كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

صفحة 13 من اصل 13 الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... 11, 12, 13

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 8:03 pm

مديح الصَّالحين والفُقهاء
قال ابنُ الخيَّاط، يمدح مالك بن أنس:
والسائلونَ نَواكِـسُ الأذْقـان يأبى الجوابَ فما يُراجَعُ هَيْبَةً
فهو المطاعُ وليس ذا سُلْطانِ هديُ التقيَّ وعز سلطان التُّقى
وقال ابن الخياط في بعضهم:
ولم يقتبِسْ من علمه فهو جاهلُ فتى لم يجالس مالكاً منْذ أنْ نشا
وقال آخر:
وبالنَّهارِ على سمْتِ ابن سيرين فأنت باللَّيل ذئبٌ لا حـرِيمَ لـه
وقال الخليل بن أحمد وذكروا عنده الحظَّ والجِدَّ، فقال: أمَّا الجِدُّ فلا أقول فيه شيئاً، وأمّا الحظّ فأخزى اللّهُ الحظَّ، فإنه يبلِّد الطالبَ إذا اتّكل عليه ويبعد المطلوب إليه من مذمَّةِ الطّالب.
وقال ابن شبرمة:
أو كابنِ طارق حولَ البيت والحرم لو شئت كنت ككرْز في تعـبُّـدِه
وسارعا في طلاب العزِّ والكـرمِ قد حالَ دونَ لذيذِ العيش خوفهمـا
وقال آخر يرثي الأصمعيّ:
بالأصمعيِّ لقدْ أبقتْ لنـا أسـفـا لا دَرَّ دَرُّ خطوبِ الدهرِ إذْ فجعتْ
في الدَّهر منهُ ولا من عِلْمِهِ خلفا عش ما بدا لك في الدُّنيا فلست ترى
وقال الحسنُ بن هانئ، في مرثية خلفٍ الأحمر:
لوألتْ شغْواءُ في أعلى الشَّعـفْ لو كان حيٌّ وائلاً مـن الـتَّـلـف
مُزَغَّبِ الألغادِ لم يأْكـل بـكـفّْ أمُّ فُريخٍ أحرزَتْـه فـي لَـجـف
تظلُّ في الطُّبَّاق والنَّـزْعِ الألـفّْ هاتيك أم عصماءُ في أعلى الشّرف
قليْذمٌ من العـيالـم الـخـسـفْ أودى جماعُ العلم مذ أودى خلـف
وقال يرثيه في كلمةٍ له:
وبات دمْعي إلاّ يَفِض يَكِـفِ بتُّ أعزّي الفؤاد عن خـلـفِ
أضحى رهيناً للتُّربِ في جَدفِ أنسى الرَّزايا مَيتٌ فجعتُ بـه
أفهامِ في لا خرقِ ولا عُنـفِ كان يسنَّى برفْقـه غـلـقُ ال
حيْران، حتّى يشفيك في لُطفِ يجوبُ عنك التي عشيتَ لـهـا
ء ولا لامـهـا مـع الألـف لا يهمُ الحاء في القراءة بالخـا
يكون إسناده عن الصُّـحُـفِ ولا مضلاًّ سُبْـلَ الـكـلامِ ولا
فليس إذْ مات عنهُ مِن خلـفِ وكان ممن مضى لنا خـلـفـاً
وقال آخر في ابن شبرُمة:
والعزُّ والجُرثومةُ المقدَّمَـهْ إذا سألت الناس أين المكرمهْ
تتابع النَّاسُ على ابن شُبرُمَهْ وأين فاروقُ الأمورِ المحكمه

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42563
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 8:03 pm

شعر مختار
وقال ابن عرفطة:
وتحديثك الشَّيْءَ الذي أنت كاذبُه ليهنيكَ بُغْض للـصَّـدِيق وظِـنَّةٌ
بلاك، ومثل الشر يكره جانبُـهْ وأنَّك مشنوءٌ إلى كلِّ صـاحـبٍ
شديد السِّبابِ رافعُ الصّوتِ غالبُه وإنّك مهداءُ الخنا نَطِف الـنّـثـا
وقال النّابغة الجعدي:
إذا ما تبَيَّنت لم أرْتـب أبى لي البلاءُ وأنِّي امرؤٌ
وليس يريد أنّه في حال تبيُّنُه غير مُرتاب، وإنَّما يعني أنّ بصيرته لا تتغيّر.
وقال ابنُ الجهم، ذات يوم: أنا لا أشكُّ قال له المكيُّ: وأنا لا أكاد أوقن وقال طرفة:
كسيد الغضى في الطَّخْية المتورِّدِ وكرِّي إذا نادى المُضافُ مُحَنّـبـا
ببهكنةٍ تحت الخبـاء الـمـمـدَّدِ وتقصيرُ يوم الدَّجنِ والدّجن معجب
كقبْرِ غويٍّ في البطالةِ مُفْـسِـدِ أرى قبر نحَّامٍ بـخـيلِ بـمـالـه
لكالطَّولِ المُرْخى وثنْـياه بـالـيد لعمرُك إنَّ الموت ما أخطأ الفتـى
بعيداً غداً، ما أقرب اليومَ من غد أرى الموت أعداد النُّفوس ولا أرى
على المرْءِ من وقع الحسامِ المهنَّد وظلْم ذوي القربى أشد مضـاضة
إذا خطرَتْ أيدي الرِّجالِ بمشهـد وفي كثرة الأيدي عن الظلم زاجرٌ

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42563
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 8:03 pm

الجعلان والخنافس
وسنقولُ في هذه المحقرات من حشرات الأرض، وفي المذكور من بغاث الطّير وخشاشه، مِمَّا يقتات العذِرة ويُوصف باللؤم، ويُتَقزَّزُ من لمسه وأكلِ لحمه، كالخنفساء والجعل، والهداهِدِ والرَّخم، فإنَّ هذه الأجناس أطلبُ للعذرة من الخنازير.
فأوَّل ما نَذْكُر من أعاجيبها صداقةُ ما بين الخنافس والعقارب، وصداقة ما بين الحيّات والوزَغ، وتزعمُ الأعراب أنّ بين ذكورةِ الخنافس وإناث الجعلان تسافداً وأنهما ينتجان خلقاً ينزع إليهما جميعاً.
وأنشد خَشْنامُ الأعور النحويُّ عن سيبويه النَّحويّ، عن بعض الأعراب في هِجائهِ عدوّاً له كان شديد السَّواد:
عداوة الأوعالِ حيَّاتِ الجبَـلْ عاديتنا يا خُنْفساً كـامُ جُـعـلْ
يخْرِقُ إنْ مسّ وإنْ شمّ قَتَـلْ من كلّ عوْدٍ مُرهَفِ النّابِ عُتُلّْ
ويثبت أكل الأوعال للحيّات الشِّعرُ المشهور، الذي في أيدي أصحابنا، وهو:
في التماسٍ بعضَ حيَّاتِ الجبلْ عَلَّ زيداً أن يُلاقـي مَـــرَّةً
ليس من حيّات حُجْرِ والقلـل غاير العينينِ مَفطوح الـقـفـا
رَبِذُى الخطْفةِ كالقِدحِ المُـؤلْ يتـوارى فـي صُـدوعٍ مـرَّة
كشعاع الشّمسِ لاحتْ في طَفَلْ وترى السمّ عـلـى أشـداقـه
ونفى الحيَّاتِ عن بيضِ الحَجَلْ طرد الأرْوى فمـا تـقـربُـهُ
وإنما ذكر الأروى من بين جميع ما يسكن الجبال من أصناف الوحش، لأنَّ الأروى من بينها تأكلُ الحيّات، للعداوة التي بينها وبين الحيّات.
استطراد لغوي
والأرْوى: إناث الأوعال، واحدتها أُرويّة، والناس يُسمُّون بناتِهم باسم الجماعة، ولا يسمُّون البنت الواحدة باسم الواحدة منها: لا يسمُّون بأرويَّة، ويسمُّون بأرْوى، وقال شماخ بن ضِرار:
بأدنى من مُوقَّفةٍ حَـرُونِ فما أرْوى وإنْ كرُمتْ علينا
وأنشد أبو زيدٍ في جماعة الأوريّة:
ولاقيتِ كلاباً مُطـلاًّ ورامـيا فما لك من أرْوى تعاديت بالعمى
يقال: تعادى القومُ وتفاقدوا: إذا مات بعضهم على إثر بعض.
وقالت في ذلك ضباعةُ بنت قُرْط، في مرثية زوجها هشام بن المغيرة:
وإنَّ صمتاً عن بُكاهُ لَحُوبْ إنَّ أبا عثمـان لـم أنْـسـهُ
أيَّ ذنوب صوّبوا في القليبْ تفاقَدُوا من معشرٍ ما لـهـمْ
طلب الحيّات البيض
وأما قوله:
ونفى الحيَّاتِ عنْ بيْضِ الحجل
فإنَّ الحيّات تطلبُ بيض كلِّ طائر وفراخه، وبيضُ كلِّ طائرٍ مما يبيض على الأرض أحبُّ إليها، فما أعرف لذلك عِلَّةً إلا سهولة المطْلب.
والأيائل تأكل الحيَّاتِ، والخنازيرُ تأْكل الحيَّاتِ وتعاديها.
عداوة الحمار للغراب
وزعم صاحبُ المنطق أن بين الحمار والغراب عداوة، وأنشدني بعضُ النحويِّين:
عَدَاوَة الحمارِ للغُرابِ عاديتنا لا زِلْتَ في تبابِ
وأنشد ابنُ أبي كريمة لبعض الشُّعراء في صريع الغواني:
إلى الحيَّاتِ منك إلى الغواني فما ريحُ السَّذابِ أشدَّ بُغْضـاً
أمثال
ويقال: ألجُّ من الخنفساء، وأفحشُ من فاسية وهي الخنفساء وأفحش من فالية الأفاعي.
والفساء يُوصف بن ضربان من الخَلْق: الخنفساء، والظَّرِبان.
وفي لجاج الخنفساء يقولُ خلفٌ الأحمر:
كثيرُ الخطاءِ قليلُ الـصّـوابِ لنا صاحبٌ مُولعٌ بـالـخـلافِ
وأزْهى إذا ما مشى منْ غرابِ ألجُّ لجاجاً من الخـنـفـسـاء
طول ذماء الخنفساء
وقال الرقاشي: ذكرت صبر الخنزير على نفوذ السهام في جنبه، فقال لي أعرابيٌّ: الخنفساء أصبر منه، ولقد رأيت صبيّاً من صبيانكم البارحة وأخذ شوكة وجعل في رأسها فتيلةً، ثمَّ أوقد نهاراً، ثمَّ غرزها في ظهر الخنفساء، حتَّى أنفذ الشَّوْكة، فغبرْنا ليلتنا وإنَّها لتجولُ في الدّارِ وتُصبِح لنا، واللّهِ إنِّي لأظنها كانتْ مُقْرِباً، لانتفاخ بطنها.
قال: وقال القنانيُّ: العَوَاساء: الحامل من الخنافس، وأنشد:
بكْراً عواساءَ تفاسا مُقْرِبا
أعاجيب الجعل
قال: ومن أعاجيب الجعل أنَّه يموت من ريح الورد، ويعيش إذا أعيد إلى الرَّوث، ويضرب بشدَّة سوادِ لونِه المثل، قال الرَّاجزُ وهو يصفُ أسود سالخاً:
كأنَّما قُمِّص من لِيطِ جُعَـلْ مُهَرّت الأشداق عود قد كَمَلْ
والجعل يظَلُّ دهراً لا جناحَ له، ثم ينبت له جناحان، كالنمل الذي يغْبُر دهراً لا جناح له، ثم ينْبت له جناحان، وذلك عند هَلَكَتِه.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42563
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 8:04 pm

تطورالدعاميص
والدّعاميص قد تغبر حيناً بلا أجنحة، ثم تصير فراشاً وبعوضاً، وليس كذلك الجراد والذِّبَّان، لأنَّ أجنحتها تنبت على مقدار من العمر ومرور من الأيام.
وزعم ثمامة، عن يحيى بن خالد: أنَّ البرغوث قد يستحيل بعوضة.
عادة الجعل
والجعل يحرسُ النّىام، فكلما قام منهم قائمٌ فمضى لحاجته تبِعه، طمعاً في أنَّه إنَّما يريد الغائط، وأنشد بعضهم قول الشاعر:
كأنَّه شرطيٌّ باتَ في حَـرَسِ يبيتُ في مجلس الأقوامِ يرْبؤُهم
وأنشد بعضهم لبعض الأعراب في هجائه رجلاً بالفسولة، وبكثرة الأكل، وبعظم حَجْم النَّجو:
لجارَتيه ثـمَّ ولَّـى فَـنـثـلْ حتَّى إذا أضحى تدرَّى واكتحـل
رزْقَ الأنوقينِ القرنْبى والجَعَلْ
سمى القرنبي والجعل - إذ كانا يقتاتان الزِّبل - أنُوقين، والأنوق: الرَّخمة، وهي أحد ما يقتات العذرة، وقال الأعشى:
يُعْجِلُ كفَّ الخارئ المُطيبِ يا رَخماً قاظ على يَنْخـوب
المطيب: الذي يستطيب بالحجارة، أي يتمسَّح بها، وهم يسمُّون بالأنوق كلَّ شيءٍ يقتات النّجْو والزِّبل، إلاَّ أنّ ذلك على التشبيه لها بالرّخم في هذا المعنى وحدهُ، وقال آخر:
يدعُو عليَّ كلما قـام يُصَـلّ يا أيهذا النّابحي نَبْحَ الـقَـبَـلْ
وقد ملأتُ بطْنه حتـى أتـل رافعَ كفَّيهِ كما يفري الجُعـلْ
غيظاً فأمسى ضغْنُه قد اعتدل
والقبل: ما أقبل عليك من الجبل، وقوله أتل، أي امتلأ عليك غيْظاً فقصّر في مشيِته، وقال الجعديّ:
وأخُو الغَدْر إذا هَمَّ فعلْ منعَ الغدر فلم أهممْ بـه
إنما ذكري كنار بقَبَـلْ خشيةُ اللّه وأنِّي رجـلٌ
وقال الرَّاجز - وهو يهجو بعضهم بالفُسولة، وبكثرة الأكل، وعِظَم حجْم النَّجْو:
باتَ يعشِّي وحْده ألْفي جُعَل
وقال عنترة:
فإني لائمٌ للجعْـدِ لاحـي إذا لاقيتَ جمع بني أبـان
ردائي بعد عُرْيٍ وافتضاحِ كسوتُ الجعد جَعْد بني أبان
ثم شبَّهه بالجعل فقال:
هُدوجاً بين أقلـبةٍ مِـلاحِ كأنَّ مؤشر العضديْنِ جَحْلاً
بُكوراً أو تهجَّر في الرَّواحِ تضمن نعمتي فغدا عليهـا
وقال الشمَّاخ:
مفرّضُ أطراف الذِّراعينِ أفلجِ وإن يُلقيا شأواً بأرْضٍ هوى له
استطراد لغوي والشأو هاهنا: الرَّوث، كأنَه كثره حتَّى ألحقه بالشأو الذي يخرج من البئر، كما يقول أحدهم إذا أراد أن يُنْقي البئر: أخرِجْ من تلك البئُر شأْواً أو شأْوين، يعني من التراب الذي قد سقط فيها، وهو شيءٌ كهيئة الزَّبيل الصَّغير.
والشاو: الطِّلْق، والشأو: الفَوْت.
والمفرّض الأفلج الذي عنى، هو الجعل، لأنَّ الجعل في قوائمه تحزيز، وفيها تَفْريج.
معرفة في الجعل
وللجعل جناحان لا يكادان يُريانِ إلاَّ عند الطَّيران، لشَّدة سوادهما، وشبههما بجلده، ولشِدّة تمكنهما في ظهره.
قال الشاعر، حيثُ عدّد الخَوَنَة، وحثَّ الأمير على محاسبتهم:
واشْفِ الأرامل من دُحروجة الجُعلِ واشدُدْ يديك بزيْدٍ إن ظـفِـرْت بـه
والجعل لا يدحرج إلاّ جعراً يابساً، أو بعرة.
وقال سعد بن طريف، يهجو بلال بن رباح مولى أبي بكر:
كأنَّه جُعلٌ يمشي بِقِرْواحِ وذاك أسودُ نوبيٌّ له ذفرٌ
وسنذكر شأْنه وشأْن بلالٍ في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
أبو الخنافس وأبو العقارب
وكان بالكوفة رجلٌ من ولد عبد الجبّار بن وائل بن حُجْر الحضرميّ يكنى أبا الخنافس راضياً بذلك، ولم تكن الكنية لقباً ولا نَبزاً، وكان من الفُقهاء، وله هيئة ورواءٌ، وسألته: هل كان في آبائه من يكنى أبا الخنافس? فإن أبا العقارب في آل سلم مولى بني العباس كثيرٌ على اتّباع أثر، وكان أبو الخنافس هذا اكتنى به ابتداءً.
طول ذماء الخنفساء
وقال لي أبو الفضل العنبريّ: يقولون: الضّبُّ أطول شيءٍ ذماء، والخنفساء أطول منه ذماء، وذلك أنه يُغرز في ظهرها شوكةٌ ثاقبة، وفيها ذبالةٌ تستوقدُ وتُصْبِحُ لأهل الدّار، وهي تدِبُّ بها وتجول وربما كانت في تضاعيف حبل قتٍّ، أو في بعض الحشيش والعُشب والخلا، فتصيرُ في فم الجمل فيبتلعها من غير أن يضْغم الخنفساء، فإذا وصلت إلى جوفه وهي حيَّةٌ جالت فيه، فلا تموت حتى تقتله.
فأصحاب الإبل يتعاورون تلك الأواريّ والعلوفاتِ، خوفاً من الخنافس.
هجاء جواس لحسَّان بن بحدل وقال جَوّاس بن القعْطل في حسَّان بن بَحْدل:
دَنِسُ الثيابِ كطابخِ القـدْرِ هل يُهلكنِّـي لا أبـالـكـم
زَمِرُ المروءةِ ناقصُ الشَّبْر جُعلٌ تمطَّى في عمـايتـه
والعاجز التَّدبير كالـوَبْـرِ لزبابَةٍ سـوداء حـنـظـلةٍ
فأمَّا الهجاء والمدح، ومفاخرة السُّودان و الحمران، فإنَّ ذلك كلَّه مجموعٌ في كتاب الهجناء والصُّرحاء.
وقد قدّمنا في صدر هذا الكتاب جملةً في القول في الجعْلانِ وغيرِ ذلك من الأجناس اللئيمة والمستْقذرة، في باب النَّتن والطّيب، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42563
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 8:04 pm

الهدهد
وأما القول في الهدهد، فإنَّ العرب والأعراب كانوا يزعمون أنَّ القنزعة التي على رأسه ثوابٌ من اللّه تعالى على ما كان من بِرِّه لأُمِّه لأنَّ أمَّه لما ماتتْ جعل قبرها على رأسه، فهذه القنزعة عوضٌ عن تلك الوَهْدة.
والهدهد طائرٌ مُنتن الريحِ والبدن، من جوهره وذاته، فربَّ شيءٍ يكونُ مُنتِناً من نفسه، من غيرِ عرَض يعرِضُ له، كالتيوس والحيّاتِ وغير ذلك من أجناس الحيوان.
فأمَّا الأعراب فيجعلون ذلك النَّتْنَ شيئاً خامره بسبب تلك الجيفةِِ التي كانت مدفونةً في رأسه، وقد قال في ذلك أميَّة أو غيرُه من شعرائهم، فأمَّا أميَّة فهو الذي يقول:
صنيعٌ ولا يخفى على اللّه مُلحِدُ تعَلمْ بأنَّ اللّه ليس كصـنُـعْـهِ
أخرى على عينٍ بما يتعـمَّـدُ وبكلِّ منكـرةٍ لـهُ مَـعْـرُوفة
وخزائنٌ مفتـوحة لا تـنـفـدُ جُددٌ وتوشـيم ورسـمُ عـلامةٍ
لا يستقـيم لـخـالـق يتـزيَّد عمن أراد بها وجـاب عِـيانَـه
أزْمانَ كفَّنَ واسترادَ الهـدهُـدُ غيم وظلماء وغـيث سـحـابةٍ
فبنى عليها في قفـاهُ يُمْـهـدُ يبغي القرارَ لأمِّه لـيُجـنَّـهـا
في الطَّيرِ يحملهـا ولا يتـأوَّد مَهداً وطيئاً فاستقلَّ بحـمْـلـهِ
ولدًا، وكلف ظهره ما تفـقـد من أمِّهِ فجُزي بصالحِ حملهـا
فيها وما اختلف الجديد المسنـد فتراه يدْلحُ ما مشى بـجـنـازةٍ
معرفة الهدهد بمواضع المياه
ويزعمون أنَّ الهدهد هو الذي كان يدلُّ سليمان عليه السلام على مواضع المياه في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها.
سؤال ومثل في الهدهد
ويروُون أنّ نجْدة الحرُوريَّ أو نافع بن الأزرق قال لابن عباس: إنّك تقول إنَّ الهدهدُ إذا نقر الأرض عرف مسافة ما بينه وبين الماء، والهدهُد لا يُبْصر الفخَّ دُوَين التراب، حتى إذا نقر التّمْرة انضمّ عليه الفخُّ فقال: ابنُ عبَّاس إذا جاء القدرُ عمي البصرُ.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42563
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 8:04 pm

ومن أمثالهم: إذا جاء الحينُ غطّى العين.
وابن عباسٍ إن كان قال ذلك فإنّما عنى هدهُد سليمان عليه السلام بعينه؛ فإنَّ القول فيه خلافُ القولِ في سائر الهداهد.
وسنأتي على ذكر هذا الباب من شأنه في موضعه إن شاء اللّه تعالى.
وقد قال الناس في هُدهُد سُليمان، وغرابِ نوح، وحِمار عُزير، وذئبِ أُهبان بن أوس، وغير ذلك من هذا الفنّ، أقاويل، وسنقول في ذلك بجملةٍ من القول في موضعه إن شاء اللّه.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42563
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 8:05 pm

بيت الهدهد
وقد قال صاحبُ المنطق وزعم في كتاب الحيوان، أنَّ لكلِّ طائرٍ يعشِّش شكلاً يتخذ عشَّه منه، فيختلف ذلك على قدر اختلاف المواضع وعلى قدر اختلاف صور تلك القراميص والأفاحيص، وزعم أنَّ الهدهُد من بينها يطلب الزِّبل، حتّى إذا وجده نقل منه، كما تنقل الأَرضَةُ من التّراب، ويبني منه بيتاً، كما تبني الأرضة، ويضع جُزءاً على جُزْء، فإذا طال مُكثه في ذلك البيت، وفيه أيضاً ولد، أو في مثله، وتربّى ريشه وبدنه بتلك الرائحة، فأخلِقْ به أيضاً أن يُورث ابنه النَّتْن الذي عَلِقه، كما أورث جدُّهُ أباه، وكما أوْرثه أبوه، قال: ولذلك يكون منتِناً.
وهذا وجهُ أنْ كان معلوماً أنّه لا يتَّخِذ عشَّه إلاّ من الزِّبل.
فأمَّا ناسٌ كثير، فيزعمون أن رُبَّ بدنٍ يكونُ طيب الرَّائحة، كفأرة المسك التي ربما كانت في البيوت، ومن ذلك ما يكونُ مُنْتِنَ البَدنِ، كالذي يحكى عن الحيَّاتِ والأفاعي والثَّعابين، ويوجدُ عليه التُّيوس.
اغتيولس وذكر صاحب المنطق أنَّ الطير الكبير، الذي يسمى باليونانية اغتيولس، يحكم عُشَّه ويتقنُه، ويجعله مستديراً مُداخلاً كأنَّه كرة معمولة، وروى أنَّهم يزعمون أنَّ هذا الطائر يجلب الدّارصينيَّ من موضعه، فيفْرشُ به عشَّه، ولا يعشِّش إلاّ في أعالي الشّجَر المرتفعة المواضع، قال: وربّما عمد الناسُ إلى سهامٍ يشدُّون عليها رصاصاً، ثمَّ يرمون بها أعشتها، فيسقط عليهم الدّارصينيُّ، فيلتقطونه ويأخذونه.
من زعم البحريين في الطير ويزعمُ البحْريُّون أنَّ طائرين يكونان ببلاد السُّفالة، أحدُهما يظهر قبل قُدوم السفن إليهم، وقبل أن يُمكِنَ البحرَ من نفسه، لخروجهم في متاجرِهم فيقول الطائر: قرب آمَدْ، فيعلمون بذلك أنَّ الوقت قدْ دنا، وأنْ الإمكان قد قرب.
قالوا: ويجيء بهِ طائرٌ آخر، وشكل آخر، فيقول: سمارو، وذلك في وقت رجوع من قد غاب منهم، فيسمُّون هذين الجنسين من الطير: قرب، وسمارو، كأنَّهم سمَّوهما بقولهما، وتقطيع أصواتهما، كما سمَّت العربُ ضرباً من الطَّير القطا، لأن القطا كذلك تصيح، وتقطيع أصواتها قطا، وكما سمَّوا الببغاء بتقطيع الصَّوتِ الذي ظهر منه.
فيزعم أهل البحر أنّ ذينك الطائرين لا يطير أحدهما أبداً إلاّ في إناث، وأنّ الآخر لا يطير أبداً إلاّ في ذكورة.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42563
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 8:05 pm

وفاء الشفنين
وزعم لي بعضُ الأطباء ممن أصدّق خبره، أنّ الشِّفنين إذا هلكت أنثاه لم يتزوَّج وإن طال عليه التعزُّب، وإن هاج سفد ولم يطلب الزواج.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42563
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 8:05 pm

من عجائب الطير
وحكوا أنَّ عندهم طائرين، أحدهما وافي الجناحين وهو لم يطِرْ قطّ، والآخر وافي الجناحين، ولكنه من لدُنْ ينهض للطَّيرانِ فلا يزالُ يطيرُ ويقتات من الفراش وأشباه الفراش، وأنَّه لا يسقط إلاَّ ميِّتاً، إلاَّ أنهم ذكروا أنه قصير العمر.
كلام في قول أرسطو ولست أدفع خبر صاحب المنطق عن صاحب الدارصيني، وإن كنت لا أعرف الوجه في أنَّ طائراً ينهض من وكره في الجبال، أو بفارس أو باليمن، فيؤمُّ ويعمد نحو بلاد الدارصيني، وهو لم يجاوز موضعه ولا قرب منه، وليس يخلو هذا الطائر من أن يكون من الأوابد أو من القواطع، وإنْ كان من القواطع فكيف يقطع الصَّحصحان الأملس وبطون الأوْديةِ، وأهضامَ الجبال بالتّدويم في الأجواء، وبالمضيِّ على السَّمت، لطلب ما لم يرَهُ ولم يشمُّه ولم يذقْه، وأخرى فإنّه لا يجلب منه بمنقاره ورجليه، ما يصير فِراشاً له ومهاداً، إلا بالاختلاف الطويل، وبعد فإنّه ليس بالوطيء الوثير، ولا هو له بطعام.
فأنا وإن كنت لا أعرفُ العلَّة بعينها فلست أنكر الأمور من هذه الجهة، فاذكرْ هذا.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42563
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 8:06 pm

ما يتفائل به من الطير والنبات
والعامَّة تتطيَّرُ من الغراب إذا صاح صيحة واحدة، فإذا ثنَّى تفاءلتْ به.
والبوم عند أهل الرَّيِّ وأهل مَرْوٍ يُتفاءل بهِ، وأهل البصرة يتطيرون منه، والعربيُّ يتطيرُ من الخلاف، والفارسي يتفاءل إليه، لأنَّ اسمه بالفارسية باذامك أي يبقى، وبالعربية خلاف، والخلاف غيرُ الوفاق.
والريحان يُتفاءل به، لأنه مشتقٌّ من الرَّوح، ويتطيرَّ منه لأن طعمه مُرٌّ، وإن كان في العين والأنف مقبولاً.
وقال شاعرٌ من المحدثين:
فبكى وأشفق مِنْ عيافة زاجرِ أهدى له أحـبـابُـه أُتْـرُجَّةً
لونان باطنه خلافُ الظّاهـرِ متطيِّراً ممّا أتاه فطـعـمـه
والفرس تحبُّ الآس وتكره الورد، لأن الورد لا يدومُ، والآس دائم.
قال: وإذا صاح الغرابُ مرتين فهو شرٌّ، وإذا صاح ثلاث مرّاتِ فهو خير، على قدر عدد الحروف.
عداوة الحمار للغراب
ويقال: إنّ بين الغراب والحمار عداوةً، كذا قال صاحب المنطق.
وأنشدني بعض النحويِّين:
عداوة الحمار للغراب عاديتنا لا زلْت في تبابِ
أمثال في الغراب
ويقال: أصحُّ من غراب، وأنشد ابن أبي كريمة لبعضهم، وهو يهجو صريع الغواني مسلم بن الوليد:
إلى الحيّاتِ منك إلى الغواني فما ريحُ السّذاب أشدُّ بُغْضـاً
وأنشد:
ودُون صداعه حُمّى الغراب وأصلب هامةً من ذي حُيُود
وزعم لي داهيةٌ من دهاة العرب الحوّائين، أنّ الأفاعي وأجناس الأحناش، تأتي أصول الشِّيحِ والحرْمل، تستظل به، وتستريح إليه.
ويقال: أغربُ من غراب، وأنشد قول مضرّس بن لقيط:
على كلِّ حال من نشاط ومن سأمْ كأني وأصحابي وكرِّي علـيهـمُ
رأيْن لحاماً بالعراص على وضمْ غرابٌ من الغِـربـانِ أيّامَ قـرِّةٍ
حديث الطيرة وقد اعترض قومٌ علينا في الحديث الذي جاء في تفرقة ما بين الطيرة والفأل، وزعموا أنّه ليس لقوله: كان يعجبه الفألُ الحسن ويكره الطيرة معنى، وقالوا: إن كان ليس لقول القائل: يا هالك، وأنت باغٍ، وجهٌ ولا تحقيق، فكذلك إذا قال: يا واجد، ليس له تحقيق، وليس قوله يا مضلُّ ويا مهلك، أحقَّ بأن يكون لا يوجبُ ضلالاً ولا هلاكاً من قوله يا واجد، ويا ظافر، من ألاّ يكون يوجب ظفراً ولا وجوداً، فإمّا أنّ يكونا جميعاً يوجبان، وإما أن يكونا جيمعاً لا يوجبان، قيل لهم: ليس التأويل ما إليه ذهبتم، لو أن النّاس أمَّلوا فائدة اللّه عزَّ وجلَّ ورجوا عائِدته، عند كلِّ سبب ضعيف وقويّ، لكانوا على خير، ولو غلطوا في جهة الرّجاء لكان لهم بنفس ذلك الرّجاء خير، ولو أنهم بدل ذلك قطعوا أملهم ورجاءهم من اللّه تعالى، لكان ذلك من الشرّ والفأل، أن يسمع كلمةً في نفسها مستحسنة، ثمَّ إن أحبَّ بعد ذلك أو عند ذلك أنّ يحدث طمعاً فيما عند اللّه تعالى،كان نفس الطمع خلاف اليأس، وإنما خبَّر أنّه كان يعجبه، وهذا إخبارٌ عن الفطرة كيف هي، وعن الطبيعة إلى أيِّ شيء تتقلب.
وقد قيل لبعض الفقهاء: ما الفأل? قال: أن تسمع وأنت مُضِلٌّ: يا واجد، وأنت خائف: يا سالم، ولم يقل إنَّ الفأل يوجب لنفسه السلامة، ولكنّهم يحبُّون له إخراج اليأس وسوء الظن وتوقُّعِ البلاء من قلبه على كل حال - وحال الطيرة حال من تلك الحالات - ويحبون أن يكون لله راجياً، وأن يكون حسن الظن، فإن ظنَّ أن ذلك المرجوَّ يُوافقُ بتلك الكلمة ففرح بذلك فلا بأس، تطير بعض البصريين وقال الأصمعيُّ: هرب بعض البصريين من بعض الطَّواعين، فركب ومضى بأهله نحو سَفَوان، فسمع غلاماً له أسود يحدوُ خلفه، وهو يقول:
ولا على ذي مَيْعَةٍ مَطَّارِ لن يُسْبَق اللّهُ على حِمـار
قد يصبحُ اللّه أمام السّاري أو يأتيَ الحينُ على مقدارِ
فلما سمع ذلك رجع بهم.
معرفة في الغربان
قال: والغربان تسقط في الصحارى تلتمس الطُّعم، ولا تزال كذلك، فإذا وجبت الشمس نهضت إلى أوكارها معاً، و ما أقلّ ما تختلط البُقْع بالسّود المصمتة.
الأنواع الغريبة من الغربان قال: ومنها أجناس كثيرة عظام كأمثال الحداء السُّود، ومنها صغارٌ، وفي مناقيرها اختلاف في الألوان والصور، ومنها غربان تحكي كلّ شيء سمعته، حتى إنها في ذلك أعجب من الببغاء، وما أكثر ما يتخلّف منها عندنا بالبصرة في الصيف، فإذا جاء القيظ قلَّتْ، وأكثر المتخلِّفات منها البقع، فإذا جاء الخريف رجعت إلى البساتين، لتنال مما يسقط من التمر في كرب النّخل وفي الأرض، ولا تقرب النَّخلة إذا كان عليها عذق واحد، وأكثر هذه الغربان سود، ولا تكاد ترى فيهنّ أبقع، قبح فرخ الغراب وقال الأصمعيّ: قال خلف: لم أرَ قطُّ أقبح من فرخ الغراب رأيته مرَّة فإذا هو صغير الجسم، عظيم الرأس، عظيم المنقار، أجرد أسودُ الجلد، ساقط النفس، متفاوت الأعضاء.
غربان البصرة قال: وبعضُها يقيم عندنا في القيظ، فأمَّا في الصَّيف فكثير، وأمَّا في الخريف فالدُّهم، وأكثر ما تراه في أعالي سطوِحنا في القيظِ والصيف البُقع، وأكثر ما تراه في الخريف في النخل وفي الشتاء في البيوت السُّود.
وفي جبل تكريت في تلك الأَيَّام، غِرْبانٌ سودٌ كأمثال الحدَاءِ السُّود عظماً.
تسافد الغربان وناس يزعمون أنَّ تسافدَها عَلَى غير تسافد الطير، وأنّها تزاقُّ بالمناقير، وتلقح من هناك.
نوادر وأشعار نَذْكر شيئاً من نوادر وأشعار وشيئاً من أحاديث، من حارِّها وباردها.
قال ابنُ نُجيْمٍ: كان ابن ميّادة يستحسن هذا البيت لأَرطأةَ بن سُهيّة:
هُريقَ شبابي واستَشَنَّ أديمي فقلت لها يا أمَّ بيضـاءَ إنّـه
صار شنّاً.
وكان الأصمعي يستحسن قولَ الطرمَّاح بن حكيم، في صفة الظَّليم:
قَدْراً وأسلم ما سِوَاهُ البَرجُدُ مجتاب شْملة بُرجُدٍ لسَرَاتِه
ويستحسن قوله في صفة الثَّور:
سيفٌ علَى شرفٍ يُسلُّ ويُغمدُ يبدوُ وتَضمره البلاد كـأنَّـه
وكان أبو نُواسٍ يستحسنُ قولَ الطّرماح:
عُرى المجدِ واسترخى عنان القصائد إذا قُبِضَتْ نفسُ الطّرماح أخلَـقَـتْ
وقال كثير:
صَنيعَة بِرٍّ أو خِليلٍ توامِقُـه إذا المال يوجِبْ عليكَ عطاؤُه
فلم يفتلتك المالَ إلاّ حقائقـه مَنَعْتَ وبعضُ المنْع حزمٌ وقُوَّةٌ
وقال سهل بن هارون؛ يمدح يحيى بن خالد:
منوعٌ إذا ما منعُه كان أحزَمَا عدوُّ تِلادِ المال فيما ينـوبـه
قال: وكان رِبعيُّ بن الجارود يستحسن قولَه:
وخير من زيارتك القُعودُ فخير منك من لا خير فيه
وقال الأعشى:
وقد يَشِيطُ على أرماحنا البَطـلُ قد نطعُن العَيْرَ في مكنونِ فائلـه
كالطَّعْنِ يذهبُ فيه الزَّيتُ والفُتُل لا تنتهون ولن يَنْهَى ذوي شَطَـطٍ
وقال العلاء بن الجارود:
وعلى المنقوش دارُوا أظهروا للنَّاس نسكـاً
ولَهُ حَجُّـوا وزارُوا وَلَه صامُوا وصَلَّـوا
وله حلّـوا وسـاروا وله قامـوا وقـالـوا
ولهم ريش لطـاروا لو غدا فوق الـثـريَّا
وقال الآخر في مثل ذلك:
واحككْ جبينك للقضاء بثُـومِ شمر ثيابَك واستعدَّ لـقـابـلٍ
حتى تصـيبَ وديعةً لـيتـيم وامشِ الدَّبيبَ إذا مشَيتَ لحاجةٍ
وقال أبو الحسن: كان يقال: من رقّ وجهُه رقّ عِلمُه.
وقال عمر: تفقَّهوا قبل أن تسودوا.
وقال الأصمعي: وُصلت بالعلم، وكسبت بالملح.
ومن الأشعار الطيبة قول الشاعرِ في السمك والخادم:
دسم الثَّوب قد شَوَى سمكاتِ مقبل مدبر خفـيف ذَفـيف
حُدُب من شُحومها زَهماتِ من شبابيط لجةٍ ذات غَمْـر
ففكِّر فيهما فإنَهما سيمتعانك ساعةً.
وقال الشاعر:
لا أجزِه ببـلاءِ يومٍ واحـدِ إنْ أجزِ علقمَة بن سَيْفِ سعيَهُ
رَمَّ الهَدِيِّ إلى الغنيّ الواجد لأحَبَّني حُبّ الصبيِّ ورَمَّنـي
من آل مسعودٍ بمـاءٍ بـارد ولقَدْ شفيتُ غليلتي ونقَعتهـا
وقال رجل من جرم:
بشنعاء فيها ثاملُ السُّمِّ مُنقَعـا نبئتُ أخوالي أرادوا عمومتي
وإن شئتم من بعدُ كنت مجمِّعا سأركبها فيكم وأُدعى مفرِّقـاً
وقال يونس بن حبيب: ما أكلت في شتاءٍ شيئاً قطُّ إلاّ وقد برد، ولا أكلت في صيفٍ شيئاً إلاّ وقدْ سخن.
وقال أبو عمرو المدينيّ: لو كانت البلايا بالحِصَص، ما نالني كما نالني: اختلفت الجاريةُ بالشاة إلى التَّيَّاس اختلافاً كثيراً، فرجعت الجارية حاملاً والشاة حائل.
وقال جعفر بن سعيد: الخلافُ موكّل بكلِّ شيء يكون، حتى القَذاة في الماء في رأس الكوز، فإن أردتَ أن تشرب الماء جاءتْ إلى فيك، وإن أردتَ أن تصبَّ من رأسِ الكوزِ لتخرج رَجَعت.
حديث أبي عمران وإسماعيل بن غزوان
وقال إسماعيل بن غزْوان: بكَرْت اليوم إلى أبي عمران، فَلزمتُ الجادَّةَ، فاستقبلني واحدٌ فلَزِمَ الجادَّة التي أنا عليها، فلما غشيني انحرفتُ عنه يَمْنَةً فانحرَفَ معي، فعُدتُ إلى سَمْتي فَعاد، فَعُدتَ فعاد ثمَّ عُدت فَعاد، فلولا أنَّ صاحبَ بِرذون فرَّق بيننا لكان إلى الساعة يكدُّني، فَدَخلت على أبي عمران فَدعا بغَدَائه، فأهويتُ بلقْمتي إلى الصِّباغ فأهوى إليه بعضُهم، فنحَّيت يدي فنحَّى يده، ثمَّ عُدْتُ فَعاد، ثمَّ نحيتُ فنحَّى، فقلت لأبي عمران: ألا ترى ما نحن فيه? قال سأحدِّثك بأعجبَ من هذا، أنا منذُ أكثر مِنْ سنة أشفقُ أن يراني ابن أبي عون الخياط، فلم يتَّفق لي أن يراني مرَّةً واحدة، فلما أن كانَ أمسِ ذكرتُ لأبي الحارث الصُّنع في السلامة من رؤيته، فاستقبلني أمسِ أربَعَ مَرَّات.
نوادر وبلاغات
وذكر محمّد بن سلام، عن محمّد بن القاسم قال: قال جرير: أنّا لا أبتدي ولكنّي أعتدي.
وقال أبو عبيدة: قال الحجّاج: أنا حدِيدٌ حَقود حسود! قال: وقال قدَيد بن مَنيع، لجُدىع بن عليٍّ: لَكَ حكم الصبيّ على أهله! وقال أبو إسحاق - وذكرَ إنساناً -: هو واللّه أترَفُ من رَبيب مَلِك، وأخرق من امرأة، وأظلم من صبي.
وقال لي أبو عبيدة: ما ينبغي أن يكون كان في الدنيا مثل هذا النَّظام، قلت: وكيف? قال: مرَّ بي يوماً فقلت: واللّهِ لأمتحننَّه، ولأسمعَنَّ كلامه؛ فقلت له: ما عيبُ الزُّجاج - قال: يُسرع إليه الكسر، ولا يقبل الجبْر - من غير أن يكون فكّر أو ارتدع.
قال: وقال جَبَّار بن سُلمى بن مالك - وذكر عامر بن الطفيل فقال: كان لا يضلُّ حتّى يضلَّ النَّجم، ولا يَعطشُ حَتَّى يعْطَش البَعير ولا يهاب حتَّى يهاب السيل، كان واللّه خيرَ ما يكون حينَ لاتظنُّ نفسٌ بنفسٍ خيراً.
وقال ابن الأعرابيّ: قال أعرابي: اللهمَّ لا تُنْزلني ماءَ سَوءٍ فأكونَ امرأ سَوء يقول: يدعوني قلّتُهُ إلى منعه.
وقال محمَّد بن سلام، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس: إنّ الأحنف كان يكرَه الصَّلاة في المقصورة، فقال له بعضُ القوم: يا أبا بحر، لم لا تصلي في المقصورة? قال: وأنت لم لاتصلِّي فيها? قال: لا أُترك.
وهذا الكلامُ يدل على ضروب من الخير كثيرة.
ودخل عبد اللّه بن الحسن على هشامٍ في ثيابِ سفَرِه، فقال: اذكر حوائجك، فقالَ عبد اللّه: ركابي مُناخةٌ، وعَلَيَّ ثيابُ سفري فقال: إنَّك لا تجدني خيراً منِّي لك الساعة.
قال أبو عبيدة: بلغ عمرَ بن عبد العزيز قدومُ عبدِ اللّه بن الحسن، فأرسل إليه: إني أخاف عليك طواعينَ الشام، وإنَّك لا تُغنِمَ أهلَك خيراً لهم منك فالحقْ بهم، فإنّ حوائجهم ستسبقك.
وكان ظاهر ما يكلِّمونَهِ بهٍ ويُرُونه إيَّاه جميلاً مذكوراً، وكان معناهم الكراهة لمقامه بالشام، وكانوا يرون جمالَهُ، ويعرفون بيانَه وكمالهُ فكان ذلك العَملُ من أجودِ التدبير فيه عندَ نفسه.
شعر في الزهد والحكمة
وأنشد:
وللموتِ بابٌ أنتَ لابدَّ داخلُه تُليح من الموتِ الذي هو واقعٌ
وقال آخر:
عشنْزَرَةٍ مقلَّدةٍ سِخابا أكلكُمُ أقام على عجوزٍ
وقال آخر:
فليتَ شعريَ بعدَ الباب ما الدَّارُ الموتُ بابٌ وكل الناس داخلـه
أجنَّة الخُلْدِ مأوانـا أم الـنَّـارُ لو كنتُ أعلم منْ يدري فيخبرني
وقال آخر:
واعلمْ بأنَّ المرءَ غيرُ مخلَّدِ اصبرْ لكلِّ مصيبةٍ وتجـلّـدِ
فاذكرْ مصابَكَ بالنبيّ محمدِ فإذا ذكرتَ مصيبة تشجى بها
وقال آخر:
دُّنيا ويُسعِدُها القَـمَـرْ والشمس تَنْعَى ساكِنَ ال
رَكَمُ الجَنادِلِ والمَـدَرْ أين الـذين عـلـيهـمُ
ءِ يهزُّ أجنحَةَ السَّحَـرْ أفناهُمُ غَلَس الـعِـشَـا
وكأنَّ قلبَك من حجَـرْ ما للقـلـوب رقـيقةٌ
دُكَ كلَّ يومٍ يُهتَصـرْ ولقلَّما تبْـقـى وعـو
وقال زهير:
إلى مطمئن البرِّ لا يتجمـجـمِ ومن يُوفِ لايُذممْ ومَنْ يُفْضِ قلبه
ومن لا يكرِّم نفسَـه لا يكـرّمِ ومن يغترب يحسَب عدوًّا صديقه
وإنْ خالها تخْفى على النَّاسِ تُعلمِ ومهما تكن ْعندَ امرئ من خليقة
ولا يُعفِها يومًا من الـذّمِّ ينـدَمِ ومن لا يزلْ يسترحلُ النَّاسَ نفسَه
وقال زهير أيضاً:
ضارب حتَّى إذا ما ضارَبُوا اعتنقا يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طُعِنُـوا
وقال:
أمام الحيِّ عَقدُهما سـواءُ وجارُ البيتِ والرَّجلُ المنادِي
وسِيَّانِ الكَفـالةُ والـتَّـلاءُ جوارٌ شاهدٌ عدْلٌ علـيكـم
يَمينٌ أو نِفـارٌ أو جِـلاءُ فإن الحقَّ مقْطعُهُ ثـلاث:
فتفهَّمْ هذه الأقسام الثلاثة، كيف فصّلها هذا الأعرابيّ.ُ وقال أيضاً:
ولكنَّ حمْدَ المرءِ ليسَ بمُخْلِـدِ فلو كان حمد يُخلِدُ النَّاسَ لم تمُتْ
فأوْرِثْ بنيك بعضَهـا وتـزوَّدِ ولكنَّ مـنـهُ بـاقـياتٍ وِراثَةً
وإنْ كرهتْه النَّفسُ آخِرُ معْهَـدِ تزوّدْ إلى يوم الممـاتِ فـإنَّـه
وقال الأسديُّ:
وكالخُلد عندي أن أموت ولم أُلَمْ فإني أحبُّ الخُلدَ لو أستـطـيعُ
وقال الحادرة:
بإحساننا إنَّ الثَّناءَ هو الخُلد فأثنوا علينا لا أبا لأبـيكُـم
وقال الغنوي:
ومن الحديث مهالك وخُلودُ فإذا بلغتمْ أهلكم فتحـدَّثـوا
وقال آخر:
جزاءَ العُطَاسِ لا يموت من اتَّأَرْ فقتلاً بتقتيل وعقراً بعـقْـرِكـم
وقال زهير:
والبرُّ كالغَيثِ نبتُـه أَمِـرُ والإثمُ من شرِّ ما تصولِ به
أي كثير، ولو شاء أن يقول:
والبرُّ كالماءِ نبتُه أمر ُ
استقام الشعر، ولكن كان لا يكون له معنى، وإنّما أراد أن النبات يكون على الغيث أجود، ثمَّ قال:
معروفُهُ مُنكَر ولا حصرُ قد أشهَدُ الشَّاربَ المعذَّلَ لا
ينسَوْنَ أحلامَهم إذا سَكِروا في فتيةٍ لَيِّني الـمـآزِرِ لا
فون قضاءً إذا هُمُ نَـذَروا يشوُون للضَيف والعُفاةِ ويُو
يمدحُ كما ترى أهلَ الجاهلّية بالوفاء بالنُّذور أنشدني حبَّان بن عِتْبان، عن أبي عبيدة، من الشَّوارد التي لا أربابَ لها، قوله:
أو يبخَلوا لم يحفِلوا إن يغْدِرُوا أو يفجُروا
نَ كأنّهُمْ لم يفعَلُـوا يَغدُوا عليكَ مرجَّلي
مٍ لونَـه يتـخـيَّلُ كأبي بَراقِشَ كلَّ يو
وقال الصَّلتَان السعديُّ، وهو غير الصَّلتان العبْديِّ:
رَ كرُّ الغَداةِ ومرُّ الـعـشـي أشابَ الصغيرَ وأفنَى الكـبـي
أتى بـعـد ذلـك يوم فَـتـي إذا لـيلةٌ هـرَّمْـت يومـهـا
وحاجة من عاشَ لا تنقضـي نروح ونغدُو لـحـاجـاتـنـا
وتبقى له حـاجةٌ مـا بـقـي تموت مع المرءِ حـاجـاتُـه
أرُوني السَّريَّ أرَوْكَ الغنـي إذا قلتَ يَوْمًا لدى مَـعْـشـرٍ
هِ وأوصيت عمرًا فنعم الوَصي ألم تَرَ لقمان أوصـى بـنـي
وسرُّ الثَّلاثةِ غير الـخـفـي وسِرُّك ما كان عـنـدَ امـرئٍ
أنشدني محمَّدُ بن زياد الأعرابيّ:
من الدِّين شيءٌ أن تميل به النَّفسُ ولا تُلبِثُ الأطماعُ من ليس عنـده
بجُمْعِك أن ينهاه عن غيرك الترس ولا يُلْبثُ الدَّحْس الإهاب تـحـوزه
وأنشدني أبو زيدٍ النحويُّ لبعض القدماء:
أرى قمر اللّيلِ المعذَّرَ كالفتَـى وَمهْمَا يكنْ رَيْب المَنُونِ فإنَّنـي
ويعظم حتَّى قيل قد ثاب واستوى يعودُ ضـئيلاً ثـم يرجـعُ دائبـاً
وتكرارُه في إثره بَعْدَ ما مضى كذلك زَيْدُ المرء ثمَّ انتـقـاصـه
وقال أبو النَّجم:
مَرُّ اللَّيالي أبْطئي وأسرعي مَيَّز عَنهُ قُنزَعاً من قنْـزُعِ
ثمَّ إذا واراكِ أُفق فارجعي أفناهُ قِيلُ اللّهِ للشَّمْس اطلعي
وقال عمرو بن هند:
يُناغي نِسَاءَ الحيِّ في طرَّة البُـرْدِ وإن الذي ينهاكم عـن طـلابِـهـا
كما تنقُص النِّيرَانُ من طَرفِ الزّندِ يعَلَّلُ والأيَّام تـنْـقـص عـمْـرَه
وقال ابن ميَّادة:
سافي الرِّياحِ ومستنّ له طُنُب هل ينطقُ الرَّبع بالعَلياء غيّره
وقال أبو العتاهية:
أسرَع في نقص امرئ تمامُه
وقال:
حركاتٌ كأنَّهنّ سكُـون ولمرِّ الفناءٍ في كلِّ شيءٍ
وقال ابن ميّادة:
دَوارِس أدنى عهدِهـنَ قـديمُ أشاقَك بالقِنعِ الـغَـداةَ رُسـومُ
كما لاح في ظهر البنَان وشُوم يلحْنَ وقد جرَّمْنَ عشرين حِجَّةً
وقال آخر:
علَى الضَّجيع وفي أنيابها شنَب في مرفَقيها إذا ما عُونِقتْ جَمَم
وقال ابن ميَّادة في جعفر ومحمد ابني سليمانَ، وهو يعني أمير المؤمنين المنصور:
بِجَدِّ النُّهى إذ يقسِم الخير قاسِمُـهْ وفى لكما يا ابْني سليمان قـاسـم
متى يَلق شيئاً مُحْدَثاً فَهو هادمُـهْ فبيتكُمـا بَـيتٌ رفـيع بـنـاؤه
وكسَّر قَرْني كلِّ كبشٍ يصادمُـهْ لكُمْ كبْشِ صِدق شذَّبَ الشَّولَ عنكم
من يهجى ويذكر بالشؤم
قال دِعبل بن عليّ، في صالح الأفقم - وكان لا يصحبُ رجلاً إلاَّ ماتَ أو قُتِل، أو سقطَتْ منزلته -:
قول امرئٍ شفقٍ عليه محامِ قل للأمينِ أمينِ آل محـمَّـدٍ
في صالحِ بن عطيَّة الحجّامِ إيَّاك أن تُغترَّ عنك صنـيعة
لكنهـنَّ طـوائلُ الإسـلام ليس الصَّنائعُ عندَه بصنـائعٍ
جيشٌ من الطاعون والبِرسامِ اضربْ به نحرَ العدوِّ فإنَّـه
وقال محمد بن عبد اللّه في محمد بن عائشة:
أبداً في كُلِّ عـامِ للِهلالـيّ قـتـيلٌ
وعليَّ بنَ هـشـامِ قَتَلَ الفضلَ بن سهلِ
مِ بأكناف الـشـآمِ وعجيفاً آخر القـو
تَل بالسَّيف الحُسامِ وغدا يطلب من يق
أحمداً خيرَ الأنـام فأعَاذَ اللّـهُ مـنـه
يعني أحمد بن أبي دؤاد.
وقال عيسى بن زينب في الصخري، وكان مشؤوماً:
يأكلُ ما جمَّعَ مِـنْ وَفْـرِ يا قوم مَنْ كـان لـه والـدٌ
يموتُ إن أُصْحِبَهُ الصخري فإنَّ عنـدي لابـنـهِ حـيلة
يبرُد ما طال من العُـمْـر كأنما في كـفّـه مِـبـردٌ
شعر في مديح وهجاء
وقال الأعشى:
وما إن بعظمٍ لهُ من وَهَنْ فما إنْ على قلبه غَمـرةٌ
وقال الكميت:
كُرُّوا المعاذيرَ إنَّما حَسبُوا ولم يقلْ عِنْـدَ زَلَّةٍ لـهـمُ
وقال آخر:
شِرارُ الرِّجال من يسيءُ فيُعذرُ فلا تعذراني في الإسـاءةِ إنَّـه
وقال كلثوم بن عمر العتَّابي:
حُشِدتْ عليه نوائبُ الدَّهْـرِ رحل الرَّجاءُ إليك مغتـربـا
وَثنى إليك عنَانَه شُـكـري ردَّت عليك ندامتي أمَـلـي
ورجاء عفوك مُنْتَهَى عُذْري وجعلت عَتْبكَ عتْب موعظةٍ
وقال أعشى بكر:
الإفضالِ والشَّيءُ حيثُ ما جُعلا قلَّدتك الـشِّـعـر يا سـلامة ذا
تَنْزَلَ رعْدُ السَّحابةِ الـسَّـبَـلا والشِّعر يَسْتَنْزِلُ الكريمَ كما اسْ
ما ورَد القومَ لم تكـنْ وشـلا لو كنت ماءً عِدّاً جمـمـتَ إذا
إذْ نجلاهُ فَنِـعْـمَ مـا نَـجـلا أنـجَـبَ آبـاؤه الـكـرامُ بـه
دِ ووَلَّى الـمـلامَة الـرَّجـلا استأثَر اللّهُ بالبَقـاء وبـالـحَـمْ
وقال الكذَّاب الحِرْمازيُّ لقومه، أو لغيرهم:
أو كنتمُ ماءً لكنتم ثَمدا لو كنتمُ شاءً لكنتم نقـدا
أو كنتُم قولاً لكنْتُم فَندا
وقال الأعشى في الثياب:
س إذا شطَّ بالحبيبِ الفِراقُ فعلى مثلها أزورُ بني قـي
سّوءِ حتَّى إذا أفاق أفاقـوا المهينين ما لهم في زمانِ ال
لى وصارتْ لخيمها الأخـلاقُ وإذا ذو الفضول ضنَّ على المو
حى وأعيا المُسيم أيْنُ المسـاقِ ومشى القومُ بالعمادِ إلى الـرَّزْ
ري على عرِقْها الكرامُ العتاقُ أخذوا فضْلهُمْ هناكَ وقـد تـج
حَ وجُـنَّ الـتِّـلاعُ والآفـاقُ وإذا الغيث صوبُهُ وضع القِـدْ
رِ ولا اللَّهوُ فيهمُ والسِّـبـاقَ لم يزدْهُمْ سفاهةً شُربُ الـخـمْ
ناعماً غير أننـي مُـشـتـاقُ واضعاً في سراةِ نَجْرانَ رَحْلي
عن ثَواءٍ وهمُّهُـنَّ الـعِـراقُ في مطايَا أربابُهُـنَّ عِـجَـالٌ
وصَبُوحٌ مباكرٌ واغـتـبـاق دَرْمَكٌُ غُدوةً لـنـا ونـشـيلٌُ
ربَ مِنْهُمْ مصاعِبٌ أفـنـاقُ وندامى بيضُ الوجوةِ كأنَّ الشَّ
دةُ جَمْعاً والخاطِبُ المسْـلاق فيهمُ الخِصْبُ والسَّماحةُ والنـجْ
ومكيثُون والـحـلـومُ وثـاق وأبيُّون لا يُسـامُـون ضـيْمـاً
رابُ بالقَوْمِ والثِّـيابُ رقـاقُ وترى مجلساً يغصُّ به الـمـح
وقال أيضاً في الثّياب:
وقيساً هُمُ خيرُ أربابها أزور يزيدَ وعبدَ المسيحِ
كِ حتّى تُناخِي بأبوابها وكعبة نَجْران حتم علي
وجرُّوا أسافلَ هُدَّابهـا إذا الحِبراتُ تلوّتْ بهِـم
وفي الثّياب يقول الآخر:
لعينٍ تُرَجِّـي أو لأذن تَـسَـمَّـعُ أُسَيْلم ذاكمُ لا خـفـا بـمـكـانـه
وهابَ الرِّجال حَلقةَ البابِ قَعْقعـوا من النَّفرِ البيض الذين إذا انْتَـمَـوْا
وطيب الدِّهانِ رأسه فهـو أنْـزَع جلا الأذفر الأحوى من الْمسك فرقه
له حوك برديْهِ أجادُوا وأوسـعـوا إذا النَّفر السُّود اليمانـون حـاولـوا
وقال كثيّر:
سبيُّ هلالٍ لم تفتق شرانقه يجرِّر سِرْبالاً عليه كـأنّـه
وقال الجعدي:
بِلادُهمُ بأرضِ الخيْزُرانِ أتاني نصرهمْ وَهمُ بَعِـيدٌ
يريد أرض الخصب والأغصانِ اللَّيِّنةِ.
وقال الشاعر:
بكفِّ أرْوَع في عِرنينه شمم في كفِّهِ خَيْزُرانٌ ريحها عبِقٌ
لأن الملك لا يختصرُ إلاَّ بِعُودِ لدْنٍ ناعِمٍ، وقال آخر:
يكاد يدنيها من الأرض لينها تجاوبُها أخرى على خيْزُرانةٍ
وقال آخر:
حديثاً متى ما يأتِكُ الخَيْرُ يَنْفعِ نَبتُّم نباتَ الخيْزرانيِّ في الثرى
وقال المسَيَّبُ بن علس:
كأنَّ وِطابَهُمْ مُوشى الضِّبابِ قِصار الهمِّ إلاَّ في صـديق
عين الرضا وعين السخط
وقال المسيب بن علس:
حَسَنٌ برأي العين ما تمِقُ تامتْ فؤادك إذ عرضْتَ لها
وقال ابن أبي ربيعة:
حسنٌ في كلِّ عينٍ من تودّْ
وقال عبد اللّه بن معاوية:
ولكنَّ عينَ السُّخط تُبْدي المساويا وعين الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ
وقال رَوْح أبو همَّام:
وعينُ أخي الرِّضا عن ذاكَ تَعْمى وعينُ السُّخْطِ تبصِرُ كـلَّ عـيبِ

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42563
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 8:07 pm

شعر وخبر
وقال الفرزدق:
سألتُ ومنْ يَسْألْ عن العِلم يَعـلـمِ ألا خَبِّروني أيَّهـا الـنّـاسُ إنَّـمـا
وما السائل الواعي الأحاديث كالعمي سؤال امرئٍ لم يُغْفِل العلـم صـدرُه
وقيل لِدَغْفَلٍ: أنَّى لك هذا العلم? قال: لسانٌ سَؤُولٌ، وقلبٌ عقول وقال النابغة:
وغُودِرَ بالجوْلانِ حَزْمٌ ونائلُ فآبَ مُضلِوهُ بعـين جـلـيَّةٍ
مُضِلوه: دافنوه، على حدِّ قوله تعالى: "أإذا ضللنا في الأرضِ".
وقال المخبّل:
وفارسها في الدَّهْرِ قيس بن عاصمِ أضلَّتْ بنو قيس بنِ سَعْدٍ عمـيدهـا
قوال زهيرٌ - أو غيره - في سِنانِ بن أبي حارثة:
ما تبتغي غطفانُ يومَ أضَلَّتِ إن الرَّزيَّة لا رزِيَّةَ مثلـهـا
ولذلك زعم بعضُ النَّاس أنّ سِنان بن أبي حارثة خَرِفَ فذهب على وجهه، فلم يُوجد.
من هام على وجهه فلم يوجد
ويزعمون أنَّ ثلاثة نفرٍ هامُوا على وجُوههم فلم يُوجَدوا: طالب بن أبي طالب، وسنان بن أبي حارثة، ومرداس بن أبي عامر.
وقال جرير:
عليَّ من الفضْلِ الذي لا يرى ليا وإني لأستحْيي أخي أنْ أرى لـه
وقال امرؤ القيس:
قليلُ الهمومِ ما يبيتُ بأوجالِ وهل يَعِمَنْ إلاَّ خليٌّ منَعَّـمٌ
وقال الأصمعي: هو كقولهم: استراحَ منْ لا عَقْل له.
وقال ابن أبي ربيعة:
وريَّانُ مُلْتفُّ الحدائق أخْضَرُ وأعجبها مِنْ عيشها ظِلُّ غرفةٍ
فليستْ لشيءٍ آخِرَ اللَّيلِ تسهرُ ووالٍ كفاها كلَّ شيءٍ يَهُمُّهـا
مديح الصَّالحين والفُقهاء
قال ابنُ الخيَّاط، يمدح مالك بن أنس:
والسائلونَ نَواكِـسُ الأذْقـان يأبى الجوابَ فما يُراجَعُ هَيْبَةً
فهو المطاعُ وليس ذا سُلْطانِ هديُ التقيَّ وعز سلطان التُّقى
وقال ابن الخياط في بعضهم:
ولم يقتبِسْ من علمه فهو جاهلُ فتى لم يجالس مالكاً منْذ أنْ نشا
وقال آخر:
وبالنَّهارِ على سمْتِ ابن سيرين فأنت باللَّيل ذئبٌ لا حـرِيمَ لـه
وقال الخليل بن أحمد وذكروا عنده الحظَّ والجِدَّ، فقال: أمَّا الجِدُّ فلا أقول فيه شيئاً، وأمّا الحظّ فأخزى اللّهُ الحظَّ، فإنه يبلِّد الطالبَ إذا اتّكل عليه ويبعد المطلوب إليه من مذمَّةِ الطّالب.
وقال ابن شبرمة:
أو كابنِ طارق حولَ البيت والحرم لو شئت كنت ككرْز في تعـبُّـدِه
وسارعا في طلاب العزِّ والكـرمِ قد حالَ دونَ لذيذِ العيش خوفهمـا
وقال آخر يرثي الأصمعيّ:
بالأصمعيِّ لقدْ أبقتْ لنـا أسـفـا لا دَرَّ دَرُّ خطوبِ الدهرِ إذْ فجعتْ
في الدَّهر منهُ ولا من عِلْمِهِ خلفا عش ما بدا لك في الدُّنيا فلست ترى
وقال الحسنُ بن هانئ، في مرثية خلفٍ الأحمر:
لوألتْ شغْواءُ في أعلى الشَّعـفْ لو كان حيٌّ وائلاً مـن الـتَّـلـف
مُزَغَّبِ الألغادِ لم يأْكـل بـكـفّْ أمُّ فُريخٍ أحرزَتْـه فـي لَـجـف
تظلُّ في الطُّبَّاق والنَّـزْعِ الألـفّْ هاتيك أم عصماءُ في أعلى الشّرف
قليْذمٌ من العـيالـم الـخـسـفْ أودى جماعُ العلم مذ أودى خلـف
وقال يرثيه في كلمةٍ له:
وبات دمْعي إلاّ يَفِض يَكِـفِ بتُّ أعزّي الفؤاد عن خـلـفِ
أضحى رهيناً للتُّربِ في جَدفِ أنسى الرَّزايا مَيتٌ فجعتُ بـه
أفهامِ في لا خرقِ ولا عُنـفِ كان يسنَّى برفْقـه غـلـقُ ال
حيْران، حتّى يشفيك في لُطفِ يجوبُ عنك التي عشيتَ لـهـا
ء ولا لامـهـا مـع الألـف لا يهمُ الحاء في القراءة بالخـا
يكون إسناده عن الصُّـحُـفِ ولا مضلاًّ سُبْـلَ الـكـلامِ ولا
فليس إذْ مات عنهُ مِن خلـفِ وكان ممن مضى لنا خـلـفـاً
وقال آخر في ابن شبرُمة:
والعزُّ والجُرثومةُ المقدَّمَـهْ إذا سألت الناس أين المكرمهْ
تتابع النَّاسُ على ابن شُبرُمَهْ وأين فاروقُ الأمورِ المحكمه
شعر مختار
وقال ابن عرفطة:
وتحديثك الشَّيْءَ الذي أنت كاذبُه ليهنيكَ بُغْض للـصَّـدِيق وظِـنَّةٌ
بلاك، ومثل الشر يكره جانبُـهْ وأنَّك مشنوءٌ إلى كلِّ صـاحـبٍ
شديد السِّبابِ رافعُ الصّوتِ غالبُه وإنّك مهداءُ الخنا نَطِف الـنّـثـا
وقال النّابغة الجعدي:
إذا ما تبَيَّنت لم أرْتـب أبى لي البلاءُ وأنِّي امرؤٌ
وليس يريد أنّه في حال تبيُّنُه غير مُرتاب، وإنَّما يعني أنّ بصيرته لا تتغيّر.
وقال ابنُ الجهم، ذات يوم: أنا لا أشكُّ قال له المكيُّ: وأنا لا أكاد أوقن وقال طرفة:
كسيد الغضى في الطَّخْية المتورِّدِ وكرِّي إذا نادى المُضافُ مُحَنّـبـا
ببهكنةٍ تحت الخبـاء الـمـمـدَّدِ وتقصيرُ يوم الدَّجنِ والدّجن معجب
كقبْرِ غويٍّ في البطالةِ مُفْـسِـدِ أرى قبر نحَّامٍ بـخـيلِ بـمـالـه
لكالطَّولِ المُرْخى وثنْـياه بـالـيد لعمرُك إنَّ الموت ما أخطأ الفتـى
بعيداً غداً، ما أقرب اليومَ من غد أرى الموت أعداد النُّفوس ولا أرى
على المرْءِ من وقع الحسامِ المهنَّد وظلْم ذوي القربى أشد مضـاضة
إذا خطرَتْ أيدي الرِّجالِ بمشهـد وفي كثرة الأيدي عن الظلم زاجرٌ
الجعلان والخنافس
وسنقولُ في هذه المحقرات من حشرات الأرض، وفي المذكور من بغاث الطّير وخشاشه، مِمَّا يقتات العذِرة ويُوصف باللؤم، ويُتَقزَّزُ من لمسه وأكلِ لحمه، كالخنفساء والجعل، والهداهِدِ والرَّخم، فإنَّ هذه الأجناس أطلبُ للعذرة من الخنازير.
فأوَّل ما نَذْكُر من أعاجيبها صداقةُ ما بين الخنافس والعقارب، وصداقة ما بين الحيّات والوزَغ، وتزعمُ الأعراب أنّ بين ذكورةِ الخنافس وإناث الجعلان تسافداً وأنهما ينتجان خلقاً ينزع إليهما جميعاً.
وأنشد خَشْنامُ الأعور النحويُّ عن سيبويه النَّحويّ، عن بعض الأعراب في هِجائهِ عدوّاً له كان شديد السَّواد:
عداوة الأوعالِ حيَّاتِ الجبَـلْ عاديتنا يا خُنْفساً كـامُ جُـعـلْ
يخْرِقُ إنْ مسّ وإنْ شمّ قَتَـلْ من كلّ عوْدٍ مُرهَفِ النّابِ عُتُلّْ
ويثبت أكل الأوعال للحيّات الشِّعرُ المشهور، الذي في أيدي أصحابنا، وهو:
في التماسٍ بعضَ حيَّاتِ الجبلْ عَلَّ زيداً أن يُلاقـي مَـــرَّةً
ليس من حيّات حُجْرِ والقلـل غاير العينينِ مَفطوح الـقـفـا
رَبِذُى الخطْفةِ كالقِدحِ المُـؤلْ يتـوارى فـي صُـدوعٍ مـرَّة
كشعاع الشّمسِ لاحتْ في طَفَلْ وترى السمّ عـلـى أشـداقـه
ونفى الحيَّاتِ عن بيضِ الحَجَلْ طرد الأرْوى فمـا تـقـربُـهُ
وإنما ذكر الأروى من بين جميع ما يسكن الجبال من أصناف الوحش، لأنَّ الأروى من بينها تأكلُ الحيّات، للعداوة التي بينها وبين الحيّات.
استطراد لغوي
والأرْوى: إناث الأوعال، واحدتها أُرويّة، والناس يُسمُّون بناتِهم باسم الجماعة، ولا يسمُّون البنت الواحدة باسم الواحدة منها: لا يسمُّون بأرويَّة، ويسمُّون بأرْوى، وقال شماخ بن ضِرار:
بأدنى من مُوقَّفةٍ حَـرُونِ فما أرْوى وإنْ كرُمتْ علينا
وأنشد أبو زيدٍ في جماعة الأوريّة:
ولاقيتِ كلاباً مُطـلاًّ ورامـيا فما لك من أرْوى تعاديت بالعمى
يقال: تعادى القومُ وتفاقدوا: إذا مات بعضهم على إثر بعض.
وقالت في ذلك ضباعةُ بنت قُرْط، في مرثية زوجها هشام بن المغيرة:
وإنَّ صمتاً عن بُكاهُ لَحُوبْ إنَّ أبا عثمـان لـم أنْـسـهُ
أيَّ ذنوب صوّبوا في القليبْ تفاقَدُوا من معشرٍ ما لـهـمْ
طلب الحيّات البيض
وأما قوله:
ونفى الحيَّاتِ عنْ بيْضِ الحجل
فإنَّ الحيّات تطلبُ بيض كلِّ طائر وفراخه، وبيضُ كلِّ طائرٍ مما يبيض على الأرض أحبُّ إليها، فما أعرف لذلك عِلَّةً إلا سهولة المطْلب.
والأيائل تأكل الحيَّاتِ، والخنازيرُ تأْكل الحيَّاتِ وتعاديها.
عداوة الحمار للغراب
وزعم صاحبُ المنطق أن بين الحمار والغراب عداوة، وأنشدني بعضُ النحويِّين:
عَدَاوَة الحمارِ للغُرابِ عاديتنا لا زِلْتَ في تبابِ
وأنشد ابنُ أبي كريمة لبعض الشُّعراء في صريع الغواني:
إلى الحيَّاتِ منك إلى الغواني فما ريحُ السَّذابِ أشدَّ بُغْضـاً
أمثال
ويقال: ألجُّ من الخنفساء، وأفحشُ من فاسية وهي الخنفساء وأفحش من فالية الأفاعي.
والفساء يُوصف بن ضربان من الخَلْق: الخنفساء، والظَّرِبان.
وفي لجاج الخنفساء يقولُ خلفٌ الأحمر:
كثيرُ الخطاءِ قليلُ الـصّـوابِ لنا صاحبٌ مُولعٌ بـالـخـلافِ
وأزْهى إذا ما مشى منْ غرابِ ألجُّ لجاجاً من الخـنـفـسـاء
طول ذماء الخنفساء
وقال الرقاشي: ذكرت صبر الخنزير على نفوذ السهام في جنبه، فقال لي أعرابيٌّ: الخنفساء أصبر منه، ولقد رأيت صبيّاً من صبيانكم البارحة وأخذ شوكة وجعل في رأسها فتيلةً، ثمَّ أوقد نهاراً، ثمَّ غرزها في ظهر الخنفساء، حتَّى أنفذ الشَّوْكة، فغبرْنا ليلتنا وإنَّها لتجولُ في الدّارِ وتُصبِح لنا، واللّهِ إنِّي لأظنها كانتْ مُقْرِباً، لانتفاخ بطنها.
قال: وقال القنانيُّ: العَوَاساء: الحامل من الخنافس، وأنشد:
بكْراً عواساءَ تفاسا مُقْرِبا
أعاجيب الجعل
قال: ومن أعاجيب الجعل أنَّه يموت من ريح الورد، ويعيش إذا أعيد إلى الرَّوث، ويضرب بشدَّة سوادِ لونِه المثل، قال الرَّاجزُ وهو يصفُ أسود سالخاً:
كأنَّما قُمِّص من لِيطِ جُعَـلْ مُهَرّت الأشداق عود قد كَمَلْ
والجعل يظَلُّ دهراً لا جناحَ له، ثم ينبت له جناحان، كالنمل الذي يغْبُر دهراً لا جناح له، ثم ينْبت له جناحان، وذلك عند هَلَكَتِه.
تطورالدعاميص
والدّعاميص قد تغبر حيناً بلا أجنحة، ثم تصير فراشاً وبعوضاً، وليس كذلك الجراد والذِّبَّان، لأنَّ أجنحتها تنبت على مقدار من العمر ومرور من الأيام.
وزعم ثمامة، عن يحيى بن خالد: أنَّ البرغوث قد يستحيل بعوضة.
عادة الجعل
والجعل يحرسُ النّىام، فكلما قام منهم قائمٌ فمضى لحاجته تبِعه، طمعاً في أنَّه إنَّما يريد الغائط، وأنشد بعضهم قول الشاعر:
كأنَّه شرطيٌّ باتَ في حَـرَسِ يبيتُ في مجلس الأقوامِ يرْبؤُهم
وأنشد بعضهم لبعض الأعراب في هجائه رجلاً بالفسولة، وبكثرة الأكل، وبعظم حَجْم النَّجو:
لجارَتيه ثـمَّ ولَّـى فَـنـثـلْ حتَّى إذا أضحى تدرَّى واكتحـل
رزْقَ الأنوقينِ القرنْبى والجَعَلْ
سمى القرنبي والجعل - إذ كانا يقتاتان الزِّبل - أنُوقين، والأنوق: الرَّخمة، وهي أحد ما يقتات العذرة، وقال الأعشى:
يُعْجِلُ كفَّ الخارئ المُطيبِ يا رَخماً قاظ على يَنْخـوب
المطيب: الذي يستطيب بالحجارة، أي يتمسَّح بها، وهم يسمُّون بالأنوق كلَّ شيءٍ يقتات النّجْو والزِّبل، إلاَّ أنّ ذلك على التشبيه لها بالرّخم في هذا المعنى وحدهُ، وقال آخر:
يدعُو عليَّ كلما قـام يُصَـلّ يا أيهذا النّابحي نَبْحَ الـقَـبَـلْ
وقد ملأتُ بطْنه حتـى أتـل رافعَ كفَّيهِ كما يفري الجُعـلْ
غيظاً فأمسى ضغْنُه قد اعتدل
والقبل: ما أقبل عليك من الجبل، وقوله أتل، أي امتلأ عليك غيْظاً فقصّر في مشيِته، وقال الجعديّ:
وأخُو الغَدْر إذا هَمَّ فعلْ منعَ الغدر فلم أهممْ بـه
إنما ذكري كنار بقَبَـلْ خشيةُ اللّه وأنِّي رجـلٌ
وقال الرَّاجز - وهو يهجو بعضهم بالفُسولة، وبكثرة الأكل، وعِظَم حجْم النَّجْو:
باتَ يعشِّي وحْده ألْفي جُعَل
وقال عنترة:
فإني لائمٌ للجعْـدِ لاحـي إذا لاقيتَ جمع بني أبـان
ردائي بعد عُرْيٍ وافتضاحِ كسوتُ الجعد جَعْد بني أبان
ثم شبَّهه بالجعل فقال:
هُدوجاً بين أقلـبةٍ مِـلاحِ كأنَّ مؤشر العضديْنِ جَحْلاً
بُكوراً أو تهجَّر في الرَّواحِ تضمن نعمتي فغدا عليهـا
وقال الشمَّاخ:
مفرّضُ أطراف الذِّراعينِ أفلجِ وإن يُلقيا شأواً بأرْضٍ هوى له
استطراد لغوي والشأو هاهنا: الرَّوث، كأنَه كثره حتَّى ألحقه بالشأو الذي يخرج من البئر، كما يقول أحدهم إذا أراد أن يُنْقي البئر: أخرِجْ من تلك البئُر شأْواً أو شأْوين، يعني من التراب الذي قد سقط فيها، وهو شيءٌ كهيئة الزَّبيل الصَّغير.
والشاو: الطِّلْق، والشأو: الفَوْت.
والمفرّض الأفلج الذي عنى، هو الجعل، لأنَّ الجعل في قوائمه تحزيز، وفيها تَفْريج.
معرفة في الجعل
وللجعل جناحان لا يكادان يُريانِ إلاَّ عند الطَّيران، لشَّدة سوادهما، وشبههما بجلده، ولشِدّة تمكنهما في ظهره.
قال الشاعر، حيثُ عدّد الخَوَنَة، وحثَّ الأمير على محاسبتهم:
واشْفِ الأرامل من دُحروجة الجُعلِ واشدُدْ يديك بزيْدٍ إن ظـفِـرْت بـه
والجعل لا يدحرج إلاّ جعراً يابساً، أو بعرة.
وقال سعد بن طريف، يهجو بلال بن رباح مولى أبي بكر:
كأنَّه جُعلٌ يمشي بِقِرْواحِ وذاك أسودُ نوبيٌّ له ذفرٌ
وسنذكر شأْنه وشأْن بلالٍ في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
أبو الخنافس وأبو العقارب
وكان بالكوفة رجلٌ من ولد عبد الجبّار بن وائل بن حُجْر الحضرميّ يكنى أبا الخنافس راضياً بذلك، ولم تكن الكنية لقباً ولا نَبزاً، وكان من الفُقهاء، وله هيئة ورواءٌ، وسألته: هل كان في آبائه من يكنى أبا الخنافس? فإن أبا العقارب في آل سلم مولى بني العباس كثيرٌ على اتّباع أثر، وكان أبو الخنافس هذا اكتنى به ابتداءً.
طول ذماء الخنفساء
وقال لي أبو الفضل العنبريّ: يقولون: الضّبُّ أطول شيءٍ ذماء، والخنفساء أطول منه ذماء، وذلك أنه يُغرز في ظهرها شوكةٌ ثاقبة، وفيها ذبالةٌ تستوقدُ وتُصْبِحُ لأهل الدّار، وهي تدِبُّ بها وتجول وربما كانت في تضاعيف حبل قتٍّ، أو في بعض الحشيش والعُشب والخلا، فتصيرُ في فم الجمل فيبتلعها من غير أن يضْغم الخنفساء، فإذا وصلت إلى جوفه وهي حيَّةٌ جالت فيه، فلا تموت حتى تقتله.
فأصحاب الإبل يتعاورون تلك الأواريّ والعلوفاتِ، خوفاً من الخنافس.
هجاء جواس لحسَّان بن بحدل وقال جَوّاس بن القعْطل في حسَّان بن بَحْدل:
دَنِسُ الثيابِ كطابخِ القـدْرِ هل يُهلكنِّـي لا أبـالـكـم
زَمِرُ المروءةِ ناقصُ الشَّبْر جُعلٌ تمطَّى في عمـايتـه
والعاجز التَّدبير كالـوَبْـرِ لزبابَةٍ سـوداء حـنـظـلةٍ
فأمَّا الهجاء والمدح، ومفاخرة السُّودان و الحمران، فإنَّ ذلك كلَّه مجموعٌ في كتاب الهجناء والصُّرحاء.
وقد قدّمنا في صدر هذا الكتاب جملةً في القول في الجعْلانِ وغيرِ ذلك من الأجناس اللئيمة والمستْقذرة، في باب النَّتن والطّيب، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.
الهدهد
وأما القول في الهدهد، فإنَّ العرب والأعراب كانوا يزعمون أنَّ القنزعة التي على رأسه ثوابٌ من اللّه تعالى على ما كان من بِرِّه لأُمِّه لأنَّ أمَّه لما ماتتْ جعل قبرها على رأسه، فهذه القنزعة عوضٌ عن تلك الوَهْدة.
والهدهد طائرٌ مُنتن الريحِ والبدن، من جوهره وذاته، فربَّ شيءٍ يكونُ مُنتِناً من نفسه، من غيرِ عرَض يعرِضُ له، كالتيوس والحيّاتِ وغير ذلك من أجناس الحيوان.
فأمَّا الأعراب فيجعلون ذلك النَّتْنَ شيئاً خامره بسبب تلك الجيفةِِ التي كانت مدفونةً في رأسه، وقد قال في ذلك أميَّة أو غيرُه من شعرائهم، فأمَّا أميَّة فهو الذي يقول:
صنيعٌ ولا يخفى على اللّه مُلحِدُ تعَلمْ بأنَّ اللّه ليس كصـنُـعْـهِ
أخرى على عينٍ بما يتعـمَّـدُ وبكلِّ منكـرةٍ لـهُ مَـعْـرُوفة
وخزائنٌ مفتـوحة لا تـنـفـدُ جُددٌ وتوشـيم ورسـمُ عـلامةٍ
لا يستقـيم لـخـالـق يتـزيَّد عمن أراد بها وجـاب عِـيانَـه
أزْمانَ كفَّنَ واسترادَ الهـدهُـدُ غيم وظلماء وغـيث سـحـابةٍ
فبنى عليها في قفـاهُ يُمْـهـدُ يبغي القرارَ لأمِّه لـيُجـنَّـهـا
في الطَّيرِ يحملهـا ولا يتـأوَّد مَهداً وطيئاً فاستقلَّ بحـمْـلـهِ
ولدًا، وكلف ظهره ما تفـقـد من أمِّهِ فجُزي بصالحِ حملهـا
فيها وما اختلف الجديد المسنـد فتراه يدْلحُ ما مشى بـجـنـازةٍ

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42563
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 8:07 pm

معرفة الهدهد بمواضع المياه
ويزعمون أنَّ الهدهد هو الذي كان يدلُّ سليمان عليه السلام على مواضع المياه في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها.
سؤال ومثل في الهدهد
ويروُون أنّ نجْدة الحرُوريَّ أو نافع بن الأزرق قال لابن عباس: إنّك تقول إنَّ الهدهدُ إذا نقر الأرض عرف مسافة ما بينه وبين الماء، والهدهُد لا يُبْصر الفخَّ دُوَين التراب، حتى إذا نقر التّمْرة انضمّ عليه الفخُّ فقال: ابنُ عبَّاس إذا جاء القدرُ عمي البصرُ.
ومن أمثالهم: إذا جاء الحينُ غطّى العين.
وابن عباسٍ إن كان قال ذلك فإنّما عنى هدهُد سليمان عليه السلام بعينه؛ فإنَّ القول فيه خلافُ القولِ في سائر الهداهد.
وسنأتي على ذكر هذا الباب من شأنه في موضعه إن شاء اللّه تعالى.
وقد قال الناس في هُدهُد سُليمان، وغرابِ نوح، وحِمار عُزير، وذئبِ أُهبان بن أوس، وغير ذلك من هذا الفنّ، أقاويل، وسنقول في ذلك بجملةٍ من القول في موضعه إن شاء اللّه.
بيت الهدهد
وقد قال صاحبُ المنطق وزعم في كتاب الحيوان، أنَّ لكلِّ طائرٍ يعشِّش شكلاً يتخذ عشَّه منه، فيختلف ذلك على قدر اختلاف المواضع وعلى قدر اختلاف صور تلك القراميص والأفاحيص، وزعم أنَّ الهدهُد من بينها يطلب الزِّبل، حتّى إذا وجده نقل منه، كما تنقل الأَرضَةُ من التّراب، ويبني منه بيتاً، كما تبني الأرضة، ويضع جُزءاً على جُزْء، فإذا طال مُكثه في ذلك البيت، وفيه أيضاً ولد، أو في مثله، وتربّى ريشه وبدنه بتلك الرائحة، فأخلِقْ به أيضاً أن يُورث ابنه النَّتْن الذي عَلِقه، كما أورث جدُّهُ أباه، وكما أوْرثه أبوه، قال: ولذلك يكون منتِناً.
وهذا وجهُ أنْ كان معلوماً أنّه لا يتَّخِذ عشَّه إلاّ من الزِّبل.
فأمَّا ناسٌ كثير، فيزعمون أن رُبَّ بدنٍ يكونُ طيب الرَّائحة، كفأرة المسك التي ربما كانت في البيوت، ومن ذلك ما يكونُ مُنْتِنَ البَدنِ، كالذي يحكى عن الحيَّاتِ والأفاعي والثَّعابين، ويوجدُ عليه التُّيوس.
اغتيولس وذكر صاحب المنطق أنَّ الطير الكبير، الذي يسمى باليونانية اغتيولس، يحكم عُشَّه ويتقنُه، ويجعله مستديراً مُداخلاً كأنَّه كرة معمولة، وروى أنَّهم يزعمون أنَّ هذا الطائر يجلب الدّارصينيَّ من موضعه، فيفْرشُ به عشَّه، ولا يعشِّش إلاّ في أعالي الشّجَر المرتفعة المواضع، قال: وربّما عمد الناسُ إلى سهامٍ يشدُّون عليها رصاصاً، ثمَّ يرمون بها أعشتها، فيسقط عليهم الدّارصينيُّ، فيلتقطونه ويأخذونه.
من زعم البحريين في الطير ويزعمُ البحْريُّون أنَّ طائرين يكونان ببلاد السُّفالة، أحدُهما يظهر قبل قُدوم السفن إليهم، وقبل أن يُمكِنَ البحرَ من نفسه، لخروجهم في متاجرِهم فيقول الطائر: قرب آمَدْ، فيعلمون بذلك أنَّ الوقت قدْ دنا، وأنْ الإمكان قد قرب.
قالوا: ويجيء بهِ طائرٌ آخر، وشكل آخر، فيقول: سمارو، وذلك في وقت رجوع من قد غاب منهم، فيسمُّون هذين الجنسين من الطير: قرب، وسمارو، كأنَّهم سمَّوهما بقولهما، وتقطيع أصواتهما، كما سمَّت العربُ ضرباً من الطَّير القطا، لأن القطا كذلك تصيح، وتقطيع أصواتها قطا، وكما سمَّوا الببغاء بتقطيع الصَّوتِ الذي ظهر منه.
فيزعم أهل البحر أنّ ذينك الطائرين لا يطير أحدهما أبداً إلاّ في إناث، وأنّ الآخر لا يطير أبداً إلاّ في ذكورة.
وفاء الشفنين
وزعم لي بعضُ الأطباء ممن أصدّق خبره، أنّ الشِّفنين إذا هلكت أنثاه لم يتزوَّج وإن طال عليه التعزُّب، وإن هاج سفد ولم يطلب الزواج.
من عجائب الطير
وحكوا أنَّ عندهم طائرين، أحدهما وافي الجناحين وهو لم يطِرْ قطّ، والآخر وافي الجناحين، ولكنه من لدُنْ ينهض للطَّيرانِ فلا يزالُ يطيرُ ويقتات من الفراش وأشباه الفراش، وأنَّه لا يسقط إلاَّ ميِّتاً، إلاَّ أنهم ذكروا أنه قصير العمر.
كلام في قول أرسطو ولست أدفع خبر صاحب المنطق عن صاحب الدارصيني، وإن كنت لا أعرف الوجه في أنَّ طائراً ينهض من وكره في الجبال، أو بفارس أو باليمن، فيؤمُّ ويعمد نحو بلاد الدارصيني، وهو لم يجاوز موضعه ولا قرب منه، وليس يخلو هذا الطائر من أن يكون من الأوابد أو من القواطع، وإنْ كان من القواطع فكيف يقطع الصَّحصحان الأملس وبطون الأوْديةِ، وأهضامَ الجبال بالتّدويم في الأجواء، وبالمضيِّ على السَّمت، لطلب ما لم يرَهُ ولم يشمُّه ولم يذقْه، وأخرى فإنّه لا يجلب منه بمنقاره ورجليه، ما يصير فِراشاً له ومهاداً، إلا بالاختلاف الطويل، وبعد فإنّه ليس بالوطيء الوثير، ولا هو له بطعام.
فأنا وإن كنت لا أعرفُ العلَّة بعينها فلست أنكر الأمور من هذه الجهة، فاذكرْ هذا.
قول أبي الشيص في الهدهد
وقال أبو الشِّيص في الهدهد:
غيري وغيْرك أو طيِّ القراطيسِ لا تأمننَّ على سِـرِّي وسِـرِّكـمُ
ما زال صاحبَ تنقير وتدسـيسِ أو طائر سأحَـلِّـيهِ وأنـعـتـه
صُفر حمالِقه في الحسنِ مَغمُوس سودٍ بـراثِـنـه مـيلٍ ذوائبُــه
لولا سِعايته في ملك بـلـقـيس قد كان همَّ سليمـانٌ لـيذبـحـه
وقد قدَّمنا في هذا الكتاب في تضاعيفه، عدَّة مقطَّعات في أخبار الهدهُد.
الرخم
و يقال: إنّ لئامَ الطير ثلاثة: الغِربانُ، والبُوم، والرَّخَم
أسطورة الرخم
ويقال: إنّه قيل للرَّخمة: ما أحمقك قالت: وما حُمْقي، وأنا أقطعُ في أوّلِ القواطع، وأرْجِع في أوَّلِ الرَّواجِع، ولا أطير في التَّحسير، ولا أغتر بالشَّكير، ولا أسقط على الجفِير.
وقد ذكرْنا تفسير هذا، وقال الكميت:
في الطَّير إنّك شرُّ طائرْ إذْ قيل يا رَخَمَ انطـقـي
بعض الملوك العجم والجلندي الزدي وقال أبو الحسن المدائني: أمَر بعضُ ملوك العجم الجُلنْدي بنَ عبد العزيز الأزديَّ، وكان يقال له في الجاهلية عرجدة، فقال له: صِد لي شرَّ الطير، واشوه بشرِّ الحطب، وأطعِمْه شرَّ الناس، فصاد رخمةً وشواها ببَعْر، وقرَّبها إلى خوزيّ، فقال له الخوزيُّ: أخطأت في كلِّ شيء أمرك بهِ الملك: ليس الرَّخمةُ شرَّ الطير، وليس البعرةُ شرَّ الحطب، وليس الخوزيُّ شرّ الناس، ولكن اذهب فصِد بومة، واشوها بدفلى، وأطعمها نبطيّاً ولدَ زِنى، ففعل، وأتى الملك فأخبره، فقال: ليس يُحْتاج إلى ولد زِنى يكفيه أن يكون نبطيّاً.
الغراب والرخمة
والغراب يقوَى على الرَّخمة، والرخمة أعظم من الغراب وأشدُّ، والرَّخمة تلتمس لبيضها المواضعَ البعيدة، والأماكنَ الوحشيَّة، والجبالَ الشامخة، وصُدوعَ الصَّخر، فلذلك يقالُ في بيضِ الأنوقِ ما يقال.
ما قيل في بيض الأنوقِ وقال عُتبة بن شمّاس:
ثمَّ أولى أنْ يكون حـقـيقَـا إنَّ أولى بالحقِّ في كلِّ حـقٍّ
نَ ومنْ كانَ جدُّهُ الفـارُوقـا منْ أبوهُ عبد العزيزِ بنُ مروا
في ذُرى شاهقٍ تفُوت الأنوقا ردَّ أموالنا عليْنـا وكـانـتْ
وطلب رجلٌ من أهل الشام الفريضة من معاوية فجاد له بها، فسأل لولدِه، فأبى، فسأله لعشيرته، فقال معاوية:
لمْ يجدْهُ أراد بيضَ الأنُوق طلب الأبْلقَ العقوق فلمّـا
وليس يكون العَقُوق إلاَّ من الإناث، فإذا كانت من البُلق كانت بلقاء، وإنما هذا كقولهم: زَلَّ في سَلَى جَمَلِ، والجمل لا يكون له سلًى.
وقد يرون بيض الأنوق، ولكنَّ ذلك قليلاً ما يكون، وأقلَّ من القليل، لأنَّ بيضها في المواضع الممتنعة، وليست فيها منافع فيتعرض في طلبها للمكروة.
وأنا أظنُّ أن معاوية لم يقل كما قالوا: ولكنَّهُ قدم في اللّفظ بيض الأنوق، فقال: طلب بيض الأنوق، فلما لم يجدْه طلب الأبلق العقوق.
ما يسمَّى بالهدهد وأمَّا قول ابن أحمر:
شمِّ السنابك لا تقي بالجدجد يمشي بأوظفةٍ شديدٍ أسْرُهـا
وفؤادُه زجلٌ كعزْفِ الهدهد إذ صبَّحته طـاوياً ذا شِـرَّةٍ
فقد يكون ألاّ يكون عنى بهذا الهدهد، لأنَّ ذكورة الحمام وكلَّ شيء غنّى من الطير وهدر ودعا، فهو هُدهد، ومن روى كعَزْفِ الهدهدِ فليس من هذا في شيء.
وقد قال الشاعر في صفة الحمام:
مِثْلُ المداكِ خضبته بجسـادِ وإذا اسْتشرنَ أرنَّ فيها هدهدٌ
قصة في ميل بعض النساء إلى المال وخطب رجلٌ جميلٌ امرأةً، وخطبها معه رجل دميم فتزوجت الدَّميم لماله، وتركته، فقال:
بأحسن من صلّى وأقبحِهِمْ بعـلاَ ألا يا عبادَ اللهِ ما تأمُـرونـنـي
دبيبَ القَرنْبى بات يقرو نقاً سَهْلا يدِبُّ على أحشائهـا كـلَّ لـيلة
ما يطلب العذرة
والأجناس التي تريد العذِرة وتطلبها كثيرة، كالخنازير، والدَّجاج، والكلاب، والجراد، وغير ذلك، ولكنها لا تبلغ مبلغ الجُعل والرّخمة.
بعض ما يأكل الأعراب من الحيوان وقال ابن أبي كريمة: كنتُ عند أبي مالك عمرِو بن كِرْكِرة، وعنده أعرابيٌّ، فجرى ذكر القرنْبى، قال: فقلت له: أتعرف القرنْبى? قال: وما لي لا أعرف القرنبى? فو اللّه لربّما لم يكن غدائي إلاّ القرنبى يُحسْحسُ لي، قال: فقلت له: إنها دويْبّة تأكل العذرة، قال: ودجاجكم تأكل العذرة.
وقال: قال بعض المدنيِّين لبعض الأعراب: أتأكلون الحيّاتِ والعقاربَ والجعْلان والخنافس? فقال: نأكل كلَّ شيء إلاّ أمَّ حُبين، قال: فقال المدنيّ: لتَهْنِ أمَّ الحبينِ العافية.
قال: وحدثنا ابن جريجٍ، عن ابن شهاب، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، عن ابن عباس، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: من الدوابِّ أربعٌ لا يُقْتلن: النملة، والنَّحلة، والصُّرَد، والهدهُد.
الخفاش
فأوّل ذلك أنَّ الخفّاش طائر، وهو مع أنّه طائرٌ من عَرَضِ الطير فإنّه شديد الطَّيران، كثير التكفّي في الهواء، سريع التقلُّب فيه، ولا يجوز أن يكون طُعمه إلا من البعوض، وقوتُه إلا من الفراشِ وأشباه الفراش، ثمَّ لا يصيده إلاّ في وقت طيرانه في الهواء، وفي وقت سلطانه، لأنَّ البعوض إنَّما يتسلط بالليل، ولا يجوز أن يبلغ ذلك إلاّ بسرعة اختطافٍ واختلاس، وشدّةِ طيران، ولين أعطاف وشدّة متن، وحسن تأتٍّ، ورفقٍ في الصّيد، وهو مع ذلك كلِّه ليس بذي ريش، وإنما هو لحم وجلد، فطيرانه بلا ريش عجب، وكلما كان أشدَّ كان أعجب.
من أعاجيب الخفاش
ومن أعاجيبه أنّه لا يطير في ضوءٍ ولا في ظلمة، وهو طائر ضعيفُ قُوَى البصرِ، قليلُ شعاعِ العين الفاصِلِ من النَّاظر، ولذلك لا يظهر في الظُّلمة، لأنّها تكون غامرة لضياء بصره، غالبةً لمقدار قوى شعاع ناظره، ولا يظهر نهاراً، لأنَّ بصره لِضعف ناظره يلتمع في شدة بياض النهار، ولأنَّ الشيء المتلألئ ضارُّ لعيونِ الموصوفين بحدَّة البصر، ولأن شعاع الشمس بمخالفة مخرج أصوله وذهابه، يكون رادعاً لشعاع ناظره، ومفرِّقاً له، فهو لا يبصر ليلاً ولا نهاراً، فلما علم ذلك واحتاج إلى الكسب والطُّعم، التمس الوقت الذي لا يكون فيه من الظلام ما يكون غامراً قاهراً، وعالياً غالباً، ولا من الضِّياء ما يكون مُعْشياً رادعاً، ومفرِّقاً قامِعاً، فالتمس ذلك في وقت غروب القُرص، وبقيّةِ الشّفق، لأنّه وقت هيْج البعوض وأشباه البعوض، وارتفاعها في الهواء، ووقت انتشارها في طلب أرزاقها، فالبعوض يخرج للطعم، وطعمه دماء الحيوان، وتخرج الخفافيش لطلب الطعم، فيقع طالبُ رزق على طالب رزق، فيصير ذلك هو رزقه، وهذا أيضاً مما جعل اللّه في الخفافيش من الأعاجيب.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42563
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الأحد يوليو 24, 2011 8:08 pm

علاقة الأذن بنتاج الحيوان
ويزعمون أن السُّك الآذان والممسوحة، من جميع الحيوان، أنها تبيضُ بيضاً، وأنّ كلَّ أشرف الآذان فهو يلد ولا يبيض، ولا ندْري لم كان الحيوان إذا كان أشرفُ الآذان ولد، وإذا كان ممسوحاً باض.
ولآذان الخفافيش حجمٌ ظاهر، وشخوص بيِّن، وهي وإن كانت من الطير فإنَّ هذا لها، وهي تحبل وتلد، وتحيض، وترضع.
ما يحيض من الحيوان
والناس يتقزّزون من الأرانب والضِّباع، لمكان الحيض.
وقد زعم صاحب المنطق أنَّ ذوات الأربع كلَّها تحيضُ، على اختلافٍ في القلَّة والكثرة، والزّمان، والحمرة والصفرة، والرقّة والغلظ، قال: ويبلغ من ضنِّ أنثى الخفافيش بولدها ومن خوفها عليه، أنها تحمله تحت جناحها، وربّما قبضت عليه بفيها، وربّما أرضعته وهي تطير، وتقوى من ذلك، ويقوى ولدُها على ما لا يقوى عليه الحمام والشَّاهْمرْك، وسباع الطير.
معارف في الخفاش
وقال معمرٌ أبو الأشعث: ربَّما أتأمتِ الخفافيشُ فتحمل معها الولدين جميعاً، فإنْ عظُما عاقبتْ بينهما.
والخفّاش من الطير، وليس له منقار مخروط، وله فمٌ فيما بين مناسر السِّباع وأفواه البوم، وفيه أسنانٌ حداد صلاب مرصوفة من أطراف الحنك، إلى أصول الفك، إلاّ ما كان في نفس الخطم، وإذا قبضتْ على الفرخ وعضتْ عليه لتطير به، عرفت ذَرَب أسنانها، فعرفت أي نوعٍ ينبغي أن يكون ذلك العض، فتجعله أزْماً ولا تجعله عضّاً ولا تنْيِيباً ولا ضَغْماً، كما تفعل الهرَّة بولدها، فإنّها مع ذربِ أنيابها، وحدَّة أظفارِها ودِقَّتها، لا تخدش لها جلداً، إلا أنها تُمْسِكها ضرباً من الإمساك، وتأزم عليها ضرباً من الأزم قد عَرفته.
ولكل شيءٍ حدٌّ به يصلح، وبمجاوزته والتقصير دُونه يفسد.
وقد نرى الطَّائر يغوص في الماء نهاره، ثم يخرج منه كالشَّعرة سَلَلْتها من العيجن، غير مبتلِّ الرِّيش، ولا لثقِ الجناحين، ولو أنَّ أرفق الناس رِفقاً، راهن على أن يغمس طائراً منها في الماء غمسةً واحدة ثمّ خلَّى سِربه ليكون هو الخارج منه، لخرج وهو متعجِّن الريش، مُفْسد النظم، منقوضُ التأليف، ولكان أجود ما يكون طيراناً أن يكون كالجادفِ، فهذا أيضاً من أعاجيب الخفاش.
من أعاجيب الخفافيش
ومن أعاجيبها تركها ذرى الجبال وبسيط الفيافي، وأقلاب النخل، وأعالي الأغصان، ودَغل الغياض والرياض، وصُدوع الصّخر، وجزائر البحر، ومجيئها تطلب مساكن الناس وقربهم، ثم إذا صارت إلى بيوتهم وقربهم، قصدت إلى أرفع مكان وأحصنه، وإلى أبعد المواضع من مواضع الاجتياز، وأعرض الحوائج.
طول عمر الخفاش
ثمَّ الخفّاشُ بعد ذلك من الحيوان الموصوف بطول العمر، حتى يجوز في ذلك العُقابَ والورشان إلى النسر، ويجوز حد الفِيَلة والأُسْد وحَميرِ الوحش، إلى أعمار الحيّات.
ومن أعاجيب الخفافيش أنّ أبصارها تصلح على طول العمر، ولها صبرٌ على طول فقد الطُّعم، فيقال إنّ اللواتي يظهرن في القمر من الخفافيش المسنّاتُ المعمَّرات، وإنّ أولادهن إذا بلغن لم تقو أبصارهُنَّ على ضياء القمر.
ومن أعاجيبها أنها تضخم وتجسم وتقبل الشّحم على الكبر وعلى السنّ.
القدرة التناسلية لدى بعض الحيوان
وقد زعم صاحبُ المنطق أنَّ الكلاب السلوقيَّة كلما دخلتْ في السنِّ كان أقوى لها على المعاظلة.
وهذا غريبٌ جداً، وقد علمنا أنّ الغلام أحدُّ ما يكون وأشبقُ وأنكحُ وأحرصُ، عند أوّل بلوغه، ثم لا يزالُ كذلك حتى يقطعه الكبر أو إصفاء أو تعرض له آفة.
ولا تزال الجاريةُ من لدُنْ إدراكها وبلوغِها وحركة شهوتها على شبيه بمقدارٍ واحد من ضعف الإرادة، وكذلك عامَّتهنَّ، فإذا اكتهلن وبلغت المرأة حدّ النَّصَف فعند ذلك يقوى عليها سلطانُ الشَّهوةِ والحرص على الباهِ، فإنما تهيج الكهلة عند سُكون هيج الكهل وعند إدبار شهوته، وكلال حدِّه.
قول النساء في أشباهن في الخفافيش
وأما قول النساء وأشباه النساء في الخفافيش، فإنهم يزعمون أن الخفاش إذا عضَّ الصبي لم ينزع سنه من لحمه حتى يسمع نهيق حمار وحشيٍّ، فما أنسى فزعي من سِنِّ الخفاش، ووحشتي من قربه إيماناً بذلك القول، إلى أن بلغت.
وللنساء وأشباه النساء في هذا وشبهه خرافاتٌ، عسى أن نذكر منها شيئاً إذا بلغنا إلى موضعه إن شاء اللّه.
ضعف البصر لدى بعض الحيوان
ومن الطير وذوات الأربع ما يكون فاقد البصر بالليل، ومنها ما يكون سيّءَ البصر، فأمّا قولهم: إنَّهَ الفأرة والسنّور وأشياء أُخر أبصرُ باللَّيل، فهذا باطل.
والإنسان رديء البصر باللَّيل، والذي لا يبصر منهم باللَّيل تسمّيه الفرْس شبْكُور وتأويلُهُ أنَّهُ أعْمى ليْلٍ، وليْسَ لهُ في لُغةِ العربِ اسم أكثَرُ من أنّه يُقالُ لمنْ لا يُبْصِرُ باللَّيل بعينه: هُدَبِد، ما سمعتُ إلاّ بهذا، فأمّا الأغطش فإنّه السيِّءُ البصر بالليل والنهار جميعا.
وإذا كانت المرأة مُغْرَبَةَ الْعَيْنِ فكانت رديَّة البصر، قيل لها: جَهْراء، وأنشد الأصمعيُّ في الشاء:
بصراً ولا مِنْ عَيْلةٍ تُغنينـي جهراء لا تألو إذا هي أظهرتْ
وذكروا أنَّ الأجهر الذي لا يبصر في الشمس، وقوله لا تألو أي لا تستطيع، وقوله: أظهرت صارت في الظهيرة، والعَيْلة: الفقر، قال: يعني به شاة. وقال يحيى بن منصور، في هجاء بعض آل الصَّعِق:
كيف اقتصاصك من ثأْرِ الأحابيش يا ليتني والمنى ليستْ بمـغْـنـيةِ
أمْ تغْمِضون كإغماضِ الخفافيش أتنكحون مواليهم كمـا فـعـلـوا
وقال أبو الشمقمق، وهو مروان بن محمد:
نٌ وبالبصـرة داري أنا بالأهواز مـحـزو
حيث أهلي وقـراري في بني سعدٍ وسـعـد
صِرُ في ضوء النهار صرت كالخفاش لا أُبْ
وقال الأخطل التغلبيّ:
على الزّاد ألقته الوليدة في الكسرِ وقد غبرَ العَجْلان حيناً إذا بـكـى
فقُبِّح من وجهٍ لئيمٍ ومن حَـجْـرِ فيصبح كالخُفاش يدلـك عـينـه
وقالوا: السحاة مقصورة: اسم الخفاش، والجمع سحاً كما ترى.
لغز في الخفاش
وقالوا في اللُّغز، وهم يعنون الخفّاش:
وقد ذَهَبُوا في الشِّعر في كلِّ مذهبِ أبى شعراءُ النَّاس لا يُخبـرونـنـي
وأظْفارِ يَرْبوعٍ وأنـيابِ ثـعـلـب بجلـدةِ إنـسـان وصُـورةِ طـائرٍ
النهي عن قتل الضفادع والخفافيش
هشامٌ الدَّسْتوائي قال: حدَّثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عبد اللّه بن عمر أنّه قال: لا تقتلوا الضَّفادِعَ فإنَّ نقيقَهُنَّ تسبيح، ولا تقتلوا الخفَّاش فإنَّه إذا خرب بيت المقْدسِ قال: يا ربِّ سلِّطني على البحر حتّى أغرقهم.
حماد بن سلمة قال: حدّثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، قال: قال عبد اللّه بن عمر: لا تقتلوا الخفَّاش، فإنّه استأذنَ في البحر:أن يأخذ من مائه فيطفئ نار بيت المقدسِ حيث حرق، ولا تقتلوا الضَّفادع فإنَّ نقيقها تسبيح.
قال: وحدثنا عثمان بن سعيد القرشي قال: سمعت الحسن يقول: نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن قتل الوَطْواطِ، وأمر بقتل الأوزاغ.
قال: والخفاش يأتي الرُّمانة وهي على شجرتها، فينقب عنها، فيأكل كلَّ شيءٍ فيها حتى لا يدع إلاّ القشر وحده، وهم يحفظون الرُّمَّان من الخفافيش بكلِّ حيلة.
قال: ولحوم الخفافيش موافقةٌ للشواهين والصُّقورة والبوازي، ولكثير من جوارح الطير، وهي تسمن عنها، وتصحّ أبدانُها عليها، ولها في ذلك عملٌ محمودٌ نافعٌ عظيمُ النَّفْع، بيِّنُ الأثر، واللّه سبحانه وتعالى أعلم.

أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42563
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف الموسيقار في الإثنين يوليو 25, 2011 12:21 am

تسلم ياباشا أيوة كده عاوزين ندعم المنتدى بأمهات الكتب

الموسيقار
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 14
عدد المساهمات : 9753
المهارة : 47836
تاريخ التسجيل : 15/04/2010
الكفاءة : 100

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف أحمد بدوى في الإثنين يوليو 25, 2011 10:25 pm


أحمد بدوى
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 20
عدد المساهمات : 7431
المهارة : 42563
تاريخ التسجيل : 16/04/2010
الكفاءة : 0

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كتاب الحيوان المجلد الثالث - للجاحظ

مُساهمة من طرف الموسيقار في الثلاثاء يوليو 26, 2011 12:53 am

الله يباركلك

الموسيقار
سوبر ستار المنتدى

رقم العضوية : 14
عدد المساهمات : 9753
المهارة : 47836
تاريخ التسجيل : 15/04/2010
الكفاءة : 100

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 13 من اصل 13 الصفحة السابقة  1, 2, 3 ... 11, 12, 13

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى