هَمَمْنَ له بوِرْد يَرَيْنَ حلاوةً ويخفْنَ مَوتاً
أبو ذبّان ويقال لكلِّ أبخر: أبو ذبَّان، وكانت فيما زعموا كنيةَ عبدِ الملك بن مروان وأنشدوا قولَ أبي حُزابةَ:
خَلْعَ عِنانِ قَارحٍ مِنَ الحُصُنْ أمسى أبو ذبّانَ مخلوعَ الرَّسَنْ
وقد صفَت بَيْعَتنا لابن حسن

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:41 pm

شعر فيه هجاء بالذباب
قال رجل يهجو هلالَ بن عبد الملك الهُنَائيَّ:
مَوَدَّتَه وخُلَّـتَـه بـفَـلْـسِ ألا مَن يَشْتري منِّـي هِـلالاً
هلالاً مِن خصالٍ فيه خَمْسِ وأَبرأ للذي يبـتـاعُ مِـنِّـي
وآثارُ الجروحِ وأكْلُ ضرْسِ فمنهنَّ النغانِغُ والـمـكـاوي
وإن كانَ الذُّبابُ برأسِ جَعْسِ ومن أخْذِ الذباب بإصبـعَـيهِ
القول في آية قالوا: وضرب اللّه عزَّ وجلَّ لضعفِ النَّاسِ وعجزهم مثلاً، فقال: "يا أَيُّها النَّاس ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمعُوا لَهُ إنَّ الذِين تَدْعون مِنْ دُونِ اللّه لنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه وَإنْ يسْلبْهمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يسْتنْقِذوه منْه ضَعُفَ الطّالِبُ والمطْلُوبُ". فقال بَعضُ النَّاس: قَدْ سَوّى بين الذّبّان والنّاسِ في العجْز: وقالوا: فقدْ يولِّد النَّاس من التَّعفين الفَراش وغيرَ الفُراش وهذا خلقٌ، على قوله: "وإذْ تَخْلُقُ من الطِّينَ كَهَيْئَةِ الطّيْر" وعلى قوله: "أَحْسَنُ الخَالِقِينَ" وعلى قول الشاعر:
ض الْقومِ يخلُقُ ثمَّ لا يُفرِي وأرَاكَ تفْري مَا خلَقْتَ وبَعْ
قيل لهم: إنما أراد الاختراع، ولم يرد التَّقدير.
قول في شعر وأمّا قول ابن ميَّادة:
ولسْنا نُبالي أن يَطنّ ذُبابهـا ألا لا نُبالي أنْ تُخنِدفَ خِندفٌ
فإنَّما جعل الذُّباب هاهنا مثلاً، وقد وضعَه في غير موضع تحقير له وموضع تصغير، وهو مثل قوله:
مَوَاليَ ذلَّتْ للهَوَانِ رِقابُـهـا بني أسَدٍ كونُوا لمن قد علمـتُـم
عن الجنِّ حتَّى لا تَهرَّ كلابُهـا فلو حاربتْنا الجنُّ لم نرفع العصَا
وليس يريد تحقير الكلاب.
ويقال: هو ذباب العين، وذباب السَّيف، ويقال تلك أرضٌ مَذَبَّة أي كثيرة الذُّباب.
وقال أبو الشَّمقْمَقِ في هجائه لبعض من ابتُلي به:
كذُبَابٍ ساقطٍ في مَرَقهْ أسَمج النَّاس جميعاً كلِّهم
ويقال إن اللبن إذا ضرب بالكندس ونضح به بيت لم يَدْخله ذبَّان.
أبو حكيم وثمامة بن أشرس وسمعت أبا حكيم الكيمائي وهو يقول لثمامة بنِ أشرس: قلنا لكم إنَّنا ندلكم على الإكسير، فاستثقلتم الغُرْم، وأردتم الغُنم بلا غرم، وقلنا لكم: دَعُونا نصنع هذه الجسور صنعةً لا تنتقض أبداً، فأبيتم، وقُلنا لكم: ما ترجُون من هذه المسنّيات التي تهدمها المُدود، وتخرِّبها المراديّ? نحنُ نعمل لكم مسنّياتٍ بنصف هذه المؤُونِة، فتبقى لكم أبداً، ثم قولوا للمُدود أن تجتهد جهدَها، وللمَرَاديِّ أنْ تبلغ غايتها فأبيتم، وقولوا لي: الذُّباب ما ترجون منها? وما تشتهون من البَعُوض? وما رغْبَتُكمْ في الجرجسِ ? لمَ لا تَدَعُوني أخرجها من بيوتكم بالمؤُونَة اليسيرة? وهو يقول هذَا القولَ وأصحابُنا يضحكون، وابن سافري جالسٌ يسْمع.
فلما نزلنا أخذ بيده ومضى به إلى منزله، فغدَّاه وكساه وسَقاه، ثمَّ قال له: أحببتُ أنْ تخرج البَعُوضَ من داري، فأمَّا الذُّباب فإني أحتمله، قال: ولم تحتمل الأذى وقد أتاك اللّهُ بالفَرج? قال: فافعلْ، قال: لا بدَّ لي من أن أخلط أدوية وأشتري أدوية قال: فكم تريد? قال: أُريد شيئاً يسيراً، قال: وكم ذاك? قال: خمسون ديناراً، قال: ويحك خمسون يقال لها يسير? قال: أنت ليسَ تشتهي الرَّاحة من قذَر الذِّبَّان ولسع البعوض ثمَّ لبس نعليه وقام على رجليه، فقال له: اقعد، قال: إنْ قعدْتُ قبل أن آخذَها ثمَّ اشتريت دواءً بمائَة دينار لم تنتفعْ به؛ فإنِّي لست أدَخِّنَ هذه الدُّخْنة، إلاَّ للذين إذا أمرتهم بإخراجهنَّ أخرَجُوهن، ولا أكتمكَ ما أُريدُ؛ إنِّي لست أقصد إلاَّ إلى العُمَّار، فما هو إلاّ أنْ سمع بِذكر العُمَّار حتى ذهب عقله، ودعا له بالكيس وذهب ليزن الدنَّانير، فقال له: لا تشقَّ على نفسك هاتها بلا وزنٍ عدداً، وإنَّما خاف أن تحدث حادثَةٌ، أو يقع شغل، فتفوت، فعدَّها وهو زَمِعٌ فغلط بعشرة دنانير، فلما انصرف وزنها وعدَّها فوَجدَ دَنانيره تنقص، فبكَرَ عليه يقتضيه الفَضْل، فضحك أبو حكيم حتَّى كاد يموت، ثُمَّ قال: تسألني عن الفرع وقد استُهلك الأصل? ولم يزل يختلف إليه ويدافعُه حتَّى قال له ثمامة: ويلك أمجنونٌ أنت? قد ذهب المالُ والسُّخرية مستورة، فإن نافرْتَه فضَحْتَ نفسَك، وربحتَ عداوة شيطانٍ هو واللّهِ أضَرُّ عليك من عُمَّارِ بيتِك، الذي ليسَ يخرجون عنك الذبابَ والبعوض بلا كُلفة، مع حقِّ الجوار، قال: هم سكَّاني وجيرَاني، قالوا: لو كان سمع منك أبو حكيم هذه الكلمة لكانت الخمسون ديناراً مائَةَ دينار!!

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:41 pm

شعر في أصوات الذُّباب وغنائِها
ومما قيل في أصوات الذباب وغِنائها، قال المثقِّب العبديُّ:
كتَغريد الحمامِ على الغُصون وتسمَعُ للذِّبابِ إذا تـغـنَّـى
وقال آخر:
تَغنّى في غَياطِله ذبابُه حُوّ مـسَـارِبُـــهُ
وقال أبو النجم:
من زَهَرِ الرَّوْضِ الذي يكَلِّلُهْ أنفٌ ترى ذبَابها تـعَـلّـلـه
وقال أيضاً:
فالرَّوضُ قد نوَّر في عَـزَّائه والشيخ تهديه إلى طحـمـائه
نَوْراً تخال الشَّمْسَ في حمرائه مختلفَ الألوان في أَسـمـائه
يجاوب المكَّاءَ مـن مُـكَّـائِه مكلَّلاً بالوردِ مـن صـفـرائه
يَدْعو كأنَّ العَقْبَ مِنْ دُعـائه صوتُ ذبابِ العُشْبِ في دَرْمائه
صوتُ مُغَنٍّ مَدَّ في غِـنـائه
وقال الشمَّاخ:
أَهازيجُ ذِبَّانٍ عَلَى عُودِ عَوْسَجِ يكلفها ألاَّ تخفِّضَ صَـوْتـهـا
سَحيلٌ وأَعلاهُ نشيجُ المحشْرج بعيدُ مَدَى التطريبِ أوَّلُ صَوْتِه
المغنِّيات من الحيوان والأجناس التي توصف بالغنِاء أجناسُ الحمام والبعوض، وأصنف الذّبّان من الدَّبْر، والنَّحلِ، والشَّعْراء، والقمَع والنُّعَر، وليس لذِبَّان الكلب غِنَاء، ولا لما يخرُجُ من الباقلاء، قال الشاعر:
ذِبَّان شَعْرَاءَ وَصيفٍ ماذِلِ تذبّ عنهـا بـأَثـيثٍ ذَائلِ

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:41 pm

ألوان الذِّبَّان
وذِبَّان الشَّعْرَاء حُمر، قال: والذِّبَّان التي تُهْلِكُ الإبلَ زُرق.
قال الشاعِرُ:
حَاليةً بذي سَبـيبٍ مـونِـق تربَّعَتْ والدَّهرُ ذو تصـفُّـق
أو من نقانق الفَلا المنقْـنـقِ إلاَّ منَ أصواتِ الذّباب الأزرق
والذّبَّان الذي يسقط على الدواب صُفر.
وقال أرطأة بن سُهَيَّة، لزُميل بن أمِّ دينار:
أَعكِرْ عليكَ وإن ترُحْ لا تسْبـقِ أزميل إنِّي إن أكن لـك جـازياً
وجْدَ الرِّكاب مَن الذُّبابِ الأزْرق إنِّي امروٌ تجد الرِّجال عدَاوتـي
وإذا مرَّ بك الشّّعر الذي يصلح للمثل وللحفظ، فَلاَ تنْسَ حظَّك من حِفظه.
وقال المتلمس:
زنابيرُه والأزرقُ المتلمِّسُ فهذا أوَانُ العِرْض جُنّ ذُبَابُهُ
وبه سمِّي المتلمِّس.
وقال ابن ميّادة:
إذا تغرَّدَ حادٍ خلفَها طَرب بعَنْتَريسٍ كأنَّ الدَّبْرَ يلسَعُها

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:41 pm

ما يسمَّى بالذِّبان
والدّليل على أنَّ أجناسَ النَّحل والدَّبْر كلّها ذِبَّان، ما حدث به عبَّاد بن صُهيب، وإسماعيل المكّي عن الأعمش، عن عطيَّة بن سعيد العَوْفي قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: كلُّ ذُبابٍ في النارِ إلاَّ النَّحلة.
وقال سليمان: سمعت مجاهداً يكرهُ قتل النَّحل وإحراقَ العِظام، يعني في الغزو.
وحدثنا عَنْبسة قال: حدّثنا حنْظلة السّدُوسيُّ قال: أنبأنا أنسُ بن مالك، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: عمر الذّبابِ أربعون يوماً، والذَُّبَاب في النار.
بحث كلاميّ في عذاب الحيوان والأطفال وقد اختلف النَّاس في تأويل قوله: والذباب في النار وقال قوم: الذّباب خلقٌ خُلق للنّار، كما خلق اللّه تعالى نَاساً كثيراً للنَّار، وخلق أطفالاً للنَّار، فهؤلاء قومٌ خلعوا عُذرَهم فصار أحدهم إذا قال: ذلك عَدْلٌ من اللّه عزَّ وجلّ؛ فقد بلغ أقصى العذر، ورأى أنَّه إذا أضاف إليه عذاب الأطفال فقد مجَّده، ولو وجد سبيلاً إلى أَنْ يقول إنَّ ذلك ظُلم لقاله ولو وجد سبيلاً إلى أن يزعم أنْ اللّه تعالى يخبر عن شيءٍ أنّه يكون وهو لا يكون، ثم يقول إلاّ أنّ ذلك صدق لقاله، إلاّ أنّه يخاف السَّيف عند هذه، ولا يخاف السَّيف عند تلك، وإن كانت تلكَ أعظم في الفِريةِ من هذه.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:42 pm

وبعض يزعم أنَّ اللّه عزَ وجلَّ إنَّما عذّبَ أطفال المشركين ليغمَّ بهم آباءهم، ثمَّ قال المتعاقِلون منهم: بل عذّبهم لأنّه هكذا شاء، ولأنَّ هذا له، فليت شعري أيحتسب بهذا القول في باب التمجيد للّه تعالى؛ لأنّ كل من فعل ما يقدر عليه فهو محمود، وكل من لم يخف سوط أمير فأتى قبيحاً فالذي يحسن ذلك القبيحَ أنّ صاحبَه كان في موضع أمن، أو لأنّه آمنٌ يمتنع من مطالبة السلطان، فكيف وكون الكذب والظُّلم والعبث واللهو والبُخْل كلِّه محال ممّن لا يحتاج إليه، ولا تدعوه إليه الدواعي.
وزعم أبو إسحاقَ أنّ الطّاعات إذا استوَتْ استوى أهلُها في الثَّواب، وأنّ المعاصي إذا استوتْ استوى أهلُها في العقاب، وإذا لم يكن منهم طاعةٌ ولا معصية استوَوْا في التفضُّل.
وزعم أنَّ أجناس الحيوان وكلَّ شيءٍ يحسُّ ويألم، في التفضُّل سواء.
وزعم أنّ أَطفالَ المشركين والمسلمين كلَّهم في الجنّة، وزعم أنّه ليس بينَ الأطفال ولا بينَ البهائم والمجانين فرق، ولا بين السِّباع في ذلك وبين البهائم فرق.
وكان يقول: إنّ هذه الأبدان السبُعيّة والبهيمية لا تدخل الجنّة، ولكنَّ اللّه عزَّ وجلّ ينقُل تلك الأرواح خالصةً من تلك الآفات؛ فيركِّبها في أيِّ الصُّور أَحَبَّ. وكان أبو كلدة، ومَعْمَر، وأبو الهُذَيل وصحصح، يكرهون هذا الجواب، ويقولون: سواءٌ عند خواصِّنا وعوامِّنا، أَقلنا: إنَّ أَرواحَ كلابنا تصير إلى الجنّة، أم

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:42 pm

قلنا: إِن كلابَنا تدخل الجنّة ومتى ما اتَّصل كلامُنا بذكر الكلب على أيِّ وجهٍ كان؛ فكأَنّا عِنْدَهم قد زعمنا أنّ الجَنّة فيها كلاب، ولكنّا نزعم أنّ جميع ما خلَق اللّه تعالى مِنَ السِّباع والبهائم والحشرات والهمج فهو قبيح المنظرة مؤلم، أَو حسن المَنظرة مُلِذّ؛ فما كان كالخيل والظباء، والطواويس، والتّدَارجِ فإنَّ تلك في الجنّة، ويَلذُّ أُولياءُ اللّه عزَ وجل بمنَاظرها، وما كان منها قبيحاً في الدُّنيا مؤلِمَ النظَر جعله اللّه عذاباً إلى عذاب أعدائه في النّار فإذا جاء في الأثر: أنَّ الذّباب في النّار، وغير ذلك من الخلق، فإنَّما يراد به هذا المعنى.
وذهب بعضهم إلى أنها تكون في النَّار، وتلَذُّ ذلك، كما أنَ خَزَنَةَ جهنَّم والذين يتولَّون من الملائكة التَّعذيبَ، يلذُّون موضعَهم من النار.
وذهب بعضهم إلى أنَّ اللّه تعالى يطبَعهُم على استلذاذ النَّار والعيشِ فيها، كما طبع ديدان الثَلج والخلِّ على العيش في أماكنها.
وذهب آخرون إلى أنَّ اللّه عزَّ وجلَّ يحدث لأبدانهما علَّةً لا تصل النّار إليها، وتنعم قلوبهما وأبدانهما من وجه آخر كيف شاء، وقالوا: وقد وجدنْا النّاسَ يحتالون لأنفسهم في الدُّنيا حِيلاً، حتى يدخُل أحدُهم بَعضَ الأتاتين بذلك الطلاء، ولا تضرُّه النار، وهو في معظمها، وموضع الجاحم منها، ففضْلُ ما بينَ قدرةِ

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:42 pm

اللّه وقدرة عباده أكثر من فضل ما بينَ حَرّ نار الدُّنيا والآخرة.
وذهب بعضهم إلى أنّ سبيلها فيها كسبيل نار إبراهيم؛ فإنّه لما قُذِفَ فيها بَعَثَ اللّه عزّ وجلّ مَلَكاً يقال له ملك الظلِّ، فكان يحدِّثُه ويُؤنْسه؛ فلم تصل النار إلى أذاه، مع قرْبه من طباع ذلك الملَك.
وكيفَمَا دار الأمرُ في هذه الجَوَابات؛ فإن أخسَّها وأشنَعها أحسَنُ مِن قولِ مَنْ زَعمَ أنّ اللّه تعالى يُعَذِّب بنار جهنَّمَ من لم يسخطه ولا يعقِلُ كيف يكون السخط، ومن العَجَب أنَّ بعَضُهم يزعمُ أن اللّه تعالى إنما عذّبه ليغمَّ أباهُ، وإنما يفعل ذلك من لا يقدر على أن يُوصِلَ إلىهم ضعف الاغتمام، وضعفَ الألم الذي ينالهم بسبب أبنائهم، فأمّا مَن يقدِرُ على إيصال ذلك المقدارِ إلى من يستحقه، فكيف يوصله ويصرفه إلى من لا يستحقّه?َ وكيف يصرفُه عمَّن أسخطه إلى من لم يُسْخطه? هذا وقَد سمعوا قولَ اللّه عزّ وجلَّ: )يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَاب يًومِئذٍ بِبَنِيهِ، وصَاحِبَتهِ وأخِيه، وَفصيلتِهِ التَّي تُؤْوِيهِ، وَمَنْ في الأََرْضِ جَميِعاً ثمَّ يُنْجيهِ، كلاّ إنَّها لظَى، نَزََّاعةً للِشَّوَى( وكيف يقولُ هذا القَوْلَ مَنْ يتلو القرآن? ثمَّ رجع بنا القولُ إلى الذبّانِ وأصنافِ الذّبَّان.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:43 pm

جهل الذبان وما قيل فيها من الشعر
والذّبَّان أجهلُ الخلْق؛ لأنَّها تغْشَى النَّارَ من ذات أنفُسها حتى تحترق، وقال الشاعر:
كذاكَ الصّحيفة بالخاتـم خَتَمْت الفُؤَادَ عَلَى حُبِّهـا
هُوِيَّ الْفَرَاشِةِ للجاحـم هوتْ بي إلى حبها نظرةٌ
وقال آخر:
إذا ما مسَّها قَمَعُ الذُّبـابِ كأنَّ مَشافِرَ النَّجدَاتِ منهـا
نعالُ السَّبْتِ أو عَذَبَ الثِّياب بأيدي مأتم متـسـاعـداتٍ
نقد بيت من الشعر وقال بعض الشعراء، يهجو حارثَة بن بدر الغُدَانيَّ:
ضخْماً يُوَاريه جَنَاحُ الجُنْدُبِ زعمَتْ غُدَانةُ أنَّ فيها سـيِّداً
وزعم ناسٌ أنّه قال:
سُكْراً، وتُشْبعُه كُراعُ الأرنب يُروِيهِ ما يُرْوِي الذُّبابَ فينتشي
قالوا: لا يجوز أنْ يقول: يرويه ما يروي الذباب ويوارِيه جَناحُ الجندب ثم يقول: ويشبعه كراع الأرنب.
وإنما ذكر كُراعَ الأرنب؛ لأنّ يد الأرنب قصيرة، ولذلك تسرع في الصُّعود، ولا يلحقها مِن الكلاب إلاَّ كلُّ قصير اليد، وذلك محمودٌ من الكلب، والفرس تُوصَف بقصر الذِّراع.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:43 pm

قصة في الهرب من الذّباب
وحدّثني الحسنُ بن إبراهيم العلويُّ قال: مررتُ بخالي، وإذا هو وحده يضْحك، فأنكرتُ ضحكه؛ لأنِّي رأيتُه وحده، وأنكرته، لأنَّه كان رجلاً زمِّيتاً رَكِيناً، قليلَ الضَحِك، فسألته عن ذلك فقال: أتاني فلانٌ يعني شيخًاً مدينياً - وهو مذعور فقلتُ له: ما وراءك? فقال: أنا واللّهِ هاربٌ من بيتي قلت ولمَ? قال: في بيتي ذبابٌ أزرق، كلما دخلتُ ثَارَ في وجهي، وطار حولي وطنَّ عند أذني، فإذا وجد مني غفلةً لم يُخطئ موقَ عيني، هذا واللّهِ دأبُه ودأبي دهراً معه، قلت له: إنّ شبه الذباب بالذباب كشبه الغراب بالغراب؛ فلعلَّ الذي آذاك اليومَ أن يكونَ غيرَ الذي آذاك أمسِ، ولعلَّ الذي آذاك آمسِ غيرُ الذي آذاك أوَّل من أمسِ، فقال: أعتقُ ما أملك إن لَمْ أكن أعرفه بعينه منذُ خمس عشرة سنة، فهذا هو الذي أضحكني.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:43 pm

قصة في سفاد الذباب
وقال الخليلُ بن يحيى: قد رأيت الخنزير يركَبُ الخنزيرة عامَّة نهارِه، ورأيتُ الجمل يركبُ الناقة ساعةً من نهاره، وكنت قبل ذلك أغبط العصفور والعصم - فإنَّ الذّكرَ وإنْ كان سريعَ النُّزول عن ظهر الأنثى فإنّه لسُرعةِ العودة، ولكثرةِ العدد، كأنّه في معنى الخنزير والجمل وحتّى رأيت الذُّبابَ وفطنت له، فإذا هو يركب الذُّبابة عامَّة نهارِه، فقال له محمد بن عمر البكراوي: ليس ذلك هو السّفاد، قال: أمَّا الذي رأت العينانِ فهذا حكُمه، فإن كنتَ تريد أنْ تطيب نفْسُك بإنكار ما تعرفُ ممّا قسَم اللّّه عزّ وجلّ بين خلقه، من فضول اللّذَّة، فدونك..
سفاد الورل ويزعمون أنّ للوَرل في ذلك ما ليس عند غيره.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:43 pm

قصَّة آكل الذّبّان
وأنشدَ ابن داحة في مجلس أبي عبيدة، قولَ السَّيِّد الحميريِّ:
وأبا قـحـافة آكِـلَ الـذّبَـان أترى ضهاكاً وابنها وابن ابنهـا
يأتي بهنّ تصـرُّفُ الأزْمـانِ كانوا يَرون وفي الأمور عجائبٌ
فيهم تصير وهَيْبَةَ السُّلـطـانِ أنّ الخِلافَة في ذؤابةِ هـاشـمٍ
وكان ابن داحة رافضيًاً، وكان أبو عبيدة خارجيّاً صُفرْياً، فقال له: ما معناه في قوله: آكل الذّبّان? فقال: لأنّه كان يذبُّ عن عطر ابن جُدْعان، قال: ومتى احتاج العطّارون إلى المذابّ? قال: غلطت إنَّما كان يذبُ عن حَيْسة ابن جدعان، قال: فابن جُدعان وهشامُ بن المغيرة، كان يُحاسُ لأحدهما الحَيْسةُ على عدَّة أنطاع، فكان يأكلُ منها الراكبُ والقائمُ والقاعدُ فأين كانت تقعُ مِذَبّةُ أبي قُحافَةَ من هذا الجبل? قال: كان يذبُّ عنها ويدورُ حوالَيها، فضحكوا منه، فهجر مجلسهم سنةً.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:43 pm

تحقير شأن الذُّبابة
قال: وفي باب تحقير شأن الذبابة وتصغير قدرها، يقول الرسول: لو كانت الدُّنيا تُساوي عند اللّه تعالى جَناحَ ذبابةٍ ما أعطى الكافَر منها شيئاً.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:44 pm

أعجوبة في ذبان البصرة
وعندنا بالبصرة في الذبّان أعجوبة، لو كانت بالشّاماتِ أو بمصر لأدخلوها في باب الطِّلّسْم؛ وذلك أنّ التَّمْر يكونُ مصبوباً في بيادر التمر في شقّ البساتين، فلا ترى على شيءٍ منها ذُبَابَةً لا في اللّيل، ولا في النّهار، ولا في البَرْدَين ولا في أنصاف النهار، نعم وتكون هناك المعاصر، ولأصحاب المعاصر ظلال، ومن شأن الذُّباب الفِرارُ من الشّمس إلى الظِّلّ، وإنَّما تلك المعاصر بين تمرة ورُطَبَة، ودِبْس وثجير، ثمَّ لاتكاد ترََى في تلك الظّلال والمعاصر، في انتصاف النهار، ولا في وقت طلب الذِّبَّان الكِنَّ، إلاَّ دونَ ما تَراه في المنزل الموصوف بقلّة الذِّبَّان.
وهذا شيء يكون موجوداً في جميع الشّقِّ الذي فيه البساتين، فإن تحوَّل شيء من تمر تلك الناحية إلى جميع ما يقابلها في نواحي البصرة، غشيَه من الذّبان ما عسى ألاّ يكونَ بأرض الهند أكثرُ منه وليس بين جزيرة نهر دُبَيس، وبين موضع الذبّان إلاّ فيض البصرة، ولا بين ما يكون من ذلك بنهر أذرب وبين موضع الذبّان ممّا يقابله، إلاّ سيحان، وهو ذلك التمر وتلك المعصرة، ولا تكون تلك المسافة إلاّ مائة ذراع أو أزيَدَ شيئاً أو أنْقصَ شيئاً.
نوم عجيب لضُروبٍ من الحيوان وأعجوبة أُخرى، وهي عندي أعجبُ من كلِّ شيءٍ صدَّرنا به جملة القَوْل في الذباب، فمن العجب أن يكون بعض الحيوان لا ينامُ كالصافر والتُنَوِّط؛ فإنَّهما إذا كان اللّيلُ فإن أحدهما يتدلَّى من غصن الشّجرة، ويضمُّ عليه رجليه، وينكِّس رأسه، ثمَّ لا يزال يصيحُ حتَّى يبرُقَ النُور، والآخرُ لا يزالُ يتنقَّل في زوايا بيته، ولا يأخذه القرار، خوفاً على نفسه، فلا يزال كذلك، وقد نتفَ قبلَ ذلك ممَّا على ظهور الأشجار مما يشبه الليف فنفشَه، ثمَّ فتلَ منه حبلاً، ثمَّ عمِلَ منه كَهَيئةِ القفَّة، ثمَّ جعله مُدلًّى بذلك الحبل، وعقَدَه بطَرَف غًُصنٍ من تلك الأغصان؛ إلاَّ أنَّ ذلك بترصيعٍ ونسْج، ومُدَاخلَةٍ عجيبة؛ ثمَّ يتَّخذ عشَّه فيه، ويأوي إليه مخافة على نفسه.
والأعرابُ يزعمون أنَّ الذِّئبَ شديدُ الاحتراس، وأنَّه يُرواح بينَ عينَيه، فتكونُ واحدة مطبقة نائمة وتكون الأخرى مفتوحة حارسةً ولا يشكُّون أنّ الأرنب تنام مفتوحة العينين.
وأمَّا الدَّجاج والكلاب فإنما تعزُب عقولهما في النَّوم، ثمَّ ترجع إليهما بمقدار رجوع الأنْفاس، فأمَّا الدَّجاج فإنها تفْعَل ذلك من الجبن وأمَّا الكلب فإنَّه يفعل ذلك من شدّة الاحتراس.
وجاؤوا كلهم يخبرون أن الغرانيق والكراكيّ لا تنامُ أبداً إلاّ في أبعدِ المواضعِ من النَّاس، وأحْرَزِها مِن صغار سباع الأرض، كالثعلب وابن آوى، وأنها لا تنام حتى تقلِّد أمرَها رئيساً وقائداً، وحافظاً وحارساً، وأن الرئيس إذا أعيا رفَعَ إحدى رجليه، ليكون أيقَظَ له.
سلطان النوم وسلطان النَّوم معروف، وإن الرَّجل ممن يغزو في البحر، ليعتصمُ بالشِّراع وبالعود وبغير ذلك، وهو يعلم أن النَّومَ متى خالطَ عينَيه استرخَتْ يدُه، ومتى استرختْ يدُه بايَنَهُ الشيءُ الذي كان يركبه ويَستَعْصم به، وأنه متى بايَنه لم يقدرْ عليه، ومَتى عجز عن اللّحاق به فقد عطب، ثمّ هو في ذلك لا يخلو، إذا سَهِر ليلة أو ليلتين، من أنْ يغلِبه النَّومُ ويقهرَه، وإمَّا أنْ يحتاج إليه الحاجة التي يريه الرأي الخوّان، وفسادُ العقْلِ المغمُور بالعِلَّة الحادثة، أنّه قد يمكن أنْ يُغفيَ وينتبهَ في أسرع الأَوقات، وقبلَ أنْ تَسترخِيَ يدُهُ كلَّ الاسترخاء، وقبلَ أن تبايِنه الخشَبةُ إن كانتْ خشبة.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:44 pm

العجيبة في نوم الذبان
وليس في جميع ما رأينا وروَينا، في ضروبِ نومِ الحيوان، أعجبُ من نوم الذِّبّان، وذلك أنَّها ربما جعلت مأْواها بالليل دَرْونْد الباب وقد غشَّوه ببطانَةِ ساجٍ أملسَ كأنَّه صَفاةٌ، فإِذا كان اللَّيلُ لزقت به، وجعلت قوائمها مما يليه، وعلّقت أبدانها إلى الهواء، فإن كانت لا تنام البتَّةَ ولايخالُطُها عُزوب المعرفة فهذا أعجب: أنْ تكونَ أمّةٌ من أمم الحيوانِ لا تعرف النَّومَ، ولا تحتاج إليه، وإن كانت تنام ويعزب عنها ما يعزُب عن جميع الحيوان سوى ما ذكرنا، فما تخلو من أن تكون قابضةً على مواضع قوائمها، ممسكة بها، أو تكون مرسلة لها مخلّية عنها، فإنْ كانت مرسِلةً لها فكيف لم تسقطْ وهي أثقلُ من الهواء? وإن كانت ممسكة لها فكيف يجامع التشدُّد والتثبيت النَّوم?.
بعض ما يعتري النائم ونحن نرى كلَّ من كان في يده كيس أوْ دِرهمْاً و حبلٌ، أو عصا فإنّه متى خالط عينَيْه النَّوم استرخَتْ يده وانفتحت أصابعُه، ولذلك يتثاءب المحتال للعبْد الذي في يده عِنان دابّةِ مولاه، ويتناوم له وهو جالس؛ لأنَّ من عادةِ الإنسان إذا لم يكن بحضرتِه من يشغله، ورأى إنساناً قَبالَتَه ينودُُ أو يَنْعس، أن يتثاءب وينعَس مثله، فمتى استرخَتْ يدُه أو قبضته عن طَرَف العِنان، وقد خامَرهُ سُكْرُ النَّوم، ومتى صار إلى هذه الحال - ركب المحتال الدَّابَّة ومرّ بها.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:44 pm

الغربان
اللهم جنبنا التكلُّف، وأعِذْنَا مِن الخطَأ، واحْمِنا العُجْبَ بما يكون منه، والثِّقة بما عندنا، واجعلْنا من المحسنين.
نذكر على اسم اللّه جُمَلَ القولِ في الغِربان، والإخبار عنها، وعن غريبِ ما أُودِعَتْ من الدّلالة، واستُخْزِنت من عجيب الهداية. وقد كُنَّا قدَّمنا ما تقول العربُ في شأنِ منادَمِة الغُراب والدِّيكَ وصداقتِه له، وكيف رهنه عند الخمََّار، وكيف خاسَ به وسخِرَ منه وخدعه وكيف خرج سالماً غيرَ غارم، وغانماً غيرَ خائب، وكيف ضربت به العربُ الأمثالَ، وقالت فيه الأشعار، وأدخلتْه في الاشتقاقِ لزجْرها عند عيافتها وقِيافتها، وكيف كان السبب في ذلك.
ذكر الغراب في القرآن فهذا إلى ما حكى اللّهُ عزَّ وجلَّ من خبر ابنَيْ آدمَ، حينَ قرَّبا قرباناً فحسَدَ الذي لم يُتقبَّلْ منه المتقبل منه، فقال عندما همَّ به مِن قتلِه، وعند إمساكِه عنه، والتَّخليةِ بينَه وبين ما اختارَ لنفسه: "إنِّي أُريدُ أنّ تَبُوءَ بِإثْمي وإثمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أصْحَاب النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالمِينَ"، ثُم قال: "فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخيِهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِريِنَ فَبَعَثَ اللّهُ غُراباً يَبْحثُ في الأرضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ" حتّى قال القائل، وهو أحد ابني آدم ما قال: فلولا أنّ للغُراب فضيلةً وأموراً محمودةً، وآلةً وسبباً ليس لغيره من جميع الطّير لما وضعه اللّهُ تعالى في موضعِ تأديبِ الناس، ولما جعله الواعِظ والمذَكِّرَ بذلك،

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:45 pm

وقد قال اللّه عزَّ وجلَّ: "فبعَث اللهُ غَراباً يَبْحَث في الأرضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُواري سَوْءَةَ أخِيهِ"، فأخْبر أنّه مبعوثٌ، وأنه هو اختاره لذلك مِنْ بين جميع الطّير.
قال صاحب الدِّيك: جعلت الدَّليلَ على سوء حاله وسقوطِهِ الدَّليلَ على حُسنِ حاله وارتفاعِ مكانه، وكلما كان ذلك المقرَّعُ به أسفَلَ كانت الموعظة في ذلك أبلغَ، ألا تَرَاهُ يقول: "يا وَيْلَتَي أعَجَزْت أنْ أكونَ مثْلَ هذا الْغُرَابِ فأُوَارِي سَوْءَةَ أخي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ".
ولو كان في موضعِ الغُرابِ رجلٌ صالحٌ، أو إنسانٌ عاقلٌ، لما حَسُن به أن يقولَ: يا ويْلتى أعجَزت أنْ أكون مثلَ هذا العاقِل الفاضل الكريمِ الشَّريف، وإذا كان دوناً وَحقيراً فقال: أعجزتُ وأنا إنسانٌ أن أُحسِنَ ما يحسنه هذا الطائر، ثمّ طائِرٌ من شِرار الطير، وإذا أراهُ ذلك في طائرِ أسودَ محترقٍ، قبيحِ الشَّمائِلِ، رديء المَشْيَة، ليس من بهائم الطير المحمودة، ولا من سباعها الشريفة، وهو بَعْدُ طائرٌ يتنكَّد به ويتطيَّر منه، آكلُ جيف، رديءُ الصيّد، وكلما كان أجهلَ وأنْذل كان أبلغَ في التَّوبيخ والتّقريع.
وأمّا قوله:"فَأَصْبَحَ مِنَ النّادمِينَ" فلم يكنْ به على جهة الإخبار أنّه كانَ قَتَلهُ ليلاً، وإنما هو كقوله: "وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئذ دُبُرَهُ إلاّ مُتَحرِّفاً لِقتال أوْ مُتحيِّزاً إلى فئةٍ فقدْ باء بِغضبِ مِنَ اللّهِ"، ولو كان المعنى وقع على ظاهر اللَّفظ دونَ المستعمل في الكلامِ من عادات الناس، كان من فرَّ من الزَّحفِ ليلاً لم يلزمْه وَعيد، وإنما

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:52 pm

وقع الكلامُ على ما عليه الأغلبُ من ساعاتِ أعمال الناس، وذلك هو النّهارُ دون اللّيل.
وعلى ذلك المعنى قال صالح بن عبد الرحمن، حين دفعوا إليه جوَّاباً الخارجيَّ ليقتله، وقالوا: إن قتله برئت الخوارجُ منه، وإن ترك قتْله فقد أبدى لنا صفحته، فتأوّل صالحُ عند ذلك تأويلاً مستنكراً: وذلك أنّه قال: قد نجِدُ التّقِيَّة تسيغ الكفر، والكفر باللسان أعظم من القتل والقذْفِ بالجارحة، فإذا جازت التقِيَّة في الأعظم كانت في الأصغر أجوز، فلما رأى هذا التأويل يطّرد له، ووجد على حال بصيرته ناقصة، وأحسّ بأنّه إنما التمس عُذْراً ولزّق الحجّة تلزيقاً فلمَّا عزمَ على قتل جوّاب، وهو عنده واحدُ الصُّفرية في النُّسك والفضل قال: إني يومَ أقتُل جَوّاباً على هذا الضّربِ من التأويل لحريصٌ على الحياة ولو كان حين قال إني يوم أقتل جوَّاباً إنما عنى النهارَ دون اللَّيل، كان عند نفسه إذا قتلهُ تلك القتلة ليلاً لم يأثم به، وهذا أيضاً كقوله تعالى: "ولا تَقُولنَّ لشيْءٍ إنِّى فاعِلٌ ذلك غَداً إلا أن يشاء اللّهُ".ولو كان هذا المعنى إنما يقع على ظاهر اللفظ دونَ المستعمَلِ بين الناس، لكان إذا قال من أوّل الليل: إني فاعِلٌ ذلك غداً في السَّحر، أو مع الفجر أو قال الغداة: إني فاعِلٌ يومي كلّه، وليلتي كلها، لم يكنْ عليه حِنث، ولم يكن مخالفاً إذا لم يستثن، وكان إذن لا يكون مخالفاً إلاّ فيما وقع عليهِ اسمُ غد، فأمّا كلُّ ما خالفَ ذلك في اللَّفظ فلا، وليس التّأويل كذلك لأنَّه جلَّ وعلا إنما ألزمَ عبدهَ أن يقول: إن شاء اللّه، ليَتَّقى عَادَةِ التألِّي ولئلا يكونَ كلامُه

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:52 pm

ولفظُه يشبه لفظ المستبدِّ والمستغْني، وعلى أن يكون عِنْد ذلك ذاكرَ اللّه، لأنه عبدٌ مدبَّرٌ، ومقلَّب ميَّسر،ومصرَّفٌ مسخَّر.
وإذا كان المعنى فيه، والغايَةُ التي جرى إليها اللفظ، إنما هو على ما وصفنا، فليس بين أن يقول أفعَلُ ذلك بعْدَ طرْفَةٍ، وبين أن يقولَ أفعَلُ ذلك بَعْدَ سنةٍ فرقٌ.
وأمَّا قوله: "فَأَصْبحَ مِنَ النّادمِيِن" فليس أنّه كان هنالك ناسُ قتلوا إخوتَهُمْ ونَدموا فصارَ هذا القاتلُ واحداً منهم؛ وإنما ذلك على قوله لآدم وحَوّاء عليهما السلام: "ولا تقْرَبا هذهِ الشَّجرَةَ فتكونا مِنَ الظَّالِمينَ"، على معنى أن كلّ من صنع صنيعكما فهو ظالم.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:53 pm

الاستثناء في الحلف
وعجبت من ناسٍ ينكرون قولنا في الأستثناء، وقد سمعوا اللّه عزَّ وجلَّ يقولُ: "إنّا بَلَوْنَاهُمْ كما بَلوْنا أصْحَابَ الجَنَّةِ إذْ أقْسَموا ليَصْرِمُنَّها مُصْبِحينَ، ولا يَسْتَثْنون، فطافَ عليْها طائفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائُمونَ، فأصْبَحَتْ كالصّرِيمِ"، مع قوله عزَّ وجلَّ: "ولا تَقُولنَّ لِشيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلك غداً إلاّ أنْ يشاءَ اللّه".

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:53 pm

تسمية الغراب ابن دأية
والعربُ تسمِّي الغرابَ ابن دأية، لأنَّه إذا وجد دَبَرَةً في ظهر البعير، أو في عنقه قرحة سقط عليها، ونقرهُ وأكله، حتَّى يبلغ الدَّايات، قال الشاعر:
بيثربَ حتى نَيُّها متظـاهـر نَجِيبة قرْمٍ شادَها القَتُّ والنَّوى
سنامكِ ملمومٌ ونابُكِ فاطِـرُ فقلتُ لها سيري فما بكِ عِلّة
تقلِّب عينيها إذا مـرّ طـائر فمِثْلكِ أو خيراً ترَكْـتُ رذِيّة
ومثله قول الرَّاعي:
صقورِيََ غِرْبان البَعيرِ المقـيدِ فلو كنت معذوراً بنصْرِك طيّرت
هذا البيت لعنترة، في قصيدة له، ضرب ذلك مثلاً للبعير المقيّد ذي الدّبَر، إذا وقعت عليه الغِرْبان.
غرز الريش والخِرق في سنام البعير وإذا كان بظهر البعير دَبَرَةٌ غرزوا في سنامه إمّا قوادمَ ريش أسود وإمّا خرَقاً سُوداً، لتفزع الغِرْبانُ منْهُ، ولا تسقط عليه، قال الشاعِرُ، وهو ذو الخِرَق الطُّهوي:
هَزْلى عجافاً عليها الرِّيشُ والخِرَقُ لما رَأتْ إبلي حطت حمولـتـهـا
عمَّا نلاقي فشرُّ العيشة الـرَّنَـقُ قالتْ ألا تبتغي عيشاً نـعـيشُ بـه
الرَّنَق، بالرّاء المهملة، وبالنون، هو الكدِرُ غير الصافي وقال آخر:
في حيثما صرفته الرِّيح ينصرف كأنَّها ريشةٌ في غـاربٍ جـرزٍ
جَرَز: عظيم، قال رؤبة:
عن جَرَزٍ منه وجوزٍ عارِ
غرز الريش وجوز عاره وقد توضع الرّيش في أسنمتها وتغرز فيها لغير ذلك، وذلك أنَّ الملوك كانت تجعل الرّيش علامة لحباء الملك، تحميها بذلك وتشرِّف صاحبها.
قال الشاعر:
كاللّيلِ قبلَ صَباحهِ المتبلـجِ يهبُ الهِجانَ بريشها ورِعائها
ولذلك قالوا في الحديث: فرجع النَّابغة من عند النُّعمان وقد وهبَ له مائَةً من عصافيره بريشها وللرِّيش مكان آخر: وهو أنّ الملوك إذا جاءتها الخرائطُ بالظَّفَر غرزتْ فيها قوادمَ ريشٍ سُود،

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:53 pm

غربان الإبل
وقال الشاعر:
تطيرُ به الغِربان شَطْرَ المواسم سأرفَعُ قولاً للحُصين ومـالـكٍ
بأمْثالِهِ الغازينَ سَجْعُ الحمـائمِ وتروى به الهيمُ الظماءُ ويطَّبي
يعني غِرْبان الليل، وأمّا قوله: وتروى به الهيمُ الظِّماء فمثل قول الماتحِ:
بجاذل لا رَفِلِ التَّـرَدِّي علِقت يا حارث عِندَ الوِرْدِ
ولا عَييٍّ بابتناء المجْـدِ
شعر في تعرض الغربان للإبل وقالوا في البعير إذا كان عليه حِملٌْ من تمر أو حبٍّ، فتقَدَّم الإبلَ بفضل قُوَّته ونشاطه، فعرض ما عليه للغربان، قال الرَّاجز:
عليكَ بالقود المسانيف الأُوَل قد قلتُ قولاً للغرابِ إذْ حَجَلْ
تَغَدَّ ما شئت على غير عَجَلْ
ومثله:
حمراءَ من مُعَرِّضاتِ الغِرْبانْ يقدُمُها كـلُّ عـلاة مـذعـان

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:54 pm

أمثال في الغراب
ويقال: أصحُّ بدناً مِنْ غراب، و أبصَرُ مِنْ غُراب، و أصفى عيناً من غراب.
وقال ابن ميّادة:
حِرَاجٌ من الظلّماء يعشى غُرابُها ألا طرقَتـنـا أُمُّ أوسٍ ودونـهـا
من المِسْكِ أو دارِيَّةٌ وعيابُـهـا فبتْنا كأنّـا بَـيْنـنـا لـطـمـيّةٌ
يقول: إذا كان الغراب لا يبصر في حِراج الظلماءِ، وواحد الحِراج حَرَجة، وهي هاهنا مثَلٌ، حيث جعل كلَّ شيءٍ التفَّ وكثفَ من الظلام حِراجاً، وإنّما الحِراجُ من السِّدْرِ وأشباه السّدر.
يقول: فإذا لم يبصرْ فيها الغرابُ مع حدَّةِ بصره، وصفاء مُقْلته فما ظنُّك بغيره? وقال أبو الطمحان القيْنيُّ:
كعين الغراب صَفْوُها لم يكدّرِ إذا شاء راعيها استقى مِنْ وقيعةٍ
والوقيعة: المكان الصلب الذي يُمسك الماء، والجمع الوقائع.
استطراد لغوي قال: وأنشدنا أبوعمرو بن العلاء، في الوقائع:
وقائع للأبْوالِ والمـاءُ أبـرَدُ إذا ما استبالوا الخيل كانت أكفهم
يقول: كانوا في فلاةٍ فاستبالوا الخيل في أكفهم، فشربوا أبوالها من العطش.
ويقال شهد الوقيقة والوقْْعَة بمعنًى واحد، قال الشاعرُ:
على زفَرٍ داءً من الشَّرِّ باقيا لعمري لقد أبقتْ وقِيعةُ راهطٍ
وقال زُفَر بنُ الحارث:
لِمرْوان صدْعاً بيننا متـنـائيا لعمري لقد أبقتْ وقيعة راهطٍ
وقال الأخطل:
إلى الله منها المشتكى والمعوَّل لقد أوقع الجحّافُ بالبشْرِ وقْعَةً

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:54 pm

أمثال من الشعر والنثر في الغراب
وفي صحّة بدن الغراب يقول الآخر:
قدْ ضَجَّ مِنْ طُولِ عُمْرِهِ الأبـد إنّ مُعاذَ بـن مـسـلِـمٍ رجُـلٌ
ر وأثْـوابُ عُـمْـرهِ جُــدُدُ قَدْ شاب رأسُ الزَّمانِ واكتهل الدّهْ
تَسْحَـبُ ذيل الـحـياة يا لُـبَـد يا نَسْر لقْمانَ كمْ تـعـيش وكـم
وأنت فـيهـا كـأنَّـك الـوَتِـدُ قد أصبحـتْ دارُ آدَمٍ خـرِبَـتْ
كيف يكونُ الصُّـدَاعُ والـرَّمَـدُ تسألُ غِربانَـهـا إذا حَـجَـلـتْ
ويقال: أرضٌ لا يطير غرابها، قال النَّابغة:
في المجد ليس غرابُها بمُطارِ وَلِرَهْطِ حرّابٍ وقـدٍّ سَـوْرَةٌ
جعله مثلاً، يعني أنّ هذه الأرض تبلغ من خِصبها أنَّه إذا دخلها الغراب لم يخرُج منها، لأنّ كلّ شيءٍ يريدهُ فيها.
وفي زهوِ الغُراب يقول حسَّان، في بعضِ قريش:
شجَنٌ لأمِّك مِن بناتِ عُـقـاب إنّ الفرافِصة بن الأحْوصِ عِنده
في فحش مُومِسةٍ وزهْوِ غرابِ أجمَعْتَ أنَّك أنت ألأمُ مَنْ مشـى
ويقال: وجد فلان تمْرَة الغُراب، كأنّه يتّبع عندهم أطيب التمر ويقال: إنّه لأَحْذَرُ مِنْ غراب و: أشد سواداً من غراب وقد مدحوا بسَوادِ الغراب، قال عنترة:
سُوداً كخافيةِ الغرابِ الأسحمِ فيها اثنتان وأرْبَعُون حلـوبَة
وقال أبو دؤاد:
نَفْيَ الغُرابِ بأعلى أنفه الغَـرَدا تنفي الحصى صُعُداً شِرْقِيَّ مَنْسِمِها
والمغاريد: كَمْءٌ، صِغار، وأنشَد:
فاستُ الطبيب ِقذاها كالمغاريدِ يَحُجُّ مأْمومةً في قعْرها لَجَفٌ
وقد ذكرنا شدَّة منقاره، وحدَّة بصره في غير هذا المكان.
شعر في مديح السواد وقالوا في مديح السواد، قال امرؤ القيس:
والأُذْن مصْغِيةٌ واللَّونُ غِربيبُ العينٌ قادحة والـيدُّ سـابـحة
وفي السَّواد يقول ربيِّعة أبُو ذؤابٍ الأسدي، قاتل عتيبة بن الحارث بن شهاب:
خلقٌ كسحقِ الْيُمْنَةِ المنجابِ إن المودة والهوادة بينـنـا
سُودِ الجلود من الحديدِ غضابِ إلاَّ بجـيشٍ لا يكـتُّ عـديدُه
شعر ومثل في شيب الغراب وفي المثل: لا يكون ذلك حتّى يشيبَ الغُراب، وقال العرْجيُّ:
أبداً أو يحولَ لون الغرابِ لا يحولُ الفؤادُ عنه بـوُدٍّ
وقال ساعدة بن جُؤَيّة:
عَهْدَ الغَضوبِ ولا عتابُكَ يُعتِبُ شاب الغراب ولا فؤادك تارك
معاوية وأبو هوذة الباهلي ومما يذكر للغراب ما حدّث به أبو الحسن، عن أبي سليم، أنَّ معاوية قال لأبي هوذة بن شمّاس الباهليِّ: لقد هممت أن أحمِلَ جمْعاً من باهلة في سفينةٍ ثم أغرقهم فقال أبو هوْذة: إذنْ لا ترضى باهلةُ بعِدّتِهِمْ من بني أمية قال: اسكت أيُّها الغرابُ الأبقع وكان به برص، فقال أبو هوذة: إنَّ الغراب الأبقع ربَّما درج إلى الرَّخمةِ حتى ينقر دِماغها، ويقلع عينيها فقال يزيد بن معاوية: ألا تقتله يا أمير المؤمنين? فقال: مَهْ ونهض معاوية، ثمَّ وجهه بعدُ في سرِيَّة فقتل، فقال معاوية ليزيد: هذا أخفى وأصوب.
شعرفي نقر الغراب العيون وقال آخر في نقْر الغراب العُيونَ:
يُرِيغُ سوادَ عينيهِ الغُـرابُ أتوعد أسرتي وتركتَ حُجْراً
رضيتَ من الغنيمةِ بالإيابِ ولو لاقيت عِلباءَ بن جَحْشٍ
وقال أبو حيَّة - في أنّ الغراب يسمُّونه الأعور تطيُّراً منه -:
مَرَّت تليح من الغُرابِ الأعورِ وإذا تُحَلُّ قتودهـا بـتـنـوفةٍ
لأنها تخاف من الغربان، لما تعلمُ من وقوعها على الدَّبر شعر فيه مدح لون الغراب ومما يَمْدح به الشُّعراءُ بلون الغراب قال أبو حيّة:
ألا سَقْياً لذلك مِنْ غُرابِ غرابٌ كانَ أسْودَ حالكيّاً
وقال أبو حيَّة:
فطيَّرهُ الدَّهْرُ عني فطـارا زمانَ عَلَيََّ غرابٌ غـدافٌ
وإن كان لا هو إلاّ ادّكـارا فلا يُبعدِ اللّه ذاك الـغُـدافَ
مُحيطاً خِطاماً مُحيطاً عذارا فأصبح موضعـهُ بـائضـاً
وقال أبو حيّة في غير ذلك ،وهو مما يُعدّ للغراب:
بما سال من غربانهنَّ من الخطْر كأنّ عصيم الوَرْس منهنَّ جاسـدٌ

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 7:54 pm

استطراد لغوي
والغراب ضروب، ويقع هذا الاسم في أماكن، فالغراب حدُّ السكين والفأسِ، يقال فأْسٌ حديدة الغراب، وقال الشّماخ:
عدُوٌّ لأوْساطِ العِضاهِ مُشارِزُ فأنحى عليها ذات حدٍّ غرابها
المشارزة: المعاداة والمخاشنة.
والغراب:حدُّ الورك ورأسه الذي يلي الظهر، ويبْدأ من مؤخَّر الرِّدف، والجمعُ غِربان، قال ذو الرُّمَّة:
تَقَوَّب من غِربان أوراكها الخطْرُ وقَرَّبْنَ بالزُّرقِ الحمائل بعـدَ مـا
تقوَّب: تقشر ما على أوراكها من سلْحِها وبولها، من ضربها بأذنابها.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42516
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 11 من اصل 13 الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... 10, 11, 12, 13  الصفحة التالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى